أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش 4-09-2026 حين ينهض القتيل من مرقده: قراءة في سردية «آخر مرة» وميتافيزيقا الضمير المعذب.















المزيد.....

قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش 4-09-2026 حين ينهض القتيل من مرقده: قراءة في سردية «آخر مرة» وميتافيزيقا الضمير المعذب.


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 02:21
المحور: الادب والفن
    


إن للنص السردي الموجز سطوةً لا تدركها العين الغافلة، ولا تنالها القراءة العابرة، بل تتكشف خباياه لمن أنصت إلى صمت الكلمات، وأصغى إلى ما يهمس به البياض بين السطور. وقصة «آخر مرة» للقاصة فاطمة حرفوش ليست من النصوص التي تُروى فتُنسى، بل هي من النصوص التي تنقضّ على الذاكرة انقضاض الطيف في منامٍ مضطرب، فإذا القارئ واقعٌ في أسرها، مسلوبُ الإرادة، يشعر أن ثمة يدًا خفية تنقلب على صدره، ووجهًا غائبًا يحدق في سرّه، وصوتًا يرتفع من قرارة قلبه: أنتَ المعنيّ بهذا النص، فخذ حذرك.
إن المتأمل في هذه القصة القصيرة، بمبناها المحكم ومعناها المفتوح، يجدها تنهض على ثنائية كبرى تتجاذبها أطرافٌ متقابلة: الحضور والغياب، والهرب والمطاردة، والجسد والروح، والواقع والوهم، والرؤية والرؤيا. وهذه الثنائيات ليست مجرد تقابلات شكلية، بل هي عصب النص ونبضه، إذ تمنحه ذلك التوتر الدرامي الذي يجعل القارئ مشدودًا إلى مصير البطل، متلمسًا معه حافة الهاوية، متسائلًا كما يتساءل: أهذا الذي يراه حقيقةٌ أم خيال؟ أقريبٌ هو من النجاة أم قاب قوسين من السقوط في جحيم الذنب الأبدي؟
في بنية النص واقتصاد اللغة
لقد افتتحت القاصة نصها بجملة تأسيسية مكثفة، كأنها صفعة على وجه السكون: «ظل وجهها البريء يطارده، أينما ذهب». وفي هذه الجملة الاسمية المفردة سرٌ بلاغي بديع، إذ إن التعبير بصيغة «ظل» لا «كان» يوحي بثبات الملاحقة وديمومتها، وكأن الهروب من الوجه أمرٌ ممتنعٌ في قانون هذا النص، مكتوبٌ عليه أن يكون الفرار إلى الوراء دائمًا، وأن تكون الحرية قيدًا، والأمان خوفًا. ثم جاء الفعل المضارع «يطارده» ليفتح زمن السرد على استمرارية لا تنقطع، فلا ماضي يستريح إليه البطل، ولا مستقبل يلوذ به، إنما حاضرٌ أبدي من المطاردة المعلقة بين الأرض والسماء، بين الذنب والعقاب.
وحين يأوي البطل إلى بيته، يغلق الأبواب والنوافذ، ويسدل الستائر، إنما يحاول أن يبني سجنًا يحميه من سجنٍ أوسع، لكن من يهرب من وجهٍ ساكن في مرآة روحه كيف يغلقه بمزلاج؟ ومن يفر من صوتٍ عالقٍ في كهوف الذاكرة كيف يسكته بإحكام الجدران؟ هنا تتجلى المفارقة العذابية: البيت الذي يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، يتحول إلى مصيدة للذكرى، والجدران التي يفترض أن تحجب الخارج، تتحول إلى شاشاتٍ تعرض الداخل، والستائر التي ينبغي أن تحجب النور، تستدعي الظلمة التي يتكاثف فيها الطيف حتى يصير أظهر من الشمس.
والقاصة إذ تنتقل من فعل «أغلق» إلى «أسدل» ثم «استلقى» تمنح النص إيقاعًا هابطًا متدرجًا، يوازي هبوط البطل من حالة الفرار الخارجي إلى حالة الانهيار الداخلي، ثم يأتي الفعل «يحاول أن ينام لكن عبثًا» ليكشف أن العذاب قد صار هو اليقظة الدائمة، وأن النوم إنما هو استراحةٌ للأنقياء، أما المذنبون فإنهم محكومون بالأرق، إذ «لا ينام الظلمُ ولا يترك النائمين في سباتهم».
في المرآة: بين الوجه والوجه الآخر
ثم تأتي لحظة الذروة البصرية في النص، لحظة المرآة التي يتجلى فيها المستور، وينكشف فيها المحجوب: «شعر باضطراب كبير يسيطر عليه، وينهش هدوءه، وعندما ذهب لتناول كأس ماء ليهدئ اضطراب أعصابه، لمح بالمرآة صورة امرأة متوشحة بالسواد، وخصلات شعرها الطويل تنسدل على كتفيها برفق كشلال، تدير له ظهرها». ويا لها من لوحةٍ سردية متقنة، تنهض على التضاد بين الحركة والسكون، وبين الحضور الجسدي والغياب المعنوي، وبين الرؤية العينية والبصيرة القلبية!
إن اختيار القاصة للمرآة وسيطًا للظهور ليس اعتباطًا، فالمرآة في التراث الأدبي والفلسفي رمزٌ للمعرفة الذاتية، وهي الحد الفاصل بين الذات وصورتها، وبين الحقيقة وظلها، وبين المرء وما يريد أن يراه من نفسه. وحين يرى البطل المرأة في المرآة، فإنه لا يرى غير ذاته، ولا يرى إلا ما زرعه في باطنه من جريمة، فالمرأة ليست ضحيةً خارجية فحسب، بل هي الصورة التي سترافقه ، لأنها في الحقيقة جزء منه، ضميره المتجسد، وذكراه التي ترفض الانطفاء.
أما وصفها بأنها «متوشحة بالسواد» ففيه دلالة مزدوجة: السواد لون الحداد على موتها، ولون الذنب الذي يلطخ ضميره، ولون المجهول الذي يحيط بمصيره. وفيه أيضًا صدىً أسطوريًا للأخوات الثلاث اللواتي يقطعن خيط الحياة في الميثولوجيا الإغريقية، إذ يرتدين السواد ويحملن المقص، فكأن هذه المرأة المتوشحة بالسواد قد جاءت لتقطع خيط حياة قاتلها، أو لتعلن أن خيط حياته صار مرهونًا بيدها. أما خصلات شعرها التي «تنسدل على كتفيها برفق كشلال» فإنها صورةٌ شعرية بديعة تجمع بين النعومة والرعب، بين الجمال والهيبة، فالشعر الشلالي يستدعي صورة الماء، والماء في الأحلام والرؤى رمزٌ للتطهير من جهة وللغرق من جهة أخرى، فهل هو قادم لتطهير ذنبه، أم لإغراقه في بحر عقابه؟
وإذا كانت المرأة «تدير له ظهرها» فإن في ذلك إحالةً إلى معنى ميتافيزيقي دقيق: الحقيقة التي تدير ظهرها لا يمكن الإمساك بها، والعدالة التي تلتفت لا يمكن الفرار منها، والوجه الذي لا يُرى أشد رعبًا من الوجه الذي يُرى، لأن الغياب هنا أبلغ من الحضور، والالتباس أوجع من الوضوح. ثم إن هذا الظهر المستدير قد يكون استعارةً عن استدبار الدنيا لمن ملأها ظلمًا، وعن انصراف الرحمة عمن لم يرحم نفسه حين ارتكب فعلته.
في جمالية الصوت والصدى
وحين يصرخ البطل: «آه.. أنت كيف.. كيف جئت إلى هنا؟! ثم تراجع للخلف وأردف بقوله: أنا تركتك هناك.. كيف خرجت منه مستحيل لا.. لا يمكن»، نجد أن لغة البطل تنكسر، وترتبك، وتتلعثم، فكأن الجريمة قد أصابت لغته بالخرس الجزئي، وجعلت منطقه عاجزًا عن مجابهة الحقيقة. إن هذا التهتهة اللغوية ليست ضعفًا أسلوبيًا في النص، بل هي بلاغة الموقف في أصدق تجلياتها، إذ أن المذنب حين يواجه فعلته، تتشظى لغته، وتضطرب جمله، وتتقاصر كلماته عن التعبير، فيصير الصمت هو اللغة الأبلغ، والتلعثم هو الفصاحة الكبرى.
وفي قوله: «أنا تركتك هناك» اعترافٌ دفين يتسرب من بين سطور الإنكار، فالبطل لم يقل «لم أقتلك»، ولم يقل «ما علاقتي بك»، بل قال «تركتك هناك»، وكأن في كلمة «تركتك» ما يشي بأنه كان يعرف المكان، وأنه كان حاضرًا وقت وقوع الجريمة، وأن الترك إنما هو فعلٌ مقصود، يتجاوز الفرار إلى فعل الدفن أو الإخفاء. ثم تأتي عبارة «كيف خرجت منه» لتفضحه أكثر، إذ أن الضمير «منه» يعود على مكانٍ ما، ربما قبر، أو بئر، أو حفرة، أو غرفة موصدة، مما يعني أن ثمة مكانًا مغلقًا كان قد أودعها فيه، فخرجت منه كما يخرج الحق من فم الظلم، وكما يخرج الضوء من شقوق العتمة.
ثم حين يلتفت للخلف «ليمسك بها، فلم ير شيئًا»، نجد أنفسنا أمام مشهدٍ مسرحي خالص، فالمذنب يحاول الإمساك بالحقيقة المتجسدة، لكنها تفلت منه في اللحظة التي يظن فيها أنها بين يديه. أليست هذه هي طبيعة الحقيقة؟ كلما ظننا أننا أمسكنا بها، تبخرت كالسراب، وكلما توهمنا أننا قبضنا عليها، تركت في أيدينا فراغًا أشد إيلامًا من غيابها.
في بلاغة التعليل والخداع الذاتي
ثم يرتد البطل إلى تبرير ما حدث تعليلًا يعصمه من مواجهة ذاته، فيقول: «آه.. يبدو أنه يخيل لي، لمس جبينه فشعر بحرارة مرتفعة». إن هذه الحرارة المرتفعة ليست حرارة المرض الجسدي، بل هي حرارة الضمير المتقد، وحرارة الذنب الملتهب، وحرارة الهروب الذي أنهك جسده وروحه معًا. والجسم المذنب كثيرًا ما يحيل آلام الروح إلى أعراضٍ جسدية، فتشتد الحرارة، وتتسارع النبضات، ويتصبب العرق، وترتجف الأيدي، كأن الجسد يفضح ما حاول اللسان أن يخفيه، وكأن الأعضاء تشهد على صاحبها يوم لا ينفع الكلام.
وحين يعمد البطل إلى المسكنات «الملقاة على منضدة صغيرة قرب سريره» ففي ذلك دلالة على أن هذا الألم ليس طارئًا، بل هو مزمن متكرر، جعل من المسكنات رفيقًا دائمًا، وأهلَ البطل للتعايش مع عذابه. إن المسكن هنا ليس دواءً للجسد فحسب، بل هو هروبٌ آخر، وخداعٌ مستمر، إذ يظن البطل أنه يستطيع أن يخدّر ضميره كما يخدّر جسده، لكن الضمير أشد رسوخًا من أن يخدعه دواء، وأبقى من أن يطفئه منوم.
في الورقة المعطرة: رسالة من العالم الآخر
ثم تأتي الخاتمة المدهشة التي تقلب النص رأسًا على عقب: «على سريره وُجدت صباحًا ورقة معطرة صغيرة كُتب عليها بخط يد جميل: آخر مرة ستراني بها...». ويا لها من نهايةٍ تجمع بين القص الغرائبي والرمز الصوفي والإيحاء الفلسفي! فالورقة المعطرة الصغيرة ليست مجرد ورقة، بل هي سفارة من عالمٍ آخر، رسالةٌ قادمة من جهة لا تعرف البريد ولا المراسلين، تصل إلى سريره في غفلة الليل، كأنها طيفٌ انسل من بين مسام الجدران، أو قبضة روحٍ فتحت الأبواب المغلقة بلا مفاتيح.
و«الخط الجميل» هنا مثير للدهشة، إذ كيف لضحيةٍ قتلت أن تكتب بخط جميل؟ وكيف لامرأة مفقودة أن تترك أثرًا على الورق كأنها حية ترزق؟ إن هذا الجمال الخطي يوحي بأن الجريمة لم تمسّ الروح، وأن القتيلة بقتلها قد تحررت من الجسد لتغدو روحًا قادرة على الكتابة، وعلى توجيه الرسائل، وعلى مطاردة القاتل في يقظته ومنامه. ولعل في هذا العطر الذي يفوح من الورقة توقيعًا روحيًا شخصيًا، يشبه البصمة، فالعطر هو الأثر الذي لا يراه الآخرون، لكنه يملأ المكان حضورًا، فكأن القتيلة تقول لقاتلها: «أنا هنا، وإن لم ترني، فإنك ستشمني، وإن أغفلت عينيك عني، فإن أنفاسك ستستنشقني، وإن دفنت جسدي، فإن أثر روحي سيلوث فراشك، وسيسكن سريرك، وسيظل عالقًا في أثير غرفتك إلى الأبد».
أما عبارة «آخر مرة ستراني بها» فهي الجملة المفتاحية التي يتقاطع عندها كل المسارات الدلالية للنص. إنها جملة تحتمل أوجهًا متعددة: قد تكون تهديدًا بأن الرؤية القادمة ستكون في العالم الآخر، حيث لا هرب ولا مفر، وقد تكون وعدًا بالرحيل النهائي، كأن القتيلة بعد أن أوصلت رسالتها قررت أن تنسحب من مسرح المطاردة، لتترك القاتل وحيدًا مع فراغها، وربما كان هذا أشد أنواع العذاب، إذ أن حضور الطيف مؤرق، لكن غيابه بعد أن كان حاضرًا أعنف أرقًا، فمن يفتح عينيه فلا يرى شيئًا، ويرى في اللا شيء ما كان يراه، ذلك هو المسكون بلعنة الضمير في أعلى درجاتها.
في البعد الفلسفي: الضمير والعدالة والوجود
وإذا ما انحدرنا إلى الأعماق الفلسفية للنص، وجدنا أن «آخر مرة» تمثل حقلًا خصيبًا لتأمل قضية الضمير بوصفه الشاهد الذي لا يُرشى، والقاضي الذي لا يُخدع، والجلاد الذي لا يكلّ. لقد قال الفلاسفة الوجوديون: «الإنسان محكوم عليه بالحرية»، وما من حرية بلا مسؤولية، وما من مسؤولية بلا قلق، فالبطل في القصة يدفع ثمن حريته الأولى، تلك التي اختار بها ارتكاب الجريمة، حينها لم يكن يعرف أن لكل حرية ثمناً، وأن لكل اختيار أثرًا، وأن لكل جريمة ظلًا يطارد صاحبه كأنه قرينه.
أما الفكر الديني، بنصوصه وإشاراته، فيرى أن «القاتل لا يرث» وأن «من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله». إن هذه القصة تستعيد، بلغةٍ أدبية رفيعة، تلك الحقيقة الدينية الكبرى: أن الجريمة لا تموت بموت الضحية، وأن القاتل يظل محملاً بجثته إلى يوم الحساب، وأن الوجه المقتول يظل مطبوعًا في ضمير القاتل كالوشم، لا تزيله مياه التوبة إلا إذا صدقت، ولا تمحوه أيدٍ إلا إذا امتدت إلى الله بها.
وفي قلب القصة بُعدٌ ميتافيزيقي لا يمكن تجاهله، وهو أن العالم المحسوس ليس هو العالم الوحيد، وأن بين جدران الواقع شقوقًا تتسرب منها العوالم الأخرى، وإن شئنا دقة قلنا: إن القتيلة خرجت من قبرها لتدخل في وعي قاتلها، وإن لم تخرج من قبرها جسدًا، فإنها خرجت منه معنىً، إذ أن الموت لا يلغي الوجود، بل ينقله من صورة إلى صورة، ومن حال إلى حال. ولعل هذا ما عبّر عنه الفلاسفة الروحانيون بقولهم: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، فالروح التي قتلت لا تستطيع أن تنسى، لأن الأرواح لا تنسى ما فعله بها الآخرون، والروح التي قتلت لا تستريح حتى يقع القصاص، سواء أكان قصاص القانون أم قصاص الندم.
في ختام النقد: النص بوصفه مرآة للقارئ
إن قصة «آخر مرة» بهذا كله، ليست حكاية عن رجل يطارده طيف امرأة فحسب، بل هي حكاية عن كل إنسان يحمل في داخله قبرًا، وكل ضمير يسكنه وجه يرفض أن يموت. إنها حكاية عن القارئ نفسه، إذ أن كل منا قد قتل شيئًا ما في حياته: قتل الحقيقة مرة، وقتل المحبة مرة، وقتل الإنسانية مرة، وقتل البراءة في داخله مرات ومرات. ثم حاول أن يغلق الأبواب، ويسدل الستائر، ويأكل المسكنات، لكن الوجه المقتول في أعماقه كان يطارده أينما ذهب.
وما أشبه البطل إذن بأولئك الذين يحسبون أن النسيان قرارٌ يمكن اتخاذه، بينما النسيان خيانةٌ للذاكرة، والذاكرة هي الوجه الآخر للعدالة، ومن خنق ذاكرته خنق نفسه، ومن فر من ندمه عاش ميتًا، ومشى مدفونًا، وتكلم أخرس، وبقي أسيرًا لظلٍ لا يغيب.
وهكذا تظل «آخر مرة» نصًا شعريًا بامتياز، يذكرنا بأن القصة القصيرة حين تكتمل عناصرها، وتتسع رؤيتها، وتتعمق دلالاتها، تصير أشبه بمصحفٍ صغير يضم بين دفتيه أسرار الروح، وحين نغلقها نجد أنفسنا قد فُتحت أمامنا أبوابٌ من التساؤلات لا تغلق، ونُهديت مرايا من التأملات لا تنكسر. لقد كتبت فاطمة حرفوش نصًا لا يطارد بطله وحده، بل يطارد كل قارئ حي الضمير، ويستدرجه إلى مواجهة وجوهٍ كان يظن أنها دفنت، فإذا بها تخرج من المرايا، ومن الورق المعطر، ومن صمت الأسطر، لتقول له بلغة الأموات الأحياء:
«آخر مرة ستراني بها... فاحذر أن تكون هذه المرة الأخيرة».
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
4/09/2026
*******************
ق ق
" أخر مرة"
ظل وجهها البريء يطارده، أينما ذهب،
دخل بيته، وأغلق الأبواب والنوافذ بإحكام، وأسدل الستائر.
ثم استلقى على سريره، وحاول أن ينام لكن عبثاً..
نهض من سريره فجأة مرعوباً، وصوتها يدوي في سمعه لن تستطيع أن تفر مني!.
التفت حوله فلم ير شيئاً، خاطب نفسه والدهشة تعقد لسانه: ياالله ماذا يحصل لي!..
شعر بإضطراب كبير يسيطر عليه، وينهش هدوءه، وعندما ذهب لتناول كأس ماء ليهدئ اضطراب أعصابه، لمح بالمرآة صورة امرأة متوشحة بالسواد، وخصلات شعرها الطويل تنسدل على كتفيها برفق كشلال، تدير له ظهرها..
شهق بقوة وهمس بصعوبة: آه.. أنت
كيف.. كيف جئت إلى هنا؟!.
ثم تراجع للخلف وأردف بقوله:
أنا تركتك هناك.. كيف خرجت منه مستحيل لا.. لا يمكن.
التفت للخلف ليمسك بها، فلم ير شيئاً
آه.. يبدو أنه يُخيل لي، لمس جبينه فشعر
بحرارة مرتفعة.
عاد إلى سريره والعرق يتصبب من وجهه كالمطر، وأمسك بيده المرتعشة كأس ماء وتناول بعض حبات المسكن، كانت ملقاة على منضدة صغيرة قرب سريره، بلعها بصعوبة، واستلقى على سريره، بعد محاولات عديدة يائسة للنوم استسلم أخيراً له وغط بنوم عميق.
على سريره وُجدت صباحاً ورقة معطرة صغيرة كُتب عليها بخط يد جميل،
أخر مرة ستراني بها...



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س ...
- دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ ...
- طقوسُ الشاي المُقدَّسة
- قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي ...
- قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال ...
- وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة ...
- قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ ...
- قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال ...
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور


المزيد.....




- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن -مذكرات رضيعة- لسناء الشّعلان في جا ...
- استعمار الخرائط.. أفريقيا تطالب العالم برؤية حجمها الحقيقي


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش 4-09-2026 حين ينهض القتيل من مرقده: قراءة في سردية «آخر مرة» وميتافيزيقا الضمير المعذب.