أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - الأثر














المزيد.....

الأثر


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 10:17
المحور: الادب والفن
    


الأثر ليس أثرَ قدمٍ على طريقٍ ينمحي مع أول ريح، ولا اسمًا يُكتب على حجرٍ فتأكله السنون؛ الأثر حياةٌ أخرى يمنحها الإنسان لما حوله، وسيرةٌ خفيّة تسير بعده في القلوب، حين تتوقف خطاه وتغيب ملامحه. هو ذلك النور الذي يتركه عابرٌ في عتمة أحدهم، فلا يعرف كم أنقذ من وحشة، ولا يدري أن كلمةً خرجت منه على عجلٍ صارت في قلب سامعها وطنًا من طمأنينة.
ما أعجب الإنسان؛ يظن أنه يمرّ بالأيام، وما يدري أن الأيام تمرّ به فتأخذ منه لونًا، وتترك منه لونًا. يظن أن أفعاله تنتهي عند لحظة وقوعها، فإذا بها تبدأ بعده حكايةً أطول من عمره؛ فربّ ابتسامةٍ أُهديت لمكسورٍ أعادت إليه بعض ما سرقته الحياة، وربّ يدٍ امتدت في ضيقٍ صارت في ذاكرة صاحبها جسرًا بين اليأس والرجاء، وربّ كلمةٍ طيبةٍ أُلقيت في أرض نفسٍ عطشى، فأنبتت فيها حدائق لا يراها إلا الله.
إن الأثر ليس في صخب الشهرة، ولا في كثرة الأسماء التي تتداولها الألسن؛ فكم من مشهورٍ غاب فغاب معه كل شيء، وكم من مجهولٍ مرّ في حياة الناس مرّةً واحدة، ثم بقيت روحه فيهم كالعطر إذا فارق الزهرة ظلّ ساكنًا في المكان. وما قيمة الذكر إن لم يكن خيرًا؟ وما جدوى الحضور إن لم يترك وراءه دفئًا؟ إنما الخلود الحق أن تغيب العين ويبقى الودّ، وأن يصمت الصوت ويبقى صداه، وأن يُطوى العمر ويبقى ما نشره صاحبه من رحمة.
وما بين الإنسان ونهايته إلا أيامٌ تُعدّ، وأنفاسٌ تُردّ، وخطىً تمضي إلى موعدها المعلوم؛ غير أن ما يقدّمه في تلك الأيام، وما يزرعه في تلك الأنفاس، هو الذي يحدد كيف سيبقى بعد الرحيل. فطوبى لمن جعل من لسانه بلسمًا لا مبضعًا، ومن قلمه نورًا لا نارًا، ومن قدرته عونًا لا عُدوانًا، ومن قلبه مأوى لا مأساة. طوبى لمن إذا حضر أزهر المكان، وإذا غاب بقي في الغياب معنى جميل.
كم من أمٍّ رحلت وبقي دعاؤها يحيط أبناءها كأنها ما زالت تسهر عند رؤوسهم، وكم من معلّمٍ غاب وبقي حرفُه في أفواه تلاميذه، يفتح لهم أبواب المعرفة ويقودهم إلى آفاقٍ أرحب، وكم من صديقٍ ألقى يومًا عبارةً صادقة في لحظة انكسار، فظلّت تلك العبارة حارسًا خفيًا لصاحبه كلما اشتدّ عليه الطريق. إن الخيرات لا تموت حين يموت أصحابها؛ لأنها تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن روحٍ إلى روح، وتكبر في الخفاء كما تكبر الجذور في باطن الأرض.
فلنحذر من أثرٍ نتركه ولا نستطيع محوه؛ فالقلوب ليست أوراقًا نكتب فيها ثم نمزقها، والكلمات ليست طيورًا نطلقها ثم نعيدها إلى أقفاصها. قد تؤذي كلمةٌ عابرة نفسًا سنين طويلة، وقد يُطفئ جفاءٌ صغير شمعةً كانت تقاوم العاصفة، وقد يصنع ظلمٌ لحظي جرحًا لا تداويه أعوام. فليكن لنا من رقة القلب ما يجعلنا نُحسن العبور، ومن يقظة الضمير ما يجعلنا نراقب ما نتركه وراءنا؛ لأن الإنسان قد يرحل بجسده، لكنه يبقى في الناس بما صنع، خيرًا كان أم شرًّا، جبرًا كان أم كسرًا.
وما أجمل أن يعيش المرء وهو يعلم أن بين يديه فرصةً كل صباح: فرصة أن يخفف حزنًا، أو يردّ مظلمة، أو يعلّم جاهلًا، أو يربّت على كتف متعب، أو يفتح أفقًا أمام من أغلقت الدنيا في وجهه أبوابها. ليست العظمة في أن تملأ الدنيا خبرًا، بل في أن تملأ قلبًا واحدًا خيرًا؛ فربّ قلبٍ أحييته بصدقك، صار بعدك سببًا في إحياء قلوبٍ كثيرة، وربّ معروفٍ ظننته صغيرًا، حمله الزمن فصار شجرةً وارفةً يأوي إلى ظلها أناسٌ لا تعرفهم.
فيا من تمضي على أرض الله، اجعل خطاك خفيفةً على القلوب، واجعل حضورك سلامًا، وكلامك غيثًا، وغيابك ذكرًا حسنًا. لا تترك وراءك ضجيجًا يرهق، بل سكينةً تُشتاق؛ ولا تترك جرحًا يتيمًا، بل يدًا تمسح دمعته؛ ولا تجعل عمرك رقمًا يضاف إلى الأعوام، بل معنى يُضاف إلى الحياة. فإن أجمل ما يملكه الإنسان ليس ما جمعه في يده، بل ما زرعه في غيره، وليس ما قاله عن نفسه، بل ما قالته الأرواح عنه حين يغيب.
إن العمر يمضي كما يمضي الظلّ عند الغروب، وكل ما فيه إلى أفول، إلا أثرًا صادقًا يرفعه الله في القلوب، ويباركه في الذكر، ويجعله شاهدًا لصاحبه لا عليه. فازرعوا ما تحبون أن تلقوه، وأضيئوا ما استطعتم من الدروب، واتركوا في الأرض أثرًا طيبًا؛ فربما كان أجمل ما يكتبه الإنسان في رحلته كلّها، ليس حرفًا على ورق، بل رحمةً في قلب، وأملًا في روح، ودعاءً يهمس به غريبٌ ذات مساء: رحم الله من مرّ من هنا… فقد ترك المكان أجمل.
البعنه == الجليل
14/09/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...
- قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر ...
- قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9 ...
- قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش ...
- قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س ...
- دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ ...
- طقوسُ الشاي المُقدَّسة
- قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي ...
- قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال ...
- وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة ...
- قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ ...
- قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال ...
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...


المزيد.....




- عصر الترجمة الذكية.. مطالب في الصين بتقليص تدريس الإنجليزية ...
- اللغة العربية وتحدّيات التكنولوجيا
- أثر الثقافة في التربية: بين الحزم والعقاب.. كيف ندير الصف؟
- الثقافة بين أجيال القدس: هل ما زالت تجمعنا؟
- في رحاب بغداد وفوق مياه النيل!
- بـ14 جائزة.. مسلسل -ويدوز باي- يحطم الرقم القياسي في جوائز إ ...
- -حبوب السعادة- التي تحولت إلى لعنة.. تقرير جديد يكشف سبب وفا ...
- فيلم -نازا- الإسرائيلي يفضح -أسطورة الجيش الأخلاقي- و-هآرتس- ...
- استبعاد الرابر الأمريكي ماكليمور من جولة -إد شيران- لدعمه لف ...
- الجفاف يهدد الزراعة والثروة الحيوانية في إقليم دارفور وسط تف ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - الأثر