أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري 9-9-2026 حكاية مِن حيثُ توقّفنا… سؤالُ البدايات في مَداراتِ النهايات: مقاربةٌ نقديةٌ تأويليةٌ في بلاغةِ السردِ وشِعريّةِ التلقّي.















المزيد.....



قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري 9-9-2026 حكاية مِن حيثُ توقّفنا… سؤالُ البدايات في مَداراتِ النهايات: مقاربةٌ نقديةٌ تأويليةٌ في بلاغةِ السردِ وشِعريّةِ التلقّي.


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 14:00
المحور: الادب والفن
    


قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري 9-9-2026
حكاية مِن حيثُ توقّفنا… سؤالُ البدايات في مَداراتِ النهايات: مقاربةٌ نقديةٌ تأويليةٌ في بلاغةِ السردِ وشِعريّةِ التلقّي.
مدخلٌ نظريٌّ منهجي: بين النصّ والقارئ
حين نُقبِلُ على نصٍّ سرديٍّ ينتمي إلى ما يمكن تسميتُه بـ«الأدب الوجدانيّ الاستعادي»، فإنّنا لا نقفُ أمامَ حكايةٍ تُروى فحسب، بل أمامَ بنيةٍ دلاليةٍ مُعقّدة، تَتداخلُ فيها مستوياتٌ متعددة: مستوى الحدث، ومستوى الذاكرة، ومستوى اللغة، ومستوى الرمز، ومستوى التلقّي. والنصُّ الذي بين أيدينا — وقد كتبتْه الكاتبةُ عاتكة الياسري — يُعدُّ من النصوص التي تَفتحُ أبوابَها للقراءةِ التأويليةِ الواعية، وتُتيحُ للناقدِ أن يُجرّبَ عليها مناهجَ متعددة، من البنيوية إلى السيميائية، ومن النقد الثقافي إلى النقد النفسي، ومن جماليات التلقّي إلى نقدِ النقد.
وإنّي في هذه المقاربةِ النقديةِ الموسّعةِ سأحاولُ — مستعينًا بالله — أن أُحيطَ بالنصّ من زواياه كافّة: بنيةً، ودلالةً، ولغةً، ورمزًا، وسردًا، وتلقّيًا، وتناصًّا، وأسلوبًا، حتى يكونَ هذا العملُ النقديُّ بمثابةِ مفتاحٍ تأويليٍّ يَفتحُ مغاليقَ الحكاية، ويكشفُ عن طبقاتِها العميقة.
الفصل الأول: البنية السردية وتقنيات الحكي
1. العمارة السردية: هندسةُ الزمن ومفارقتُه
يقومُ النصُّ على بنيةٍ زمنيةٍ مُزدوجةٍ تَتقاطعُ فيها خطوطٌ ثلاثة:
· زمنٌ حاضرٌ يبدأُ من لحظةِ وصولِ مريم إلى عمّان، ويمتدُّ حتى لحظةِ الوداع.
· زمنٌ ماضٍ قريبٍ يتعلّقُ بسنواتِ الدراسةِ الجامعيةِ في بغداد.
· زمنٌ ماضٍ سحيقٍ يتعلّقُ بطفولةِ الشخصيتين وجوارِهما في المنطقةِ نفسِها.
وهذا التداخلُ الزمنيُّ ليس ترفًا تقنيًا، بل هو جوهرُ الرؤيةِ الفنية؛ إذ تُريدُ الكاتبةُ أن تقولَ لنا إنّ الزمنَ في هذا النصِّ ليس خطيًّا، بل هو زمنٌ دائريٌّ لا يتقدّمُ إلا ليعود، ولا يعودُ إلا ليتقدّم. إنّه زمنُ الذاكرةِ الذي يَلتفُّ على نفسِه، كما تَلتفُّ اللوحةُ حولَ وجهٍ واحدٍ لا يتغيّر: وجه مريم الشقراء.
والبنيةُ العامةُ للنصّ تقومُ على تقنيةِ الاسترجاعِ الموجَّه، إذ يَتعاقبُ السردُ بين مقاطعَ حاضرةٍ تَقودُ إلى مقاطعَ ماضية، ثم يعودُ إلى الحاضر، ثم يَهبطُ إلى الماضي، في حركةٍ تشبهُ حركةَ المِكّوكِ في النَّول، تَنسجُ خيوطَ الحكايةِ على نَولِ الذاكرة.
ولقد أفلحت الكاتبةُ في تنويعِ الإيقاعِ السردي؛ إذ تُبطئُ في مواضعِ الوصفِ والتأمل، وتُسرعُ في مواضعِ الحدثِ والانعطاف. وهذا التنويعُ يُتيحُ للقارئ أن يَتنفّسَ مع النصّ، وأن يُشاركَ في إنتاجِ دلالتِه.
2. التقطيع الفصلي: من الوصلِ إلى الفصلِ إلى الوصل
جاء النصُّ مُقسَّمًا إلى ثلاثةِ فصولٍ، كلُّ فصلٍ يَحمِلُ عنوانًا مُوحّدًا: «مِن حيثُ توقّفنا». وهذا التكرارُ ليس تكرارًا آليًّا، بل هو تكرارٌ دلاليٌّ يَصنعُ من العنوانِ لازمةً موسيقيةً تُذكّرُ القارئَ بأنّ الحكايةَ لم تَنتهِ، وأنّ كلَّ فصلٍ هو استئنافٌ لما توقّفَ عنده السردُ في الفصلِ السابق.
والفصلُ الأولُ يَعرضُ الوضعَ الراهنَ: باسمٌ المريضُ، ومريمُ المهاجرةُ، والمعرضُ الذي سيكونُ مكانَ اللقاء.
والفصلُ الثانيُ يَعرضُ الخلفيةَ العاطفيةَ: الحبُّ الأولُ، والرفضُ الأبويُّ، والفراقُ القسريُّ.
والفصلُ الثالثُ يَعرضُ اللقاءَ الأخيرَ: الصدامُ بين الذاكرةِ والحاضرِ، والموتُ الذي يَختتمُ الحكايةَ بفاجعةٍ هادئة.
وهذا التقسيمُ يُحاكي بِنيةَ المأساةِ الكلاسيكية: عرضٌ، فتصعيدٌ، فنهايةٌ مأساوية. غير أنّ الكاتبةَ عالجتْ هذه البنيةَ بلمسةٍ حداثيةٍ جعلتْ من الموتِ نهايةً مفتوحةً على الأسئلة الكبرى.
3. وجهة النظر والصوت السردي
يَغلبُ على النصّ السردُ بضميرِ الغائبِ الذي يَتّخذُ مسافةً متوسطةً من الشخصيات، فيَصفُ ما يجري في الخارجِ كما يَصفُ ما يجري في الداخل. لكنّ هذه المسافةَ الموضوعيةَ تتضاءلُ في مواضعَ كثيرة، ليَظهرَ الصوتُ الداخليُّ للشخصيةِ من خلالِ المونولوجِ غيرِ المباشر، كما في قولها: «كان يشعرُ أنه يطيرُ من السعادة. لم يكن يسمعُ ما يقولُه والدُه إلى جانبِه. كان يُفكّرُ في جملةٍ واحدةٍ فقط: إذا احتاجتْ أيَّ شيءٍ…».
وهذا التذبذبُ بين المسافةِ الموضوعيةِ والاقترابِ الحميمِ يُنتجُ ثنائيةَ الواقعِ والحلمِ التي تَسمُ النصَّ كلَّه؛ فالكاتبةُ تُخبرُنا عمّا يقع، ثم تَتركُنا نَسمعُ ما لا يقعُ إلا في القلوب.
والسردُ النسويُّ في هذا النصّ ليس سردًا متحيّزًا، بل هو سردٌ مُتوازنٌ يُعطي كلَّ شخصيةٍ حقّها من الحضورِ والتعبير. غير أنّ ثمّةَ حساسيةً أنثويةً تتجلّى في التقاطِ التفاصيلِ الصغيرةِ التي تَصنعُ الحياةَ اليومية: الفستانُ الأخضر، والشالُ، ورنّةُ الهاتف، ورائحةُ الخبز، وظلُّ النخلة. وهذه الحساسيةُ ليست ضعفًا، بل هي قوةٌ إدراكيةٌ تَرى في الهامشِ ما لا يراهُ المتن.
الفصل الثاني: الشخصيات بين البعد النفسي والبعد الاجتماعي
1. باسم: العاشقُ الفنانُ الذي يَرسمُ للنجاة
باسمٌ شخصيةٌ تراجيديةٌ بامتياز؛ إذ يجتمعُ فيها العشقُ والفنُّ والفقرُ والمرض، فتَصيرُ حياتُه سلسلةً من الخساراتِ المتتالية: خسارةُ القبولِ في أكاديميةِ الفنون، خسارةُ مريم، خسارةُ الوطن، خسارةُ الصحة، وأخيرًا خسارةُ الحياةِ نفسها.
غير أنّ باسمًا لا يَنهزمُ أمامَ هذه الخسارات، بل يُحوّلُها إلى إبداع: فالحرمانُ من دراسةِ الفنّ جعلَهُ فنانًا عصاميًّا، والحرمانُ من مريم جعلَهُ راسمًا لا يَكفُّ عن إعادةِ خلقِها في لوحاتِه، والمرضُ نفسُه جعلَهُ يَعودُ إلى عمّان ليَلقى حبيبَتَه الأخيرةَ قبل الرحيل.
وباسمٌ هنا شخصيةٌ فاعلةٌ ومُفعولٌ بها في آنٍ واحد: هو فاعلٌ حين يقرّرُ أن يَعرضَ لوحاتِه، وحين ينتظرُ مريمَ في الممرّات، وحين يتقدّمُ لخطبتِها، وحين يَتزوّجُ ابنةَ خالِه، وحين يذهبُ إلى المعرض. وهو مُفعولٌ به حين يَرفضُهُ والدُ مريم، وحين تُساقُ به الأقدارُ إلى الجيشِ والحرب، وحين يَفترسُهُ المرضُ أخيرًا.
وأما البُعدُ الاجتماعيُّ لشخصيةِ باسمٍ فيتمثّلُ في أنّه ابنُ الطبقةِ الوسطى التي كانت تَدفعُ أبناءَها إلى التعليمِ والوظيفةِ الحكوميةِ والاستقرارِ في إطارِ التقاليد. وباسمٌ لم يَتمرّدْ على هذا الإطار، بل قَبِلَ به، لكنّه في الوقتِ نفسِه ظلّ يَحتفظُ بجَمرةِ الفنّ والعشقِ في سريرتِه.
2. مريم: الأنثى المُمزَّقةُ بين الواجبِ والرغبة
مريمُ شخصيةٌ مُركّبةٌ من طبقاتٍ ثلاث:
· الطبقةُ الأولى: الابنةُ البارّةُ التي ظلّتْ مع والديها المُسنّين في أستراليا، وتَحمّلتْ مسؤوليةَ رعايتِهما دونَ شكوى.
· الطبقةُ الثانية: الأكاديميةُ الجادّةُ التي حَصلتْ على الماجستيرِ والدكتوراه، وأصبحتْ «الدكتورة».
· الطبقةُ الثالثة: العاشقةُ الصامتةُ التي تَكتُبُ كلَّ ليلةٍ عن رجلٍ لا تُسمّيه، وتَحتفظُ بدفترِها كما يَحتفظُ الناسُ بأغلى ما يملكون.
وهذا التعدّدُ في الشخصيةِ ليس انفصامًا، بل هو تعبيرٌ عن صراعٍ داخليٍّ بين الذاتِ الاجتماعيةِ والذاتِ العاطفية. فمريمُ في النهارِ دكتورةٌ وابنةٌ وأختٌ مسؤولة، وفي الليلِ تعودُ إلى تلك الشقراءِ التي لم تَكبرْ أبدًا، والتي ما تزالُ تَنتظرُ باسمٍ عند بابِ المدرسة.
ومريمُ شخصيةٌ مُتلقّيةٌ أكثرَ منها فاعلة: إنّها تَنظرُ إلى باسمٍ ولا تُكلّمُه، وتَنتظرُ مكالمتَه ولا تَردُّ، وتَذهبُ مع صديقاتِها إلى المعرضِ دونَ أن تعرفَ ماذا تريد. لكنّ هذا التلقّي ليس سلبيةً، بل هو فعلُ مقاومةٍ صامتة: إنّها تقاومُ إغراءَ الحبّ بالانضباط، وتقاومُ إغراءَ التمردِ بالطاعة، وتقاومُ إغراءَ النسيانِ بالكتابة.
3. الشخصيات الثانوية: مَرايا للذاتِ الجريحة
· والدُ مريم: يُمثّلُ السلطةَ الأبويةَ بوجهِها الاقتصاديِّ والاجتماعيّ. لكنّ الكاتبةَ لم تَجعلْ منه شريرًا مُطلقًا، بل جعلتْهُ أبًا يَرى في رفضِهِ حمايةً لابنتِه من حياةٍ ربّما لا تليقُ بها. وهذا العدلُ في تصويرِ الشخصياتِ من أخلاقياتِ السردِ الرفيع.
· والدُ باسم: يُمثّلُ الطبقةَ الوسطى المثقفةَ التي تَعرفُ قيمتَها لكنّها عاجزةٌ عن فرضِ إرادتِها في مجتمعٍ يَحكمُه المالُ والجاه. وهو شخصيةٌ صامتةٌ لكنّها حاضرةٌ بدلالاتِها العميقة.
· الصديقاتُ: يَقمنَ بدورِ الجسرِ بين الحاضرِ والماضي؛ فهنّ اللواتي يُذكّرنَ مريمَ باسمٍ، ويُقترحنَ زيارةَ المعرض، ويُوصلنَها إلى المكانِ الذي سيكونُ فيه اللقاء.
· سائقُ التاكسي: شخصيةٌ خاطفةٌ لكنّها رمزيةٌ؛ فهو آخرُ من رأى باسمٍ حيًّا، وهو الذي نطقَ بعبارةِ الاسترجاعِ الأخيرة: «لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله»، وكأنّها شهادةُ الموتِ على انقضاءِ حكايةِ عشقٍ كاملة.
الفصل الثالث: اللغة والأسلوب بين الشعرية والسردية
1. السجعُ والموازنة: إيقاعُ الوجد
لا شكّ أنّ السجعَ هو أبرزُ سماتِ هذا النصّ الأسلوبية. غير أنّ سجعَ عاتكة الياسري ليس السجعَ المتكلَّفَ الذي يُفسدُ المعنى، بل هو سجعٌ وظيفيٌّ يَخدمُ الدلالة، ويُضفي على السردِ إيقاعًا مُوسيقيًّا يُحاكي نَبراتِ الوجد.
ومن أمثلةِ ذلك:
· «كان يُحفَظُ في الذاكرة، ويَكبرُ في المسافة».
· «لم تكن تحيةً، ولا سؤالًا، ولا شيئًا مما تخيّلَه طوالَ السنواتِ الماضية».
· «كانت لوحاتُه تَرسمُ العراقَ كما يَسكنُ في ذاكرةِ من غادروه؛ الأزقّةَ القديمةَ والمقاهيَ والأسواقَ والباعة».
· «كان الصمتُ يعني: أحبّك. والتنهيدةُ: اشتقتُ إليك».
فهذه الجملُ ليست مجرّدَ تزويقٍ لفظيٍّ، بل هي مقابلاتٌ معنويةٌ تَجعلُ من السجعِ أداةً لتقريبِ المتناقضات، وإبرازِ المفارقاتِ الوجدانية.
2. الصورة الفنية: تَداخلُ المحسوسِ والمجرد
إنّ الكاتبةَ تَملكُ قدرةً فائقةً على تجسيدِ المجرد؛ فالحبُّ عندها «يُحفظُ في الذاكرة»، والقلقُ «رفيقُ الآخر»، والغيابُ «يسكنُ القلبَ والذاكرة». وهذا التجسيدُ ليس استعارةً عابرة، بل هو رؤيةٌ فنيةٌ تَنظرُ إلى العواطفِ ككائناتٍ حيّةٍ تَتحركُ وتُقيمُ وتَرحل.
ومن أبلغِ صورِ النصّ:
· «كانت عيناها تقعانِ عليه ما إن تخرجَ من منزلِها في آخرِ الشارع»: فالعينانِ هنا ليستا عضوينِ للنظر، بل كائنينِ مُستقلّينِ يَقَعانِ على المحبوبِ كما يَقَعُ الطيرُ على الغصن.
· «حتى حين لا يَرسمُ امرأةً، كان يَرسمُ وردةً، فتخرجُ من بين أوراقِها ملامحُها»: وهذه من أرقّ الصورِ في النصّ؛ إذ تُمثّلُ تسربَ الحبيبةِ إلى كلّ مظاهرِ الوجود، فلا شيءَ بعدَها إلا ويُشبهُها.
· «كانت المرأةُ في اللوحاتِ لا تُشبهُها تمامًا. لكنّها كانت تَعرفُها»: وهنا تتجلّى مفارقةُ الاعترافِ بين الشبهِ والمعرفة؛ فالشبهُ أمرٌ شكليٌّ، أمّا المعرفةُ فحدسٌ قلبيٌّ لا يُخطئ.
3. اللغةُ بين الفصحى والعامية: ثنائيةُ القربِ والبُعد
لقد اختارت الكاتبةُ اللغةَ الفصحى في السردِ والوصف، لكنّها نزلتْ إلى العاميةِ العراقيةِ في مواضعَ من الحوار، كما في قولِ مريم: «شعدنا رايحين؟ هااا أوكي خلي نروح»، وقولِها: «مو الإسكيمو».
وهذا الانتقالُ ليس عيبًا، بل هو اختيارٌ أسلوبيٌّ يَستهدفُ تحقيقَ أمرين:
· الواقعيةَ الحوارية: إذ إنّ الشخصياتِ العراقيةَ تتكلّمُ في حياتِها اليوميةِ بالعامية، ومن غيرِ المنطقيّ أن يَتحاورَ عراقيانِ في مقهى بفُصحى مُنمَّقة.
· الحميميةَ العاطفية: إذ إنّ العاميةَ هي لغةُ القلبِ الأولى، لغةُ البيتِ والشارعِ والذكريات، والفُصحى هي لغةُ السردِ والتأمل. وبذلك تَنقسمُ اللغةُ على مستوى النصّ إلى لغتين: لغةٍ تَحكي، ولغةٍ تَنبض.
4. التناصُّ: حوارُ النصوصِ والثقافات
النصُّ لا يَعيشُ في فراغ، بل هو نسيجٌ من تناصّاتٍ تتعدّدُ مصادرُها:
· تناصٌّ دينيٌّ: في عبارةِ «اسم الله» التي نَطقتْ بها مريمُ حين تَعثّرَ باسم، وهي عبارةٌ تُحيلُ إلى ثقافةِ الاستعاذةِ من السوء، وتَعكسُ قلقَ المحبّةِ على المحبوب.
· تناصٌّ شعبيٌّ: في شخصيةِ «خالة أم عماد» التي تَنقلُ الأخبارَ بين البيوت، وهي شخصيةٌ تُذكّرُنا بفكرةِ «الراوي الشعبيّ» في الحكاياتِ العربية.
· تناصٌّ موسيقيٌّ: في حضورِ أمّ كلثوم في المقطعِ الأخير، وهو حضورٌ يوحي بالعودةِ إلى زمنِ الأغاني الطويلةِ التي كانت تُسمَعُ في السياراتِ والمقاهي، ويُضفي على المشهدِ نبرةً رثائية.
5. الإيقاعُ العامُّ للجملةِ السردية
تمتازُ الجملةُ السرديةُ عند عاتكة الياسري بأنّها جملةٌ قصيرةٌ مُتنفِّسة، تَعتمدُ على الفعلِ أكثرَ من الاسم، وعلى الحذفِ أكثرَ من الإطناب. وهذه الجملةُ تُشبهُ ضرباتِ القلبِ الخفيفة: تأتي سريعةً، لكنّها تَتركُ أثرَها عميقًا.
ومن أمثلةِ ذلك:
· «مضت السنواتُ. كبرتْ مريمُ، وتغيّرتْ، وابتعدتْ عن العراقِ أكثرَ فأكثر».
· «جاءتْ من أجلِه. كانت تَعرفُ أنّها سَتعرفُه، مهما تغيّرَ وجهُه».
· «قالت: سنتحدّثُ غدًا. ثم رَفعتْ عينيها إليه: هل سأراكَ غدًا؟».
فهذه الجملُ القصيرةُ تَصنعُ إيقاعًا قويًّا يُحاكي إيقاعَ اللحظاتِ الحاسمةِ في الحياة، حيث لا مجالَ للإطالةِ أو التزيّن.
الفصل الرابع: الرمز والأسطورة: من الخاصّ إلى الكونيّ
1. اللوحةُ رمزًا للخلود
اللوحةُ في هذا النصّ ليست مجرّدَ عملٍ فنيٍّ يُباعُ ويُشترى، بل هي مُحاولةٌ للتغلّبِ على الموت. باسمٌ الذي يَعرفُ أنّ أيامَه معدودة، يَتركُ في اللوحاتِ وجهَ مريم، فيظلُّ هذا الوجهُ حيًّا بعد رحيلِه.
وهذا يُذكّرُنا بأسطورةِ بيغماليون الذي نَحتْ تمثالًا لامرأةٍ جميلةٍ فأحبّه حتى استجابت الآلهةُ ومنحتهُ الحياة. لكنّ باسمًا لا يَطلبُ من الآلهةِ أن تُحيي لوحاتِه، بل يَطلبُ من الفنّ أن يُخلّدَ حبَّه.
2. الشقراءُ رمزًا للحبّ الأول
الشقراءُ التي تَتكرّرُ في اللوحاتِ ليست مريمَ فقط، بل هي فكرةُ الحبّ الأولِ التي تَسكنُ كلَّ قلبٍ عاشق. إنّها حواءُ الآداب، وعزّةُ كثيرٍ من الشعراء، وليلى في هيئةٍ حديثة. ولذلك فإنّ القارئَ لا يَتعاطفُ مع باسمٍ لأنّه فَقَدَ مريمَ فحسب، بل لأنّه — مثلُه — فَقَدَ حبًّا أولًا في مكانٍ ما من طفولتِه أو شبابِه.
3. المكانُ رمزًا للهوية
المكانُ في هذا النصّ ليس خلفيةً للحدث، بل هو بطلٌ مضمرٌ:
· بغدادُ: هي المدينةُ التي احتضنتِ الحبَّ الأول، وشهدتْ تَكوّنَ الوعيِ والذات.
· عمّانُ: هي مدينةُ المنافي والأحلامِ المُؤجّلة، مكانُ اللقاءِ الأخيرِ الذي لم يَكتمل.
· أستراليا: هي المنفى البعيدُ الذي تَشتغلُ فيه الحياةُ اليوميةُ على حسابِ الذاكرة.
وهذه الأمكنةُ الثلاثةُ تُشكّلُ مثلثَ الغربةِ والحنينِ والعودةِ المكسورة، وهو مثلثٌ يَختزلُ تجربةَ العراقيين في الشتات.
4. الموتُ رمزًا للرحمةِ الختامية
إنّ موتَ باسمٍ في نهايةِ الحكايةِ ليس نهايةً مفجعةً بالمعنى التقليديّ، بل هو نهايةٌ مأساويةٌ رحيمةٌ؛ إذ يَموتُ باسمٌ بعد أن رأى مريم، وبعد أن سَمعَ صوتَها، وبعد أن قَبّلَ جبينَها. لقد نالَ قبلَ موتِه ما كان يَكفيه: يومًا واحدًا من حضورِ الحبيبة، بعد أربعين سنةً من الغياب.
وكأنّ الكاتبةَ تقولُ لنا: إنّ الحبَّ لا يُقاسُ بطولِ العمر، بل بعمقِ اللحظة. ويومٌ واحدٌ مع من نُحبّ قد يَعدلُ عُمرًا كاملًا مع من لا نُحبّ.
الفصل الخامس: البعد الثقافي والاجتماعي
1. الحبُّ في مجتمعٍ محافظ: جدليةُ الحضورِ والخفاء
إنّ النصَّ يُصوّرُ حبًّا داخلَ الأسوار، حبًّا لا يَجرؤُ على الخروجِ إلى العلن، لأنّ المجتمعَ لا يَسمحُ بذلك. وباسمٌ ومريمُ يَعيشانِ هذا الحبَّ في مساحةٍ ضيّقةٍ من الحذرِ والترقّبِ والخوف.
وهذا التصويرُ يُحيلُنا إلى أنثروبولوجيا الحبّ في المجتمعاتِ العربيةِ التقليدية، حيث كان الحبُّ موجودًا لكنّهُ مُقنَّعٌ، يَتخفّى في النظراتِ والرسائلِ والمكالماتِ الصامتة.
2. الفوارقُ الطبقيةُ وصراعُها مع العاطفة
ثمّة صراعٌ طبقيٌّ خفيٌّ يَدورُ في النصّ بين باسمٍ ومريم: هو ابنُ مدرّسٍ متقاعد، وهي ابنةُ تاجرٍ ثريّ. وهذا الصراعُ ليس مُعلنًا، لكنّه حاضرٌ في تفاصيلَ صغيرة:
· في بيتِ مريم الكبيرِ ذي الطابقين.
· في سيارةِ والدِ مريم التي يَعرفُها أهلُ المنطقةِ جميعًا.
· في قولِ الكاتبة: «كان البيتُ يقولُ أشياءً لا تحتاجُ إلى كلام. قصرٌ من الداخل. ثراءٌ ظاهرٌ في كلّ ركن».
والوالدُ حين يَرفضُ باسمًا لا يَرفضُه لشخصِه، بل يَرفضُ مستواهُ الاجتماعي، ويرى أنّ ابنتَهُ تستحقُّ مستوى أعلى.
3. الحربُ والتهجير: قدرُ العراقيين الجمعيّ
النصُّ يَختزلُ مأساةَ العراقيين في العقودِ الأخيرة: حربٌ تُلوح، ثم سفرٌ، ثم غيابٌ، ثم تشتُّتٌ في المنافي. وباسمٌ ومريمُ ليسا فردين، بل هما رمزانِ لجيلٍ كاملٍ فرّقتْهُ الحروبُ والمنافي، فإذا به يجدُ نفسَه في عمّانَ أو أستراليا أو غيرِهما، يَحملُ ذاكرةً مشقوقةً بين وطنٍ لا يُنسى ووطنٍ لا يُحبّ.
4. الأكاديميا النسوية وضريبتُها العاطفية
مريمُ المرأةُ الحاصلةُ على الدكتوراه لم تَتزوّجْ، لا لأنّها لا تريد، بل لأنّها لم تجدْ قلبَها في رجلٍ آخر. وهذا يُحيلُنا إلى إشكاليةِ المرأةِ المثقفةِ في المجتمعاتِ العربية: هل كانت مريمُ ستَبقى وفيةً لحبّها الأولِ لو كانت قد حصلتْ على فرصةِ زواجٍ عاديّ؟ أم أنّ نجاحَها الأكاديميَّ كان بديلًا تعويضيًّا عن حبٍّ ضائع؟
النصُّ لا يُجيبُ على هذا السؤالِ مباشرةً، لكنّه يَتركُهُ مفتوحًا أمامَ القارئ.
الفصل السادس: جماليات التلقّي وأثر النص في القارئ
1. أفقُ الانتظارِ ومفاجأةُ الموت
إنّ القارئَ الذي تَابعَ الحكايةَ منذُ بدايتِها يَنتظرُ أن يَجتمعَ الحبيبانِ في النهاية، وأن يُتوجَ هذا اللقاءُ بزواجٍ متأخرٍ أو على الأقلّ بِوصلٍ هادئ. لكنّ الكاتبةَ تَخذلُ هذا الأفقَ بموتِ باسم، فتُحدثُ صدمةً جماليةً تَجعلُ القارئَ يُعيدُ قراءةَ النصّ من جديد.
وهذه الصدمةُ ليست عبثيةً، بل هي رسالةٌ فلسفية: إنّ الحياةَ لا تَمنحُنا دائمًا ما نَستحقّ، وإنّ الحبَّ قد يَبلغُ ذروتَهُ في اللحظةِ التي يَنطفئُ فيها.
2. القارئُ الضمنيُّ ومشاركتُه في إنتاجِ الدلالة
النصُّ لا يَفرضُ على القارئِ تفسيرًا واحدًا، بل يَفتحُ أبوابًا متعددةً للتأويل:
· هل كانت مريمُ مُلامةً على عدمِ تمسّكِها بباسم؟
· هل كان باسمُ مُلامًا على زواجِه من ابنةِ خالِه؟
· هل كان الموتُ نهايةً عادلةً لهذه الحكاية؟
إنّ القارئَ الضمنيَّ في هذا النصّ هو قارئٌ مُشاركٌ، يَعيشُ الحكايةَ بوجدانِه، ويُسقطُها على تجربتِه الشخصية.
3. التطهيرُ المأساويُّ: أثرُ الفاجعةِ في النفس
إنّ النهايةَ المأساويةَ تُحدثُ في نفسِ القارئِ ما يُسمّيه أرسطو بـالتطهير: فبعد أن تُدركَ الفاجعةُ يُحِسُّ القارئُ بخفّةٍ غريبة، وكأنّهُ تَخلّصَ من همومِه الخاصةِ من خلالِ مشاركتِه في همّ الشخصية.
وهذا التطهيرُ يَتحققُ هنا عبرَ التحولِ الدلاليِّ للموت: فباسمٌ لا يَموتُ موتًا عاديًّا، بل يَموتُ بعد أن اكتملتْ دائرتُه، وبعد أن رأى وجهَ مريمَ الأخير. إنّهُ يَموتُ وهو مُمتلئٌ بالحضور، لا وهو فقيرٌ من الغياب.
الفصل السابع: تقييمٌ تكامليٌّ وملاحظاتٌ نقدية
1. مواطنُ القوةِ والتميّز
· اللغةُ الشاعرةُ: تَمكُّنٌ واضحٌ من أدواتِ البيانِ والبديع.
· الصورُ الفنيةُ: قُدرةٌ على تحويلِ المجردِ إلى محسوس.
· البنيةُ السرديةُ: هندسةٌ زمنيةٌ مُتقنةٌ تَخدُمُ الرؤيةَ الفنية.
· الرمزيةُ: إحالةُ الخاصِّ إلى الكونيّ في غيرِ تكلُّف.
· الصدقُ الوجدانيُّ: تَدفُّقٌ عاطفيٌّ لا يَفتعلُ الحزنَ ولا يَستجدي الدموع.
2. ما يمكنُ التوقُّفُ عنده
· الإطالةُ الوصفيةُ: بعضُ المقاطعِ في وصفِ الحياةِ اليوميةِ لمريمَ في أستراليا كان يمكنُ اختزالُها دونَ أن تَخسرَ الحكايةُ شيئًا من دلالتِها.
· المباشرةُ العاطفيةُ: في مواضعَ قليلةٍ نَطقتِ الكاتبةُ بما كان يَنبغي أن تَتركَهُ للقارئ، كقولِها: «كانت أجملُ المكالماتِ تلك التي يَسودُها الصمتُ». فهذه جملةٌ جميلةٌ لكنّها كانت ستكونُ أجملَ لو تُركتْ للقارئِ ليَكتشفَها بنفسِه.
· الحوارُ الداخليُّ: كان يمكنُ أن يكونَ أكثرَ ثراءً في بعضِ المواضع، خاصةً في مشهدِ اللقاءِ الأخير، حيث بدا الحوارُ مُقتضبًا إلى حدِّ الخِفّة.
3. الخاتمةُ النقدية
إنّ «حكاياتِ الآداب» كما تَكتبُها عاتكة الياسري ليست مجرّدَ حكايات، بل هي مرايا وجدانٍ تَعكسُ ما في القلوبِ من حنينٍ وصمتٍ وألم. وهذا النصُّ بالذاتِ يَستحقُّ أن يُقرأَ قراءةً تأويليةً واعية، لا لأنّهُ يَحكي قصّةَ حبٍّ عراقيٍّ فحسب، بل لأنّهُ يَطرحُ أسئلةً كبرى عن القدرِ والحريةِ والذاكرةِ والموت، ويَفعلُ ذلك بلغةٍ تَعرفُ كيف تَلمسُ شغافَ القلبِ دونَ أن تَنزلَ عن مستواها الفنيّ.
فيا عاتكةُ، لقد أتقنتِ فنَّ الحكيِ الموجعِ الجميل، وجعلتِ من «مِن حيثُ توقّفنا» عنوانًا للأسئلةِ المؤجّلةِ في حياتِنا جميعًا. فإلى أينَ تمضي بنا الحكاياتُ القادمة؟
خلاصة المقاربة النقدية في جدول
المحور النقدي التقييم الدرجة التقديرية
البنية السردية متماسكة، تقوم على تناوبٍ زمنيٍّ مُتقن ممتاز
الشخصيات عميقةٌ نفسيًا واجتماعيًا ممتاز
اللغة والأسلوب شعريةٌ عالية، سجعٌ وظيفيٌّ، صورٌ بليغة ممتاز
الرمزية والدلالة ثريةٌ، تُحيلُ الخاصَّ إلى الكونيّ جيد جدًا
البعد الثقافي حضورٌ واعٍ لقضايا الطبقةِ والحربِ والمنفى ممتاز
جماليات التلقّي صدمةٌ مأساويةٌ تُحدثُ تطهيرًا ممتاز
الإيقاع السردي فيه إطالةٌ يسيرةٌ في بعضِ المواضع جيد جدًا
الحوار وجدانيٌّ بامتياز، لكنّه يَميلُ أحيانًا إلى المونولوج جيد
ما بعد القراءة: سؤالٌ مفتوح
بقي أن نَسأل: هل كان بإمكانِ الحكايةِ أن تَنتهي نهايةً أخرى؟ هل لو عاشَ باسمٌ وتزوّجا في عمّان، لكانتِ الحكايةُ أجملَ أو أصدق؟
إنّ السردَ العظيمَ لا يُقاسُ بنهاياتِه السعيدةِ أو الحزينة، بل بأثرِه الباقي في الروح بعد إغلاقِ الصفحة. وهذا النصُّ يَتركُ فينا أثرًا لا يُمحى: أثرَ حبٍّ لم يَمُتْ، ولوحةٍ لم تَجفّ، وصوتٍ ما يزالُ يَتردّدُ في الممراتِ القديمةِ لكليةِ الآداب.
ومِن حيثُ توقّفنا… نبدأ القراءةَ من جديد.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
9/09/2026
*******************
من حيث توقّفنا
حكاية جديده من قصص الآداب
الفصل الاول
كان باسم يقترب من الستين حين جاء إلى الأردن للعلاج.
كان التعب ظاهرًا في وجهه، لكنه لا يشتكي. جاء مريضًا، يحمل معه قلق رجل يعرف أن إقامته في عمّان ستطول.
لذلك وافق على اقتراح أحد الأصدقاء:
لماذا لا تعرض بعض لوحاتك للبيع؟ العراقيون يحبون هذا النوع من الرسومات، وسوف تساعدك في مصاريف العلاج.
لم يكن باسم فنانًا مشهورًا. لم تُعلّق لوحاته في متاحف العالم، ولم يعرفه النقاد إلا في حدود ضيقة. كان رسامًا محليًا، ومدرسًا متقاعدًا قضى عمرًا طويلًا بين المدرسة والمرسم.
لذلك وافق على الاقتراح، واتفق مع قاعة الأورفلي في عمّان على عرض مجموعة من لوحاته.
انتشر الخبر بين العراقيين بسرعة.
كانت لوحاته ترسم العراق كما يسكن في ذاكرة من غادروه؛ الأزقة القديمة والمقاهي والأسواق والباعة ذلك العراق الذي يختبئ في رائحة الخبز، وفي ظل نخلة على جدار، وفي باب خشبي قديم، ورجل يجلس وحده أمام مقهى.
وكان هناك شيء آخر
وجهها.
كان يظهر في كل لوحاته
مرة امرأة تقف عند نافذة.
ومرة فتاة تمشي في شارع قديم.
ومرة وجه يطل من بين أشجار النخيل.
حتى حين لا يرسم امرأة، كان يرسم وردة، فتخرج من بين أوراقها ملامحها.
يرسم فراشة، فيضع في عينيها شيئًا من عينيها.
يرسم نافذة، فتبدو كأنها تنتظر وجهًا سيظهر خلفها.
شقراء، شعرها منسدل على كتفيها، وجهها ممتلئ، وعيناها لامعتان تميلان إلى الصفرة.
————————————————
في الطرف الآخر من العالم، كانت مريم تطوي فستانًا أخضر وتضعه في حقيبة صغيرة.
كانت أمها قد قالت لها قبل قليل:
لا تنسي أن تأخذي الشال.
مريم: أخذته في حقيبتي.
الأم: تأكدي.
ابتسمت مريم.
أمي أنا ذاهبة إلى الأردن مو الإسكيمو.
ضحكت أمها.
كان البيت في أستراليا هادئًا.
والداها كبرا كثيرًا، وأصبحت الأشياء التي كانت تفعلها أمها بسهولة تحتاج الآن إلى مريم.
أما والدها فقد أصبح يحتاج من يذكّره بالدواء، وبموعد الطبيب، وبأن لا يخرج وحده في المساء.
لم تكن مريم تشكو.
اعتادت أن تجعل العناية بهما جزءًا من يومها، كما اعتادت الدراسة والعمل.
كانت أصغر إخوتها.
وحين تزوج أخوها وأختها واستقرا في مدن أخرى، بقيت هي.
لم تكن قد خططت لحياة كهذه.
الحياة فقط أخذت قراراتها الصغيرة واحدًا بعد الآخر.
والزواج لم يأتِ.
كانت لديها محاضرات، وكتب، وأوراق بحث. حصلت على الماجستير، ثم الدكتوراه.
وكان لديها أم تحتاج دواءها في الثامنة، وأب يصر على أن يمشي وحده رغم أن ركبتيه لم تعودا تساعدانه.
كانت تعرف كيف تعيش يومها كاملًا.
ثم في كل ليلة حين يهدأ البيت… ويغفو والداها، كانت تفتح دفترها الذي لا يفارقها وتكتب عن رجل لا تسميه.
عن مدينة تركتها ولم تتركها.
عن يد أفلتتها رغمًا عنها
ويد أخرى لم تستطع أن تتمسك بها.
ثم تغلق الدفتر.
لا ترسل شيئًا.
لا تنتظر أحدًا.
تنام.
وفي الصباح تعود مريم.
الدكتورة.
الابنة.
الأخت.
المرأة التي تعرف كيف تدير يومها.
لكن في مكان ما، بعيدًا عن كل هذه الأسماء، كانت تختبئ تلك الشقراء التي لم تكبر أبدًا.
————————————————
جاءت إلى الأردن لحضور حفل زفاف ابن أخيها.
وهذه المناسبات في عمّان كانت أكثر من عرس.
كانت استعادة للعلاقات بين الناس الذين فرقتهم البلدان.
يأتي الأقارب من مدن مختلفة، والأصدقاء من مدن أخرى، وجوه لم تلتقِ منذ سنوات.
كلهم عراقيون يحملون أخبار مدنهم كما يحملون الهدايا.
تتكرر اللقاءات والعزائم والنزهات.
وفي إحدى المرات، في إحدى المرات كانت تجلس في مقهى مع صديقات عرفتهن منذ سنوات بعيدة، حين وصلت إلى الأردن أول مرة قادمة من بغداد.
تحدثن طويلًا وضحكن.
استعدن أسماء قريبات تزوجن، وأخريات ترمّلن، وعائلات توزعت في العالم، وأماكن جميلة كانوا يرتادونها حينذاك.
وذُكرت قاعة الأورفلي.
وهو مكان يعرفه العراقيون في عمّان.
فقالت إحدى الصديقات:
هناك معرض جميل لرسام عراقي.
أي معرض؟
رسام عراقي. لوحاته جميلة جدًا.
ثم قالت الاسم:
اسمه باسم.
لم تسقط الكلمة من فمها.
بل سقطت في قلب مريم.
لم ترفع رأسها.
بقيت تنظر إلى فنجان القهوة.
تنهدت.
لم يكن اسمًا عاديًا يمر في أذنها مثل بقية الأسماء.
أعادت صديقتها السؤال:
ما رأيكم أن نذهب؟
وفجأة لم تعد مريم في عمّان.
كانت في كلية الآداب.
تدخل إلى الباحة وتنظر إلى الدرج الذي يؤدي إلى قسمها قسم الإنكليزي.
عاد إليها وجه شاب وابتسامة.
شاب يقف بعيدًا.
خجولًا أكثر مما ينبغي.
ولم لا يكون هو؟
الرسام باسم.
لقد كان يعشق الرسم
قطع على مريم رحلتها إلى تلك الأيام صوت صديقة أخرى:
نعم، لديه لوحات بغدادية رائعة، وأجمل ما في لوحاته تلك الشقراء التي لا تكاد تخلو لوحة من وجهها وعينيها…
رددت مريم في قلبها
نعم، إنه هو بلا شك.
تذكرت كيف كان يقف هناك.
يراقبها.
وكأنه لم يكن يملك في العالم كله إلا وجهها.
قالت صديقتها:
مريم، تريدين أن نذهب؟
لم تكن تعرف ماذا تريد.
لا… لا… شعدنا رايحين؟
هااا أوكي خلي نروح.
تريد أن تراه… معقول هو باسم؟
كيف أصبح؟
هل غيّرته السنوات كما غيّرتها؟
هل يتذكرها؟
وبدون تردد قالت: يله نروح.
———————————————
تحركت الصديقات باتجاه قاعة الأورفلي، وهنّ يتحدثن عن المعرض واللوحات.
أما مريم فكانت في عالم آخر.
تنظر من شباك السيارة إلى المباني التي تمر بها لكن ذاكرتها عادت إلى عام ١٩٨٦.
إلى يوم قبولها في كلية الآداب، قسم الإنكليزي.
تذكرت باسم وهو ينتظرها كل يوم عند الدرج المؤدي إلى القسم.
ذلك الشاب الوسيم الذي لم تجمعها به كلمة واحدة قبل ذلك
لم يكن بينهما موعد مسبق، ولا اتفاق.
ولا تتذكر مريم بالتحديد متى وكيف بدأت الحكاية.
كل ما تتذكره أنها كانت تراه كل صباح حين تذهب إلى المدرسة، واقفًا أمام باب بيته، متظاهرًا بأنه يستعد للذهاب إلى مدرسته.
كانت عيناها تقعان عليه ما إن تخرج من منزلها في آخر الشارع، وما إن يراها حتى يتباطأ في مشيته، وكأنه وجد سببًا يؤخره عن الذهاب.
وتظل عيناه تتابعانها إلى أن تدخل من باب المدرسة الذي يقع أمام بيته مباشرة.
ثم تراه مرة أخرى عند الظهيرة.
كان يسارع إلى العودة من مدرسته، ثم يبدأ في ذرع الشارع جيئة وذهابًا، منتظرًا لحظة خروجها.
تخرج مريم مع زميلاتها، ترتدي تنورتها الزرقاء وقميصها الأبيض، وشعرها الأشقر مربوط إلى الخلف، ووجهها الممتلئ يشع كالقمر.
ومع الأيام، أصبح هذا الوقت مقدسًا لدى الاثنين.
لم يكن بينهما سلام، ولا حديث، ولا حتى كلمة عابرة.
لكن عيونهما كانت تقول كل شيء.
كان منزل عائلتها يتكون من طابقين، كبيرًا إلى درجة أنه يطغى على ما حوله من البيوت. وكان والدها من أغنى تجار المنطقة.
أما هو، فكان ابن عائلة متوسطة، وكان والده مدرسًا في مدرسة الحي التي يدرس فيها.
لا يعرف باسم كيف أحبها.
كل ما يعرفه أنها أصبحت حلمه في الليل وهاجسه في النهار.
كان يكبرها بعام واحد، وحين أنهى مرحلته الثانوية تم قبوله في كلية الآداب، قسم التاريخ.
كان حزينًا في البداية.
فهو يريد الانضمام إلى أكاديمية الفنون ليدرس الرسم، الفن الذي يعشقه، لكن خطأً في استمارة التقديم حرمه من القسم الذي كان يتمناه.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
ظل ينتظرها في الصباح أمام منزله.
وبعد أن تدخل مدرستها، يسارع إلى الذهاب إلى الكلية.
كانت تفوته أحيانًا المحاضرة الأولى، وأحيانًا الأخيرة.
لكن موعد ذهابها إلى المدرسة وانصرافها كان أهم من أي محاضرة.
وحين يتأخر أحدهما عن الموعد، كان الحزن والقلق رفيق الآخر.
حتى انتهى ذلك العام.
ثم جاء اليوم الذي تم فيه قبول مريم في كلية الآداب، قسم الإنكليزي.
وكان ذلك أسعد يوم في حياة باسم
لم يصدق أن الفتاة التي ظل ينتظر مرورها أمام بيته سنوات أصبحت معه أخيرًا
كان سعيدًا لأن المسافة التي تفصل بينهما ستصبح ممرًا واحدًا فقط
كم كان غبيًا حين ظن أن حلمه قد ضاع عندما تم قبوله في الآداب.
في أول يوم للكلية جاءت مريم إلى الكلية مع أخيها. أوصلها إلى مجمع الكليات في باب المعظم في الساعة التاسعة والنصف كانت تلومه على تأخيره لها طول الطريق ثم نزلت ودخلت من البوابة وهي تشعر بالرهبة والخجل. وكانت قد جاءت إلى الكلية قبل أيام للتسجيل والتعرّف إلى المكان. ..
أما باسم، فقد وصل قبل الثامنة صباحًا
وقف عند مدخل الاستعلامات في باب الآداب يراقب الوجوه التي تدخل
طال انتظاره حتى تعب من الوقوف، وبدأ يظن أنها لن تأتي ذلك اليوم.
ثم لمحها.
كانت تمشي مسرعة بين مجموعة من الطلبة الواقفين أمام المدخل وتنظر إلى الأرض. لم ترفع عينيها.
مرت من جانبه دون أن تراه.
اتجهت مباشرة إلى قسم الإنكليزي، عابرة الباحة الوسطى.
مشى خلفها ببطء، يرقب مشيتها وخصلات شعرها الذهبية.
ظل يتبعها بعينيه حتى غابت عنه حين مرت من تحت الدرج، ودخلت باتجاه القاعات.
لأول مرة، لم تعد مريم تمر أمام بيته.
وأصبحت تمر أمام عينيه.
ذهب إلى محاضراته مطمئنًا، وكأن العالم كله صار داخل هذه الأسوار.
كان يشعر أن شيئًا لن يفسد عليه ذلك اليوم حتى لو قامت الحرب في الخارج
وبين محاضرة وأخرى، كان يمر أمام قسم الإنكليزي، لكنه لم يلمحها.
يبدو أنها لم تخرج من قاعتها أبدًا.
اتجه نحو النادي، في الجهة الأخرى من الدرج، ووقف هناك مع أحد أصدقائه يشربان الشاي.
وإذا به يلمحها من خلف النافذة.
كانت تهم بالخروج، وتمشي مسرعة.
ترك كوب الشاي الذي في يده على طرف النافذة، ومضى خلفها دون أن يقول لصديقه كلمة واحدة.
ظل يتبعها حتى وصلت إلى البوابة الخارجية، ثم استقلت السيارة مع أخيها الذي كان يقف في انتظارها.
وقف باسم مكانه يراقب السيارة وهي تبتعد
كان اليوم الأول قد مرّ بسلام.
لكن التحدي كان كيف سيتمكن من الحديث معها …
———————————————-
كانت مريم تبحث عنه بين وجوه الطلاب منذ اليوم الأول.
كانت تعرف أنه سبقها بعام إلى كلية الآداب، وكانت أخبار المنطقة تنتقل بين البيوت عن طريق خالة أم عماد، التي تزور معظم البيوت تقريبًا، تسأل عن الجميع وتخبرهم بأخبار الجميع؛ كانت يومها أشبه بالسوشيال ميديا الخاصة بالمنطقة.
وكانت مريم واثقة أن خبر قبولها في الكلية قد وصل إلى باسم بالطريقة نفسها.
لكنها لم تره في يومها الأول.
لم يكن ذلك غريبًا؛ فقد دخلت قاعة قسم الإنكليزي منذ الصباح، ولم تخرج منها إلا عند المغادرة. ومع ذلك، كانت قد أمضت ساعاتها الأولى وهي تتخيل اللقاء الذي لم يحدث.
كانت ترسم في رأسها سيناريوهات ذلك اللقاء.
وكيف سيكون؟
شيئًا واحدًا كانت متأكده منه
هي لن تبادر بالسلام عليه.
بل لم تكن تعرف كيف سترد عليه إذا ألقى عليها السلام.
أما باسم، فكان أكثر حيرة منها.
مريم ابنة منطقته، وفي الكلية أكثر من شاب يعرفونها ويعرفون أهلها. لم يكن يريد أن يمنح أحدًا فرصة للكلام عنها. وفوق ذلك، لم يكن يعرف إن كانت تبادله الشعور نفسه.
فهو لم يكلمها يومًا، ولم يرها تتعمد النظر إليه.
كل ما كان يعرفه أنه كان يرى ارتباكها وهي تمر من أمامه، واحمرار وجهها الشديد
ومرت الأيام الأولى دون أن يجد فرصة للكلام معها. كان يلمحها احيانا من بعيد عند دخولها الكلية، ثم تغيب عن عينيه وهي تعبر من تحت الدرج إلى القاعات.
لقد أصبحت الأمور اصعب ،
كان يراها فيما مضى مرتين كل يوم والان صار عليه أن ينتظر مصادفة لا يعرف موعدها.
وجاء يوم الجمعة، يوم الإجازة
وكان باسم قد اعتاد الذهاب إلى الجامع مع والده، الذي تقاعد منذ سنة وأصبح نادرًا ما يخرج من البيت.
وبينما كانا يهمّان بعبور الشارع، اقتربت منهما سيارة أبي مريم، التي يعرفها أهل المنطقة جميعًا.
تراجع باسم ووالده إلى الرصيف
وحين تجاوزتهما السيارة بقليل توقفت.
نزل منها أبو مريم واتجه نحوهما.
ارتبك باسم. لم يفهم لماذا توقفت السيارة، ولا ما الذي جعل الرجل ينزل منها بنفسه. وقبل أن يجد تفسيرًا، كان أبو مريم قد وصل إليهما وقال بصوت عالٍ:
أستاذي الكريم!
ثم احتضن والد باسم بحرارة.
كان باسم قد سمع من والده أنه كان مدرس ابو مريم قبل سنوات طويلة
حين كان طالبًا في مدرسة الحي
لكنه لم يكن يعرف أن تلك العلاقة القديمة ما زالت حاضرة بهذا الدفء.
وبعد أن تبادلا السلام والأحضان، التفت والد باسم إليه وقال:
هذا ولدي الأصغر، باسم. طالب في كلية الآداب
رفع أبو مريم رأسه إليه، وقال:
ما شاء الله، ما شاء الله. ابنتي مريم طالبة في الآداب أيضًا، في قسم الإنكليزي.
ردّ باسم بسرعه
أنا في قسم التاريخ، وإذا احتاجت أي شيء فأنا حاضر… عندي أصدقاء كثيرون في قسم الإنكليزي.
بالطبع كان يبالغ.
فهو بالكاد يعرف طلاب قسمه.
ابتسم الرجل وقال:
— أكيد يا ابني، شكرًا لك.
ثم سلّم عليهما وانصرف.
بقي باسم ينظر إلى السيارة وهي تبتعد.
كان يشعر أنه يطير من السعادة.
لم يكن يسمع ما يقوله والده إلى جانبه. كان يفكر في جملة واحدة فقط:
إذا احتاجت أي شيء…
اخيرا ، أصبح لديه سبب للتحدث إلى مريم
كان صباح اليوم التالي مختلفًا.
وصل باسم إلى الكلية باكرًا وجلس في الحديقة المقابلة للدرج تحت شجرة تحجب عنه شيئًا من ضوء الصباح. ظل ينتظر
كلما سمع وقع خطوات رفع رأسه، ثم أعاده حين لا يجدها.
وصلت مريم قبل أن تمتلئ الساحة بالطلاب.
كانت مسرعه كعادتها، تحمل اللفكس بيد وترتب خصلات شعرها باليد الأخرى رفعت رأسها، فرأته.
توقفت في داخلها لحظة.
هذه المرة لم يقف بعيدًا امام بيته ولا هي في آخر الشارع،
كان جالسًا هنا، في الكلية، ينتظرها.
عرفت أنه ينتظرها.
تباطأت خطواتها
وأحست بالمسافة القريبة التي تفصلها عنه صارت أطول مما ينبغي.
نهض باسم
تقدم نحوها … كان يخشى أن تفسد خطوة واحدة كل ما حفظه من مقدمات لكن الكلمات بدأت تتساقط من رأسه واحدة بعد أخرى.
ثم تحرك، يعبر الحديقة نحو الممر الذي ستصل إليه.
كانت تنظر إليه.
لم تكن تعرف أن أصعب ما في هذا اللقاء ليس أن يتحدث إليها، بل أن تراه قادمًا نحوها، بعدما اعتادت أن تراه من بعيد.
وحين بلغ الخطوة الأخيرة، تعثر !!!!
لم يسقط، لكنه فقد توازنه لحظة، كأن الأرض نفسها باغتته.
أسرعت خطوتها نحوه وكإنها تريد ان تمسك به
وقالت بصوت عالٍ
اسم الله!
لقد سمعها كانت واضحه ( اسم الله )
كانت أول مره يسمع بها صوتها
ولم تكن تحية، ولا سؤالًا،
ولا شيئًا مما تخيله طوال السنوات الماضية.
بل كانت كلمة خوف عليه
نظر إليها، ولم يجد ما يقوله.
قالت وهي تخفض عينيها إلى الأرض:
دير بالك.
ابتسم وفي داخله كلمات كثيرة ماكان يستطيع ان يقولها انها هي بجانبه وتكلمه
شعرها وعينيها اقرب من اي وقت مضى وهاهو يسمع صوتها كم هو جميل صوتها
نظر إليها مرة اخرى ، كل ما أعده من الكلمات ضاع ..
ابتسم.
نظرت اليه واجمل ابتسامة على وجهها
عندك محاضرة؟
لم يتكلم اجاب بهزة من رأسه نعم.
إذن اذهب… لا تتأخر.
لم تتحرك.
ولم يتحرك هو.
كان بينهما كلام كثير، لكن الساحة بدأت تمتلئ بالطلاب، فابتلعا ما بقي منه.
نطق باسم أخيرًا:
إذا احتجتِ شيئًا من قسم التاريخ…
أقصد… من الكلية عمومًا. أنا موجود
ردت ….. متأكده .
ثم مضت.
بقلمي / عاتكه الياسري

*****************
من حيث توقفنا
حكاية جديده من حكايات الآداب
الفصل الثاني
ما زالت السيارة تشقّ شوارع عمّان باتجاه قاعة الأورفلي.
في المقعد الخلفي، كانت الصديقات يتذمّرن من الحادث الذي عطّل الطريق، ويتبادلن التقديرات عن الوقت الذي يستغرقه الوصول، بينما كانت مريم تنظر من النافذة دون أن تسمع شيئًا مما يقال.
لم تشعر بالوقت.
فالطريق الذي تراه أمامها كان يعيد إليها طريقًا آخر، بعيدًا جدًا في الزمن، قريبًا جدًا في القلب.
ما زالت تتذكّر كيف أصبح باسم أهم شخص في حياتها.
كان الحب في تلك الأيام مختلفًا.
لم يكن الحب في ذلك الزمن يملك وسائل كثيرة.
كان يُحفَظ في الذاكرة، ويكبر في المسافة.
كان اللقاء نفسه حدثًا ينتظره القلب أيامًا.
كان الحب يُقال بالنظرات.
كانت النظرة طويلة بما يكفي ليولد منها حلم، وقصيرة بما يكفي حتى لا يكتشف أحد سرّها.
كان باسم يعرف موعد مرورها في الممر، وقد يغيّر طريقه كله من أجل دقيقة يراها فيها.
وكانت مريم تعرف أن هناك عينين تبحثان عنها، لكنها تخفض بصرها خوفًا وخجلًا.
كانت الجامعة، بالنسبة إلى كثيرين من أبناء ذلك الجيل، أول مكان يلتقي فيه الشاب والفتاة خارج حدود العائلة؛ لذلك كانت المشاعر تأتي مرتبكة، ونقية في الوقت نفسه.
لا أحد يعرف كيف يبدأ، ولا كيف يعترف، ولا كيف يشرح لقلبه ما يحدث.
كان باسم شهمًا، حريصًا عليها، يعرف كيف يسيطر على عواطفه كي لا يؤذيها شكّ، أو تجرحها كلمة.
لذلك بقيت أسوار الكلية عالمهما، والمساحة الممتدة بين كلية التربية والآداب والصيدلة مكانهما الوحيد.
لم يخرجا خارج تلك الأسوار أبدًا.
يلتقيان أحيانًا في ممرات الكلية، ويتحدثان بين الزملاء كصديقين داخل الحرم الجامعي.
وحين كانت مريم تضطر إلى الذهاب بالباص، كان باسم يصعد معها.
لم يجلس إلى جوارها أبدًا.
يجلس بعيدًا.
وكأنهما لا يعرفان بعضهما.
كان هناك فقط ليطمئن أنها بخير.
ثم ينزل، ويتركها خلفه، كأن الأمر كله لم يكن أكثر من مصادفة.
في أيام الشتاء، كان البرد يمنحهما سعادات صغيرة، مثل الوقوف عند كشك الشاي، أو أمام عربة اللبلبي.
لم تجلس مريم مع باسم في نادي الآداب؛ كانت تخشى عينًا تراهما.
كان نادي التربية يجمعهما أحيانًا،
لكن المكتبة بقيت مكانهما المفضل.
كان الاثنان يأخذان الدراسة على محمل الجد.
يخططان للحياة معًا، في بيت يبنيانه سويًا، وأولاد تشاجرا حتى في اختيار أسمائهم.
كانت مريم تريد أسماء حديثة، بينما يرى باسم الجمال كله في الأسماء التقليدية.
أما الهاتف، فكان له حكاية أخرى.
لم يكن هناك هاتف صغير يُحمل، ولا رسالة تصل في لحظة، ولا صورة تُحفظ في ملف سري.
فالهاتف الأرضي كان سيد الحكاية.
يضعه الأهل عادة في غرفة الجلوس، حيث تمرّ الأعين كلها
المكالمة تحتاج إلى اتفاق على ساعة محددة، وتستغرق ثواني معدودة.
يخرج باسم من بيته ليبحث عن هاتف عمومي قريب، يضع النقود، ويطلب الرقم الذي حفظه أكثر مما يحفظ اسمه.
تجلس مريم قرب الهاتف قبل الموعد بوقت طويل، تنظر إلى ذلك الجهاز الذي سيحمل لها صوته.
ترتّب شيئًا ليس بحاجة إلى ترتيب.
تقلب صفحات كتاب لا تقرأ منه حرفًا، تبدو منشغلة لمن يراها.
لكن قلبها يظل معلّقًا بتلك الرنّة.
يرن الهاتف…
ترفع السماعة.
تقول بصوت مرتفع يسمعه الجميع:
— ألو… منو؟
تسكت لثانية، ثم تقول:
— ألوووو…
تتظاهر بالانزعاج:
«ماكو أحد.»
بينما كان باسم على الطرف الآخر يبتسم، لكنه لا يجرؤ على الكلام.
كانت أجمل المكالمات تلك التي
يسودها الصمت ،،،
وصوت أنفاسهما.
كان الصمت يعني: «أحبك».
والتنهيدة: «اشتقت إليك».
مرت سنواتهما لطيفة، حذرة، كبر فيها ذلك الحب فأصبح عشقًا.
كان باسم كل ما تتمناه من الدنيا.
الرجل الذي اختارته بقلبها،
وصدّق ذلك عقلها.
لكن الواقع لم يكن يشبه الآحلام .
كانت الحروب تتعاقب،
والخوف يدخل من الأبواب.
لكنهما يؤمنان أن المستقبل لا بد أن يكون أرحم من الحاضر .
تخرّج باسم، وكانت مريم ما تزال في سنتها الأخيرة.
وكان يجب أن يتقدّم لخطبتها.
كان يعرف أن هناك فارقًا بينهما لا يستطيع أن يتجاهله.
هو شاب بسيط.
وهي ابنة عائلة ميسورة.
ولكن مريم كانت تشجّعه.
كانت تقول له إن والدها يحبها، وإنه لن يكسر قلبها.
كانت تؤمن أنها تستطيع أن تقنعه
تلك الايام كان العرف أن تذهب إحدى نساء العائلة أولًا لتعرف رأي أهل الفتاة في نية الخطبة. فإذا جاء القبول، ذهب الرجال.
ذهبت المرأة
وجاء الرد
رفضًا قاطعًا
لم يكن باسم او اسم عائلته هو السبب
لكن ذلك لم يكن كافيًا.
كان والد مريم يرى مستقبل ابنته في مكان آخر.
يريد لها مستوى اجتماعيًا مختلفًا،
وحياة تليق بما اعتادته عائلته.
حين علمت مريم، لم تستسلم.
ذهبت إلى أمها.
ثم إلى أخيها.
حاولت مرة، ثم أخرى.
كانت تريد من والدها أن يرى باسم بعينيها.
حتى إنها اعترفت له بحبها لباسم
لكن الاعتراف، الذي آمنت بأنه طريقها إلى قلب أبيها، لم يغيّر شيئًا
توسلت
بكت
لكنه بقي على موقفه
ومرت الأيام
ثم الشهور.
ظل الحب واقفًا أمام باب الرفض يرجو
أكثر من عام كامل كانت فيه مريم تتنقل بين الرجاء والخوف، بينما كان باسم ينتظر، ويصرّ، ويرفض أن يصدّق أن كل ما عاشاه يمكن أن ينتهي عند كلمة واحدة
وفي اللحظة التي بدا فيها كل شيء قد انتهى ، طلب باسم من والده أن يذهبا معًا إلى ابو مريم
ربما يكون الكلام بين الرجلين مختلفًا.
ربما تستطيع المودة القديمة بينهما أن تفتح نافذة صغيرة.
وربما، إذا رأى والدها مقدار تمسّكه بها، يتراجع عن رفضه.
وأمام انكسار ابنه، وافق والده مضطرًا.
دخل باسم ووالده بيت مريم للمرة الأولى.
استقبلهما والدها، وجلس الرجلان يتحدثان.
شرح والد باسم رغبة ابنه وتمسّكه بمريم، وقال إنه جاء هذه المرة بنفسه، لعل الأمر يجد طريقًا إلى القبول.
لكن البيت كان يقول أشياء لا تحتاج إلى كلام.
قصر من الداخل.
ثراء ظاهر في كل ركن.
تفاصيل كثيرة تذكِر باسم بالفارق الذي كان يعرفه، لكنه لم يشعر بثقله كما شعر به ذلك اليوم.
استمع لهم والد مريم ، ثم قال إنه قرر السفر مع عائلته إلى الأردن حتى تنجلي الأمور، فقد كانت حرب جديدة تلوح في البلاد.
لم يكن ذلك قبولًا.
ولم يكن رفضًا جديدًا.
كان بابًا يؤجّل إغلاقه.
أحيانًا التأجيل أقسى من الرفض، لأنه يترك القلب معلّقًا
بما يعرف أنه لن يأتي .
خرج باسم من هناك، وهو يعرف أنه فقد مريم للابد
بعد سفرها، التحق بالجيش.
وجاءت حرب عام 1991.
وفي أيام قليلة، انقطعت الاتصالات، وضاعت الطرق، وتبدّلت حياة الناس.
صار العراق بلدًا لا يعرف أهله ماذا سيحدث لهم في اليوم التالي.
عرف باسم بعد ذلك أنها غادرت الأردن، ثم انقطعت الأخبار.
كان الأردن محطة أولى لكثير من العراقيين تلك السنوات، لكن العائلات كانت تغادره إلى جهات أخرى،
تتباعد الطرق
وتختفي العناوين
حين غادرت مريم العراق كانت
تحمل حبها وجرحها
وصلوا إلى الأردن اولا
ثم كانت الوجهة أستراليا
وهناك بدأت حياة أخرى.
لغة أخرى، مجتمع مختلف
وأيام تحتاج إلى جهد كي تمضي.
أكملت الماجستير، ثم الدكتوراه، وانشغلت بالدراسة والعمل.
كان عليها أن تملأ الوقت كله حتى لا تترك للغياب مكان .
لكن بعض الغائبين لا يحتاجون مكان
فهم يسكنون القلب والذاكرة.
مضت السنوات.
كبرت مريم، وتغيّرت، وابتعدت عن العراق أكثر فأكثر.
تعلّمت كيف تعيش في بلاد لا تعرف ماضيها، ولا تسأل كثيرًا عمّا تركته خلفها.
لم توافق على الزواج.
كان باسم قد أخذ حصته من عمرها،
ثم مضى…
ولم يترك لغيره شيئًا
أعادها صوت إحدى الصديقات:
— وصلنا
رفعت رأسها.
كانت قاعة الأورفلي امامها .
و باسم ……
بقلمي / عاتكه الياسري
************************
من حيث توقفنا
حكاية جديده من حكايات الآداب
الفصل الثالث
تقدمت الصديقات نحو الداخل، وتوقفن أمام اللوحات، يتبادلن التعليقات، ويسألن عن أسماء الفنانين والأسعار .
كانت مريم تمشي خلفهن ببطء.
لوحات كثيره
العراق… الحرب
زقاق قديم.
نخلة.
شناشيل.
ثم ذلك الركن الذي بدا أكثر ازدحامًا بالناس واللوحات.
اقتربت.
كانت دقات قلبها مسموعة، وأنفاسها تتلاحق.
لم تكن المرأة في اللوحات تشبهها تمامًا.
لكنها كانت تعرفها.
رفعت عينيها تبحث بين الوجوه.
لم تأتِ لمشاهدة اللوحات.
جاءت من أجله.
كانت تعرف أنها ستعرفه، مهما تغيّر وجهه، ومهما شاب شعره، ومهما مرّ من العمر.
لكن باسم لم يكن هنا.
سألت عنه.
— أين الرسام؟
قالوا لها إنه لم يصل بعد.
بقيت تتلفت، ثم عادت إلى اللوحات.
رأت مريم التي كانت هناك ذات يوم.
وجدتها في كل صورة رسمها باسم.
بكت.
لم ينسى تفصيلة واحدة.
لقد رسم قصة حبهما عبر السنوات
رأت عمرها وحبها الذي كانت تظن أنه ضاع،
فإذا بباسم قد حفظه وعاشه معها في لوحاته.
هنا تقف على باب المدرسة
وهنا بالزي الموحد في الكلية.
هنا تنتظر… وهنا تلتفت.
كل موقف.
كل ذكرى.
كل لحظة مرت بينهما.
حتى انكسارها يوم غادر بيتهم مع أبيه، بعدما جاء خاطبًا للمرة الأخيرة.
ثم تلك اللوحة لامرأة تجلس في سيارة، تلتفت من خلف الزجاج.
كان ذلك يوم سفرها، وهي تمر أمام بيته.
كانت تظن أنه لم يرها.
لكنه رآها.
وحفظها.
كان يعيد رسمها كلما خاف أن تضيع.
حتى إنه عاش معها العمر الذي لم يأتي
رسمها عروسًا.
ثم أمًا.
ثم جدة.
كيف استطاع أن يحمل كل هذا الألم والتفاصيل؟
كان يعيش معها كل لحظة من عمرها، وهي التي ظنت أن المسافة والزمن يمحوان كل شيء
وحين التفتت…
كان يقف خلفها.
ينظر إليها بخوف رجل أمضى سنواته يحرس ذكرى امرأة من النسيان، ثم وجدها تقف أمامه فجأة، في مكان لم يكن يتوقع أن يراها فيه.
قال:
— مريم؟
لم تقل شيئًا.
لكن عينيها أجابتا.
بقي ينظر إليها.
ثم قال اسمها مرة أخرى، كأنه لا يصدق أن الاسم ما زال يخرج من فمه:
— مريم…
قالت:
— نعم.
لم يقترب منها.
لم يمد يده.
كان بينهما عمر كامل، ولم يكن يعرف من أين يبدأ
ثم قال، وهو يرى دموعها:
لم أرسمكِ أبدًا باكية
تجمدت في مكانها.
كان ينظر إليها مدهوشًا، تحجرت عيناه، وخلفهما شلال من الدموع.
قال بصوت مرتجف:
— معقولة !!!!!! مريم؟
لم تستطع أن تمنع ابتسامتها وسط دموعها.
— باسم.
خفض رأسه.
ثم رفع عينيه إليها.
— كيف عرفتي؟ ومن أين جئتي ؟
لم تكن لديها إجابة.
لقد ساقتها الصدفة.
قالت:
شعرك بي هواية شيب.
اجاب
وأنتيّ ما تغيرتِي .
رفعت حاجبها.
—لا تكذب.
ابتسم .
والله… نفس الشكل. ونفس العيون الحلوة.
شعرت أنها تركته بالأمس فقط.
ولم يكن بين الأمس واليوم أكثر من خطوة
أحست بدوار ، خافت ان تقع فجلست …
اقترب باسم وجلس إلى جوارها.
لا قريبًا جدًا، كما كان يفعل في الجامعة، ولا بعيدًا، كما كان يفعل حين يركب معها الباص.
جلس في المسافة التي صنعتها السنوات بينهما.
وظلا صامتين.
هذه المرة لم يكن الصمت خوفًا من أن يسمعهما أحد.
كان لكل واحد منهما عمر كامل يريد أن يقوله، ولا يعرف من أين يبدأ.
لم ينتظر حتى تسأله.
بدأ يتكلم.
أخبرها عن الجيش.
عن المدرسة.
ثم أخبرها أنه تزوج ابنة خاله.
أنجب أبناءه، ورآهم يكبرون ويتزوجون، ثم حمل أحفاده بين ذراعيه.
وحين رحلت زوجته، شعر أن البيت اتسع فجأة أكثر مما ينبغي
لم تشعر مريم بالغيرة.
ظلت صامتة …. واحيانا باكيه
ثم سألها عن حياتها.
بدأت تتكلم وهي لا تنظر إليه.
حكت له عن أستراليا.
عن الماجستير والدكتوراه.
عن والديها وإخوتها.
عن حياة مضت، دون أن تنتبه إلى أنها تمضي.
لم يسألها لماذا لم تتزوج.
كانت ممتنة له على ذلك.
ثم سألت:
— وهذه اللوحات؟
نظر حوله.
قال:
— كنت أعيش معكِ فيها.
سكتت.
سألها:
— وأنتِ؟
ابتسمت.
— ماذا؟
نظر إليها طويلًا.
— ماذا فعلتِ بي؟
ولأول مرة نظرت إليه وهي تحدثه.
كان قد قارب الستين.
نحيلًا، متعب الملامح، يحمل في وجهه السنوات التي لم تشهدها. كان أنحف مما تتذكر، وأكثر صمتًا، لكنه كان ينظر إليها بالطريقة نفسها، كأنه لا يملك في العالم كله إلا وجهها
قالت
كتبتك.
سكت.
رفع عينيه إليها.
هل يمكن أن أقرأها؟
ابتسمت.
ربما
ثم فجأة قالت مريم:
— هل أطلقت على أولادك أحد الأسماء التي اختلفنا عليها؟
ضحك للمرة الأولى.
ضحكة خرجت منه كأنها كانت تنتظر هذه الجملة منذ سنوات.
— طبعًا لا. كنتِ تريدين أسماء حديثة. تريدين أن تسمّي ابنتنا اسمًا لا يعرفه أحد.
فردت:
— وأنت كنت تريد أن تسميها باسم جدتك .
— ما زلتِ تتذكرين؟
نظرت إليه.
— لم أنسَ شيئًا.
اختفت ابتسامته ببطء.
قال:
— وأنا أيضاً
مرت صديقة مريم قربهما، ثم توقفت حين رأتهما.
— مريم، أين كنتِ؟ نحن نبحث عنكِ.
التفتت مريم إليها، ثم عادت بعينيها إلى باسم.
كان عليها أن تقول شيئًا.
أن تشرح.
أن تقدم الرجل الذي كان يومًا أقرب الناس إليها، رغم أنه صار أبعدهم عن حياتها.
قال باسم بدلًا منها:
كنا زميلين في الجامعة.
شعرت أن العبارة أصغر من الحقيقة إلى حد القسوة.
قالت الصديقة:
نحن نقف هناك.
ثم ذهبت.
بقيت مريم وباسم وحدهما.
قالت:
زميلين؟
نظر إليها، وفهم.
ابتسم بخبث.
ماذا كنتِ تريدينني أن أقول؟
لم تجب.
قال:
لو قلت أكثر، لاحتجتِ إلى أن تشرحي أكثر.
ردت مريم:
ربما كنت أريد أن أشرح
فرد عليها ياالله الآن؟ ؟؟؟
ثم غرقا بضحكة وكأنهم لم يغادرا المكتبه أبدا
سألها هل لديكِ وقت؟
نظرت إلى صديقاتها.
ثم إلى الباب.
ثم إليه.
وقالت لديّ كل الوقت
في تلك اللحظة، عاد كل شيء ظنت أنه مات في مكان ما بين العراق وأستراليا.
لكنها وجدته بين اللوحات والقصائد.
———————————————————-
المشهد الأخير
جلسا في أحد المقاهي القريبة.
تحدثا طويلًا.
نسيت مريم صديقاتها، ونسيت دعوة العشاء التي كانت قد وعدت بحضورها.
فتحت حقيبتها وأخرجت دفترها.
بدأت تقرأ.
كان باسم يستمع.
وأحيانًا يبتسم.
وأحيانًا يطيل النظر إليهاو
مر الوقت سريعًا
لم يرغب أيٌّ منهما أن ينتهي اليوم.
تمشيا وأكملا الحديث.
وبرغم كل ذلك الوقت الذي قضياه معًا، لم يخبرها عن مرضه.
كان قد ذهب إلى الطبيب صباح ذلك اليوم.
وكان يعرف أن العملية لم تعد أمرًا يمكن تأجيله
قال باسم:
مريم…
التفتت.
نعم؟
تردد قليلا
ثم قال
هل تعتقدين أن بإمكاننا أن نبدأ؟
ابتسمت.
ماذا تقصد؟
قال :
ما لم نفعله وقتها.
سكت لحظة.
ثم أضاف
(( من حيث توقفنا ))
خفضت عينيها، واحمرّ وجهها بشدة
كما كان يحدث حين كانت تمرّ من
إمامه وهو واقف امام بيته
قالت : سنتحدث غدًا.
ثم رفعت عينيها إليه.
هل سأراك غدًا؟
ابتسم.
لا تتأخرين.
قالت:
لا تتأخر أنت.
ضحك.
لم أتأخر عنكِ يومًا.
ودعها بقبلة على جبينها، وكأنهما استحقاها بعد كل هذا العمر
مضت مريم.
ووقف باسم يراقبها حتى غابت.
في تلك الليلة، وفي طريق عودته إلى الفندق، كانت سيارة الأجرة تمشي ببطء في شوارع عمّان الهادئة.
كانت الشوارع تبدو له مضاءة أكثر.
والهواء يمر من النافذة إلى صدره.
كان صوت أم كلثوم يعلو من الراديو.
وصوت مريم وابتسامتها لا يفارقانه.
أربعون سنة.
ثم يوم واحد.
وكان يكفيه.
أوقف السائق السيارة أمام الفندق.
التفت إليه.
— أستاذ، وصلنا.
لم يجب.
بقي للحظة ينظر أمامه، كأنه لم يسمع.
ثم ابتسم.
قال شيئًا بصوت خافت لم يسمعه أحد
أسند رأسه…
وأغمض عينيه.
صاح السائق:
أستاذ… أستاذ
لاحول ولا قوة إلا بالله
النهايه
وحدها مريم تعرف أن باسم لم يمت في تلك الليلة …
لقد مات الرجل الذي عاد إليها.
أما الشاب الذي أحبته
فقد ظل هناك.
في كلية الآداب…
في الممر.
في ابتسامتها.
وفي عينيه حين رآها تبتسم.
وفي لوحة امرأة شقراء تقف خلف نافذة.
بقلمي / عاتكه الياسري
*********************
رسالة الأستاذة عاتكة على قراءتي
الأستاذ الأديب
طه عبد الرحمن
قرأتُ قراءتك لـ«من حيث توقّفنا» بتمعّن، لا ككاتبة تبحث عن الثناء على نصها، وإنما ككاتبة يهمّها أن تعرف كيف وصل النص إلى قارئٍ ناقد، وما الذي رآه فيه ولم أره أنا أثناء الكتابة.
أشكرك أولًا على هذا الوقت والجهد. أن يقرأ الناقد النص بهذا التفصيل، ويتوقف عند بنيته وزمنه وشخصياته ولغته ورموزه، ثم يمنحه كل هذه المساحة من التأمل، هو بحد ذاته تقدير كبير للعمل.
وأعترف أن بعض ملاحظاتك وضعت يدها على أشياء أحتاج أن أعود إليها فعلًا.
أتفق معك في ملاحظة الإطالة في بعض المقاطع، وفي أنني في مواضع قليلة شرحت الشعور بدل أن أترك المشهد يحمله إلى القارئ. وهذه ملاحظة سأعود بسببها إلى النص بعين مختلفة؛ فالكاتب أحيانًا يحب جملته لأنها خرجت منه محمّلة بشعوره، بينما قد لا يحتاجها القارئ بالقدر نفسه.
أما ملاحظتك عن الحوار في اللقاء الأخير، فأقف عندها قليلًا.
أنا تعمّدت أن يكون الكلام بين باسم ومريم مقتصدًا. فهذان ليسا شخصين التقيا بعد غياب قصير، وإنما شخصان يحمل كل واحد منهما أربعين عامًا من الكلام الذي لم يُقل. كنت أخشى أن يتحول اللقاء إلى استعادة مباشرة لكل ما مضى، فيفقد الصمت وظيفته. لكنني سأعيد النظر في المشهد، لا لأزيد الحوار بالضرورة، وإنما لأتأكد أن الصمت فيه كان ممتلئًا بما يكفي.
وفي المقابل، هناك بعض قراءاتك التي أراها تأويلات جميلة أكثر من كونها حقائق قصدتها في النص.
مثل قراءتك لمريم بوصفها «متلقية أكثر منها فاعلة»، وربط نجاحها الأكاديمي بإمكانية أن يكون تعويضًا عن حبها القديم. هذه احتمالات يتيحها النص، لكنها ليست بالضرورة إجابتي أنا عن مريم. وربما هنا تحديدًا تكمن متعة النقد: أن يرى الناقد في الشخصية بابًا لم أفكر أن أفتحه أصلًا.
وأعجبني هذا الجانب في قراءتك؛ لأنك لم تحاول أن تفرض نية الكاتب على النص، بل تركت للنص أن يقودك إلى تأويلاتك.
أما بعض الإحالات الرمزية، كبيغماليون وليلى وحواء، فقد قرأتها بابتسامة. بعضها لم يكن حاضرًا في ذهني وأنا أكتب، وهذا يجعلني أتساءل: هل الكاتب يملك نصه فعلًا بعد أن يخرجه إلى القارئ؟ أم أن النص يبدأ حياة أخرى لحظة مغادرته يده؟
وهناك أيضًا بعض النقاط التي أحتاج إلى تصحيحها لا الدفاع عنها، لأن الناقد الجيد لا يُفترض أن يجعل الكاتب أسير نصه؛ بل أن يساعده على رؤية مواضع الخلل فيه.
ولذلك سأعود إلى القصة، خصوصًا إلى المقاطع التي أشرتَ إليها، وسأسأل نفسي سؤالًا واحدًا:
هل هذه الجملة يحتاجها النص فعلًا، أم أنني أحببتها فقط؟
أعتقد أن هذا السؤال وحده يستحق هذه القراءة.
وأحببت جدًا أنك لم تتعامل مع النهاية بوصفها مجرد موتٍ لباسم، بل قرأتها باعتبارها اكتمالًا لدائرة ظلت مفتوحة طوال الحكاية. هذه تحديدًا كانت من المناطق التي كنت حريصة على أن يصل إحساسها إلى القارئ دون أن أشرحها له.
أما لماذا لم أمنح باسم ومريم نهاية سعيدة، فربما لأنني لم أكتب حكاية عن حب انتصر في النهاية، وإنما عن حب ظل حيًا رغم أن الحياة نفسها لم تمنحه فرصته.
شكرًا لك أستاذي على قراءة لم تكتفِ بأن تقول لي إن النص جميل، بل جعلتني أعود إليه وأسأل: أين كان يمكن أن يكون أجمل؟
وهذه، في رأيي، هي قيمة النقد الحقيقي
وربما أود أن أضيف شيئًا يفسّر بعض اختياراتي في الكتابة…
أنا أكتب بأحساسي قبل أن أكتب بالقواعد الأدبية. لا أبدأ الحكاية وأنا أفكر في البناء والتقنيات بقدر ما أبدأها وأنا أشعر بشخصياتها. وحين أكتب، لا أبقى خارج النص تمامًا؛ أتورّط في شخصياتي، أتبنّاها، أحبها، وأحيانًا أدافع عنها كما لو كانت أشخاصًا أعرفهم في حياتي.
ولهذا ربما أختلف أحيانًا مع الناقد حين يضع الشخصية تحت المجهر؛ لأنني لا أراها بوصفها وظيفة سردية فقط، وإنما أراها إنسانًا له دوافعه وضعفه وصمته وأخطاؤه. وباسم ومريم تحديدًا لم يكونا بالنسبة إليّ مجرد بطلي قصة، بل شخصيتين اقتربتا مني إلى درجة جعلتني أكتب من داخلهما أكثر مما أكتب عنهما.
وقد يكون هذا هو السبب في أنني أترك أحيانًا مساحة أكبر للوجدان من القاعدة، وللشعور من التقنية.
أنا لا أدّعي أن هذا الأسلوب يخلو من الأخطاء، بل على العكس؛ وربما بعض ما أحتاج إلى تعلمه هو كيف أحافظ على صدق الإحساس، من دون أن أسمح له بأن يطغى على الصنعة.
وهذه تحديدًا هي المسافة التي أريد أن أتعلمها: أن أظل وفية لما أشعر به، وأن أكون في الوقت نفسه أكثر قسوة على النص حين يحتاج إلى الحذف أو التخفيف أو إعادة البناء.
لذلك قرأت نقدك باهتمام… ليس لأدافع عن كل ما كتبت، ولا لأتخلى عنه بسهولة، وإنما لأعرف أين كان إحساسي صادقًا، وأين ربما احتاج إلى يدٍ أكثر خبرة تضبطه.
ردي على رسالة الأستاذة عاتكة
الأستاذة عاتكة الياسري الموقرة
إن الكلمة حين تصدر عن روحٍ قد شفّها الوجد، وامتحنها السؤال، لا تخطئ طريقها إلى القلوب، مهما طال بها الترحال بين الحرف والمعنى. وهأنذا أتلقى منكِ، أستاذتي الفاضلة ، رسالةً لم تكن رسالةَ كاتبةٍ تعقّب على ناقد، ولا صاحبةَ نصٍّ تذود عن حياضه، بل كانت مرآةً صافيةً رأيتُ فيها وجه الأدب الحق؛ أدبًا يتواضع للحقيقة، ويُصغي للنقد، ثم يعود إلى ذاته لا ليدافع، بل ليتأمل، ويسأل: أين كان يمكن أن يكون أجمل؟
لقد أعدتُ قراءة رسالتكِ مراتٍ ومرات، لا لأنها ردٌّ على ما كتبتُ، بل لأنها نصٌّ أدبيٌّ بذاته، يفيض بروحٍ مبدعةٍ تدرك أن الكتابة مسؤولية، وأن النقد الجاد ليس بحثًا عن العثرات، بل مدارسةٌ بين ذائقين يعشقان الكلمة، ويسعيان إلى أسرارها. وإن أصدق ما في رسالتك تلك الجملة التي وضعتِ يدها على جوهر العلاقة بين الكاتب والناقد حين سألتِ: هل الكاتب يملك نصه فعلًا بعد أن يخرجه إلى القارئ؟ أم أن النص يبدأ حياة أخرى لحظة مغادرته يده؟
إن هذا السؤال يا أستاذتي ليس سؤال من كتَب نصًّا فحسب، بل هو سؤال من وُلد النصُّ فيه، ثم خرج منه كما يخرج الابن من رحم أمه، يحمل ملامحها ولا يملك أن يظل حبيسها. وسؤالك هذا هو عين الحكمة التي يبحث عنها النقد حين يتحرر من سلطة النية، وينفتح على أفق التأويل. فالنص حين يُنشر، يصير ملكًا لمن يقرؤه، لا بما يريد الكاتب، بل بما يتيحه النص من أبوابٍ ربما لم يفكر الكاتب أن يفتحها. وهذا ما لمستهُ في قراءتك أنتِ لنصي حين أشرتِ إلى تأويلاتٍ لم تكن في حسباني؛ فإذا بي أبتسم كما ابتسمتِ أنتِ أمام بيجماليون وليلى وحواء، وأسأل معكِ: أليس هذا هو سر الأدب؟ أن يكتب الكاتب كلمةً، فيلد القارئ منها ألف معنى؟
أما تلك اللهجة الصادقة التي تحدثتِ بها عن كتابتك بالإحساس قبل القواعد، وعن تورّطك في شخصياتك حتى صارت كأنها أحياء تعرفينهم، فذلك والله هو ما يجعل النص نصًّا أدبيًّا لا صنعةً باردة. فالأدب قبل أن يكون بناءً وتقنية، هو روحٌ تُمنح، وقلبٌ يخفق بين السطور، وكائناتٌ من ورقٍ تسكننا قبل أن تسكن الصفحات. وأن تورّط الكاتب في شخصياته إلى هذا الحد، فذلك دليل صدق، ولكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تلك المسافة التي أشرتِ إليها بوعي الكاتب الحاذق؛ مسافة لا تُفسد الوجد، لكنها تضبطه، ولا تخنق الإحساس، لكنها تهذّبه، ليكون النص قادرًا على أن يحمل شعور كاتبه دون أن يُغرق القارئ فيه.
وقد سرّني جدًّا ما أبديتِه من شجاعةٍ في قبول النقد، ومن إنصاتٍ لملاحظاتٍ قد لا تكون مريحة، لكنها تنم عن احترامٍ حقيقي للكتابة وللقارئ معًا. فإن قولك: «سأعود إلى النص بعين مختلفة»، و«سأسأل نفسي: هل هذه الجملة يحتاجها النص فعلًا؟» لهو الموقف الذي لا يقفه إلا كاتبٌ كبير، يدرك أن النص أمانة، وأن الجمال الحق لا يتحقق إلا بمجاهدة النفس والمبالغة في التجويد.
وإذا كان لي من رجاءٍ بعد هذه المدارسة الجميلة، فهو أن أستأذنك في نشر رسالتك مع قراءتي التي أهديتِني إياها، لما فيهما معًا من فائدة للقراء، وما تمثلانه من نموذج راقٍ لعلاقة الكاتب بالناقد؛ تلك العلاقة التي تخلو من التملق والتجريح، وتقوم على الصدق والجمال معًا. وإن أذنتِ لي، فإني سأرى في ذلك وسامًا أعز من كل ثناء.
وختامًا، أستاذتي، اسمحي لي أن أقول:
إن النص الذي كتبتِه لم يكن «من حيث توقفنا» فقط، بل هو نصٌّ بدأ حيث تبدأ الأسئلة الكبرى، ووقف حيث تقف الروح أمام مراياها. وإن كانت النهايات الحزينة قد كانت قدرَ باسم ومريم، فإن القراءة الجميلة والنقد الرفيع والحوار الأدبي الذي دار بيننا، هو شيءٌ من الإنصاف الذي لم تمنحه الحياة لهذين الحبيبين. وربما في ذلك عزاءٌ للكاتب: أن تتحول خسائر أبطاله إلى حوارٍ مثمرٍ بين أهل الكلمة، يعيد للحرف كرامته، وللحكاية معناها.
تقبلي مني أستاذتي أعمق آيات التقدير، وأصدق عبارات الامتنان، ودمتِ قلمًا ينزف نورًا، وروحًا تكتب كما يكتب النهرُ اسمه على ضفافه بصمتٍ عميق وأثرٍ لا يزول.
البعنه == الجليل
9/09/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9 ...
- قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش ...
- قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س ...
- دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ ...
- طقوسُ الشاي المُقدَّسة
- قراءة تأويلية في جماليات النص الشعري وبلاغة التردّد الوجودي ...
- قراءة لقصيدة – خيوط العنكبوت – للأستاذ الدكتور فهد المحمد ال ...
- وتستمر الحكمة في النقد السامق لأضع بين ايديكم اعزائي ما جادة ...
- قِرَاءَةُ فِي مُعَلَّقَةٍ الْوَفَاء الْكُبْرَى لِلْأُسْتَاذ ...
- قراءة للمقطع الشعري – عيون – للأستاذة الناقدة نافلة مرزوق ال ...
- قراءة لقصيدة – أحبّكِ – للدكتورة آمال بوحرب
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- الحوار الثقافي الذي دار بين الدكتور عبد الكريم الحلو صاحب ال ...
- قراءتان لقصيدتان – سل النجوم وطفح الحب
- قراءة لقصيدة - رُبَاعِيَّاتُ محمد سليط من وجعِ الِخرْطُوم – ...
- سِفرُ الياسمين: فيروز والوحي القادم من الشرفة
- قراءة لقصيدة - وحدهم يعبرون الجسر – للأستاذ الشاعر البشير عب ...
- فيزياء الروح المضادة: تشريح -الوطن المؤقت- في نص نوال ادريس ...
- قراءة للقصة الق. ق. ج – طابور الموت – للأستاذة الهام عيسى
- قراءة لقصيدة – لقاء... وتراتيل – للأستاذ الشاعر سعيد محتال


المزيد.....




- -القتل بدوام كامل- تفوز بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول ...
- بصمة -التبريزي- في الأناضول: كشف أثري يعيد رسم خريطة الفن ال ...
- البحث عن رسول.. إرث الشاعر رسول حمزاتوف
- مي التي تغيب فيحضر كل شيء: قراءة سيميائية سردية في عوالم روا ...
- -روّحي على بيت أبوكي-.. انطلاق عروض فيلم -ريد فلاج-
- بعد توحيد المناهج.. مطالب باستمرار تدريس اللغة التركية في سو ...
- بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع ...
- من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا ...
- فنان مصري شهير يصاب بالتسمم أثناء تواجده في لبنان
- الخارجية الأمريكية مولت بودكاست باللغة الروسية للترويج لمجتم ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسري 9-9-2026 حكاية مِن حيثُ توقّفنا… سؤالُ البدايات في مَداراتِ النهايات: مقاربةٌ نقديةٌ تأويليةٌ في بلاغةِ السردِ وشِعريّةِ التلقّي.