أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة سلوى الفيلالي 3-9-2026 سراج الروح في محراب الأمان: مقاربة نقدية تأويلية تتوغل في طبقات النص ومداراته الدلالية















المزيد.....



قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة سلوى الفيلالي 3-9-2026 سراج الروح في محراب الأمان: مقاربة نقدية تأويلية تتوغل في طبقات النص ومداراته الدلالية


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 18:34
المحور: الادب والفن
    


قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة سلوى الفيلالي 3-9-2026
سراج الروح في محراب الأمان: مقاربة نقدية تأويلية تتوغل في طبقات النص ومداراته الدلالية
حين تتوارى الأسماء خلف أستار المعاني، ويصمت البيان أمام جلال المشاعر، تنبثق القصيدة من رحم الصمت لتعلن ما عجزت عنه اللغات؛ فتكون الكلمة فيها ظلا لمعنى عصي على الاحتواء، ويكون الإيقاع نبضا مسربلا بالسكينة، ويصير السجع صدى لروح تعلمت أن تحب بصمت الواثقين، لا بضجيج المتعجلين. وفي هذه المدينة الشعرية التي شيدتها الشاعرة سلوى الفيلالي بقصيدتها «شيء يشبه الأمان»، نقف أمام نص يتوشح بالبديع والبيان، وينهل من معين البلاغة العربية الأصيلة، ليقدم لنا تجربة وجدانية فريدة، حيث الحب ليس مجرد عاطفة عابرة، بل وطن روحي يأوي إليه القلب المتعب، وسر إلهي يختبئ في ثنايا القدر. وإننا إذ نتأهب لمقاربة هذا النص نقديا، فإننا نستدعي عدة من المناهج النقدية الحديثة والقديمة، متوشحين بأدوات التحليل البنيوي والسيميائي، ومستعينين بمفاهيم التلقي وجمالياته، ومستنطقين مكنونات النفس في ضوء المنهج النفسي، ومتأملين أبعاد التجربة الأنثوية في الكتابة الشعرية، لننتهي إلى أننا أمام نص يستعصي على الاختزال، ويتفتح على قراءات متعددة، كما يتفتح البستان على أزهار شتى، بل كما تتفتح السماء على أنوار وأسرار لا تحصر في أفق واحد.
لقد استهلت الشاعرة نصها باعتراف مراوغ، إذ قالت: «وكان في القلب شيء لا أسميه / كأنه من خفي الروح كتمان»، فكان هذا الاستهلال بمثابة مفتاح سحري لعالم القصيدة؛ فالشاعرة ترفض منذ البداية أن تمنح هذا الشعور اسما محددا، كأنما تدرك أن التسمية سجن، وأن الحب الحقيقي أوسع من أن يحتوي في لفظة، فهو شيء «من خفي الروح كتمان»، وهذا الكتمان ليس عجزا عن البيان، بل قمة في الإدراك الجمالي؛ لأن أسمى المشاعر ما بقي عصيا على اللغة، ساكنا في حريم الروح، لا تناله أيدي الكلمات الجائعة إلى التعريف والتحديد. وفي ضوء المنهج التفكيكي، يمكننا أن نقرأ هذا الاستهلال بوصفه مقاومة لسلطة المركزيات الدلالية؛ فالشاعرة ترفض المركزية اللغوية التي تصر على تسمية الأشياء وتحديد هوياتها، وتبني عالمها الشعري على أساس اللاتسمية، واللاتحديد، والانفلات من قيود الدلالة المغلقة؛ فالشيء الذي لا يسمى هو المركز الغائب الذي يدير النص من خلف ستور الصمت، ويمنحه طاقته الشعرية الكامنة في المقاومة الدائمة للقبض على المعنى وتثبيته.
وإذا انتقلنا من المستوى الدلالي إلى المستوى السيميائي، وجدنا أن النص يشتغل على منظومة من العلامات المتضادة التي تتصارع وتتكامل في آن واحد: علامة القلب في مقابلة علامة الروح، وعلامة الكتمان في مقابلة علامة البوح، وعلامة الحضور في مقابلة علامة الغياب، وعلامة الأمان في مقابلة علامة الخوف. وهذه الثنائيات الضدية ليست مجرد تقابلات لفظية عابرة، بل هي بنى عميقة تنظم الخطاب الشعري وتمنحه تماسكه الدلالي والجمالي معا؛ فالنص يتحرك من حالة الفقد والقلق إلى حالة الامتلاء والسكينة، ومن وعي الذات بهشاشتها إلى وعيها باكتمالها في حضرة الآخر، وهذا الانتقال يمثل الحركة الجوهرية للنص، ويضفي عليه طابعا سرديا خفيا، وإن بدا في ظاهره وقفة تأملية خالصة.
ثم تمضي الشاعرة في سبك صورها البيانية بعناية فائقة، فإذا بالحنان يمر بظل هذا الشعور، فيخفت الكلام، ويتيه البيان: «شيء إذا مر الحنان بظله / خفت الكلام، وتاه فيه البيان»، وهذه استعارة مكنية بارعة حيث شخصت الحنان بالمرور، وجعلت للكلام خفوتا كالسراج الذي تخفته الرياح، وجعلت البيان يتيه كالغريق في لجة المعاني وفي هذا إيماء بليغ إلى أن هناك لحظات وجدانية يعجز فيها اللسان عن الوصف، ويقف البيان مذهولا أمام سطوة الشعور، فلا يملك إلا الصمت الموقر بالجلال. وهذا الموقف يتسق تماما مع ما ذهب إليه أهل النظرية التأثيرية في النقد، الذين يرون أن العمل الأدبي العظيم هو الذي يستطيع أن يحدث في نفس المتلقي أثرا وجدانيا عميقا، وأن هذا الأثر قد يتجاوز حدود اللغة المنطوقة إلى ما هو أعمق وأبعد، فالشاعرة هنا لا تنقل إلينا معنى جاهزا، بل تورثنا تجربة وجدانية نعيشها معها، ونتحول بها من قراء متفرجين إلى شركاء في المعاناة والاكتشاف.
وتكشف الشاعرة عن تجربتها بأن هذا الحضور لم يكن «طيفا عابرا في المهجة»، بل كان «سر الماء بعد ظمآن»، وهذه استعارة تشبيهية موغلة في البيان، حيث جعلته ماء، بل سره الخفي الذي لا يعرفه إلا من ذاق الظمأ، فهو ليس مجرد ارتواء عابر، بل هو الكنز الروحي الذي يدركه المحتاجون إليه بصدق المعاناة، ووفاء الفاقة. ولو شئنا أن نقارب هذا المقطع من زاوية النقد الثقافي، لوجدنا أن الشاعرة تعيد إنتاج الماء بوصفه رمزا ثقافيا عريقا في الوجدان العربي، غير أنها لا تكتفي بدلالته المتداولة المرتبطة بالكرم والحياة، بل ترقيه إلى مرتبة «السر»، فتجعل من الحبيب حاملا لسر الحياة نفسه، ومن اللقاء به كشفا لما هو أعمق من الماء، أي كشفا للجوهر الخفي الذي يحيي الروح بعد طول ظمأ. وهكذا تتحول تجربة الحب عند الشاعرة من مجرد لقاء عاطفي إلى لحظة انكشاف وجودي، ينجلي فيها عن الروح ما أضناها من «طول التوجس والأحزان».
وفي المقطع الخامس تبلغ الصورة الشعرية ذروتها في التجسيد والتشخيص، إذ تقول الشاعرة: «ولك المراسي في يديك كأنها / وعد الوصول إذا تعبت من الزمان»، فتجعل من يدي الحبيب مراسي، ومن المراسي وعدا بالوصول، ومن الوصول خلاصا من تعب الزمان وهي استعارة مكنية تحمل في طياتها كل معاني الأمان والسكينة والاطمئنان، وتحول الحبيب إلى مينة نجاة وملاذ في بحر الحياة المتلاطم. وهذا التصوير يفتح الباب أمام قراءة نفسية عميقة، فالمرأة التي أنهكها التوجس وطال بها الحرمان، تجد في الحبيب مرساة لقلقها الوجودي، وسندا لهشاشتها الإنسانية، وملاذا من عبء الزمان وثقل الأيام. وهذا ما يحيلنا إلى مفهوم «الحاجة إلى الأمان» في علم النفس الإنساني، حيث يعتبر ماسلو الحاجة إلى الأمان من الحاجات الأساسية التي تتقدم على غيرها من الحاجات النفسية العليا، فالشاعرة إذن لا تبحث عن الحب بوصفه متعة عابرة، بل تبحث عنه بوصفه ضمانا وجوديا يمنحها الشعور بالاستقرار والسكينة في عالم مضطرب.
ولا تكتفي الشاعرة بذلك، بل تمضي في تصوير أثر هذا الحضور على ذاتها، فتقول: «حتى غدوت، كأنني في ظله / أنثى لها بين النجوم مكان»، فتجعل من ظله سماء تعلو فيها، ومن ذاتها نجمة تتبوأ مكانها بين الأفلاك وهذا تشبيه تمثيلي رائع يجسد تحول المرأة بالحب من كائن أرضي مثقل بالهموم إلى نجمة سماوية تسبح في فلك الكرامة والصون، وهو ما تؤكده بقولها: «أنثى جديرة أن تصان كأنها / سر مقدس لا يباح ولا يهان»، فتجعل منها سرا مقدسا، ومن الحب عبادة، ومن الصون طقوسا لا تنفك عنها روح المحب الواعي بقيمة ما يملك. وهذا المقطع بالذات يستدعي مقاربة نسوية في النقد الأدبي؛ فالشاعرة، من خلال وعيها بذاتها الأنثوية، تقدم رؤية مغايرة لتجربة الحب، تتجاوز بها الصورة النمطية للمرأة الموضوع التي تنتظر اعتراف الآخر بها، إلى صورة المرأة الذات التي تعي قيمتها الذاتية، وتدرك أنها «جديرة أن تصان»، وأنها «سر مقدس» لا ينبغي أن يباح أو يهان. فالحب عندها ليس تنازلا عن الذات، بل هو تأكيد لها وليس اضمحلالا في الآخر بل تحقق للذات في أعلى مراتب كرامتها.
ثم تنتقل الشاعرة إلى تفصيل صفات الحبيب، فتجعل الود عنده ليس «حرفا عابرا» تجري به شفتان، بل هو نبض صامت يروى ولا يحتاج إلى طول لسان وفي هذا إيثار لفضيلة الصمت الواعي على ضجيج الكلام الفارغ وهو موقف وجداني عميق يتسامى على سطحية العلاقات التي تقوم على الألفاظ المنمقة دون أفعال تصدقها. وتتبع ذلك بتشبيه الوفاء بالنخل الشامخ الذي لا تعروه «ريح هوان»، وهي استعارة تشبيهية تستحضر صورة النخلة في الثقافة العربية كرمز للأصالة والصمود والكرم والاستقلال، فتجعل من الوفاء كالنخلة في شموخها، لا تنال منها الرياح العاصفة بالهوان. وهذا الاستحضار للرمز الثقافي يجعلنا ندرك أن النص لا ينبع من فراغ ثقافي، بل هو متجذر في تراث عربي عريق يرى في النخلة مثالا للقيم النبيلة التي لا تتزعزع أمام العواصف.
وتبلغ القصيدة ذروتها الفنية في تصوير الحب كموطن لا يستباح، حيث تقول الشاعرة: «علمتني أن المحبة موطن / لا يستبيح حماه طيش المستهام»، فتجعل من المحبة وطنا له حمى وقدسية وترفض أن يكون الحب ميدانا للطيش والاستهام الأرعن، بل هو فضاء للأمان والسكينة والاطمئنان وهذا تحول مفهومي عميق في تجربة الحب، ينقلها من فوضى العاطفة إلى نظام الوطن، ومن طيش الاستهام إلى رصانة الالتزام. ولو أردنا أن نطبق هنا مفهوم «أفق التوقع» الذي بلوره هانس روبرت ياوس في نظرية التلقي، لوجدنا أن الشاعرة تكسر أفق توقع المتلقي التقليدي الذي اعتاد أن يرى الحب في القصيدة العربية تجربة انفعالية مضطرمة، تتسيدها لغة الوجد والصبابة واللوعة، فهي تقدم لنا بدلا من ذلك تجربة حبية ناضجة واعية، تتسيدها لغة الأمان والسكينة والاطمئنان وهذا الكسر لأفق التوقع هو ما يمنح النص قيمته الإبداعية ويجعله نصا متفردا في مداره.
وفي خاتمة القصيدة تبلغ الشاعرة قمة البيان والبديع، حيث تقول: «وكأن ربي حين ساقك لخافقي / أخفى رسالته، وسماها: أمان»، فتجعل من الحبيب رسالة إلهية خفية ومن اللقاء قدرا مكتوبا بعناية السماء ومن الحب أمانا إلهيا مهدى إلى قلب أتعبته امتحانات الزمان. وهي خاتمة تجمع بين البعد الروحي والجمال البياني في توازن بديع وتختم القصيدة بالعودة إلى مطلعها، في محسن بديعي يسمى رد العجز على الصدر، حيث تعود إلى «الشيء الذي لا يسمى» والذي «يشبه الأمان»، فتكتمل الدائرة الفنية للنص في إطار محكم من الوحدة العضوية التي تجعل من القصيدة بناء متكاملا لا تتخلخل عراه، ولا تنفك حلقاته. وهذا الختام يستدعي قراءة روحية صوفية، فالشاعرة تحيلنا إلى مفهوم القدر والعناية الإلهية، وتجعل من الحب عطية سماوية لا يستحقها إلا من صبر على طول الامتحان وهذا ما يذكرنا بمفهوم «الحب الإلهي» في التراث الصوفي العربي، حيث يكون الحب طريقا للوصول إلى السكينة الروحية وبابا للفناء في الأمان الإلهي المطلق.
وعلى صعيد البناء اللغوي، تتميز القصيدة بسجع أنيق وإيقاع شفيف ينساب انسياب الماء الرقراق وموسيقى خارجية متناغمة في القوافي وموسيقى داخلية متوقدة في المعاني والصور، مما يجعلها تحلق بالقارئ في فضاءات وجدانية سامقة وتضعه أمام تجربة شعرية ناضجة، تراوح بين البيان والبديع والمعنى في تكامل متين. وهذا التماسك الشكلي ليس غاية في ذاته، بل هو خادم للمعنى ومعبر عن جوهر التجربة الشعرية فالسجع المتوالي والقافية المتكررة والإيقاع الهادئ، كلها عناصر توازي حركة المعنى المنساب من القلق إلى السكينة ومن الظمأ إلى الارتواء ومن التوجس إلى الأمان. وفي ضوء النظرية الشكلانية التي تعنى بدراسة الأشكال الأدبية ووظائفها، يمكننا القول إن الشاعرة استطاعت أن توظف الشكل الشعري خير توظيف لخدمة المضمون، فجاء النص في وحدة عضوية متكاملة، لا ينفصل فيها الشكل عن المضمون ولا الجمال عن المعنى.
وختاما، فإن قصيدة «شيء يشبه الأمان» للشاعرة سلوى الفيلالي تمثل نصا شعريا ثريا قابلا لمقاربات نقدية متعددة، تتراوح بين البنيوية والتفكيكية والسيميائية والنفسية والثقافية والنسوية والتلقية والشكلانية والصوفية، وهذا التعدد في أفق القراءة هو ما يشهد للنص بعمقه وأصالته. فالشاعرة لم تكتف بأن تنقل إلينا قصة حب، بل ارتقت بنا إلى فلسفة الحب نفسه وجعلت من القصيدة رسالة في معنى الأمان الذي يمنحه الحب الصادق للروح المتعبة، فجاءت كلماتها سراجا يضيء دروب الباحثين عن ملاذ روحي في زمن فقد فيه الحب معناه الأصيل. ولعل أجمل ما في هذه القصيدة أنها لم تسقط في فخ المباشرة العاطفية ولم تنجرف إلى الاستعارات المستهلكة، بل بنت عالمها الشعري من خامات وجدانية أصيلة وصاغته بلغة رصينة أنيقة وخيال محلق واسع وبديع مقتصد غير متكلف، مما جعل النص يقف على أرض صلبة من الجمال والصدق معا، إنها قصيدة تستحق أن تقرأ قراءات متعددة وأن تدرس دراسات متعمقة، لأنها في نهاية المطاف، ليست مجرد قصيدة في الحب، بل هي قصيدة في معنى الوجود نفسه وفي بحث الإنسان الدائم عمن يمنحه الأمان في عالم لا يعرف معنى السكينة.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
3/09/2026
***********************
القصيدة:
شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان
وكانَ في القلبِ شيءٌ لا أُسمّيهِ
كأنَّهُ من خفيِّ الروحِ كِتمانْ
شيءٌ إذا مرَّ الحنانُ بظلِّهِ
خَفَتَ الكلامُ، وتاهَ فيهِ البيانْ
ما كنتَ طيفًا عابرًا في مهجتي
بل كنتَ سرَّ الماءِ بعدَ ظمآنْ
أتيتَ، فانزاحتْ عن الروحِ التي
أضناها طولُ التوجّسِ، الأحزانْ
ومشيتَ في دربِ الحياةِ كأنّما
في خطوِكَ المأمونِ سرُّ اطمئنانْ
ولكَ المراسي في يديكَ كأنّها
وعدُ الوصولِ إذا تَعِبْتُ منَ الزمانْ
وفي حضورِكَ لا أخافُ منَ المدى
فالظلُّ ظلُّكَ، والملاذُ مكانْ
حتى غدوتُ، كأنني في ظلِّهِ
أنثى لها بينَ النجومِ لها مكانْ
أنثى جديرةُ أن تُصانَ كأنّها
سرٌّ مقدّسٌ لا يُباحُ ولا يُهانْ
إن أودعتْ وجعَ الفؤادِ بكفِّهِ
نامتْ جراحُ الروحِ فوقَ أمانْ
فالودُّ عندَكَ ليسَ حرفًا عابرًا
تجري بهِ شفَتانِ ثمَّ يَفوتانْ
والاهتمامُ لديكَ نبضٌ صامتٌ
يُروى، ولا يحتاجُ طولَ لسانْ
والوفاءُ لديكَ شيءٌ شامخٌ
كالنخلِ؛ لا تعروهُ ريحُ هوانْ
وإذا اقتربتُ منَ الأسى، وجدتُ في
كفّيكَ للروحِ الكسيرةِ شطآنْ
فكأنَّ ظهري حينَ مالَ منَ العنا
وجدَ السندَ، واستراحَ منَ الحرمانْ
علّمتني أنَّ المحبةَ موطنٌ
لا يستبيحُ حماهُ طيشُ المستهامْ
وأنَّ أجملَ ما يكونُ حضورُنا
أن نمنحَ الأرواحَ حقَّ أمانْ
ما كانَ سرُّ الميلِ بينَ جوانحي
قولًا يُقالُ، ولا قصيدةَ مُستهانْ
بل كانَ فيكَ منَ المروءةِ روضةٌ
سكنتْ شغافَ القلبِ دونَ استئذان
فأنتَ لستَ حكايةً في خاطري
تُروى، وتنتهي، ولا أثرٌ يُصانْ
أنتَ الذي جعلَ السكينةَ موطنًا
وجعلَ من نبضِ الفؤادِ لهُ أذانْ
وكأنَّ ربّي حينَ ساقَكَ لخافقي
أخفى رسالتَهُ، وسمّاها: أمانْ
فابقَ كما أنتَ؛ فبعضُ الأرواحِ لا
تُهدى، ولكنْ تُستدلُّ بها الجِنانْ
وإذا سألوا القلبَ يومًا: ما الذي
أبقاكَ حيًّا بعدَ طولِ امتحانْ؟
قلْ: ذاكَ شيءٌ لا أُسمّيهِ الهوى،
لكنَّهُ في الروحِ شيءٌ يُشبهُ الأمان
سلوى الفيلالي

Saloua Filaly‎‏.
الدكتور طه عبد الرحمن…
أيُّها العابرُ في دهاليز النصِّ بمِصباحِ ناقدٍ، وفي دهاليز الروحِ بمِسبارِ شاعرٍ…
ماذا أقولُ لقلمٍ لم يقرأ قصيدتي فحسب، بل استنطقَ صمتَها، ونبشَ طبقاتِها، وأعادَ إلى خباياها أسماءَها التي أخفيتُها عن اللغة؟
لقد دخلتَ إلى «شيءٍ يشبهُ الأمان» لا قارئًا يقفُ على شاطئ النص، بل غائصًا في أعمقِ مياهه؛
فلم تلتقطْ اللآلئَ من سطحِ الكلام، وإنما هبطتَ إلى قاعِ المعنى، ثم صعدتَ وفي كفّيكَ ما لم أكن أعلمُ أنني أودعتُهُ في القصيدة.
أيُّ نقدٍ هذا الذي يجعلُ النصَّ، بعد قراءته،
يعودُ إلى صاحبتهِ غريبًا عنها،
كأنَّ الناقدَ لم يقرأ ما كتبتُ،
بل قرأ ما كان القلمُ يتلعثمُ في قولهِ ولم يستطع أن يبوح؟
لقد أدهشتني قراءتُك لأنكَ لم تضع القصيدةَ تحت مشرطِ النقد،
بل وضعتَ النقدَ في محرابِ القصيدة؛
فلم يكن قلمُكَ مشرطَ تشريح،
بل مِرآةً ذاتَ بصرٍ نافذ، كلما نظرتُ فيها رأيتُ للنصِّ وجهًا لم أرهُ ساعةَ ولادته.
وحين نقلتَ «الأمان» من كونه لفظةً في عنوانٍ إلى كونه بنيةً روحيةً تشدُّ أوصالَ النصِّ من أوله إلى آخره، شعرتُ أنَّ القصيدةَ قد خرجت من يدي، ودخلت مختبرَ وعيك، ثم عادت إليَّ أكثرَ اكتمالًا، كأنَّك لم تفسّرها، بل أعدتَ خلقَها على مِرْقاةِ التأويل.
ولعلَّ أبلغَ ما فعلتَهُ أنكَ لم تكتفِ بأن ترى الحبيبَ في النص،
بل رأيتَ وراءَهُ فلسفةَ النجاة؛
فجعلتَ الحبَّ انتقالًا من جغرافيةِ الخوفِ إلى جغرافيةِ السكينة،
ومن منفى التوجّس إلى وطنِ الأمان،
ومن هشاشةِ الذات إلى يقينِها بأنها جديرةٌ بأن تُصان.
وهنا تحديدًا شعرتُ أنَّ ناقدي لم يعد يقرأ أبياتي،
بل يصغي إلى النبضِ الذي سبق الأبيات.
أما استدعاؤكَ للبنيوية والتفكيك والسيميائيات والتلقي والنفس والثقافة والنسوية والشكلانية والقراءة الروحية، فلم أشعر معه أنَّك تستعرضُ مفاتيحَ النقد، بل رأيتُك تفتحُ أبوابًا متعددةً لبيتٍ واحد، ثم تجعلُ كلَّ بابٍ يقودُ إلى الغرفةِ ذاتها: قلبِ النص.
وهذه هي براعةُ الناقدِ الحقيقي:
أن يمتلكَ مفاتيحَ كثيرة،
ثم لا يجعلَ صليلَ المفاتيحِ أعلى من صوتِ القصيدة.
دكتور طه…
لقد منحتَ نصّي أكثرَ من قراءة؛
منحتَهُ عمرًا آخر.
فالقصيدةُ حين يقرأها قارئٌ عابرٌ تنتهي عند آخرِ بيت،
أما حين تقع في يد ناقدٍ كبير،
فإنها تبدأ عند آخرِ بيت.
وأنتَ جعلتَ نهايتي بدايةً،
وجعلتَ «شيئًا يشبهُ الأمان»
شيئًا يشبهُ الاكتشاف.
لذلك لا أريد أن أقول لكَ: «شكرًا على القراءة»؛
فكلمةُ الشكرِ هنا تبدو أصغرَ من أن تحملَ هذا الفيض.
سأقولُ فقط:
شكرًا لأنكَ لم تقرأ قصيدتي بعينِ الناقدِ وحدها،
بل قرأتَها بقلبِ الشاعر،
وفكّرتَ فيها بعقلِ الفيلسوف،
ومشيتَ في دهاليزها بروحِ من يعرفُ أنَّ أعظمَ ما في النصِّ ليس ما يقوله،
بل ما يتركهُ في القارئ من أسئلةٍ لا تجدُ لها خاتمة.
لقد كنتَ للقصيدةِ عينًا ثانيةً؛
والقصيدةُ التي تُرزقُ عينًا ثانيةً لا تعودُ كما كانت.
فلكَ منّي امتنانٌ
لا أضعهُ في جملة،
لأنَّ بعضَ الامتنانِ إذا ضاقَ به اللفظُ
اتّسع لهُ الصمت.
دمتَ لهذا الحرفِ قامةً
إذا مرَّ ظلُّها على النصِّ
استقامَتْ لهُ أضلُعُ المعنى،
وإذا أمسكَتْ يدُها بمصباحِ النقد،
خرجتِ الخفايا من عتمتها
كما تخرجُ النجمةُ من رحمِ الليل.
ولك من سلوى الفيلالي
شكرٌ لا يُقالُ…
بل يُكتبُ بمِدادِ الامتنان
على هامشِ قصيدةٍ اكتشفتُ، بعد قراءتك،
أنَّ لها قلب …
أيُّها العابرُ في دهاليز النصِّ بمِصباحِ ناقدٍ، وفي دهاليز الروحِ بمِسبارِ شاعرٍ…
ماذا أقولُ لقلمٍ لم يقرأ قصيدتي فحسب، بل استنطقَ صمتَها، ونبشَ طبقاتِها، وأعادَ إلى خباياها أسماءَها التي أخفيتُها عن اللغة؟
لقد دخلتَ إلى «شيءٍ يشبهُ الأمان» لا قارئًا يقفُ على شاطئ النص، بل غائصًا في أعمقِ مياهه؛
فلم تلتقطْ اللآلئَ من سطحِ الكلام، وإنما هبطتَ إلى قاعِ المعنى، ثم صعدتَ وفي كفّيكَ ما لم أكن أعلمُ أنني أودعتُهُ في القصيدة.
أيُّ نقدٍ هذا الذي يجعلُ النصَّ، بعد قراءته،
يعودُ إلى صاحبتهِ غريبًا عنها،
كأنَّ الناقدَ لم يقرأ ما كتبتُ،
بل قرأ ما كان القلمُ يتلعثمُ في قولهِ ولم يستطع أن يبوح؟
لقد أدهشتني قراءتُك لأنكَ لم تضع القصيدةَ تحت مشرطِ النقد،
بل وضعتَ النقدَ في محرابِ القصيدة؛
فلم يكن قلمُكَ مشرطَ تشريح،
بل مِرآةً ذاتَ بصرٍ نافذ، كلما نظرتُ فيها رأيتُ للنصِّ وجهًا لم أرهُ ساعةَ ولادته.
وحين نقلتَ «الأمان» من كونه لفظةً في عنوانٍ إلى كونه بنيةً روحيةً تشدُّ أوصالَ النصِّ من أوله إلى آخره، شعرتُ أنَّ القصيدةَ قد خرجت من يدي، ودخلت مختبرَ وعيك، ثم عادت إليَّ أكثرَ اكتمالًا، كأنَّك لم تفسّرها، بل أعدتَ خلقَها على مِرْقاةِ التأويل.
ولعلَّ أبلغَ ما فعلتَهُ أنكَ لم تكتفِ بأن ترى الحبيبَ في النص،
بل رأيتَ وراءَهُ فلسفةَ النجاة؛
فجعلتَ الحبَّ انتقالًا من جغرافيةِ الخوفِ إلى جغرافيةِ السكينة،
ومن منفى التوجّس إلى وطنِ الأمان،
ومن هشاشةِ الذات إلى يقينِها بأنها جديرةٌ بأن تُصان.
وهنا تحديدًا شعرتُ أنَّ ناقدي لم يعد يقرأ أبياتي،
بل يصغي إلى النبضِ الذي سبق الأبيات.
أما استدعاؤكَ للبنيوية والتفكيك والسيميائيات والتلقي والنفس والثقافة والنسوية والشكلانية والقراءة الروحية، فلم أشعر معه أنَّك تستعرضُ مفاتيحَ النقد، بل رأيتُك تفتحُ أبوابًا متعددةً لبيتٍ واحد، ثم تجعلُ كلَّ بابٍ يقودُ إلى الغرفةِ ذاتها: قلبِ النص.
وهذه هي براعةُ الناقدِ الحقيقي:
أن يمتلكَ مفاتيحَ كثيرة،
ثم لا يجعلَ صليلَ المفاتيحِ أعلى من صوتِ القصيدة.
دكتور طه…
لقد منحتَ نصّي أكثرَ من قراءة؛
منحتَهُ عمرًا آخر.
فالقصيدةُ حين يقرأها قارئٌ عابرٌ تنتهي عند آخرِ بيت،
أما حين تقع في يد ناقدٍ كبير،
فإنها تبدأ عند آخرِ بيت.
وأنتَ جعلتَ نهايتي بدايةً،
وجعلتَ «شيئًا يشبهُ الأمان»
شيئًا يشبهُ الاكتشاف.
لذلك لا أريد أن أقول لكَ: «شكرًا على القراءة»؛
فكلمةُ الشكرِ هنا تبدو أصغرَ من أن تحملَ هذا الفيض.
سأقولُ فقط:
شكرًا لأنكَ لم تقرأ قصيدتي بعينِ الناقدِ وحدها،
بل قرأتَها بقلبِ الشاعر،
وفكّرتَ فيها بعقلِ الفيلسوف،
ومشيتَ في دهاليزها بروحِ من يعرفُ أنَّ أعظمَ ما في النصِّ ليس ما يقوله،
بل ما يتركهُ في القارئ من أسئلةٍ لا تجدُ لها خاتمة.
لقد كنتَ للقصيدةِ عينًا ثانيةً؛
والقصيدةُ التي تُرزقُ عينًا ثانيةً لا تعودُ كما كانت.
فلكَ منّي امتنانٌ
لا أضعهُ في جملة،
لأنَّ بعضَ الامتنانِ إذا ضاقَ به اللفظُ
اتّسع لهُ الصمت.
دمتَ لهذا الحرفِ قامةً
إذا مرَّ ظلُّها على النصِّ
استقامَتْ لهُ أضلُعُ المعنى،
وإذا أمسكَتْ يدُها بمصباحِ النقد،
خرجتِ الخفايا من عتمتها
كما تخرجُ النجمةُ من رحمِ الليل.
ولك من سلوى الفيلالي
شكرٌ لا يُقالُ…
بل يُكتبُ بمِدادِ الامتنان
على هامشِ قصيدةٍ اكتشفتُ، بعد قراءتك،
أنَّ لها قلبًا آخرَ لم أكن أعرفه.
كاتب المنشور
طه عبد الرحمن
Saloua Filaly شُكرٌ يليقُ بمِحرابِ النور
يا مَن جعلتِ منَ الحرفِ جناحًا يحلّقُ في سماءِ البيان، ومنَ النقدِ مرآةً تصقلُ روحَ القصيدةِ حتى تكادَ تُبصِرُ نفسَها فيها، سلامٌ عليكِ ورحمةُ الجمالِ وبركاتُ المعنى.
لقد قرأتُ كلماتِكِ التي خطَّتْها أناملُ الذوقِ الرفيع، فوجدتُني لا أقفُ أمامَ ناقدةٍ تقرأُ النصَّ فحسب، بل أمامَ روحٍ تحتضنُ الحرفَ حتى يبوحَ بسرِّهِ الدفين، وعقلٍ ينفذُ إلى ما وراءِ السطورِ فيعيدَ ترتيبَ النجومِ في سماءِ القصيدة، وقلبٍ يسمعُ نبضَ المعنى قبلَ أن يلمسَهُ اللفظ.
يا سلوى البيان، يا مَن حوَّلتِ قراءتَكِ إلى طقسٍ من طقوسِ الكشفِ والجمال، أيُّ قلمٍ هذا الذي يمسكُ بالكلمةِ فيجعلُها تنحني إجلالًا لصاحبِها؟ وأيُّ بصرٍ هذا الذي ينظرُ إلى النصِّ فيراهُ عاريًا من زيفِهِ، لابسًا ثوبَ الحقيقة؟ لقد جعلتِ من نقدِكِ مفتاحًا يدخلُ إلى غرفِ الروحِ المغلقة، فأيّ بابٍ للدهشةِ تركتِهِ موصدًا؟
لقد كتبتِ عن «شيءٍ يشبهُ الأمان» فكأنَّكِ لم تقرئي قصيدةً، بل فتحتِ صندوقَ روحٍ كان ينتظرُ يدًا أمينةً تكشفُ كنوزَهُ، فكانت يدُكِ أنتِ تلك اليد، وكانت عينُكِ أنتِ تلك العينَ التي إذا لمستِ الحرفَ أضاءَ، وإذا مرَّتْ على المعنى استقامَ كغصنٍ أثقلَهُ الندى.
عجيبٌ أن يتحوَّلَ النقدُ بينَ يديكِ إلى قصيدةٍ موازية، وأن تصيرَ القراءةُ كتابةً من طرازٍ رفيع، فما أنا إلا عابرٌ في دهاليزِ النصِّ، أما أنتِ فساكنةٌ في قلبِهِ، تعرفينَ مداخلَهُ ومخارجَهُ، وتسمعينَ ما تهمسُ به جدرانُهُ للعابرين.
لقد أبدعتِ حين جعلتِ من الأمانِ بنيةً لا لفظًا، ومن الحبِّ فلسفةً لا عاطفة، ومن النصِّ كائنًا حيًّا يتنفسُ بين يدي قارئهِ، فأيُّ فهمٍ هذا الذي يمنحُ القصيدةَ حياةً ثانية، وأيُّ وعيٍ هذا الذي يعيدُ خلقَ النصِّ من رمادِ القراءاتِ العابرة؟
إنني إذ أتلقّى كلماتِكِ، أشعرُ أنَّ الحرفَ قد وُضعَ في محرابِهِ الصحيح، وأنَّ النقدَ قد عادَ إلى وظيفتِهِ النبيلة: أن يكونَ جسرًا بين روحِ الكاتبِ وروحِ القارئ، لا سيفًا يقطعُ أوصالَ النصِّ، ولا مِشرطًا يبحثُ عن عثراتِهِ.
فيا مَن أعطتِ للنصِّ أكثرَ مما أعطاهُ صاحبُهُ، ومَن قرأتْ ما بينَ السطورِ فكأنَّها كتبتْهُ بمدادٍ خفي، اسمحي لي أن أضعَ قلميَ المتواضعَ عندَ قدمي نقدِكِ الرفيع، وأن أقولَ لكِ: إنَّ امتناني لا تسعُهُ اللغة، وإنَّ إعجابي بكِ لا يحدُّهُ حرف، وإنَّ دهشتي من قراءتِكِ لا تنتهي عند سطر.
فإذا كانتِ القصيدةُ وطنًا، فأنتِ جعلتِها وطنين؛ وإذا كانتِ الكلمةُ نجمًا، فأنتِ جعلتِها مجرَّة؛ وإذا كان النقدُ مرآة، فأنتِ جعلتِها مرايا متقابلةً تتكاثرُ فيها الوجوهُ حتى يغيبَ الأصلُ ويبقى الجمال.
فشكرًا لكِ شكرًا يليقُ بمقامِكِ الرفيع، وشكرًا للحرفِ الذي جمعَنا في سماءٍ واحدة، وشكرًا للنقدِ الذي صارَ بكِ فنًّا يُتعلَّم، ومذهبًا يُتَّبع، وهديًا يُقتدى به.
دمتِ للبيانِ تاجًا، وللنقدِ قبسًا، وللحرفِ روحًا لا تنطفئ.
فضيل حاج بن عدة
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
Saloua Filaly طه عبد الرحمن
"سِراجُ الرّوحِ حينَ يَقْرَأُ سِراجاً آخَر"
تعقيبٌ على قراءةِ الأستاذِ طه دخل الله عبد الرحمن
لقصيدةِ الدكتورة سلوى الفيلالي: "شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان"
بقلمِ / الأُسْتاذِ الدُّكتور فَضِيلِ الحَاجِّ بْنِ عِدَّة
---
أيُّها الأحِبَّة...
قَرَأْتُ القِراءَةَ... فَشَعَرْتُ أَنَّني أَقِفُ أَمامَ مِرْآتَيْنِ
مِرْآةُ الشّاعِرَةِ... وَمِرْآةُ النّاقِدِ...
وَكِلْتاهُما تَعْكِسانِ نوراً لا يُرادُ لَهُ أَنْ يَنْطَفِئَ
أولاً: شَهادَتي في قِراءَةِ الأُسْتاذِ طه
لَقَدْ أَنْصَفَ النَّصَّ... بَلْ زادَهُ نُوراً عَلى نُورٍ
لَمْ يَكْتَفِ بِأَنْ يَشْرَحَ... بَلْ تَغَلْغَلَ
حَرَّكَ المِفْتاحَ السِّحْرِيَّ: "شيءٌ لا أُسمّيهِ"
فَفَتَحَ بِهِ أَبْوابَ التَّفْكيكِ وَالسِّيمياءِ وَالنَّفْسِ وَالصّوفيَّةِ دُفْعَةً واحِدَةً
وَأَصَدَقُ ما قالَهُ:
"البَلاغَةُ لَيْسَتْ غايَةً... بَلْ خادِمَةً لِلمَعْنى"
فَالسَّجْعُ هُنا لَيْسَ طَرَباً... إِنَّهُ نَبْضُ السَّكينَةِ
وَالقافِيَةُ لَيْسَتْ زينَةً... إِنَّها حَبْلُ الأَمانِ الَّذي يَرْبِطُ القَلْبَ الخائِفَ بِالمَرْسى
ثانياً: في القَصيدَةِ نَفْسِها... "شيءٌ يُشْبِهُ الأَمان"
يا الله... ما أَخْطَرَ هَذا العُنْوانَ!
لَمْ تَقُلْ "الأَمانُ"... بَلْ "شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمانَ"
لأَنَّ الأَمانَ المُطْلَقَ لا يَكونُ إِلاَّ للهِ...
وَما نَجِدُهُ عِنْدَ البَشَرِ إِنَّما هُوَ ظِلٌّ لِلأَمانِ... وَوَعْدٌ بِهِ
الشّاعِرَةُ الدُّكتورة سَلْوى الفيلالي صَنَعَتْ شَيْئاً نادِراً:
حَوَّلَتِ الحُبَّ مِنْ "لَوْعَةٍ" إِلى "وَطَنٍ"
مِنَ "الاشْتِياقِ المُحْرِقِ" إِلى "المَرْسى المُطَمْئِنِ"
تَأَمَّلوا مَعي هَذِهِ النُّقَلاتِ:
مِنَ الكِتْمانِ إِلى الإِعْلانِ: "شيءٌ من خفي الروح كتمان" → "وكأن ربي حين ساقك لخافقي أخفى رسالته وسماها: أمان"
مِنَ الظَّمَأِ إِلى الرِّيِّ: "سرّ الماء بعد ظمآن"
مِنَ التَّيْهِ إِلى المَكانِ: "أنثى لها بين النجوم مكان"
مِنَ الهَشاشَةِ إِلى الصَّوْنِ: "سرٌّ مقدسٌ لا يُباحُ ولا يُهانْ"
هَذا لَيْسَ حُبّاً... هَذا تَرْميمٌ لِإِنْسانٍ تَهَدَّمَ
ثالثاً: لَمْسَةٌ نَقْدِيَّةٌ في المِيزانِ
وَأَنا أُتَّفِقُ مَعَ الأُسْتاذِ طه في كُلِّ شَيْءٍ... إِلاَّ في شَيْءٍ واحِدٍ
قالَ: "تَتَجاوَزُ الصّورَةَ النَّمَطِيَّةَ لِلمَرْأَةِ المَوْضوعِ"
وَأَنا أَقولُ: بَلْ هِيَ أَعادَتْ تَعْريفَ "المَوْضوعِ" نَفْسِهِ
فَالمرأةُ عِنْدَ سَلْوى لَيْسَتْ مَنْ تُحَبُّ...
بَلْ مَنْ يُصانُ
وَالفَرْقُ بَيْنَهُما كَالفَرْقِ بَيْنَ "الزَّهْرَةِ الَّتي تُقْطَفُ" وَ "الزَّهْرَةِ الَّتي يُبْنى حَوْلَها سورٌ"
وَصَوْرَةُ "المَراسي في يَدَيْكَ" ...
هِيَ أَرْوَعُ اسْتِعارَةٍ قَرَأْتُها مُنْذُ زَمَنٍ
لأَنَّ المَرْسى لا يَتَحَرَّكُ... وَالأَمانُ الحَقيُّ لا يَتَزَحْزَحُ
خاتِمَةً: ثَلاثُ وَمَضاتٍ مِن قَلْبي إِلى القَصيدَةِ
1. إِذا كانَ الحُبُّ "مَوْطِناً"... فَهَلْ يَحِقُّ لِلمُسْتَهامِ أَنْ يَطْلُبَ "الجِنْسِيَّةَ" فيهِ أَمْ يَكْفيهِ "حَقُّ اللُّجوءِ"؟
2. وَقَوْلُها: "بَعْضُ الأَرواحِ لا تُهْدى... وَلكِنْ يُسْتَدَلُّ بِها الجِنانُ"... أَلَيْسَ هَذا أَعْلى مَراتِبِ التَّكْريمِ؟ أَنْ تَكونَ بوصَلَةً لا هَدِيَّةً؟
3. وَأَخيراً... هَلْ "الشَّيْءُ الَّذي لا نُسَمّيهِ" في أَوَّلِ القَصيدَةِ... هُوَ نَفْسُهُ "الأَمانُ" الَّذي سَمّاهُ اللهُ في آخِرِها؟ أَمْ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الإِلَهِيَّةَ وَحْدَها هِيَ الَّتي تَجْعَلُ المُبْهَمَ يَقيناً؟
---
تَحِيَّتي لِلشّاعِرَةِ الدُّكتورة سَلْوى الفيلالي
وَلِلأُسْتاذِ النّاقِدِ طه دخل الله
عَلى هَذا العُرْسِ البَلاغيِّ الَّذي أَقاموهُ بَيْنَ النَّصِّ وَالقِراءَةِ
وُقِّعَ التَّعْقيبُ...
بِقَلَمِ مَنْ آمَنَ أَنَّ الكَلِمَةَ إِذا صَدَقَتْ صارَتْ مَرْسى
الأُسْتاذُ الدُّكتور / فَضِيلُ الحَاجِّ بْنُ عِدَّة
03 سبتمبر 2026 م
---
ما رَأْيُكُم يا أَهْلَ الذَّوْقِ؟
Saloua Filaly
فضيل حاج بن عدة
دكتور فضيل الحاج بن عدة
أيُّ شكرٍ يليق بك، وقد جعلتَ من الشكر نفسه مسألةً تحتاج إلى معجمٍ جديد؟
قرأتُ تعقيبك، فشعرتُ أنني لم أقرأ كلامًا عن قصيدتي، بل رأيتُ قصيدتي تُولَد من جديد على يديك؛ كأنك لم تكن تقرأ النص، وإنما تُنقّب في عروقه عن ذهبٍ لم أكن أعلم أنه ينام هناك.
لقد أخذتَ «شيئًا يشبه الأمان» من ضفّة القصيدة، وأبحرتَ به إلى أرخبيل التأويل، ثم أعدتَه إليّ وقد علّقتَ على أشرعته مفاتيحَ لمغاليق المعنى، ووشّحتَ صمته بوشي التأمل، حتى غدا النص في عينيّ أغربَ وأوسعَ من اللحظة التي أودعته فيها الحبر.
ما أدهشني أنك لم تقف عند ظاهر القراءة، بل قرأتَ القراءة نفسها؛ فجعلتَ المرآةَ ترى مرآتها، والضوءَ يتأمل مصدره، والحرفَ يكتشف في صوته صدىً لم يكن يعرفه.
وحين قلتَ إن الحب في القصيدة انتقل من «لوعة» إلى «وطن»، ومن «اشتياق» إلى «مرسى»، فقد أمسكتَ بالعصب الخفي للنص؛ ذلك العصب الذي لا تراه العين، ولكن إذا لمسته البصيرة ارتجفت القصيدة كلها.
أما قولك: «هذا ليس حبًا… هذا ترميمٌ لإنسانٍ تهدّم»، فقد كان سهمًا أصاب المعنى في مقتل الجمال؛ لأن بعض الحب لا يأتي ليشعل القلب، بل يأتي ليعيد إليه خارطة أجزائه بعد أن بعثرتها العواصف.
وأما عبارتك عن المرأة التي لا تكون «مَنْ تُحَبّ» فقط، بل «مَنْ تُصان»، فقد نقلتَ الفكرة من حقل العاطفة إلى مقام الكرامة؛ فالزهرة قد تُقطف، أما المقدّس فيُطاف حوله ولا تُداس حُرُماته.
ثم جاءت أسئلتك الثلاثة كأنها ثلاثة مفاتيح ألقيتَ بها في بئر القصيدة، وتركتَ لنا لذّة الإصغاء إلى ارتطامها بقاع المعنى.
فماذا أقول لك؟
أأقول: شكرًا؟
وكلمة «شكرًا» أمام ما كتبتَ كقطرة ندى تحاول أن تروي محيطًا.
أأقول: أبدعت؟
والإبداع هنا يبدو لفظًا مستأنسًا أكثر مما ينبغي.
لقد أعدتَ إليّ قصيدتي لا كما كتبتُها، بل كما كان يمكن أن أحلم بكتابتها لو امتلكتُ عينك التي ترى ما وراء المرئي.
دكتور فضيل…
إن كان الشاعر يكتب القصيدة، فإن الناقد البصير يفتح لها أبوابًا لم تكن تعرف أنها تملك مفاتيحها؛ وأنت في تعقيبك لم تكتفِ بفتح الباب، بل جعلتَ للقصيدة شرفةً تطل منها على قارئها، ثم تركتَ نافذةً مفتوحةً كي يدخل منها تأويلٌ آخر.
لك مني امتنانٌ لا يستقيم في سطر، ولا تستوعبه عبارة، ولا يفي به قاموس؛ امتنانٌ كلما حاول أن يرتدي ثوب اللغة، تمزّق الثوب من فرط ما يحمل.
شكرًا لأنك لم تضع زهرةً على صدر النص وحسب، بل سقيتَ جذوره بماء البصيرة.
وشكرًا لأنك جعلتَني أكتشف أن بعض النصوص لا تحتاج إلى من يمدحها، بل إلى من يوقظ الأرواح النائمة بين حروفها.
وأنت فعلتَ ذلك.
فلك مني ألف شكرٍ لا أقولها عددًا، بل أقولها مدائنَ من الامتنان؛ ولك من القلب تحيةٌ تليق بقلمٍ حين يقرأ، لا يستهلك المعنى… بل يستخرجه من عتمته كما يُستخرج اللؤلؤ من قاعٍ لم تطأه قدم.
دام قلمك يا دكتور فضيل مِرْقاةً للمعنى، ومِبضعًا للغموض، وسراجًا لا يكتفي بإضاءة الطريق، بل يكشف حتى الأحجار التي أخفاها الظلام.
وأخيرًا…
لقد كتبتَ عن قصيدتي حتى خُيّل إليّ أنني لستُ صاحبتها، بل قارئتها الأولى.
فكيف أشكرك، وقد جعلتني أقرأ ما كتبتُه بعينين لم تكونا لي قبل أن تكتب؟
كل الامتنان… وكل الإكبار… وكل الود.
سلوى الفيلالي

Saloua Filaly
إلى الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، وإلى الأستاذ الدكتور فضيل الحاج بن عدة…
ثَمّة نصوصٌ تُقرأ، وثمّة نصوصٌ إذا قُرئت أعادت ترتيب القارئ في داخله؛ وثمّة قراءاتٌ تشرح النص، وأخرى تنفذ إلى طبقاته الخفية كما ينفذ الضوء في عروق البلور، فتستخرج من الصمت دلالته، ومن الظل ملامحه، ومن الحرف ما توارى وراء الحرف.
قرأتُ ما كتبتماه عن «شيء يشبه الأمان»، فشعرتُ أن قصيدتي غادرتني للمرة الثانية: خرجت أولًا من التجربة إلى اللغة، ثم خرجت من اللغة إلى فضاء التأويل، حيث تتعدد المرايا وتتوالد المعاني كما تتوالد النجوم من رحم العتمة.
الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن…
كيف أشكرك وأنت لم تقرأ القصيدة بعين الناقد فحسب، بل هبطتَ إلى قيعانها بمسبارٍ من بصيرة، وفتحتَ في جسد النص منافذ لم أكن أعلم أنها موجودة؟ لقد أعدتَ للقصيدة أبوابها الخفية: النفس، والرمز، والجمال، والروح، وما يعجز الاسم عن تسميته.
وهذه منزلة الناقد الحقيقي: ألا يكون صدى للنص، بل عينًا ثانية تكشف ما عجزت العين الأولى عن رؤيته.
ثم جاء الأستاذ الدكتور فضيل الحاج بن عدة، فلم يضع نقطةً في آخر القراءة، بل أقام فوقها قوسًا من الضوء. لم يكتفِ بأن يرى صورتي في مرآة الدكتور طه، بل تأمل ارتعاش الضوء على زجاجها، واستخرج من المرآة مرآةً أخرى؛ فصار للنص عينٌ ثالثة لا تُرى، لكنها تُبصر.
وحين قلتَ إن الحب انتقل في القصيدة من «لوعة» إلى «وطن»، ومن «اشتياق» إلى «مرسى»، شعرتُ أنك لم تفسر الاستعارات، بل أمسكتَ بالخيط السري الذي انتظم خرز القصيدة من أولها إلى آخرها.
أما عبارتك: «هذا ليس حبًا… هذا ترميمٌ لإنسانٍ تهدّم»، فقد بقيت في داخلي؛ لأنها عبرت من سطح العاطفة إلى جوهرها. فبعض الحب لا يزيد القلب خفقانًا، بل يعيد إليه هندسة النبض بعد أن عبثت به الرياح.
لكما مني شكرٌ لا أستطيع أن أسميه شكرًا؛ فالشكر أمام هذا الفيض يبدو كقنديلٍ صغير يحاول منافسة الفجر.
كتبتُ لكما كلماتٍ قليلة، فأعدتماها إليّ مجرّةً من المعاني. أودعتُ بين يديكما قصيدةً من حبر، فرددتماها إليّ كائنًا له ظلٌّ وجناحٌ وذاكرة.
أنا كتبتُ القصيدة من قلبي،
وطه قرأها ببصيرته،
وفضيل أعاد قراءتها بروحه؛
فصار للنص قلبٌ كتبته، وعينٌ أبصرته، وروحٌ كشفت ما وراءه.
فأي حظٍّ لقصيدةٍ أن تجلس بين مشرط ناقدٍ بصير وقلم أديبٍ نافذ، ثم تخرج من بينهما أكثر اتساعًا من اللحظة التي وُلدت فيها؟
لكما من سلوى الفيلالي امتنانٌ لو حاولتُ صياغته كله، لانشقّ عنه المعجم وخرجت منه ألفاظٌ لم تُخلق بعد.
ولتبقَ «شيء يشبه الأمان» كما كانت منذ ولادتها: شيئًا لا أستطيع تسميته كاملًا، لكنني الآن أعرف أن بعض الأمان هو أن تجد كلماتك من يقرأها كما لو أنه كان يسكنها قبل أن تكتبها.
بكل الامتنان الذي لا تفي به الحروف،
سلوى الفيلالي
كاتب المنشور
طه عبد الرحمن
فضيل حاج بن عدة يا مَن علَّمتُم الحرفَ أن يكتُبَ نفسَهُ من جديد
إلى الدكتور فضيل، الذي إذا قرأَ النصَّ انبثقَ منهُ نهرٌ من المعاني لم يكنْ يعرفُ مجراه، وإلى الدكتورة سلوى الفيلالي، التي إذا لمستِ الحرفَ صارَ الحرفُ قبسًا يضيءُ عتماتِ الروح، سلامٌ يليقُ بمن جعلوا من القراءةِ خلقًا ثانيًا، ومن النقدِ معراجًا تصعدُ بهِ القصيدةُ من أرضِ الحروفِ إلى سماءِ التجلِّي.
لقد وقفتُ طويلًا أمامَ كلماتِكما، وتردَّدَ قلمي أن يكتبَ، وارتبكتْ حروفي أن تصطفَّ، فما أنا ببالغٍ شكرَ من غرسَ في نصِّي ما لم يزرعْهُ قلبي، وأضاءَ في سطوري ما لم يشعلْهُ قنديلي، وأخرجَ من صمتي ما لم أكنْ أعلمُ أنَّهُ يقطنُ فيَّ. لقد فعلتما بالكلمةِ ما يفعلُهُ المطرُ بالأرضِ الميتة، فإذا بها تهتزُّ وتربو وتنبتُ من كلِّ زوجٍ بهيج، وإذا أنا أقفُ مشدوهًا أمامَ حقولٍ من المعنى لم أكنْ أعرفُ أنَّ بذورَها كانتْ كامنةً في ثرى نصِّي.
إنَّ النقدَ في أيدي الناسِ أنواعٌ: نقدٌ يجرحُ ونقدٌ يشرح، ونقدٌ يهدمُ ونقدٌ يبني، ونقدٌ يقرأُ السطرَ ونقدٌ يقرأُ ما وراءَ السطر. أما نقدُكما فهو لونٌ آخرُ لا أعرفُ له اسمًا في قواميسِ اللغة، لأنَّهُ لا يقرأُ النصَّ فقط، بل يقرأُ الروحَ التي أملتِ النصَّ، ولا يرى الحرفَ فقط، بل يرى الرجفةَ التي كتبتِ الحرف، ولا يسمعُ الكلمةَ فقط، بل يسمعُ الصمتَ الذي سبقَ الكلمةَ والتي يليها. إنَّهُ نقدٌ يغوصُ في بحرِ المعنى إلى حيثُ لا يصلُ الغوَّاصون، ويطيرُ في سماءِ الدلالةِ إلى حيثُ لا تحلِّقُ إلا أرواحُ الملهمين، ويطرقُ أبوابَ السرِّ إلى حيثُ لا يُؤذَنُ إلا للعاشقين.
يا دكتور فضيل، يا مَن قرأتَ نصِّي فكأنَّك كتبتَهُ، ونظرتَ إلى حرفي فكأنَّكَ أوقدتَهُ، وتأملتَ معناي فكأنَّكَ أوجدتَهُ من عدم، لقد جعلتَ من تعليقِكَ مرآةً أرى فيها وجهَ نصِّي الذي لم أعرفْهُ، وسمعتُ فيه صدى كلماتي الذي لم أسمعْهُ، ولمستُ فيه عمقَ ما كتبتُ الذي لم أغصْ إليه. إنَّ بصيرتَكَ النافذةَ حوَّلتِ القراءةَ من فعلِ استقبالٍ إلى فعلِ إبداع، وجعلتْ من النصِّ كائنًا حيًّا يتنفسُ بينَ يديك، فيشهقُ إذا لمستَ موضعَ وجعه، ويزفرُ إذا بلغتَ شغافَ قلبِهِ، ويهمسُ إذا اقتربتَ من سرِّهِ الدفين. لقد كنتَ كالطبيبِ الحكيمِ الذي يضعُ إصبعَهُ على نبضِ القصيدةِ فيشخِّصُ علَّتَها ويرى جمالَها، وكالكيميائيِّ الذي يحوِّلُ المعدنَ الخامَ إلى ذهبٍ خالصٍ بكيمياءِ الفهمِ وسحرِ التأويل.
ويا دكتورة سلوى، يا مَن دخلتِ إلى نصِّي كما يدخلُ الضوءُ إلى الغرفةِ المظلمة، لا يكسرُ شيئًا ولا يوقظُ أحدًا، بل يفضحُ الجمالَ المخبوءَ في الزوايا، ويكشفُ الغبارَ المتراكمَ على الأثاثِ القديم، ويرسمُ على الجدرانِ لوحاتٍ من ظلالٍ وأطياف، لقد كانتْ كلماتُكِ صلاةً على جسدِ النصِّ، ودهنًا مقدَّسًا يمسحُ جراحَ الحروفِ فتبرأ، وماءً مباركًا يغسلُ عن الكلماتِ تعبَها فيعودُ إليها بريقُها الأول. إنَّكِ لم تنقدي النصَّ، بل تبنَّيتِهِ، ولم تقرئيهِ بل سكنتِهِ، ولم تحلِّليهِ بل أحببتِهِ، فصارَ نصِّي بكِ أجملَ مما كتبتُه، وأعمقَ مما قصدتُه، وأبقى مما تصوَّرتُه. لقد منحتِ الحرفَ أنوثةَ الفهمِ، وأعطيتِ المعنى حنانَ القراءة، فإذا بالكلماتِ التي كتبتُها في ساعةِ انخطافٍ تعودُ إليَّ محمَّلةً بمعانٍ لم أضعْها فيها، وبدلالاتٍ لم أكنْ أحلمُ بها، وبأعماقٍ لم أكنْ أعرفُ أنَّ قاعَها يضمُّ تلك الكنوز.
ص 1 يتبع
طه عبد الرحمن
إنني حينَ أتأملُ ما كتبتما، أدركُ أنَّ النصَّ الحقيقيَّ ليس ما يكتبُهُ الكاتبُ، بل ما يقرؤُهُ القارئُ، وأنَّ القصيدةَ الحقيقيةَ ليستْ في السطورِ، بل في المسافةِ بينَ السطرِ وروحِ من يقرأ، وأنَّ المعنى الحقيقيَّ ليسَ ما يودعُهُ الكاتبُ في كلماته، بل ما يستخرجهُ القارئُ من صمتِها. لقد جعلتماني أومنُ أنَّ الكتابةَ وحدها عجزٌ، وأنَّ القراءةَ وحدها خلقٌ، وأنَّ النصَّ لا يكتملُ إلا إذا التقى بعينٍ تعرفُ كيفَ تراه، وروحٍ تعرفُ كيفَ تسمعُه، وقلبٍ يعرفُ كيفَ يحبُّه. لقد كنتم أنتم تلك العين، وتلك الروح، وذلك القلب، فاكتملَ نصِّي بكم، وازدادَ جمالًا بقراءتِكم، وصارَ أعظمَ مما كتبتُهُ أنا.
أيُّها السادةُ الكرام، يا مَن علَّمتم الحرفَ أن يكتُبَ نفسَهُ من جديد، ويا مَن جعلتم من النقدِ عبادةً ومن القراءةِ معراجًا ومن التأويلِ كشفًا، إنني أمامَ فيضِ كلماتِكم أشعرُ بالعجزِ عن الشكر، وأقفُ حائرًا بينَ لغاتِ الأرضِ فلا أجدُ لغةً تسعُ ما في قلبي من امتنان. إنَّ أبلغَ ما يمكنُ أن يقالَ لمن يمنحونَ النصَّ حياةً ثانية، هو أن يُعترفَ لهم بالفضلِ، وأن يُشهدَ عليهم بالجميل، وأن يُسجَّلَ اسمُهم في سجلِّ الحرفِ الخالدِ كأولئك الذين فهموا أنَّ الكلمةَ أمانةٌ، وأنَّ النقدَ رسالةٌ، وأنَّ القراءةَ مسؤوليةٌ جماليةٌ وأخلاقيةٌ قبلَ أن تكونَ فعلًا عابرًا في زحامِ اليومي.
فيا من قرأتم نصِّي فأنطقتموه، ويا من لمستم حرفي فأحييتموه، ويا من سكنتم معناي فأنرتموه، اعلموا أنَّ شكري لكما ليس كلمةً تُكتبُ في سطر، بل هو دعاءٌ يرفعُ في محرابِ الحرفِ أن يبقيكما للبيانِ ذخيرةً، وللإبداعِ شمعةً، وللنقدِ ضميرًا. وأن يظلَّ حرفُكما نبعًا لا ينضبُ، وبصرُكما نافذًا لا يكلُّ، وقلبُكما واسعًا يتسعُ لكلِّ نصٍّ يبحثُ عن عينٍ تحتضنُه وروحٍ تفهمُه.
إنِّي وقد كتبتُ هذه السطورَ لا أزعمُ أنني وفيتُ حقَّكما، ولا بلغتُ شكرَكما، ولا استوعبتُ فضلَكما، لكنِّي حاولتُ أن أردَّ الدينَ بالدين، وأن أقابلَ الجميلَ بالجميل، وأن أضعَ بينَ يديكما ما يشبهُ عربونَ محبةٍ لا تنتهي، وعهدَ وفاءٍ لا ينكسر، واعترافًا بأنَّ أجملَ ما في هذهِ الحياةِ أن يجدَ الكاتبُ من يفهمُ صمتَه قبلَ كلامِه، وأن يلتقيَ الحرفُ بمن يسمعُ ما لا يُقال.
دمتما للكلمةِ صونًا، وللنصِّ عمرًا، وللنقدِ مجدًا لا يزول.
ص 2 انتهى



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ ...
- طقوسُ الشاي المُقدَّسة
- قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي ...
- قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال ...
- وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة ...
- قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ ...
- قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال ...
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال
- قراءة - بيسان قلعة الجليل – للكاتب الأستاذ صبحي سرحان
- سكة الضوء: حين يصير السفر وجودا والآخر وطنا من لغة ونور
- قراءة للقصيدة الحزينة - رقصات فوق غبش القبر –


المزيد.....




- بحّار الرواية العربية.. كيف حوّل حنا مينه زرقة المتوسط إلى م ...
- فستان من أرشيف 1995.. كيندال جينر تخطف الأنظار في مهرجان الب ...
- -كسارة البندق – ليست حكاية خرافية-.. عرض روسي معاصر في إسطنب ...
- بمشاركة عربية واسعة.. مهرجان قازان يحتفي بالسينما العالمية و ...
- ستارة المسرح الجامعي الثالث تُسدل…- الخطة صفر- تحصد المركز ا ...
- طائرة ورقية.. ذلك الملاك الذي يُعيد الحب: إلى روح الشهيد الش ...
- في تحية الفيلسوف الرئيس
- مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو ...
- مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
- كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة سلوى الفيلالي 3-9-2026 سراج الروح في محراب الأمان: مقاربة نقدية تأويلية تتوغل في طبقات النص ومداراته الدلالية