أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب == اليوم الثالث















المزيد.....



أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب == اليوم الثالث


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 01:31
المحور: الادب والفن
    


أسابيع الرؤى الثقافية
منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب.
إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب == اليوم الثالث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السلسلة الثانية / الموسم الثقافي 2026 - 2027
العدد الخامس
الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين
الحلقة الثانية: الأربعاء 7 أكتوبر 2026
د. طه عبد الرحمن قاصا
قصة: الجهة الأخرى من الصمت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقديم
في الحلقة الثالثة من برنامج «أسابيع الرؤى الثقافية»، نفتح نافذة جديدة على التجربة الإبداعية للكاتب طه عبد الرحمن، من خلال قصة قصيرة بعنوان «الجهة الأخرى من الصمت»، وهي كتابة تنقل القارئ إلى منطقة داخلية شديدة العتمة، حيث لا يعود الصمت مجرد غياب للكلام، ولا الألم مجرد عارض عابر، وإنما يتحولان إلى فضاء وجودي يستوطن الذات ويعيد تشكيل علاقتها بنفسها وبالعالم.
منذ الجملة الأولى، تقيم القصة مفارقتها الأساسية بين الحياة والموت: «أنا الحي الذي يجر موته خلفه كظل لا يغيب». ومن هذه المفارقة ينفتح السرد على صوت ذات مأزومة، لا تحكي عن بؤسها من الخارج، بل تتكلم من داخله، حتى يغدو الألم جغرافية كاملة، وتتحول الوحدة إلى كيان ملازم، ويصبح الموت فكرة يومية تتكرر داخل الحياة قبل أن يتحقق بوصفه نهاية.
وتقوم القصة على المونولوج الداخلي بوصفه أداة كاشفة لأعماق الذات؛ فالسارد لا يروي أحداثا متتابعة بالمعنى التقليدي، بقدر ما يكشف طبقات متراكمة من الوجع والاغتراب والانطفاء. ولذلك تتقدم اللغة هنا بوصفها فعلا نفسيا ووجوديا، تتوالد من خلالها الصور والاستعارات: المقبرة التي تمشي، والنعش الذي يتنفس، والدموع التي لا عين لها، والوحدة التي تدخل إلى الرئتين قبل الهواء. إنها صور لا تكتفي بتزيين المعنى، بل تؤدي وظيفة بنائية في تشكيل عالم الشخصية.
ولعل اللافت في هذه الكتابة أن الصمت نفسه يصبح شخصية خفية؛ فهو ليس فراغا، وإنما حضور كثيف، تتجمع في داخله الأشياء التي عجزت الذات عن قولها. ومن هنا يأتي عنوان القصة: «الجهة الأخرى من الصمت»، باعتباره إحالة إلى ذلك الجانب غير المرئي من الإنسان، حيث تختبئ اعترافاته المؤجلة، وأسئلته، وخيباته، وأشكال موته الداخلي.
كما أن الزمن في القصة يفقد انتظامه المألوف؛ فالغد يبدو وعدا مؤجلا لا تملك الذات القدرة على تصديقه، والحاضر يتحول إلى تكرار للموت، والماضي يصبح مساحة لـ«ما كان» دون قدرة على استعادة ما مضى. وهكذا يتحول الزمن من إطار للأحداث إلى تجربة نفسية مغلقة، تتكرر فيها اللحظة ذاتها بأشكال مختلفة.
ومع ذلك، لا تخلو هذه العتمة من ومضة روحية لافتة. ففي مقطع من أكثر مقاطع القصة كثافة، يتوجه السارد إلى الله لا بلغة الإنكار، وإنما بلغة التعجب والحيرة: سؤال الإنسان الذي يواجه الألم ويحاول أن يفهم معنى بقائه. هنا تنتقل القصة من التعبير عن مأساة فردية إلى مساءلة أوسع لمعنى الوجود، وجدوى الاحتمال، وحدود قدرة الإنسان على مواصلة الحياة حين تصبح الحياة نفسها عبئا ثقيلا.
إن «الجهة الأخرى من الصمت» كتابة تقوم على تكثيف الإحساس بالاغتراب، وعلى تحويل الألم النفسي إلى صور حسية وفضاءات مكانية، بحيث لا يبقى القارئ أمام شخصية تعاني فحسب، بل أمام ذات تتآكل لغويا ووجوديا وهي تحاول أن تمنح عذابها اسما.
ومن هنا تأتي أهمية هذه القصة ضمن تجربة طه عبد الرحمن: إنها لا تبحث عن الحكاية في تعاقب الوقائع، بقدر ما تبحث عنها في ارتعاش الداخل الإنساني، وفي المسافة الدقيقة بين أن يكون الإنسان حيا، وأن يشعر بأنه غائب عن حياته.
في «الجهة الأخرى من الصمت»، لا يكون الصمت نهاية الكلام، بل بدايته الخفية؛ ولا يكون الموت نقيضا للحياة تماما، بل ظلا يتشكل داخلها. وبين الجهتين، يترك الكاتب قارئه أمام سؤال مفتوح: كم مرة يمكن للإنسان أن يموت في داخله، قبل أن يتوقف العالم عن سماع صوته؟
إعداد وتقديم: عبد الرحمن بوطيب
برنامج «أسابيع الرؤى الثقافية»
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة
الجهة الأخرى من الصمت
قصة قصيرة
طه عبد الرحمن
أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍ لا يغيب، كل صباحٍ أتفقّد قبري بأصابع مرتجفة، أمسح الغبار عن اسمي المنحوت على رخامٍ لم يُرفع بعد. الموت ليس هديةً مؤجلة، بل هو الشيء الوحيد الذي أشعر أنه لي، حقي الوحيد الذي لا ينتزعه مني أحد، ومع ذلك أتأخر عنه كل يوم، لا حبًا في الحياة، بل لأن البؤس صار دينًا، وأنا مدينٌ حتى آخر قطرة عذاب.
لستُ حزينًا، الحزن عاطفة، أما أنا فقد تحوّلت إلى جغرافية الألم ذاتها. جبالٌ من الصمت ترتجف في حلقي، أنهارٌ من الكتمان تجف في شراييني، صحاري من الوحشة تتمدد بين ضلعي وضلعي. الحزن شيء يشبه المطر، يأتي ثم يذهب، أما أنا فصرت الطين الذي لا يجف، صرت الوحل الذي يبتلع خطوات الفرح قبل أن تصل إليّ. أنا المقبرة التي تمشي، أنا النعش الذي يتنفس، أنا الدموع التي لا عين لها فظلّت حبيسة في لحم القلب تنخر فيه كنخر السوس في خشب التابوت.
اكتئابي علّمني لغةً لا يتحدثها الأحياء، علّمني كيف أكون شبحًا بينهم، كيف أمرّ كالهواء المسموم، لا يراني أحد، ولكن الجميع يختنق بي. أتكلّم، فيظنون أن صوتي آتٍ من غرفة مجاورة، أتحرك، فيحسبون أن الريح حرّكت ستارة، أنا الغائب الذي يملأ المكان، أنا الفراغ الذي إذا دخل غرفة ضاقت بالجالسين. صرت الهباءة، صرت الذرة المعلقة بين "كان" و"لم يعد"، صرت زمنًا ماضيًا بلا فعلٍ ولا فاعل.
الغد؟ لا تؤذوني بالغد. الغد كذبةٌ اخترعها من يملكون قوّة الانتظار، وأنا مفلسٌ حتى من الانتظار. أنظر إلى الساعة فأرى العقارب تمشي على جثث دقائقي، كل ثانية تموت وأنا أموت معها، ثم تولد ثانية جديدة لتموت هي الأخرى، وأنا أموت من جديد. كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟ أنا متُّ بعدد أنفاسي، متُّ بعدد نبضات قلبي، ومع ذلك ما زلتُ أجلس هنا، أتنفس، كأن الحياة تصرّ عليّ وأنا أصرّ على الرحيل، عشقٌ من طرفٍ واحد، أنا والحياة، عشقٌ بلا لغة، عناقٌ بلا ذراعين، قُبلة إسفلتية بطعم الدم والغبار.
أتعرفون كيف يكون البكاء بلا عيون؟ أن تبكي برئتيك، أن تبكي بكبدك، أن تبكي بعظامك، أن تبكي بقلبك، أن يذوب نخاعك دموعًا لا ترى النور أبدًا. دموعي حبيسة في أقبية الجسد، تغرق أحشائي كل ليلة، أغرق فيّ ولا ينتشلني أحد. أبكي من أصابعي، من ركبتيّ، من ضلوعي التي تشبّكت كأغصان شجرةٍ في مهب الإعصار، أبكي من كل مسام جلدي، ومع ذلك أبدو جافًا كصحراء لم تسمع اسم المطر، كحجرٍ لم ترتطم به دمعة قط.
الوحدة صارت أثقل من الجاذبية، تسحقني إلى مركز الأرض، إلى اللبّ، إلى النواة الملتهبة، ثم إلى ما بعد الالتهاب، إلى رماد الرماد. أنام فأصحو على صوت وحدتي، آكل فتشاركني وحدتي لقمتها، أتنفس فتدخل وحدتي إلى رئتيّ قبل الهواء. صرنا توأمين سياميين، لا يمكن فصلي عنها إلا بموتي، وربما حتى بموتي لا تفارقني، ربما تتبعني إلى قبري، ربما تكون هي الدود الذي يأكل جثتي، ربما تكون هي التراب الذي يثقل صدري إلى الأبد.
يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب. أتعجب من قلبٍ هذا حظه من الدنيا وما زال ينبض، من روح هذا نصيبها من الألم وما زالت تصعد كل صباح، تعود إلى الجسد كمن يعود إلى سجنه بقدميه. أتعجب منك، لا غضبًا، بل استغراب المحكوم بالإعدام حين يجد في زنزانته وردة، يقول: "ما فائدة الوردة لمن سيُشنق فجرًا؟" أنا الوردة في زنزانة الانتظار، أنا السؤال بلا جواب، أنا الدعاء الذي يصعد فلا يخترق السقف، يعود إليّ كالطيور المهاجرة التي ضلّت طريقها، تسقط ميتةً عند عتبة فمي فأبتلعها وأتحول أنا إلى مقبرة الدعوات.
لا تبحثوا عني في وجوه الأحياء، ابحثوا عني في الوجوه التي ماتت قبل أصحابها، في العيون التي صارت حدقتاها قبرين، في الابتسامات التي تشبه الشقوق في جدارٍ قديم. أنا هناك، حيث الحياة ذاكرةٌ منسيّة، حيث الألم طبيعةٌ لا حدث، حيث البؤس ليس حالةً بل هوية. أنا الهوية، أنا التعريف، أنا الإنسان الذي صار تعريفه: "شيء كان حيًا ثم صار هذا".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طه دخل الله عبد الرحمن
فلسطين
ردي على تقديم الأستاذ الاديب الناقد عبد الرحمن بوطيب:
طه عبد الرحمن
حين يُنصت الضوءُ إلى عتمة الكلام
أستاذي الأديب عبد الرحمن بوطيب
للكلمات أقدارٌ تشبه أقدار الأرواح؛ منها ما يولد في الضوء ثم يذوي في الزحام، ومنها ما يخرج من عتمته مثقلًا بليل صاحبه، حتى إذا لقي قلبًا بصيرًا، انفتح فيه ما استغلق، وأشرق منه ما احترق. وما كلُّ عينٍ تقرأ ترى، ولا كلُّ أذنٍ تسمع تعي؛ فبين النظر والبصيرة مسافة، وبين السماع والإصغاء ضيافة. وقد منحتم قصتي هذه الضيافة النبيلة؛ لم تستقبلوا حروفها عند عتبة العبارة فحسب، بل أفسحتم لارتجافها موضعًا في التأمل، ولأنينها مقامًا في الفهم، حتى شعرت أن النص الذي خرج يحمل وحدته، قد وجد في قراءتكم من يؤنس غربته، ويصون حيرته.
تلقيت تقديمكم لـ«الجهة الأخرى من الصمت» كما تتلقى أرضٌ أرهقها الجفاف أولَ قطرة؛ لا لأنها تنهي ظمأها كله، بل لأنها تردّ إليها خبر السماء. وقرأت كلماتكم، فإذا بي أعود إلى قصتي من طريق لم أسلكه وأنا أكتبها؛ أرى في منعطفاتها ما حجبته عني حرارة الولادة، وأسمع في صمتها ما غطّاه عليّ صخب المكابدة. ولعل هذه أبهى هبات القراءة: أن تعيد إلى الكاتب نصَّه أوسع مما أرسله، وأعمق مما ظنّه، وأن تفتح في مرآته نافذةً بعدما حسبها وجهًا واحدًا وصورةً واحدة.
ولذلك فإن شكري لكم يتجاوز بهجة الكاتب بالعناية بنصه إلى امتنان الإنسان لمن أحسن ملامسة ما يتوارى خلفه. لقد كان الإصغاء روح تقديمكم؛ إصغاءٌ لا يتعجل تسمية الجرح قبل استبانة عمقه، ولا يرفع عن الوجع حجابَه ليستعرضه، بل ليقارب سره. وفي ذلك فرقٌ بين قراءة تستخرج من النص شاهدًا على براعتها، وقراءة تهب النص براعتها ليزداد حضورًا ووضوحًا. وقد شعرْت أنكم منحتم القصة من ضوء النقد ما يكشف تضاريسها، دون أن تسلبوا ليلها سواده، أو تُكرهوا سؤالها على جواب لا يحتمله.
وقفتم عند قول السارد: «أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍّ لا يغيب»، فكأنكم وضعتم اليد على المفصل الذي يدور عليه باب الحكاية. ففي هذه الجملة تتجاور الحياة والموت، لا تجاور الضدين عند نهايتين، بل تجاور الجرح وصاحبه في جسد واحد. إنه حيٌّ بما يبقى فيه من نبض، غائبٌ بما ينطفئ فيه من معنى؛ يمضي إلى صباحه، ويجر وراءه ليلًا لم ينقضِ؛ يسير في العالم، فيما يتعثر العالم في داخله. والمحنة هنا ليست نهايةً تهدد الإنسان من بعيد، وإنما شعورٌ يتسلل إلى تفاصيل بقائه، حتى يغدو الاستيقاظ عودةً إلى السؤال، ويصبح التنفس تكرارًا للمحنة قبل أن يكون علامةً على النجاة.
وقد أضاءت قراءتكم هذه المسافة الموجعة بين أن يعيش المرء وأن يسكن حياته؛ فليس كلُّ حضورٍ امتلاءً، ولا كلُّ غيابٍ رحيلًا. قد يكون الإنسان في مكانه، واسمه على الألسنة، ووجهه بين الوجوه، ثم لا يجد في شيءٍ من ذلك طريقًا إلى نفسه. ولهذا تتكاثر في صوت السارد صور الغياب، كأنه يطرق أبواب اللغة بابًا بابًا، ويقول عند كل باب: أنا هنا، ولكنني لا أجدني. وحين تصير العبارة مأوى لهذا التناقض، يغدو السرد بحثًا عن الذات في مواضع انكسارها، لا تسجيلًا لخطواتها في طريق ظاهر.
ولقد استوقفني في تقديمكم ذلك الفهم العميق لتحوّل الألم إلى جغرافيا؛ إذ لم تقرؤوا جبال الصمت وأنهار الكتمان وصحاري الوحشة بوصفها حُلِيًّا بلاغية، بل بوصفها تضاريس عالمٍ داخليٍّ أعياه أن يُرى. إن الوجع حين يعجز عن تحديد موضعه يستعير الأمكنة، وحين تضيق به الأسماء يستنجد بالصور. فكيف يشير المرء إلى ألمٍ لا يقيم في عضوٍ وحده، ولا ينتهي عند حدٍّ بعينه؟ وكيف يقول: «هنا يؤلمني»، إذا كان الـ«هنا» قد اتسع حتى صار حياته كلها؟ عندئذ تحمل الجبال ما لا يحتمله الحلق، وتجري الأنهار بما لا تجري به العين، وتتمدد الصحراء حيث كان ينبغي للقرب أن يورق، وللأنس أن يزهر.
وفي هذا السياق تتردد عبارة «أنا» كطرقةٍ لا تكفّ على باب مغلق. يقول السارد: أنا المقبرة، أنا النعش، أنا الدموع؛ فيستبدل باسمه صورًا تزداد قسوة، كأن الألم يزاحمه على حق التعريف، حتى يستولي على لغته التي يقدّم بها نفسه. وتلك، في نظري، من أقسى مناطق القصة: أن يظل الإنسان قادرًا على النطق، ثم لا يجد لنفسه اسمًا خارج ما يعانيه. لقد أبرزتم هذا التآكل الوجودي واللغوي معًا، فأعدتم إلى الصور صلتها بمحنة صاحبها؛ إذ لا تنفصل قسوة العبارة هنا عن قسوة النظرة التي باتت الذات تنظر بها إلى ذاتها.
أما حديثكم عن الصمت بوصفه «شخصية خفية»، فقد مسَّ من العنوان عصبَه، ومن القصة قلبَها. للصمت في هذا النص ثقلٌ وخطوٌ وظل؛ يقيم في الحلق، ويزاحم النفس، ويشارك الوحدة طعامها ومبيتها. وما أكثر ما نسميه صمتًا، وهو في الداخل ازدحام! ازدحام كلماتٍ لم تجد أمان القول، واعترافاتٍ أخافها سوء الفهم، ونداءاتٍ عادت من الطريق لأنها لم تثق بوجود من يسمعها. لذلك تبدو «الجهة الأخرى» حيّزًا مكتظًّا بما لم يظهر، لا فراغًا ينتظر أن نملأه. وقد اقتربتم من هذا الحيّز برهافةٍ أبقت له ستره، وبصيرةٍ كشفت أثره.
ولعل الكاتب، حين يفتح منفذًا إلى ذلك الصمت، لا يطلب من قارئه أن يتقن جميع أسراره، وإنما يرجو منه ألّا يستخف بما يجهله منها. فبعض الحروف ترتجف لأن وراءها ما لا يقدر على العبور، وبعض المبالغة في الصورة تكشف مقدار العجز عن إيصال الشعور. وقد كانت قراءتكم رحيمةً بهذا العجز؛ لم تتعاملوا مع احتشاد الصور بوصفه فائضًا منفصلًا عن التجربة، بل رأيتم كيف تتوالد الاستعارات حين لا تكفي العبارة الأولى، وكيف تعود الذات إلى وصف وجعها لأن كل وصفٍ يترك منه بقيةً بلا اسم.
وفي قراءتكم للزمن، رأيت الساعة تخرج من جدار الغرفة لتدخل جدار الروح. هناك لا تقيس العقارب المسافة بين لحظتين، بل تمشي فوق ما سمّاه السارد «جثث دقائقي»؛ وكلُّ ثانيةٍ جديدة تحمل شبه سابقتها، حتى يصير التعاقب تكرارًا، ويغدو الامتداد حصارًا. أما الغد، الذي تستند إليه النفس حين يثقل حاضرها، فقد فقد في هذا الصوت قدرته على الوعد؛ صار كلمةً تؤلم لأنها تشير إلى انتظارٍ لا يجد صاحبه في داخله قوةً له. وهكذا تنغلق جهات الزمن: ماضٍ لا يُستعاد، وحاضرٌ لا يُحتمل، وغدٌ لا يُصدَّق. وقد كشفتم هذا الإغلاق دون أن تطالبوا النص بأحداثٍ تُخرجه من طبيعته؛ فالحدث هنا يقع في الشعور، ويتبدى في تبدّل علاقة السارد بكل ما حوله.
ثم تأتي المناجاة، فيلين من العبارة ما اشتدّ، وينكشف من الحيرة ما استتر: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». ما أرهف هذه المسافة بين السؤال وسوء تأويله، وبين الشكوى والخشية من أن تُحسب جحودًا! إن السارد يشرح نداءه قبل أن يتمّه، كأنما يريد أن يحفظ للتوجه صدقه، وللحيرة براءتها. وقد أحسنتم الوقوف في هذه المسافة، فلم تُلبسوا الصوت يقينًا لم يقله، ولا إنكارًا تبرأ منه. تركتموه في مقامه: قلبًا يتعجب من بقائه، وروحًا تسأل عن احتمالها، وإنسانًا يرفع إلى الله ما أعياه حمله بينه وبين نفسه.
وهنا تتراءى الوردة في الزنزانة؛ صغيرةً في موضعها، واسعةً في دلالتها. يقف السارد أمامها ويسأل عن فائدتها، فينشأ بين الجمال والمحنة توترٌ لا تحسمه عبارةٌ سهلة. فالوردة لا تفتح القفل، ولا تمحو الجدار، ولا تبدّد خوف الفجر؛ لكنها تجعل المشهد أقلَّ طاعةً للعتمة، وتضع في صميمه حضورًا يستعصي على الانسجام التام مع الخراب. وربما كانت قوتها في هذا الإرباك ذاته: أن يراها المحكوم بالألم، فلا يستطيع أن يطمئن إليها، ولا يستطيع أن ينكر أنها أمامه. وأحبّ أن يبقى لهذا المشهد قلقه؛ إذ ليس من الإنصاف أن نجعل الوردة جوابًا جاهزًا لسؤالٍ لم ينتهِ، أو أن نحمّل رقتها ما لا تستطيع حمله.
ومن هذا الموضع أتأمل المسافة بين السارد والكاتب، بين الصوت الذي تستغرقه محنته، والكتابة التي تمنح هذه المحنة هيئةً قابلةً للمشاركة. فما ينطق به السارد يخص عالمه وحدود رؤيته، ولا يستنفد موقف النص من الإنسان والحياة. إن تصوير الانطفاء لا يقتضي تمجيده، والاقتراب من اليأس لا يمنحه الكلمة الأخيرة. بل قد تكون الكتابة، وهي تنقل هذا الصوت، محاولةً لإنقاذه من التلاشي؛ تسجّل ما يقوله عن نفسه، وتترك للقارئ أن يرى فيه أكثر مما استطاع هو أن يرى. وحين ينتهي إلى تعريفه المرير: «شيء كان حيًا ثم صار هذا»، تبقى القراءة مدعوةً إلى استرداد الإنسان من كلمة «شيء»، وإلى تأمل تلك الهوية التي ضاقت حتى حسبت جرحها حدودها.
وهذا مما جعل تقديمكم قريبًا إلى نفسي؛ فقد أنصتم إلى الصوت دون أن تختزلوا صاحبه في ظلامه، وقرأتم كثافة الألم دون أن تجعلوا من الألم زينةً للمعنى. ثمة رهافةٌ لازمة لمن يقارب مثل هذا النص: أن يرى جمال الصياغة، ويظل متذكرًا خشونة التجربة التي تصوغها؛ أن يتأمل براعة الصورة، ولا ينسى الكائن المرتجف في داخلها. وقد حفظتم هذا التوازن، فكان النقد في تقديمكم معرفةً تتأنّى، وذائقةً تتحرّى، ورفقةً لا تدّعي امتلاك الطريق.
أما سؤالكم الأخير: «كم مرة يمكن للإنسان أن يموت في داخله، قبل أن يتوقف العالم عن سماع صوته؟»، فقد بقي في نفسي بعد فراغ القراءة، كأن انتهاء الكلام زاد صداه. إنه سؤالٌ يردّنا من النص إلى مسؤولية الإصغاء؛ يضع أمامنا حدود احتمال الإنسان، وحدود انتباه من حوله، والمسافة التي قد تتسع بين النداء واستجابته. ولعل أخطر ما فيه أن الصوت قد يستمر، بينما يعتاد العالم سماعه حتى لا يعود يسمعه حقًّا. عندئذ يحتاج القارئ إلى أن يجدّد انتباهه، وأن يمنح العبارة المألوفة فرصةً لتفاجئه بما تخبّئ، وألّا يجعل من تكرار الألم سببًا للتقليل من وطأته.
لقد فعل تقديمكم شيئًا من هذا؛ أعاد الانتباه إلى صوت القصة، وأبطأ خطى القراءة عند مواضعها الأشدّ ارتعاشًا. وفي هذا الإبطاء فضيلةٌ أعتز بها؛ فالنص الذي يمشي مثقلًا بصوره لا تكفيه قراءةٌ تمرّ، بل يحتاج إلى قراءةٍ تقيم قليلًا: عند جملةٍ يختلط فيها الحيّ بظلّه، وعند جسدٍ تبكي أعضاؤه، وعند وردةٍ لم يفهم السارد سرّ وجودها، وعند اسمٍ كاد الوجع أن يمحوه. وقد أقمتم في هذه المواضع إقامةَ المتأمل، ومنحتم القارئ فسحةً ليراها معكم، دون أن تغلقوا عليه سبيل رؤيته الخاصة.
فلكم، أستاذي الأديب عبد الرحمن بوطيب، شكرٌ يليق بما بذلتم من عناية، ومودةٌ تليق بما أظهرتم من رهافة. وأعتز بهذا الحضور لقصتي في الحلقة الثالثة من «أسابيع الرؤى الثقافية»، وبهذا اللقاء الذي عاد فيه النص إليّ وقد اكتسب من قراءتكم أفقًا آخر. لقد عرفتم كيف تقتربون من عتمته دون أن تزيدوها وحشة، وكيف تكشفون جرحه دون أن تسلبوه حرمته؛ فكان تقديمكم نافذةً في جدار التأويل، وكان اهتمامكم موضعَ ضوءٍ على حافة السؤال.
أكتب إليكم، وفي نفسي صورةٌ أخيرة: النص جالسٌ في ليله، يصغي إلى وقع يدٍ على الباب. لا يتبدّل الليل كله، ولا تنقلب العتمة نهارًا؛ لكن شيئًا دقيقًا يحدث في الداخل حين يعرف صاحب الصوت أن طرقته لم تذهب سدى، وأن وراء الصمت من توقّف، وتفهّم، وانتظر حتى تتبين له الكلمات. ذلك هو الأثر الذي تركته قراءتكم في نفسي؛ أن للصمت جهةً أخرى يمكن بلوغها برفق، وأن الكلمة، مهما أثقلها ليلها، قد تجد من يحمل إليها مصباحًا، ويجلس.
طه دخل الله عبد الرحمن
Mohammed Mimouni
الجهة الأخرى من الصمت
قراءة نقدية في قصة الدكتور طه عبد الرحمن
ليست «الجهة الأخرى من الصمت» قصة تقوم على الحدث بالمعنى المألوف. لا توجد فيها وقائع كثيرة تتطور أمامنا، ولا شخصيات تدخل في صراع خارجي واضح. إن الحدث الحقيقي يقع في الداخل: رجل يحاول أن يفهم علاقته بالحياة بعدما أصبح الألم جزءًا ثابتًا من وعيه.
منذ البداية، يضعنا الكاتب أمام هذه المفارقة: «أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب». ومن هنا يتحدد المسار العام للنص: الحياة موجودة من الناحية البيولوجية، لكنها فقدت معناها بالنسبة إلى الشخصية.
هذه الفكرة واضحة ومتماسكة، والكاتب ينجح في جعلها محورًا تتفرع منه معظم مقاطع القصة. غير أن قوة الفكرة نفسها تكشف المأخذ الأبرز على النص: الكاتب لا يكتفي أحيانًا بأن يجعلنا نكتشف الألم، بل يواصل تفسيره وتصويره حتى بعد أن يكون قد وصل إلينا.
في البداية تكون الصور مؤثرة، مثل «أنا المقبرة التي تمشي» و«أنا النعش الذي يتنفس». لكن كثرة الصور المتقاربة في وظيفتها تجعل أثر بعضها يتراجع. فحين يتكرر المعنى نفسه من خلال المقبرة والنعش والدموع والجغرافيا والوحشة، يبدأ القارئ في استقبال الألم باعتباره فكرة ثابتة أكثر من كونه تجربة تتطور.
وهنا أختلف قليلًا مع الطريقة التي اختار بها الكاتب بناء نصه.
ليس لأن اللغة ضعيفة؛ بالعكس، اللغة هي إحدى نقاط قوة القصة. لكن اللغة القوية تحتاج أحيانًا إلى اقتصاد. الصورة الجيدة لا تحتاج بالضرورة إلى صورة أخرى تشرحها.
وربما كان النص سيصبح أكثر تأثيرًا لو ترك بعض الفراغات للقارئ.
فالإنسان المنهك لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول: أنا منهك. قد تكشف حالته حركة بسيطة، أو تصرفًا عابرًا، أو علاقة مع شخص آخر. وهذا ما افتقدته القصة إلى حد ما: التفاصيل اليومية التي تمنح الشخصية حياة خارج خطابها عن الألم.
الشخصية هنا تتحدث عن نفسها من داخل أزمتها، ولذلك نعرف كثيرًا عن شعورها، لكننا نعرف قليلًا عن حياتها.
وهذا فرق مهم.
نعرف أنها وحيدة، لكننا لا نرى الوحدة في موقف يومي.
نعرف أنها فقدت علاقتها بالمستقبل، لكننا لا نراها تتعامل مع موعد أو شخص أو مكان.
نعرف أنها تشعر بأنها ميتة من الداخل، لكننا لا نرى أثر ذلك في علاقتها بالعالم المحيط.
وهنا كان يمكن للقصة أن تمنحنا شيئًا من المشهد بدل أن تعتمد بصورة شبه كاملة على التأمل.
مع ذلك، فإن اختيار المونولوج الداخلي يخدم النص بوضوح.
السارد لا يريد أن يحكي لنا حياته بقدر ما يريد أن يكشف وعيه بنفسه. ولذلك تأتي الأسئلة المتكررة حول الموت والزمن والوحدة لتكشف حالة ذهنية أكثر مما تكشف أحداثًا.
وأحسب أن عبارة:
«كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟»
تلخص جزءًا كبيرًا من المشروع.
فالزمن في القصة ليس زمن الساعة، وإنما زمن الإحساس. الدقيقة لا تعني دقيقة، والغد لا يعني يومًا جديدًا، وإنما احتمالًا لم يعد السارد قادرًا على تصديقه.
وهذا من أنجح جوانب القصة؛ لأن الكاتب استطاع أن يحوّل الزمن من عنصر خارجي إلى تجربة داخلية.
لكن هنا أيضًا كان يمكن للاقتصاد أن يخدم النص.
حين تكون الفكرة قوية، لا تحتاج إلى تكرارها كثيرًا.
والكاتب يمتلك بالفعل جملة مركزية تستطيع حمل هذا المعنى دون الحاجة إلى أن تظل القصة تؤكده في صور متعددة.
أما المقطع المتعلق بالله، فهو بالنسبة إليّ أهم أجزاء القصة من الناحية الفكرية.
«يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب».
هذه الجملة تنقل النص من وصف الألم إلى مساءلة معناه.
فالشخصية لا تقدم نفسها باعتبارها رافضة للإيمان، بل باعتبارها إنسانًا لا يفهم لماذا يُطلب منه أن يحتمل ما لا يستطيع تفسيره. وهنا يصبح السؤال الديني امتدادًا للسؤال الوجودي.
واللافت أن الكاتب لا يقدم إجابة جاهزة.
وهذا جيد.
لأن النص الأدبي يفقد جزءًا من قوته عندما يحول السؤال الكبير إلى درس جاهز.
لكن حتى هنا، تعود المشكلة نفسها: الصورة تسبق أحيانًا التجربة.
كان يكفي أن تبقى الحيرة واضحة، وربما كان ذلك سيجعل المقطع أكثر قوة. فالسؤال الموجه إلى الله لا يحتاج دائمًا إلى كثير من المجازات حتى يصل إلى القارئ.
أما عنوان القصة، فهو من أجمل مفاتيحها.
«الجهة الأخرى من الصمت» لا تشير بالضرورة إلى مكان آخر، وإنما إلى ما لا يظهر في الكلام.
الصمت هنا ليس مجرد عدم الحديث. إنه أشياء لم تستطع الشخصية أن تقولها، وربما لم تجد من يستطيع سماعها.
لكن العنوان يطرح سؤالًا آخر:
هل الصمت هو المشكلة، أم أن المشكلة هي غياب من يصغي إليه؟
وهذا السؤال يجعل القصة تتجاوز تجربة الشخصية نفسها.
فهي لا تعود قصة شخص متألم فقط، وإنما تصبح تذكيرًا بمشكلة إنسانية أوسع: أننا كثيرًا ما نرى الإنسان من خلال سلوكه الخارجي، ولا نعرف ما يحدث في داخله.
ومع ذلك، تبقى لدي ملاحظة أساسية على بناء الشخصية.
السارد يكاد يعرف نفسه من خلال ألمه وحده.
هو الميت، والمنعزل، والمتعب، والذي فقد الغد.
وهذا مفهوم داخل الحالة التي يكتب منها النص، لكنه يظل محدودًا من الناحية الفنية.
فالإنسان، حتى في أشد أزماته، لا يتوقف عن امتلاك تفاصيل أخرى.
كان يمكن لتفصيل صغير جدًا أن يغير كثيرًا في القصة: علاقة عابرة، ذكرى، موقف يومي، شخص لا يفهم ما يحدث له، أو حتى لحظة عادية تناقض هذا السواد المستمر.
ليس المطلوب أن تدخل القصة في التفاؤل.
المطلوب فقط أن نرى الإنسان إلى جانب معاناته.
فحين يصبح الألم هو الشخصية كلها، يفقد القارئ شيئًا من القدرة على اكتشافها.
وهنا أصل إلى ملاحظة ربما تكون الأكثر أهمية عندي.
القصة تقول إن السارد «نعش يتنفس».
لكن استمرار التنفس، واستمرار الكلام، واستمرار السؤال، يعني أن هناك شيئًا لم ينتهِ بعد.
وهذه المفارقة هي ما يجعل النص أكثر تعقيدًا مما يبدو.
فالسارد يعلن موته، لكنه يكتب.
يعلن عجزه عن الانتظار، لكنه ينتظر.
يقول إن الصمت أحاط به، لكنه يتكلم طوال القصة.
وهذا التناقض ليس عيبًا بالضرورة؛ بل يمكن أن يكون أكثر عناصر النص إثارة.
فالكتابة نفسها تصبح هنا دليلًا على أن الشخصية لم تستسلم تمامًا.
وربما كان يمكن للكاتب أن يستثمر هذه المفارقة أكثر.
لأن أجمل سؤال في القصة ليس: هل مات هذا الإنسان؟
بل:
إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟
وهنا، قبل أن أختم، لا بد أن أقول إن نقد النص لا يعني محاكمة صاحبه.
الدكتور طه عبد الرحمن يغامر في هذه القصة بالدخول إلى منطقة حساسة: الألم الداخلي، والوحدة، والموت الرمزي، والحيرة أمام معنى الاحتمال. وقد لا أتفق مع كل اختياراته الفنية، خصوصًا في كثافة الصور وتكرار بعض المعاني، لكن هذا الاختلاف نفسه دليل على أن النص يفتح مجالًا حقيقيًا للحوار.
وأنا، في النهاية، لم أقرأ القصة بعين الناقد وحده.
قرأتها أيضًا بعين الإنسان.
لأننا جميعًا نعرف، أو قد نعرف يومًا، شخصًا يقول لنا: «أنا بخير»، ثم نكتشف بعد وقت طويل أن تلك العبارة لم تكن وصفًا لحاله، وإنما محاولة لإغلاق الحديث.
ومن هنا تبدو لي القيمة الإنسانية الأهم في «الجهة الأخرى من الصمت»: أنها تذكّرنا بأن ما لا يقوله الإنسان قد يكون أهم مما يقوله.
وهذا هو الموضع الذي أتوقف فيه عن محاكمة اللغة قليلًا.
وأترك النص للدكتور طه عبد الرحمن، مع كامل التقدير والاحترام، وللقارئ الذي ربما يجد فيه شيئًا لم أجده أنا.
فالنص الجيد لا ينتهي عندما يضع الكاتب نقطة في آخر السطر.
أحيانًا يبدأ هناك.
وربما كانت «الجهة الأخرى من الصمت» هي ببساطة:
الإنسان الذي نراه أمامنا، ولا نعرف ماذا يحدث فيه.
بقلم: د. محمد ميموني – مشاكس المعنى
ردي على نقد الدكتور محمد ميموني
ما لا يقوله الجرح، وما ينبغي أن تتركه اللغة
الأخ والصديق الدكتور محمد ميموني
أصعب ما يُطلب من الكاتب أن يضع مصباحًا بينه وبين نصه؛ فقد ألف أن يرى كلماته في ضوء اللحظة التي أنجبتها، وأن يتذكر ما حملته نفسه إليها قبل أن يسأل عما حملته هي إلى القارئ. وحين تأتي قراءة جادة، فإنها لا تكتفي بإضاءة الصفحة، بل تضيء تلك المسافة التي كثيرًا ما يغفل عنها صاحبها: المسافة بين حرارة الشعور ودقة التعبير، بين صدق ما عاناه الصوت ونجاح ما بناه النص. وقد جاءت قراءتكم لـ«الجهة الأخرى من الصمت» لتضعني في هذه المسافة؛ لا في موضع المتهم الذي يلتمس براءته، ولا في مقام صاحب الكلمة الذي يطلب التسليم له، وإنما في موضع الكاتب الذي يقبل أن يعود إلى ما كتب، وأن ينظر إليه بعين لا تدين له بشيء.
لهذا أكتب إليكم من باب الإنصاف؛ إنصاف قراءتكم من ردٍّ يحوّلها إلى مناسبة للثناء وحده، وإنصاف قصتي من دفاع يحرمها حق المراجعة، وإنصاف اختلافي معكم من موافقة مهذبة لا تقول ما أراه حقًّا. فما أسهل أن أشكركم على الاهتمام، ثم أترك ملاحظاتكم حيث وجدتها؛ وما أصعب، وما أنفع، أن أدخل معها إلى صلب النص، وأختبر ما تستطيع عباراتي أن تجيب عنه، وما ينبغي لها أن تصمت أمامه قليلًا.
لقد قرأتم القصة بعين لم تنكر على لغتها قوتها، لكنها سألت هذه القوة عما تصنعه؛ ولم تنكر على موضوعها حساسيته، لكنها لم تجعل الحساسية عذرًا فنيًّا. وهذه نقطة أقدّرها في نقدكم تقديرًا خاصًّا. فالكاتب قد يغريه وجع موضوعه بأن يطلب للعبارة حصانة من الوجع نفسه، كأن الاقتراب من منطقة إنسانية شديدة العتمة يكفي لضمان سلامة الطريق إليها. غير أن ما يستحق الرحمة في التجربة يستحق الدقة في تصويرها، وما يطلب من القارئ أن يتأثر به ينبغي أن يمنحه أسباب هذا التأثر داخل البناء، لا في النية التي سبقت البناء.
وقد أضاء الأستاذ الأديب عبد الرحمن بوطيب في تقديمه ما رآه من اتصال الصور بالعالم النفسي للسارد، ثم جئتم أنتم لتسألوا عن مقدار ما يحتاج إليه هذا العالم من صور، وعن الموضع الذي تصبح فيه الكثافة عبئًا على أثرها. لا أرى في ذلك تناقضًا يستدعي ترجيح قارئ لإبطال آخر؛ فقد تكون للصورة وظيفة معتبرة، ويظل حضورها بحاجة إلى ضبط، وقد يصح تفسير التكرار ولا يصح، بالقدر نفسه، تقدير ضرورته في كل موضع. إن القراءة التي تكشف ما يفعله النص، والقراءة التي تسأل عما كان يمكن أن يفعله على نحو أفضل، تلتقيان عند مسؤولية واحدة: ألا يكتفي الكاتب بأن يكون مفهومًا، بل أن يسأل عن دقة الوسائل التي جعلته كذلك.
وأبدأ من ملاحظتكم الأشد اتصالًا بصنعة القصة: أنني لا أكتفي أحيانًا بإيصال الألم، بل أواصل تصويره بعدما يكون قد وصل. هذه ملاحظة لا أريد أن أرد عليها بعبارة جاهزة عن «التكرار المقصود»؛ فليس كل مقصود ناجحًا، وليس في إعلان النية ما يعفي الأثر من الاختبار. نعم، أردت لهذا الصوت أن يبدو محاصرًا بما لا يستطيع تجاوزه، وأن يعود إلى وجعه لأنه لا يجد في داخله موضوعًا يزاحمه. لكن نجاح هذا الاختيار يظل مرهونًا بما تحدثه كل عودة: هل تكشف وجهًا لم نره، أم تعيد إلينا الوجه نفسه في مرآة أخرى؟
هنا أرى أن ملاحظتكم تصيب بعض مواضع النص، دون أن تستنفد وظيفة التكرار فيه كله. فثمة فرق بين أن يتكرر لفظ الألم، وأن يتغير موضعه في علاقة الإنسان بنفسه. حين يبدأ السارد بقوله: «أنا الحي الذي يجر موته خلفه كظل لا يغيب»، فإنه ما يزال يميز، على قسوة المفارقة، بين ذاته وما يجرّه وراءه. ثم تتوالى التعريفات: «أنا المقبرة»، «أنا النعش»، «أنا الفراغ»، حتى تنتهي إلى «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». أقرأ في هذا التدرج انتقالًا من مصاحبة الموت إلى استيلائه على الاسم؛ من إنسان يشعر أن فيه ما ينطفئ، إلى صوت يكاد يعجز عن رؤية نفسه خارج الانطفاء. وهذا انتقال أتمسك بقيمته في البناء، وإن كنت لا أزعم أن كل صورة بين طرفيه ضرورية لتحقيقه.
فالصورتان: «المقبرة التي تمشي» و«النعش الذي يتنفس»، ليستا متماثلتين تمامًا؛ الأولى تحمل الموت إلى حركة السارد في العالم، والثانية تدخله في العلامة الأشد قربًا من بقاء الجسد. لكن اختلاف الدلالة لا يكفي وحده لإثبات ضرورة المجاورة. قد تكون لكل صورة جهة تخصها، ومع ذلك تتزاحمان على أثر واحد. ومهمة المراجعة هنا ألا تكتفي بالعثور على معنى لكل عبارة، بل أن تختبر ما إذا كان غيابها سينقص من التجربة، أو سيزيد ما بقي منها وضوحًا. وقد يحتاج الكاتب إلى شجاعة أكبر لحذف صورة أحبها مما احتاج إليه لكتابتها.
وهذا هو الاقتصاد الذي أفهمه من دعوتكم: لا فقر اللغة، بل حسن تصرفها فيما تملك. ليس المطلوب أن تجف العبارة حتى تبدو منضبطة، وإنما أن تعرف أين تقف، وألا تستنفد انتباه القارئ في تأكيد ما استقر لديه. فالبلاغة لا تبلغ تمامها بكثرة ما تستطيع أن تضيفه، بل بمعرفتها ما ينبغي أن تتركه. ولعل في بعض مقاطع قصتي صورةً بلغت مقصدها، ثم لحقتها صور كانت تريد أن تعمقه، فإذا بها تنافسه على الصدارة. وحين تتساوى الجمل جميعًا في طلب الذروة، يصبح من العسير أن يشعر القارئ بارتفاع إحداها؛ لأن الارتفاع يحتاج إلى أرض يقاس بها.
ومع ذلك، أختلف مع اختزال الكثافة في كونها شرحًا زائدًا. لقد حاولت أن أجعل اندفاع المجاز جزءًا من هيئة هذا الصوت: ساردًا لا يطمئن إلى اسم، ولا يستقر في وصف، كأن كل عبارة تترك خارجها بقية من وجعه فيلحقها بأخرى. ليست الصور، في هذا التصور، زينة معلقة على جدار المحنة، بل أثرًا من آثار العجز عن إحاطتها بالكلام. غير أن هذا الدفاع يضع على الكاتب تكليفًا أشد، ولا يمنحه رخصة أوسع؛ إذ ينبغي له أن يصوغ عجز الشخصية عن الضبط دون أن يعجز هو عن ضبط الصياغة. اضطراب الصوت مادة فنية، وليس معيارًا نهائيًّا لتنظيم النص.
أما حديثكم عن التفاصيل اليومية، فهو عندي من أكثر ملاحظاتكم واقعية وأقلها قابلية للدفع بالنيات. قلتم إننا نعرف كثيرًا عن شعور السارد، وقليلًا عن حياته. وأرى أن هذا التمييز يضع يده على حد من حدود القصة: فالعالم يدخلها، لكنه لا يكاد يحتفظ بوجود مستقل عن تأويل الشخصية له. الصباح مدخل إلى القبر، والساعة طريق إلى موت الدقائق، والطعام مناسبة لحضور الوحدة، والجسد خريطة للبكاء. كل شيء يمر سريعًا من كونه شيئًا إلى كونه شاهدًا على الألم.
لهذا لا يكفي أن أقول إن في القصة نومًا وأكلًا وساعةً وغرفةً، وإنها لم تخل من اليومي؛ فوجود مفردات الحياة غير بناء مشهد من الحياة. أن يذكر السارد لقمة لا يعني أننا رأيناه يأكل، وأن يتحدث عن اختناقه بين الناس لا يعني أننا شهدنا علاقة تكشف ذلك الاختناق. المشهد يحتاج إلى شيء يحدث، وإلى مقاومة صغيرة من الواقع، وإلى تفصيل لا يُستهلك معناه قبل أن تلمسه عين القارئ. وربما كان النص بحاجة إلى لحظة يتأخر فيها المجاز، ليتقدم الإنسان.
كان يمكن، مثلًا، أن يظل أمام السارد كوب برد محتواه لأنه نسيه، أو أن يسأله شخص سؤالًا عاديًّا فيجيب عن شيء آخر، أو أن يتهيأ للخروج ثم يقف طويلًا عند الباب. لا أورد هذه الاحتمالات لأزعم أنها أحداث مضمرة في القصة، ولا لألحق بالنص شواهد لم يكتبها؛ وإنما لأبيّن مقدار ما قد ينجزه فعل صغير حين لا يشرح نفسه. فالقارئ الذي يرى التردد عند الباب قد يكتشف ثقل العالم، دون أن نقول له إن العالم ثقيل؛ والذي يرى جوابًا لا يصادف سؤاله قد يلمح انقطاع الصلة، دون أن تُعلن له الوحدة في اسمها المجرد.
وهنا أجد دعوتكم إلى المشهد دعوة إلى الثقة بالقارئ أيضًا. فقد يكون الكاتب شديد الحرص على ألا يضيع شعوره، فيحوطه بالتفسير، ويعود إليه بالصور، ويغلق من حوله منافذ الاحتمال. لكنه، بهذا الحرص نفسه، قد يحرم القارئ متعة العثور، ويجعله متلقيًا لنتيجة اكتملت بدل أن يكون شريكًا في اكتشافها. في بعض مواضع قصتي تسبق الخلاصة شواهدها؛ يقول السارد من يكون، ثم تأتي العبارات لتؤكد قوله. وكان يمكن للشواهد أن تسبق، وأن يظل الاسم الأخير موضع تردد، لا موضع تسليم.
غير أنني أتحفظ على أن يصبح نقص المشهد حكمًا بإخفاق الاختيار كله. فهذه القصة لم تتجه إلى تقديم الشخصية من خارجها، ولم تجعل تاريخها أو علاقاتها محورًا لها؛ اختارت أن تضع القارئ في مواجهة صوت يستولي عليه تأويله لذاته. وللمونولوج حقه في أن يبني حدثه من تبدل الوعي، لا من كثرة الوقائع. لكن حق الاختيار لا يلغي كلفة الاختيار. فإذا ضاق العالم إلى صوت واحد، وجب أن تظهر داخل هذا الصوت فروق وحركات وتصدعات تعوض غياب الخارج. وما ينبغي مساءلته هنا ليس غياب الحدث المألوف وحده، بل مقدار ما تحقق من حدث داخلي بدلًا منه.
وأظن أن قراءتكم دفعتني إلى هذا السؤال بصيغته الأدق: هل تتحول الذات في أثناء كلامها، أم تظل تعرض نفسها من الموضع نفسه؟ في النص انتقال من جغرافية الألم إلى اضطراب الزمن، ومن الوحدة إلى المناجاة، ثم إلى انهيار التعريف. هذه حركة في موضوعات الوعي، لكنها لا تصبح بالضرورة حركة كافية في درجاته. فقد تتغير جهة النظر ويبقى الضوء واحدًا، وقد تتعدد الأبواب ونحن ندخل منها إلى الغرفة نفسها. لذلك أرى أن بعض المقاطع كان يحتاج إلى اختلاف في النبرة، أو لحظة تردد، أو جملة عادية تقطع الاندفاع، ليغدو الاحتدام محسوسًا بالمقارنة، لا مقررًا بالتتابع.
وفي قراءتكم للزمن التقطتم وجهًا أعتز به من وجوه القصة: أن الدقيقة ليست وحدة قياس عند السارد، بل وحدة احتمال. غير أن العبارة التي تقول إن «الغد كذبة» يجب أن تبقى، في تقديري، داخل حدود الصوت الذي يقولها. إنها لا تقرر حقيقة الغد، بل تكشف عجز الشخصية عن تصديقه. وما يشغلني هنا هو أن النص، بكثافة موافقته الإيقاعية للسارد، قد لا يترك دائمًا مسافة واضحة بين العالم كما هو، والعالم كما يراه ذلك الصوت.
هذه المسافة ليست ترفًا تأويليًّا؛ إنها من وسائل تعقيد الشخصية. فالساعة تمضي حتى حين يسمي السارد دقائقها جثثًا، والصباح يأتي حتى حين لا يرى فيه إلا عودة إلى السجن، والتنفس يستمر حتى حين يصف نفسه بالنعش. ليس في ذلك تفنيد لمعاناته، ولا دعوة إلى إقناعه بأن الحياة جميلة؛ بل إظهار للفارق بين حقيقة ما يشعر به، وشمول الحكم الذي يصدره على كل شيء. وكان يمكن للنص أن يجعل هذا الفارق أشد ظهورًا، من غير أن يضع واعظًا في مواجهة المتألم، أو جوابًا جاهزًا في مواجهة السؤال.
وأصل إلى المناجاة التي رأيتم فيها أهم أجزاء القصة فكريًّا: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». ما أردته هنا ليس أن أستدعي سؤالًا كبيرًا ليمنح النص مهابةً إضافية، وإنما أن أضع السارد عند الحد الذي لا يعود فيه وصف الوجع كافيًا، فيسأل عن معنى البقاء فيه. وهو، قبل أن يطلق سؤاله، يحاول أن يصون جهة توجهه؛ يخشى أن تُقرأ حيرته بوصفها قطيعة، فيشرح أن النداء ما زال قائمًا، وإن اضطرب ما يرجوه منه.
وقد أحسنتم حين لم تطلبوا من هذا المقطع جوابًا يبدد حيرته، وحين رأيتم أن تحويل السؤال إلى درس جاهز سيضعف أثره. لكن ملاحظتكم عن المجاز فيه تستحق عناية خاصة؛ لأن المناجاة قد تفقد شيئًا من قربها حين يشعر القارئ بأن الجملة منشغلة بجمالها أكثر مما هي منشغلة بندائها. لا أقول إن البيان يناقض الصدق، وإنما أقول إن للصنعة حدًّا ينبغي أن تتوارى عنده، كي لا يحول القارئ انتباهه من ارتجاف الصوت إلى إحكام صورته.
وأتمسك، مع هذا، بصورة الوردة في الزنزانة، لا لأنها أبلغ صور المقطع، بل لأنها تقدم شيئًا يخالف قانون العالم الذي بناه السارد لنفسه. فالوردة ليست حلًّا، ولا وعدًا بالخلاص، ولا حجة على سهولة الاحتمال. إنها حضور صغير لا يعرف ماذا يفعل به؛ لا يستطيع أن ينكر وجوده، ولا يستطيع أن يرى له جدوى في مشهد ينتظر فيه النهاية. هنا أرى أن الصورة لا تعيد وصف الألم، بل تربك اكتمال تفسيره. وربما كانت حاجتها الأهم ألا تلحقها صور كثيرة؛ أن تبقى الوردة على صغرها، وأن يبقى السؤال أمامها دون أن تحيط به العبارة من كل جهة.
ثم تأتي ملاحظتكم التي تتجاوز التقنية إلى جوهر بناء الشخصية: أن الإنسان لا يُستنفد في ألمه، وأن رؤية المعاناة وحدها لا تكفي لرؤية من يعاني. هذه عبارة لا أريد أن أزينها بالموافقة ثم أعطل أثرها. فقد أردت أن أصور استيلاء الألم على تعريف السارد لنفسه، لكن عليّ أن أسأل إن كنت قد أظهرت هذا الاستيلاء بوصفه محنته، أم أعدت إنتاجه بوصفه حقيقة النص النهائية.
الفارق كبير. فأن تقول الشخصية: «أنا شيء»، يكشف قسوة نظرتها إلى نفسها؛ أما أن تخلو الكتابة من أي علامة تتيح لنا أن نرى فيها أكثر من ذلك «الشيء»، فقد يجعل القارئ محصورًا داخل حكمها. وليس المطلوب أن أقابل كل عتمة بومضة رجاء، أو أن أزرع ذكرى سعيدة لطمأنة النص؛ المطلوب أن أمنح هذا الإنسان خصوصية لا تختزل في البلاغة التي يصف بها وجعه. عادة صغيرة، نفور غير معلل، ارتباط بشيء تافه في ظاهره، رغبة لا تتفق مع إعلانه الانطفاء؛ أي تفصيل يجعلنا نرى شخصًا بعينه، لا ألمًا يبحث عن فم.
ولعل أصدق ما ينبغي لي الاعتراف به أن صوت السارد أظهر ملامح معاناته أكثر مما أظهر ملامح فرادته. نحن نعرف كيف يتألم، لكننا لا نعرف بالقدر نفسه من هو حين لا يتكلم عن الألم. ويمكنني أن أفسر هذا الغياب بأن المحنة استولت على نظرته، لكن التفسير لا يمحو المأخذ. فالكاتب قادر على أن يترك في النص ما لا تنتبه إليه الشخصية، وأن يتيح للقارئ معرفتها من خلال ما تفعله أو تتجاهله، لا من خلال ما تقوله عن نفسها وحده. وهذه إمكانية كان يمكن أن تخدم قصتي دون أن تغير طبيعة اختيارها.
أما سؤالكم: «إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟»، فقد وجدته أكثر من خاتمة موفقة لقراءة؛ وجدته بابًا إلى مفارقة لم أمنحها حقها الكافي. وللدقة، فإن السارد لا يخبرنا بأنه يكتب؛ نحن نتلقى كلامه في نص مكتوب. لكن هذا التمييز لا ينقص من قوة سؤالكم إذا نقلناه إلى أصل الفعل: إذا كان قد انتهى كما يقول، فمن الذي يواصل القول؟ ومن الذي يسأل الآخرين: «أتعرفون»؟ ومن الذي يطلب منهم: «لا تبحثوا عني» ثم يدلهم على الموضع الذي يمكن أن يجدوه فيه؟
إنه يعلن انقطاع الصلة، لكنه يخاطب. يعلن إفلاسه من الانتظار، لكنه يترك عبارته عند قارئ لم يصل بعد. وهذه ليست شهادة جاهزة على نجاته، ولا دليلًا على أن الكلام يكفي لإنقاذه؛ لكنها تمنعنا من التسليم بأن وصفه لنفسه قد أحاط بكل ما فيه. ثمة بقية لا تدخل في حسابه، تظهر لا فيما يقرره، بل فيما يفعله وهو يقرر. وهو، حين يطلب أن يُفهم، يفتح شقًّا في العزلة التي يصفها مطلقة.
وكان يمكنني أن أستثمر هذه المفارقة من داخل البناء، لا أن أتركها كلها لاجتهاد القارئ. لا بإضافة خاتمة متفائلة، بل بإظهار تردد بين الرغبة في الانسحاب والرغبة في أن يلتفت أحد؛ بين رفض الغد والاستمرار في مخاطبة من سيقرأ غدًا. عندئذ يصبح الصوت أكثر تعقيدًا، لأن الفعل لا يطابق الإعلان تمامًا، وتصبح القصة أقل خضوعًا لسواد واحد، من غير أن تتنازل عن سواد تجربتها. فالعمق لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الظلمة؛ قد يحتاج إلى إظهار ما تعجز الظلمة عن ابتلاعه.
وأقدّر في نقدكم أنكم لم تجعلوا الواقعية مطالبةً بإضافة أسماء وشوارع وأحداث، بل طلبًا لرؤية أثر الحالة في الحياة. وهذا فرق أراه مهمًّا. يمكن للقصة أن تزدحم بالتفاصيل وتظل بعيدة عن الإنسان، ويمكن لتفصيل واحد مضبوط أن يمنحه حضورًا لا تمنحه صفحة من التعريفات. الواقعية التي أحتاج إلى الإفادة منها هنا ليست تغيير جلد النص، وإنما اختبار صلته بما يعيشه صاحبه: كيف يمسك شيئًا، كيف يجيب، كيف يتردد، وكيف يواصل يومًا يقول إنه لا يستطيع مواصلته.
ومن هذا الموضع أفهم أيضًا حدود اختلافي معكم. ما زلت أرى أن لبعض التكرار وظيفة في إنشاء الحصار، وأن لبعض المجاز قدرة لا يعوضها التقرير المباشر، وأن المونولوج ليس اختيارًا أقل سردية لمجرد أنه لا يخرج إلى وقائع كثيرة. لكنني لا أرى في شيء من ذلك سببًا لرفض ملاحظاتكم عن التشبع، وثبات النبرة، وقلة المشهد، وضيق التعريف. بل أرى أن الدفاع الحقيقي عن هذه الاختيارات يقتضي تهذيب ما يضعفها، لا الإصرار على كل ما جاء معها.
لن أزعم، لذلك، أن نقدكم أعاد القصة إلى نقطة الصفر، كما لن أزعم أنه مر عليها ولم يغيّر موضع شيء. لقد أبقى لي ما أعتز به، وسحب من بعضه راحة الاطمئنان. جعلني أسأل عند الصورة: أهي تكشف أم تؤكد؟ وعند الجملة: أتقربني من الشخصية أم من براعة صياغتها؟ وعند الفراغ: هل أخشاه لأنه يضعف النص، أم لأنه يسلبني بعض السيطرة على فهم القارئ؟ وهذه أسئلة لا أعدها خصمًا من ثقتي بالكتابة، بل شرطًا لأن تكون تلك الثقة مستحقة.
لكم، الدكتور محمد ميموني، تقديري على نقد حافظ على حقه في الصراحة، وعلى حق النص في الاختلاف معه. لم تمدوا إلى القصة يدًا تمحو، ولم تكتفوا بيد تربت؛ أشرتم إلى مواضع فيها وقلتم: هنا بلغت العبارة، وهنا ربما كان عليها أن تتراجع قليلًا. وهذا التراجع، حين يكون في موضعه، ليس هزيمة للغة؛ إنه ما يتيح للإنسان أن يظهر من خلفها.
أعود بعد قراءتكم إلى السارد الذي يقف في آخر قصتي ويقول عن نفسه: «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». وأرى أن مسؤوليتي لا تنتهي عند نجاحي في صياغة هذه القسوة، بل تبدأ أيضًا من قدرتي على ترك ما يدعو القارئ إلى الاعتراض عليها. لا لأن السارد مخطئ في شعوره، بل لأن شعوره، مهما كان صادقًا، ليس كل ما يستحق أن نراه فيه.
ولعل هذا هو الأثر الأعمق الذي تركه نقدكم في نفسي: أن أصغي إلى الجرح دون أن أجعل صوته الاسم الوحيد لصاحبه، وأن أثق باللغة دون أن أستعملها لسد كل فراغ. فليست كل مسافة متروكة نقصًا، ولا كل عبارة مضافة غنًى. وقد تحتاج القصة، كي تبلغ الجهة الأخرى من صمتها، إلى أن يقول الكاتب أقل، وأن يترك أمام القارئ إنسانًا لا تزال فيه بقية تقاوم آخر تعريف أطلقه على نفسه.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...
- دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك... ...
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة ...
- قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون ...
- الأثر
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...
- قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر ...
- قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9 ...
- قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش ...
- قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س ...
- دراسة «تحت سقف السماء» للقاصة كوثر حسن جعفر 31-8-2026 بلاغةُ ...


المزيد.....




- غارفيلد يتخلى عن تشات جي بي تي بعد تجسيد ألتمان في فيلم أرتي ...
- عمان.. ملتقى زمن الأبطال للفيلم الوثائقي
- معاوية عبد المجيد يروي كيف فضح أديب إيطالي-سوري فظائع الاستع ...
- مركز الفنون والثقافة يدشن فعاليات مسابقة سميرة عبده في فن «ا ...
- -مسألة حياة أو موت- يمثل السعودية في سباق الأوسكار لأفضل فيل ...
- أيام قرطاج الموسيقية… الموسيقى تغادر القاعات إلى الشوارع وال ...
- ثقافة تنطلق من الخيام.. الكتب الناجية من الركام في غزة تتحول ...
- اختبار المصداقية: كيف طغت الرواية الإسرائيلية على الإعلام ال ...
- نصب تذكاري لإيفان الرهيب في كرملين أستراخان
- من تولستوي إلى سولجنيتسين.. ماذا يروي أرشيف نوبل عن الأدب ال ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب == اليوم الثالث