|
|
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ] منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. اليوم الرابع إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة الرابعة: الخميس 8 أكتوبر 2026
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 01:14
المحور:
الادب والفن
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ] منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. اليوم الرابع إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة الرابعة: الخميس 8 أكتوبر 2026 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. طه عبد الرحمن ناقدا النقد بين جمر الصراحة وظلّ المجاملة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقديم في هذه الحلقة الرابعة من برنامج "أسابيع الرؤى الثقافية"، نقترب من تجربة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن من زاوية أخرى تكشف جانبا أساسيا من انشغاله الأدبي: الناقد الذي يقرأ النص، ويحاول أن يحمي فعل القراءة من أن يتحول إلى مجاملة، كما يحاول في الوقت نفسه أن ينقذ الصراحة النقدية من أن تنزلق إلى القسوة. ومن هنا يبدو عنوان "النقد بين جمر الصراحة وظل المجاملة" أكثر من مجرد عنوان دال على موضوع الحلقة؛ إنه مدخل إلى إشكال ثقافي يتجاوز الناقد والكاتب معا، ليمس طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الإبداع والنقد داخل المشهد الأدبي. فالنقد لا يكتسب قيمته من كثرة ما يقال فيه، وإنما من قدرته على أن يرى النص خارج شبكة العلاقات التي تحيط به، وأن يضع العمل أمام أسئلته الجمالية والفكرية، بعيدا عن حسابات الصداقة والخصومة والانتماء. ولعل واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في الحياة الأدبية أن الكاتب قد يعلن حاجته إلى النقد، لكنه لا يريد دائما أن يسمع منه إلا ما يوافق صورته عن ذاته. وهنا يتحول النقد من فعل مساءلة إلى طقس احتفالي، ويصبح الناقد مطالبا بأن يضيء مناطق الجمال وحدها، وأن يتجنب المناطق المعتمة في النص خشية أن يجرح صاحبه. لكن النص الأدبي، مهما كان صاحبه عزيزا، لا يحتاج إلى من يجامله بقدر حاجته إلى من يقرأه بجدية. في المقابل، لا تعني الصراحة النقدية أن يتحول الناقد إلى قاض يصدر أحكاما قاطعة، أو إلى صاحب سلطة يمارس قسوته باسم الحقيقة. فالنقد الحقيقي لا يكتفي بأن يقول: هذا جيد، وهذا ضعيف، بل يسأل: لماذا نجح النص هنا؟ ولماذا تعثر هناك؟ وكيف أنتج أثره؟ وأين تكمن قوته أو محدوديته؟ لذلك فإن الفرق كبير بين الحكم المجرد والتحليل، وبين القسوة والصراحة، وبين الملاحظة التي تفتح النص على إمكانات جديدة والملاحظة التي تغلقه بحكم نهائي. ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب تجربة طه عبد الرحمن النقدية أهميتها؛ فهو لا يتعامل مع النقد باعتباره موقفا خارجيا من النص، بل بوصفه محاولة للدخول إلى بنيته الداخلية، والإنصات إلى لغته وصوره ودلالاته ومساراته الإيحائية. فالناقد، في هذا التصور، لا يأتي إلى النص محملا بحكم سابق، وإنما يترك للنص فرصة أن يكشف منطقه الخاص، وأن يقوده إلى أسئلته ومواطن توتره. وتكشف بعض قراءاته للنصوص الشعرية والسردية عن هذا الانشغال بالقراءة من داخل العمل، كما في تناوله قصيدة "اجتمعت" لنافلة مرزوق العامر، وقراءته التأويلية لحكاية "من حيث توقفنا" للكاتبة عاتكة الياسري. كما اتسع مجال قراءاته ليشمل تجارب أدبية من الأردن والعراق والمغرب وتونس وسوريا ولبنان، إلى جانب كتاب الداخل، بما يجعل فعل القراءة عنده متصلا بفضاء عربي متنوع، لا محصورا في حدود المشهد المحلي. وهذا الاتساع في دائرة القراءة مهم؛ لأنه يضع النقد في فضائه الطبيعي: حوارا بين النصوص والتجارب، لا سجلا للعلاقات الشخصية. فالنقد لا يزدهر حين يقرأ الناقد من يعرفهم فقط، ولا حين تتحول المقالة إلى شهادة مجاملة تمنح للأصدقاء وتحجب عن المختلفين، وإنما يزدهر حين يصبح النص هو مركز الاهتمام، وحين تتقدم القيمة الأدبية على صلات الكاتب بالناقد. وفي هذا السياق تبرز أيضا تجربة نافلة مرزوق العامر في قراءة النص الشعري، بما تمثله من انفتاح على أصوات شعرية عربية متعددة، ومن عناية بما تصنعه القافية والإيقاع والحرف والصورة من أثر في المتلقي. وهي عناية تكشف أن النقد قد يبدأ من الذائقة والانفعال، لكنه لا ينبغي أن ينتهي عندهما؛ إذ إن الأثر الجمالي، لكي يتحول إلى معرفة نقدية، يحتاج إلى أن يسأل عن آلياته: كيف صنع النص هذا الأثر؟ وما الذي جعل الصورة مؤثرة؟ وكيف اشتغلت الموسيقى على إنتاج المعنى؟ وهنا تحديدا تتضح المسافة بين التذوق والنقد. فالتذوق هو الباب الأول الذي ندخل منه إلى النص، أما النقد فيبدأ حين نسأل عما وراء الأثر، وحين نحاول أن نكشف الوسائل التي أنتجته، وأن نختبر العلاقة بين ما يعد به النص وما يحققه فعلا. ومن أجمل ما تطرحه المادة التي تقدمها هذه الحلقة أن أزمة النقد ليست بالضرورة أزمة غياب النقاد، وإنما قد تكون أزمة مناخ نقدي. فالناقد المحلي لا يواجه النص وحده؛ كثيرا ما يواجه صاحبه وشبكة علاقاته ومحيطه، وما يمكن أن تثيره ملاحظته من سوء فهم أو خصومة أو تأويل شخصي. وهنا يصبح الصمت أحيانا أكثر سهولة من الكلام، وتغدو المجاملة وسيلة لتجنب الخسارة. لكن النقد الذي يخشى الخسارة يفقد شيئا من جوهره. فليس مطلوبا من الناقد أن يكون خصما للكاتب، كما ليس مطلوبا منه أن يكون صديقا للنص على حساب الحقيقة. المطلوب أن يكون وفيا للعمل الأدبي؛ يرى ما فيه من جمال، كما يرى ما يحتاج إلى مزيد من الصقل، ويجعل حكمه نتيجة لتحليل لا بديلا عنه. إن قيمة طه عبد الرحمن ناقدا لا تكمن فقط في عدد النصوص التي قرأها أو الأسماء التي تناولها، وإنما في هذا الوعي بدور النقد نفسه: أن يظل النقد مساحة للإنصات، وأن تكون مهمته إضاءة النص لا إطفاءه، ومساءلته لا محاكمته، ومنحه فرصة أن يقول أكثر مما تقوله القراءة السطحية عنه. ومن هنا فإن "جمر الصراحة" في عنوان هذه الحلقة ليس دعوة إلى القسوة، كما أن "ظل المجاملة" ليس مجرد وصف لسلوك فردي؛ إنهما استعارتان لوضع ثقافي كامل، تتصارع داخله رغبتان: رغبة في حماية العلاقات، ورغبة في حماية الحقيقة الأدبية. وبينهما يقف الناقد، مطالبا بأن يجد اللغة التي تقول الحقيقة من غير أن تتحول إلى عدوان، وأن تمارس النقد من غير أن تجعل من النقد مناسبة للخصومة. فالنقد الذي نحتاجه اليوم ليس سيفا، ولا باقة ورد؛ إنه ميزان. ميزان لا يميل بالصداقة، ولا ينحرف بالخصومة، ولا يساوي بين النصوص إرضاء لأصحابها. ميزان يعرف أن الإبداع نفسه لا يكتمل إلا بالأسئلة، وأن الكاتب لا يكرم حين نعفي نصه من المساءلة، بل حين نأخذه على محمل الجد. بهذا المعنى تأتي هذه الحلقة من "أسابيع الرؤى الثقافية" لتفتح حوارا يتجاوز تجربة طه عبد الرحمن الشخصية، نحو سؤال أوسع عن وظيفة النقد في حياتنا الأدبية: هل يستطيع الناقد أن يقول ما يرى؟ وهل يستطيع الكاتب أن يسمع ما لا يحب؟ وهل نستطيع أن نؤسس فضاء ثقافيا يكون فيه الاختلاف طريقا إلى المعرفة، لا سببا للخصومة؟ أسئلة تضع النقد أمام مسؤوليته، وتضع المبدع أمام مسؤوليته، وتضع المشهد الثقافي كله أمام مرآته. ولعل أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه هذا التقديم أن النقد، حين يستعيد استقلاله وأمانته، لا يكون جمر الحقيقة الذي يحرق، ولا ظل المجاملة الذي يحجب؛ بل يصبح نور الحقيقة الذي يساعد النص على أن يرى نفسه بصورة أوضح، ويساعد الأدب على أن يتقدم خطوة أخرى في طريق اكتماله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المقالة النقدية النقد بين جمر الصراحة وظلّ المجاملة د. طه عبد الرحمن ليس أخطر ما في القول: «يوجد نقّاد ولا يوجد نقد» أنه يصف جرحًا حقيقيًا في جسد الحركة الأدبية المحلية، بل أخطر ما فيه أنه قد يُغري بتعميمٍ يجعل الجرح جسدًا كاملًا، ويحوّل العارض المؤلم إلى قدرٍ لا استثناء فيه ولا فسحة لغيره. فالمشهد، مهما أثقلته المجاملات، ليس أرضًا يبابًا، والنقد، مهما ضاق مجراه، لم ينقطع تمامًا؛ غير أنه يمشي حذرًا بين ألغام العلاقة الاجتماعية، ويكتب أحيانًا في الظل، ويهاجر أحيانًا إلى منابر أبعد من بيئته، لأن القريب في الأدب ليس قريبًا من النص وحده، بل قريب من صاحبه وأصدقائه وحساسياته وتأويلاته. لقد أصاب المقال حين كشف تلك المفارقة القديمة الجديدة: كثيرٌ من الكتّاب يرفعون راية النقد البنّاء، لكنهم لا يريدون من الناقد إلا أن يكون مؤذنًا بفضائلهم، ومصفقًا لجمالهم، وحارسًا للصورة التي رسموها لأنفسهم. يقول أحدهم: دلّني على عيوبي، فإذا دللته ضاق بك وبعيوبك معًا؛ ويطلب الحقيقة، فإذا جاءت مجرّدة من زينة الثناء اتهم حاملها بالقسوة أو الحسد أو سوء النية. وما هذا إلا طبع إنساني يتجاوز الأدب، غير أنه في الأدب أكثر خطرًا، لأن الكاتب قد يخلط بين نقد النص وجرح الذات، وبين مساءلة العبارة ومصادرة الكرامة. غير أن هذا الواقع، على مرارته، لا يبرر للناقد أن يستسلم للمجاملة، ولا أن يحوّل مقاله إلى باقة ورد لا شوك فيها، ولا أن يبيع استقلاله في سوق العلاقات الوديعة. فالنقد الذي لا يوقظ النص من مواضع غفوته لا يؤدي وظيفته، والنقد الذي لا يرى إلا الحسن يصير نوعًا من المديح المؤجل، والنقد الذي يخشى أن يزعج أحدًا ينتهي، ولو كتب كثيرًا، إلى الصمت في ثوب الكلام. إن الصراحة ليست ترفًا في العمل النقدي، بل شرط من شروط أمانته؛ لأن النص لا ينمو بالتصفيق وحده، كما لا ينهض المبدع إذا أقنعه المحيطون به أن كل ما يكتبه مكتمل لا يحتاج إلى مراجعة أو تهذيب أو مساءلة. لكن الصراحة، في المقابل، ليست رخصةً للقسوة، وليست سيفًا يرفعه الناقد على رقبة الكاتب باسم الحقيقة. فما كل كلامٍ خشن شجاعًا، وما كل كلامٍ لطيف منافقًا. قد تبلغ الحقيقة غايتها في لغة رفيقة، وقد تأتي الإساءة في ثياب الجرأة فتظن نفسها نقدًا. الفارق واضح بين أن يقال للكاتب: «أنت ضعيف»، وبين أن يقال: ضعفت هذه الصورة لأنها جاءت مستهلكة؛ أو تعثر هذا المقطع لأن المعنى لم يكتمل قبل أن يُدفع إلى الإيقاع؛ أو انطفأ هذا المشهد لأن الفكرة سبقت التجربة. النقد لا يكتفي بالحكم، بل يدلّ على موضعه، ويكشف علته، ويقيم دليله، ويفتح أمام النص طريقًا ممكنًا إلى مزيد من النضج. ولعل المشكلة الأعمق ليست في غياب الناقد، بل في غياب الفضاء الذي يحمي النقد من أن يتحول إلى خصومة شخصية. فالناقد المحلي لا يقرأ نصًا مجردًا؛ إنه يقرأ نصًا وصاحبه وأصدقاء صاحبه، ويستبق ما قد تجرّه مقالته من زعلٍ وتأويلٍ ومواقف. لذلك قد يختار السلامة، والسلامة حين تكون على حساب الحقيقة ليست حكمةً دائمًا، بل تأجيلٌ موجع لواجبٍ ثقافي. إن كثيرًا من الأقلام قادرة على القراءة الجادة، وتشهد دراساتها في الأدب العربي الواسع على عُدّتها المعرفية والمنهجية، لكن قدرتها لا تجد دائمًا في المشهد المحلي مناخًا يتيح لها أن تقول ما ترى من غير أن تُحاكم في نياتها أو تُحمّل ما لم تقله. ومن الظلم، لذلك، أن تُرسم خريطة النقد المحلي كأنها لا تتسع إلا لاسم واحد مهما كانت مكانته رفيعة. وهذا لا يقتضي أن تُمحى التجارب الأخرى، أو أن يُختزل الحقل النقدي في فردٍ واحد. فالنقد لا تصنعه قامة منفردة، وإن كانت فارعة، بل تصنعه بيئة كاملة: نقادٌ يكتبون، وكتّابٌ يحتملون، وقراءٌ يميزون، ومنابرُ تحترم المقالة الجادة، وحوارٌ لا يحوّل الاختلاف إلى خصومة ولا الملاحظة إلى عدوان. وفي الساحة نماذج تمارس النقد أو تنخرط فيه من مواقع مختلفة، لا من موقع ادعاء المعرفة، بل من موقع الإنصات للنص ومحاولة كشف طبقاته. من هؤلاء طه دخل الله عبد الرحمن، الذي لا يقف عند الحديث عن النقد بوصفه فكرة مجردة، بل يمارس القراءة على نصوص شعرية وسردية معاصرة، من ذلك قراءته لقصيدة «اجتمعت» لنافلة مرزوق العامر، وقراءته التأويلية لحكاية «من حيث توقّفنا» للكاتبة عاتكة الياسري؛ وهي عناوين تكشف انشغاله ببنية النص، وبلاغته، ومسارات تلقيه، لا بالاكتفاء بأحكام عامة خارجة عنه. وقد امتدت كتاباته النقدية إلى شعراء وكتّاب من الأردن والعراق والمغرب وتونس وسوريا ولبنان، إضافة إلى كتاب الداخل؛ بما يجعل تجربته متصلة بفضاء أدبي عربي متنوع، لا محصورة في دائرة محلية ضيقة. وتُظهر بعض عناوين قراءاته المنشورة نزوعًا إلى المقاربة التأويلية التي تصل بين بلاغة النص وشعرية التلقي، كما في قراءته لحكاية عاتكة الياسري، وإلى قراءة النص الشعري من داخله، كما في قراءته لقصيدة «اجتمعت». وفي هذا النهج تكون وظيفة الناقد أن يظل وفيًا للنص: لا يخاصم كاتبه ولا يجامله، بل ينصت إلى لغته، ويتتبع صورته، ويختبر انسجام دلالاته، ويوازن بين ما يعد به العمل وما ينجزه. فالقراءة النقدية الحقّة لا تنتقص من الكاتب، بل تمنح نصه الجدية التي يستحقها؛ إذ لا يُكرَم الأدب بإعفائه من السؤال، ولا يُصان المبدع بتعطيل ميزان التقويم. كما أن حضور نافلة مرزوق العامر لا يقتصر على فضاء الإبداع الشعري، بل يمتد إلى قراءة النصوص قراءة تلتقط ما في اللغة من صوت ودلالة وصورة وإيحاء. وقد كتبت قراءات نقدية لشعراء من الأردن وسوريا واليمن والعراق، إلى جانب قراءاتها في فضاء الداخل، بما يكشف عن تفاعلها مع أصوات شعرية عربية متعددة وتجارب متباينة في اللغة والموضوع والرؤية. فقد نشرت قراءة في قصيدة «معشوقتي العربية» للشاعر عبد الناصر عليوي العبيدي، كما كتبت قراءةً لقصيدته «يا عازف الناي»، وظهرت لها كذلك قراءة وجدانية في قصيدة «شعلة المصباح» للشاعر عبد الناصر عليوي؛ بما يدل على انخراطها في تلقي النص الشعري من داخله، والالتفات إلى أبعاده الرومانسية والواقعية وتكويناته الجمالية. فالوقوف عند أثر القافية، وعند وظيفة الحرف في بناء الإحساس، وعند الصلة بين الموسيقى والمعنى، ليس عمل مجاملة عابرة، بل هو شكل من أشكال النقد المصغي إلى ما يقوله النص وكيف يقوله. غير أن هذا النوع من القراءة، مثل سواه، يزداد رسوخًا كلما اقترن بوضوح الشاهد ودقة التحليل وسلامة الانتقال من الملاحظة إلى الحكم؛ لأن البلاغة حين تسندها الحجة تكشف، أما إذا انفصلت عنها فقد تستر ما تزعم إضاءته. ولا عيب أن تبدأ القراءة من الأثر والانفعال، فكم من نص يطرق القلب قبل أن يفتح أبوابه للعقل؛ لكن العيب أن تقف عند الانفعال فلا تسأل: كيف صنع النص أثره؟ وأين موضع قوته؟ وبأي صورة أو إيقاع أو مفارقة بلغ هذا الأثر؟ إن التذوق بابُ النقد، لكنه ليس بيته كله. إن النقد الأدبي ليس مقالةً تستعرض فحولة الكاتب، ولا نصًا موازيًا ينسى النص الذي جاء لقراءته. الناقد قد يملك لغةً جميلة، وهذا من حقه ومن جمال عمله، لكنه يظل مربوطًا بحبل العمل الأدبي: يقتبس ويحلل ويقارن ويعلل ويستدل. لا يجعل القصيدة ذريعةً للحديث عن ذاته، ولا يجعل الرواية فرصةً لتصفية حساب، ولا يجعل المقالة شهادةَ حسن سلوك يمنحها للأصدقاء ويحجبها عن الخصوم. النقد الرفيع هو الذي يجمع بين حساسية اللغة وصبر الفكرة؛ يكتب أدبًا عن الأدب، من غير أن يستبدل الأدب بالزخرف أو يستبدل التحليل بالانطباع. ليس من العدل إذن أن نقول إن النقد غائب غيابًا مطلقًا، ولا من الحكمة أن نزعم أن وفرة الأسماء تعني بالضرورة وفرة الممارسة الجادة. الأدق أن نقول: يوجد نقاد، ويوجد نقد، لكن بينهما غبار من المجاملات، وحجاب من العلاقات، وخوف من الخسارات، وضيق في تقبل الرأي المختلف. وبهذا تصبح الأزمة قابلة للعلاج، لأن ما يحتاجه المشهد ليس اختراع الناقد من عدم، بل تحريره من الخوف، وتحسين شروط تلقيه، وإعادة الاعتبار إلى المقالة التي تزن النص بميزان الفن لا بميزان الصداقة. نحتاج إلى كاتب يرى في الملاحظة فرصةً لا إهانة، وإلى ناقد يقول ما يراه من غير تشهير ولا مواربة، وإلى قارئ لا يطلب من النقد معركةً مشتعلة بل معرفةً مضيئة. نحتاج إلى نقد يقول: أحسنت هنا لأن النص أصاب، وأخفقت هنا لأن النص لم يكتمل؛ لا لأنك صديقي فأجامل، ولا لأنك خصمي فأقسو. وعندئذ لا يعود القلم باقة وردٍ تخدع صاحبها، ولا سيفًا يجرح بلا ضرورة، بل يصبح ميزانًا للمعنى: لا يميل بالحب، ولا ينحرف بالغضب، ويحمل جمر الحقيقة كي يضيء للأدب طريقه، لا كي يحرق أصابع الذين يكتبون فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل — مع طه عبد الرحمن. Stella Ra Nch عندما يبدع الكاتب والناقد الفذ د.طه عبد الرحمن فهو يرسم خطوطا،ويبرز أعماقا،وينسج قواعدا وأركانا هنيهة وتصبح منارة ودليلا نقديا لغيره من النقاد،وأكثر فقد تشعل في وعيهم زوايا عن مناهج للنقد كانت خافية عنهم.باختصار شديد فإن النص أعلاه لا يقل عن كونه دستورا أو قل بنود دستور نقدي راق بكل موضوعية علمية .لأن فيه تأثير بل توجيه نقدي حتى لكبار النقاد.بوركت جهودكم الأدبية ودمتم في علياء العطاء. Well Done Applause Sticker ٦ س رد مشاركة تم التعديل طه عبد الرحمن Stella Ra Nch حين تُضيء البصيرةُ ما وراء الحروف للكلمة حياةٌ في قلب كاتبها، وحياةٌ أخرى في بصيرة من يقرؤها؛ فإذا التقت صدقَ القصد بنبل التلقّي، لم تعد حروفًا تُسطَّر، بل غدت جسرًا بين ضميرين، ونورًا يتّسع كلما تقاسمته الأرواح. ومن أجمل ما يُهدى إلى الكاتب قراءةٌ لا تقف عند عتبة عبارته، بل تدخل إلى أسئلته، وتستبين ما وراء لغته من جهدٍ ورؤيةٍ ورجاء. الناقدة القديرة الأستاذة نافلة مرزوق العامر قرأتُ كلماتكِ بامتنانٍ يليق بكرمها، وبمسؤوليةٍ تليق بما حمّلتِها من ثقة. فما تفضّلتِ به ليس ثناءً يمرّ على القلب مرورًا عابرًا، بل قراءةٌ تمنح صاحب النص فرصةً لأن يرى محاولته من نافذةٍ أخرى؛ نافذةٍ يُحسن فيها الذوقُ الإصغاءَ إلى الفكرة، وتمنح فيها البصيرةُ المعنى أفقًا أرحب. ولئن رأيتِ في النص منارةً ودليلًا، فإنّ الناقد المنصف هو الذي يُبصر موضع الضوء، ويميّز بين بريق العبارة وعمق الدلالة. وفي كلماتكِ وجدتُ تقديرًا لما أرجو أن يكون جوهر كل جهدٍ نقدي: أن يُضيء ولا يُعمي، وأن يُحاور ولا يُصادر، وأن يفتح أمام القارئ بابًا للفهم، لا أن يُغلق عليه المعنى بحكمٍ أخير. أمّا وصفكِ النصَّ بأنّه «دستور نقدي»، فهو تشريفٌ أعتزّ به، وتكليفٌ أستشعر ثقله؛ إذ لا أريد لما أكتب أن يكون سلطةً على القراءات، بل عونًا لها، ولا سياجًا يُحاصر التأويل، بل أرضًا تلتقي عليها الأسئلة. فالنقد، في ما أطمح إليه، ليس امتلاكًا للحقيقة، وإنما أمانةُ البحث عنها، وليس إعلاءً لصوت الناقد، وإنما إفساحٌ لصوت النص كي يُسمَع في غناه واختلافه. لقد منحتِ هذه المحاولة ما هو أبعد من الإشادة: منحتِها قارئةً تُنصف مقصدها، وتُحسن الظنّ بسعيها، وتستخرج من خطوطها ما يستحقّ أن يُناقَش ويُستكمَل. وذلك فضلٌ يجعل الامتنان دافعًا إلى مزيدٍ من التأنّي والعمل، لا ذريعةً إلى الاكتفاء بما أُنجز. فشكرًا لكِ على قراءةٍ رفعت من قدر الحوار، وعلى كلماتٍ جمعت لطفَ العبارة إلى جدّية النظر. وبورك في قلمكِ الذي لم يكتفِ بأن يرى أثر الضوء، بل ردّ إلى صاحبه ضوءًا من صفاء قراءته. دمتِ بصيرةً تُنصف، وكلمةً تُضيء، وحضورًا يُذكّرنا بأنّ أجمل ما يصنعه الأدب ليس أن نتبادل المديح، بل أن نتبادل القدرة على رؤية ما لم نكن نراه. ٥ س رد مشاركة
Stella Ra Nch بوركت جهودكم الحثيثة في خدمة النقد والأدب أستاذ عبد الرحمن بوطيب.عندما نقرأكم تنفتح أمامنا أبواب البلاغة العالية والفكر الجهبذ والتحليل الفريد،دمتم لنا نبراسا والهاما ودام دفق عطائكم الفذ يثري الساحة الأدبية العربية والعالمية. ٥ س رد مشاركة طه عبد الرحمن وفي التفاتكم إلى تجربة نافلة مرزوق العامر في قراءة الشعر، وإلى الصلة بين التذوق والتحليل، وجدتُ تأكيدًا لضرورة أن تبقى الحساسية الجمالية حاضرةً من غير أن تنفرد بإصدار الحكم. وما أجمل أن يصل النص إلى القلب، لكن ما أخصب أن نسأل بعد ذلك: بأي صورةٍ وصل، وبأي إيقاعٍ رسخ، وبأي علاقةٍ بين اللفظ والمعنى صنع أثره؟ هكذا أفهم اجتماع البلاغة بالمعرفة في الكتابة النقدية؛ فلا تتحول الدقة إلى جفاف، ولا يصبح جمال العبارة ستارًا يخفي غياب الاستدلال. وأرجو أن تظل لغتي، كلما كتبتُ عن الأدب، وسيلةً للكشف عنه، لا منافسًا له على انتباه القارئ. لقد وسّعتم سؤال المقالة حين نقلتم النظر من وجود الناقد إلى وجود المناخ الذي يسمح للنقد بأن يؤدي وظيفته. وهذا انتقالٌ أراه أمينًا لمقصدها؛ إذ لم أرد أن أنفي مظاهر الخلل، وإنما أن أقاوم تعميمًا يجعلها المشهد كله. فالقول بوجود نقد لا يعني الادعاء بأن أحواله مرضية، مثلما أن الاعتراف بالمجاملة والخوف لا يبيح محو الجهود الجادة. وبين النفي المطلق والاطمئنان المطلق، حاولتُ أن أبحث عن وصفٍ أكثر دقة، لأن تشخيص المشكلة جزءٌ من مسؤولية الكلام عنها، ولأن السؤال الذي يحدد موضع العائق أنفع من حكمٍ يساوي بين جميع التجارب. وأجد في أسئلتكم الختامية، عن قدرة الناقد على القول وقدرة الكاتب على السماع، دعوةً إلى مسؤولية مشتركة لا يصح أن يتحملها طرفٌ وحده. فلا أريد للكاتب أن يُطالَب بتقبّل النقد بينما يُعفى الناقد من مراجعة أدواته، ولا للناقد أن يُطالَب بالاستقلال بينما يُدان لمجرد أنه خالف الصورة التي يرغب الكاتب في تثبيتها عن نفسه. من حق المبدع أن يعترض على القراءة، ومن واجب القارئ أن يبيّن مستنده. وما أرجوه بينهما ليس اتفاقًا دائمًا، بل اختلافًا يمكن فهمه، لا تُستبدل فيه مناقشة الشاهد بمحاكمة النية. أما عبارتكُم: «النقد الذي نحتاجه اليوم ليس سيفًا، ولا باقة ورد؛ إنه ميزان»، فقد وجدتُ فيها تكثيفًا بليغًا لما كانت المقالة تحاول بسطه. غير أن هذا الميزان يضعنا جميعًا أمام سؤال المعيار: بماذا نزن، وكيف نبيّن عدل الوزن؟ فلا يكفي أن يعلن الناقد نزاهته، بل ينبغي أن تظهر في طريقة الاستدلال، وفي عدم انتقاء الشواهد لخدمة حكمٍ سابق، وفي الاستعداد لتصحيح ما يتبين خطؤه. ذلك هو الإنصاف الذي أطمح إليه: ليس حيادًا باردًا يلغي الموقف، وإنما موقفٌ مسؤول لا يسمح للمحبة بأن تحجب العثرة، ولا للخصومة بأن تحجب الجمال. ومن الوفاء لما كتبتموه عني أن أقول إن تجربتي لا ينبغي أن تُستثنى من الأسئلة التي تدعو إليها. فإذا دعوتُ إلى وضوح الشاهد، فلقارئي أن يطالبني به؛ وإذا دعوتُ إلى الاعتدال في الحكم، فله أن يسائلني عن مقدار تحققه؛ وإذا انتقدتُ المجاملة، فعليّ ألّا أطمئن إلى تقدير الآخرين حتى أنسى احتمال التقصير. إن امتنان الكاتب للقراءة الجادة يكتمل حين يقبل ما تضعه عليه من التزام، لا حين يكتفي بما تمنحه له من مكانة. ولهذا أتلقى ثقتكم حافزًا إلى مزيد من التدقيق، لا شهادةً تعفيني منه. أستاذي عبد الرحمن بوطيب، شكرًا لتقديمٍ حفظ للمودة دفئها، وللفكرة استقلالها، وللنص حقه في أن يُقرأ قراءةً تتجاوز مناسبة الاحتفاء به. وشكرًا لأنكم جعلتم الحلقة الرابعة من «أسابيع الرؤى الثقافية»، في هذا التقديم، فضاءً لسؤالٍ يتجاوز تجربتي إلى العلاقة التي نرجوها بين الإبداع والنقد. لقد منحتم مقالتي قارئًا يحاورها، ومنحتموني سببًا إضافيًّا لأراجع المسافة بين ما أدعو إليه وما أحققه في الكتابة. وأجمل ما أستطيع أن أقابل به هذا التقدير أن أظلّ وفيًّا للسؤال الذي جمع تقديمكم بمقالتي: كيف نقول ما نراه من غير أن نظلم، وكيف نحفظ الودّ من غير أن نخون ما نراه؟ لا أزعم أنني أملك جوابًا مكتملًا، لكنني أرجو أن يظل هذا السؤال يقظًا في قلمي. فالنقد الذي أطمح إليه لا يحمل الجمر ليمتحن قدرة الآخرين على الاحتمال، ولا يطلب الظلّ لينجو من واجب الرؤية؛ إنما يتعلم كيف يصون في الكلمة نورها، بحيث تكشف ولا تتعالى، وتُراجع ولا تُهين، وتفتح أمام النص والقارئ معًا بابًا لم يكن ظاهرًا قبل الحوار. طه دخل الله عبد الرحمن ص 2 انتهى ٥ س رد مشاركة طه عبد الرحمن من جمر الصراحة إلى نور الإنصاف: إلى الاستاذ عبد الرحمن بوطيب في قراءةٍ أكرمت النصَّ بالسؤال للكلمة لحظتان من الميلاد: لحظةٌ يكتبها صاحبها، ولحظةٌ يقرؤها من يستطيع أن يُنصت إلى ما وراء حروفها. في الأولى تتشكل العبارة من قلق الكاتب ورجائه، وفي الثانية تستعيد العبارة قدرتها على أن تفاجئ صاحبها، إذ يرى فيها القارئ ما كان حاضرًا في نسيجها ولم يكن ظاهرًا بالقدر نفسه في وعيه. وليست القراءة التي نعتز بها تلك التي تعيد إلينا أصواتنا محمولةً على صدى الإعجاب، وإنما تلك التي تمنح أفكارنا فرصةً أخرى للفهم، وتردّها إلينا أكثر وضوحًا، وأشدّ اتصالًا بمسؤوليتها. بهذا المعنى تلقيتُ تقديم الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب لمقالتي «النقد بين جمر الصراحة وظلّ المجاملة»: قراءةً لم تقف عند عتبة النص، بل دخلت إلى موضع السؤال فيه، وأضاءت ما يصل بين همّه الأدبي وواجبه الأخلاقي. أستاذي الكريم عبد الرحمن بوطيب، إن أجمل ما في تقديمكم أنه أكرم التجربة من غير أن يعزلها عن المساءلة، واحتفى بالمقالة من غير أن يحوّلها إلى مناسبةٍ للثناء وحده. لقد وجدتم في الحديث عن تجربتي النقدية سبيلًا إلى مناقشة وظيفة النقد، لا ذريعةً لإعلاء الاسم على حساب القضية. وهذا التوازن هو ما يمنح تقديركم قيمته عندي؛ لأن الكاتب لا يحتاج إلى من يوسّع صورته بقدر حاجته إلى من يوسّع فهمه لما يكتب. وما أشدّ الفرق بين تقديمٍ يقول للقارئ: انظر إلى صاحب النص، وتقديمٍ يدعوه إلى أن ينظر مع صاحبه في السؤال الذي استدعى النصّ إلى الوجود. لقد قرأتم عنوان المقالة بوصفه مفتاحًا لمأزقٍ ثقافي، لا مجرد مقابلةٍ بلاغية بين الجمر والظل. وهنا أصبتم موضع القلق الذي حاولتُ التعبير عنه؛ إذ لم تكن غايتي أن أنتصر للصراحة انتصارًا مطلقًا، ولا أن أُدين الرفق باعتباره قرينًا للمجاملة، وإنما أن أبحث عن الحدّ الذي يظل فيه القول صادقًا من غير أن يصير عدوانًا، وتظل فيه العلاقة الإنسانية محترمةً من غير أن تصبح قيدًا على المعرفة. إن ما أرجوه للنقد هو أن يتخلّى عن حاجته إلى استعراض الشجاعة، كما يتخلّى عن حاجته إلى استرضاء الجميع؛ ليكون شجاعًا في دليله، رفيقًا في عبارته، واضحًا في مقصده. وما أقدّره في تقديمكم، على نحوٍ خاص، أنكم لم تجعلوا الصراحة مرادفًا لغلظة الحكم. فالقسوة قد تستعير لغة الحقيقة من غير أن تؤدي واجبها، كما قد تحمل العبارة الهادئة اعتراضًا عميقًا لا يحتمل التهرب. لذلك لا أرى قوة الملاحظة النقدية في مقدار ما تتركه من ألم، وإنما في مقدار ما تكشفه من فهم. أن يقول الناقد إن صورةً ما تعثرت، ثم يبيّن موضع التعثر وصلته بالسياق، أجدى عندي من حكمٍ واسعٍ يختزل صاحبه في صفة. فالعمل الأدبي هو موضوع القراءة، وليس كرامة الكاتب؛ والحجة هي سند الحكم، لا ارتفاع صوت من يصدره. ومن هنا تأتي أهمية ما أكدتموه من أن النقد يسأل: لماذا نجح النص هنا، ولماذا تعثر هناك، وكيف أنتج أثره؟ إن هذه الأسئلة تنقل القراءة من إعلان الانطباع إلى تحمّل مسؤولية تفسيره. فليست المشكلة في أن يتأثر الناقد، بل في أن يجعل تأثره نهايةً للكلام. وليس العيب في أن يحب النص، بل في أن يعجز عن بيان ما أحبه فيه. وفي التصور الذي أحاول الالتزام به، ينبغي للمقالة النقدية أن تُظهر مسارها: من الشاهد إلى الملاحظة، ومن الملاحظة إلى التأويل، ومن التأويل إلى الحكم؛ بحيث يستطيع القارئ أن يناقش الطريق، لا أن يُطالَب بالتسليم للنتيجة. وحين وصفتم تجربتي بأنها محاولة للقراءة من داخل العمل، تلقيتُ هذا الوصف بامتنانٍ وبإحساسٍ مضاعف بالمسؤولية. فالإنصات إلى النص ليس عبارةً أطمئن إلى رفعها، بل ممارسةٌ ينبغي أن يُختبر تحققها في كل قراءة. وما أطمح إليه هو أن أبدأ مما يتيحه النص فعلًا: لغته، وصوره، وإيقاعه، وبناؤه، وعلاقات دلالاته؛ ثم أنظر في السياقات التي تُعين على فهمه، من غير أن أجعلها بديلًا من مواجهته. لا أريد للنص أن يكون شاهدًا صامتًا على براعة المنهج، وإنما شريكًا قادرًا على أن يصحح أسئلة قارئه، وأن يدفعه إلى تعديل ما ظنّه واضحًا قبل القراءة. وأعتزّ بما ذكرتموه من قراءاتي لقصيدة «اجتمعت» لنافلة مرزوق العامر، ولحكاية «من حيث توقفنا» للكاتبة عاتكة الياسري، وبما أشرتم إليه من انفتاح تجربتي على أصوات عربية متعددة. غير أن اعتزازي بهذه الإشارة لا يدفعني إلى اعتبار اتساع دائرة القراءة دليلًا كافيًا على عمقها. فالقيمة التي أرجوها لا تقاس بعدد الأسماء التي حضرت في مقالاتي، بل بما استطاعت كل قراءة أن توضحه، وبمقدار ما احترمت خصوصية العمل الذي تناولته. وأحسب أن الوفاء لتنوع التجارب يبدأ حين لا نطلب من النصوص المختلفة أن تتشابه كي تنسجم مع أدواتنا، بل نسمح لاختلافها بأن يوسّع تلك الأدوات. ص 1 يتبع
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي
...
-
استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع
...
-
قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة
...
-
رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة
...
-
قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد
...
-
ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان
...
-
إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه
...
-
رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ
...
-
دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك...
...
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة
...
-
قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون
...
-
الأثر
-
من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ = خل
...
-
قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل
...
-
قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر
...
-
قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9
...
-
قراءة للقصة القصيرة – أخر مرة – للكاتبة الأستاذة فاطمة حرفوش
...
-
قراءة لقصيدة - شَيْءٌ يُشْبِهُ الأَمَان – للشاعرة الدكتورة س
...
المزيد.....
-
من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين
...
-
بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق
...
-
فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
-
-الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش
...
-
اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
-
أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و
...
-
باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس
...
-
فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي
...
-
تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف-
...
-
فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|