أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ]== اليوم السابع منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السابعة: الأحد 11 أكتوبر 2026















المزيد.....



مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ]== اليوم السابع منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السابعة: الأحد 11 أكتوبر 2026


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 08:38
المحور: الادب والفن
    


مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية
[ أسابيع الرؤى الثقافية ]== اليوم السابع
منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب.
إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب
الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين
العدد الخامس
الحلقة السابعة: الأحد 11 أكتوبر 2026
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فوضى النشر المعاصر: حين تتسع فضاءات الكتابة وتكبر الحاجة إلى الجودة"
قراءة تفاعلية في مقالة طه دخل الله عبد الرحمن الموسومة بعنوان "فوضى النشر المعاصر"
الناقد عبد الرحمن بوطيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1/ مقالة "فوضى النشر المعاصر" / د. طه عبد الرحمن
أيها القارئ الكريم، إن المتأمل في حال النشر في هذا العصر لَيُصابُ بالذهول والدهشة، فقد انقلبت الموازين، وتغيرت المفاهيم، وغدا كل صاحب قلم، بل كل مُمسك بهاتف، ناشرا ومؤلفا، لقد زالت الحواجز التي كانت تحمي ساحة الثقافة من الدخلاء، فانهارت بذلك قيم الجودة والتحرير والانتقاء، وسادت فوضى عارمة طالت الكلمة والمضمون والشكل.
في الماضي، كان النشر حلما يراود الأدباء، وغايةً يسعون إليها بشوق، وكانت دور النشر بمثابة حراس للبيت الثقافي، ينتقون الأفضل، ويصقلون المواهب، ويحمون اللغة من اللحن، والفكر من السطحية.
أما اليوم، فقد أصبح النشر متاحا لكل من هبَّ ودبَّ، فانهالت علينا سيول من الكتب والمقالات التي تخلو من العمق، وتفقد عناصر الجمال، وتنضح بالضعف والركاكة.
لقد أفسحت منصات النشر الإلكتروني المجالَ لكل صوت، فاختلط الحابل بالنابل، وضاع الجوهر في زحام الكم.
لم يعد القارئ يملك ميزانا يميز به بين الغث والسمين، ولا مرشدا يهديه إلى طريق الجودة، وأصبح الكاتب الجديد يتيه في بحر من التنافس غير الشريف، حيث لا معاييرَ للتمييز، ولا ضوابطَ للجودة.
ولعل أخطر ما في هذه الفوضى هو ما أصاب اللغة العربية من وهن، فقد غزت العاميةُ والفصحى المكسورةُ صفحات الكتب، واعتادت العيون على الخطأ، فصار الصواب غريبا، والبلاغةُ طرفةً بين الناس.
لقد أضحت الأخطاء اللغوية سمة من سمات النشر المعاصر، حتى إن القارئ ليظن أن هذه الهنات من صلب اللغة وجزءا من كينونتها.
ولا يقل خطرا عن ذلك ما تعانيه الساحة من غياب للتحرير الأدبي. فما عاد هناك من يصحح الأخطاء، أو يقدم النصح للكاتب، أو يرتب الأفكار ويصقل العبارات. فأصبحت الكتب تظهر إلى النور وهي حبلى بالأخطاء، مشوشة في مضامينها، مضطربة في ترتيبها.
إن هذه الفوضى لتؤدي بالضرورة إلى إهمال الكتب الجيدة، وإلى تشتيت انتباه القارئ، وإلى خلق جيل من القراء لا يميز بين الأدب الرفيع والكتابة المتواضعة، وقد يصل الأمر إلى انحدار الذوق العام، وموت الحس النقدي، وغياب المعايير التي على أساسها تُقيم الأعمال الأدبية.
غير أن الأمل لا يزال موجودا، ففي خضم هذه العاصفة، تبقى هناك أصوات شجاعة تحاول أن تعلو فوق الضجيج، وأن تقدم للأدب حقه من الجودة والعمق والجمال. وإن على دور النشر الأصيلة أن تعيد النظر في سياساتها، وأن تتحمل مسؤوليتها في الحفاظ على مكانة الكلمة، وأن تقدم للقارئ ما يستحقه من أدب رفيع.
وإن على القارئ أيضا أن يتحمل جزءا من المسؤولية، بأن ينتقي ما يقرأ، وأن يبحث عن الجودة في خضم هذه الفوضى، وأن يدعم الكتّاب الجادين الذين يحترمون الكلمة والقارئ.
فيا أصحاب الأقلام، إن الكلمة أمانة، والأدب مسؤولية، فلا تُسوِّدوا الصحائف بما لا يليق، وليكن نُشركم عبرة وفائدة، لا ضياعا وعبثا، واعلموا أن الكلمة الخالدة هي التي تصمد أمام النقد، وتستحق البقاء، لا التي تذهب مع الريح في عصر الفوضى.
طه دخل الله عبد الرحمن / فلسطين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ القراءة التفاعلية النقدية / أ. عبد الرحمن بوطيب
"فوضى النشر المعاصر: حين تتسع فضاءات الكتابة وتكبر الحاجة إلى الجودة"
تفتح مقالة “فوضى النشر المعاصر” للناقد الفلسطيني د. طه دخل الله عبد الرحمن نافذة على انشغال ثقافي مشروع، يتصل بما آلت إليه علاقة الكاتب بالنشر، وبما أتاحته الوسائط الرقمية من فرص واسعة لتداول الكلمة، وما رافق ذلك من أسئلة حول الجودة والتحرير واللغة وذائقة القارئ، ومن خلال نبرة يطبعها القلق على مكانة الأدب، يستحضر د. طه دخل الله عبد الرحمن تحولات المشهد الراهن، متوقفا عند ما يراه من تراجع في شروط الانتقاء والمراجعة، وتزايد في الأعمال التي لا تستوفي، في تقديره، ما ينبغي أن يتوافر في الكتاب من عمق وجمال وإحكام، ويبدو أن ما يحرك هذه الكتابة، في جوهره، ليس مجرد الاعتراض على كثرة المنشورات، وإنما الخوف على الكلمة من أن تفقد شيئا من قيمتها في زحام التداول، وعلى القارئ من أن تضيق أمامه فرص الاهتداء إلى ما يستحق القراءة والتأمل.
هو انشغال نتفهم دوافعه، بل نجد فيه دعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار لعدد من القيم التي تحتاج إليها الحياة الثقافية في كل زمان: العناية باللغة، واحترام القارئ، والإخلاص للعمل الإبداعي، والإيمان بأن الكتابة ليست مجرد رغبة في الظهور، وإنما تجربة تتطلب الصبر والتعلم والمراجعة، فالكلمة، حين تغادر صاحبها إلى الناس، تصبح جزءا من فضاء مشترك، وتغدو العناية بها شكلا من أشكال احترام الذات والآخر معا.
ومن هذه الزاوية، تكتسب ملاحظات الكاتب المحترم أهميتها، لأنها تذكرنا بأن سهولة النشر، مهما كانت مكاسبها، لا تغني عن العمل الجاد، وأن الوصول إلى القارئ لا يعفي النص من استحقاقات الكتابة.
لقد تغيرت شروط النشر بالفعل، ولم يعد الطريق إلى القارئ محصورا في المؤسسات التقليدية، أو خاضعا بالضرورة لموافقتها، فقد أتاحت المنصات الرقمية لكثير من الأصوات أن تعبر عن نفسها، ومنحت التجارب الشابة فرصة الظهور والتواصل، وفتحت أمام الكتاب فضاءات جديدة للتجريب وتبادل الخبرات.
وربما كان في هذا التحول ما يستحق الاحتفاء، بقدر ما يستحق التأمل؛، إذ لم تعد المسافة بين النص وقارئه طويلة كما كانت، ولم يعد تعثر النشر الورقي حكما نهائيا على تجربة إبداعية أو مشروعا ثقافيا.
لكن هذه الوفرة تضعنا، في المقابل، أمام مسؤولية ثقافية جديدة:
كيف نساعد النصوص على أن تجد قراءها،
وكيف نمنح التجارب الجادة فرصتها في الظهور،
وكيف نميز بين مجرد إتاحة الكتابة وبين تحقق القيمة الأدبية فيها؟

هنا تلتقي مخاوف المقالة مع سؤال أوسع، لا يتعلق بكثرة ما ينشر فحسب، وإنما بمدى تطور ثقافة القراءة والنقد والتحرير بما يواكب هذه الكثرة، فالمشكلة ليست في أن تتعدد الأصوات، بل في أن تظل حاجتنا قائمة إلى الإصغاء الجيد إليها، وإلى امتلاك الأدوات التي تساعدنا على اكتشاف ما تحمله من إضافة، وما قد يعتريها من قصور.
ولعل صورة دور النشر بوصفها حارسة للبيت الثقافي تستدعي، في هذا السياق، استحضار وظيفتها النبيلة، حين تتولى مرافقة الكاتب في رحلته نحو الكتاب، وتمنح النص ما يحتاج إليه من مراجعة وتدقيق وتنسيق، وتساعده على بلوغ قارئه في صورة تليق بجهده، غير أن هذه الوظيفة لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة مغلقة على الأذواق والتجارب، بل الأجمل أن تكون جسرا بين حرية الإبداع ومتطلبات الجودة، وبين حق الكاتب في التجريب وحق القارئ في نص يحترم وقته ووعيه، فالتجارب الأدبية الجديدة تحتاج إلى من يرافقها ويصغي إلى أسئلتها، مثلما تحتاج إلى من ينبهها، برفق وخبرة، إلى ما يمكن أن تطوره في لغتها وبنائها ورؤيتها.
ومن هنا، فإن استعادة دور التحرير الأدبي تبدو ضرورة ثقافية لا خلاف حولها، فالتحرير ليس مجرد تصحيح للأخطاء، ولا تدخلا ينتقص من حرية الكاتب، بل هو في صورته الأجمل حوار بين صاحب النص ومن يمتلك الخبرة في قراءته ومراجعته، فقد تكون ملاحظة صغيرة كفيلة بإضاءة موضع غامض، أو إعادة ترتيب فكرة بما يمنحها مزيدا من الوضوح، أو تنبيه الكاتب إلى تكرار أضعف إيقاع عبارته، غير أن هذا العمل يظل أكثر قيمة حين يحترم خصوصية التجربة، ويدرك أن لكل كاتب صوته، ولكل نص منطقه الداخلي، وأن ما يبدو مألوفا في كتابة قد يكون جزءا من فرادة كتابة أخرى.
أما اللغة العربية، التي يخصها الكاتب بنصيب وافر من القلق، فهي تستحق بالفعل عناية تتجاوز التصحيح العابر إلى ترسيخ ثقافة لغوية تجعل من سلامة التعبير جزءا من التكوين الأدبي، فالأخطاء المتكررة، حين تمر من دون مراجعة، قد تحجب جمال الفكرة، وتضعف ثقة القارئ بالنص، وتكشف عن حاجة إلى مزيد من التعلم والعناية...
ومع ذلك، فإن صون اللغة لا يعني إغلاقها أمام حيوية الاستعمال وتنوعه، فاللغة فضاء حي يتسع لمستويات متعددة من التعبير، وقد تجد العامية مكانها الطبيعي في نص سردي أو حواري، كما قد تتخذ الكتابة الفصيحة من الانزياح والتجريب سبيلا إلى بناء جماليتها الخاصة، والفارق المهم هنا هو أن يكون الاختيار اللغوي واعيا بوظيفته، وأن يصدر عن حاجة فنية أو دلالية، لا عن عجز يمكن تداركه بالمراجعة والتعلم.
ولعل ما نحتاج إليه، في هذا الباب، هو أن ننظر إلى الخطأ بوصفه فرصة للتعلم، لا سببا كافيا لإقصاء الكاتب أو التقليل من تجربته، فكم من موهبة بدأت بخطوات مرتبكة، ثم وجدت في القراءة والتوجيه والممارسة ما ساعدها على النضج.
ولا يعني ذلك التساهلَ مع ضعف الكتابة، وإنما يعني أن نربط الحرص على الجودة بإمكانية التطور، وأن نجعل من النقد قوة مرافقة للإبداع، لا مجرد أداة لإصدار الأحكام عليه، فالثقافة التي تحسن اكتشاف العثرات، ثم تساعد على تجاوزها، أكثر قدرة على تجديد نفسها من ثقافة تكتفي بتسجيلها.
وتتصل بذلك مخاوف المقالة من ضياع الكتب الجيدة وسط وفرة المنشورات، ومن تراجع قدرة القارئ على التمييز بين الأعمال، وهي مخاوف جديرة بالاهتمام، خصوصا في زمن تتزاحم فيه المواد المقروءة، وتتداخل فيه القيمة الأدبية مع مقاييس الانتشار وسرعة التداول، لكن القارئ، في المقابل، ليس مجرد متلق سلبي تفرض عليه كثرة الكتب ذائقة بعينها، إنه قادر على التعلم والاختيار، متى توفرت له فرص القراءة المتأنية، والنقد الجاد، والتوصيات المسؤولة.
وقد تكون الوفرة نفسها مدخلا إلى اكتشاف أصوات لم تكن لتصل إليه في ظروف أخرى، شريطة أن تصاحبها مبادرات ثقافية تساعد على التوجيه، وتفتح المجال أمام النقاش، وتعيد إلى القراءة معناها بوصفها تجربة للمعرفة والمتعة واكتشاف الذات والآخر.
ولذلك، فإن تطوير الذائقة لا يقع على عاتق الكاتب وحده، ولا يمكن تحميل الناشر أو القارئ وحده مسؤولية ما يعتري المشهد من اختلالات، إنها مسؤولية مشتركة تتوزع بين التعليم، والمؤسسات الثقافية، ودور النشر، والنقاد، والكتاب، ومنصات التداول، والقراء أنفسهم...
وكلما تعزز التعاون بين هذه الأطراف، أمكن تحويل وفرة النشر من مصدر للتشتت إلى فرصة لتوسيع المشاركة الثقافية، فالنقد الذي يرشد القارئ إلى مكامن الجمال، ويشرح له أسباب التعثر، ويضع الأعمال في سياقاتها، لا يقل أهمية عن التحرير الذي يهيئ النص للنشر، أو عن الكاتب الذي يمنحه من وقته ووجدانه ما يجعله جديرا بالمشاركة.
ومن هنا، يمكن أن نقرأ خاتمة المقالة، بما تتضمنه من دعوة إلى احترام الكلمة ومسؤولية الأدب، بوصفها نداء إلى الضمير الثقافي المشترك، فالكاتب مطالب بأن يمنح نصه ما يستحقه من عناية، والناشر بأن يوازن بين متطلبات العمل المهني وحرية الإبداع، والناقد بأن يبتعد عن المجاملة والأحكام الجاهزة، والقارئ بأن يمنح الكتاب فرصة القراءة قبل إصدار الحكم عليه، وهي مسؤوليات لا تتعارض، بل يكمل بعضها بعضا، وكلما نهض كل طرف بنصيبه منها، ازدادت فرص الأدب في أن يحافظ على حضوره، وأن يجد في تعدد المنابر ما يغذي حيويته بدل أن ينتقص منها.
إن مقالة د. طه دخل الله عبد الرحمن تذكرنا، في النهاية، بأن القلق على جودة النشر هو وجه من وجوه القلق على مستقبل الثقافة، وأن هذا القلق يمكن أن يكون بداية حوار مثمر، متى اقترن بالإنصات إلى التحولات الجديدة، والاعتراف بما تتيحه من إمكانات، والبحث عن سبل عملية لتجاوز ما يرافقها من صعوبات، فليس مطلوبا أن نختار بين النشر الواسع والجودة، ولا بين حرية التعبير والمسؤولية، ولا بين احترام اللغة والانفتاح على التجريب، بل أن نبحث عن الصيغ التي تجعل هذه القيم متكاملة، وتمنح كل واحدة منها مكانها المناسب في الحياة الأدبية.
ولعل الكلمة التي تستحق البقاء هي تلك التي تجد طريقها إلى القارئ بما تحمله من صدق التعبير، وخصوصية الرؤية، وجمال البناء، وعمق الأسئلة، غير أن الطريق إلى هذا البقاء لا ترسمه مؤسسة واحدة، ولا تحسمه لحظة النشر، بل تشارك في بنائه القراءة والنقد والحوار ومرور الزمن، فالأدب لا يزدهر حين نضيق المجال أمام الكلمة، وإنما حين نهيئ لها فضاء حرا ومسؤولا، ونرافق التجارب في نموها، ونحتفي بما يضيف الجمال إلى حياتنا، من غير أن نتخلى عن حقنا في السؤال والتمييز.
بهذا المعنى، لا تبدو مواجهة ما يسمى فوضى النشر دعوة إلى تقليص أصوات الكتابة، بقدر ما تبدو حاجة إلى تعميق الإصغاء إليها، ولا تكون حماية الأدب بإغلاق الأبواب، وإنما بفتحها على معرفة أوسع، وقراءة أكثر وعيا، ونقد أكثر إنصافا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يجمعنا حول هذه القضية هو الإيمان بأن الكلمة، مهما تعددت مسالكها، تظل أمانة مشتركة، وأن العناية بها لا تبدأ من إدانة من يكتبون، بل من بناء ثقافة تساعدهم على أن يكتبوا أفضل، وتعين القراء على أن يكتشفوا الأجمل، وتمنح الأدب فرصة متجددة ليظل فضاء للحرية والمعرفة والجمال.
عبد الرحمن بوطيب / المغرب
— مع ‏طه عبد الرحمن‏.
طه عبد الرحمن
ردي على قراءة الأستاذ عبد الرحمن بوطيب
بين حراسة الكلمة وحرية الضوء: رسالة إلى عبد الرحمن بوطيب في المعنى الذي ينجو بالحوار
للكلمة حياتان: حياةٌ تستمدها من وجدان كاتبها، وأخرى يمنحها إياها قارئ يعرف كيف يصغي إلى ما وراء العبارة. وفي حياتها الأولى تكون أشبه بنبع يحمل حرارة الأرض التي خرج منها؛ فإذا لقيت قراءة بصيرة، اتسع مجراها، وانكشفت لها ضفاف لم تكن تراها. وليس فضل الناقد أن يرد إلى الكاتب صورته كما أحب أن يراها، بل أن يضع أمامه مرآة لا تجامل ملامحه ولا تشوهها، فيتبين فيها ما أحكمه وما استعجل فيه، وما قاله وما حجبه عنه اندفاع القول. من هذا الباب دخلت قراءتكم إلى مقالتي، أستاذي عبد الرحمن بوطيب؛ فلم تقف عند ظاهر احتجاجها، ولم تستسلم لحرارة نبرتها، وإنما أصغت إلى الخوف الذي أنطقها، ثم سألت ذلك الخوف، في رفق وحزم، عما قد يغيب عنه وهو يدافع عما يحب.
لقد وجدت في قراءتكم أدبًا مع النص لا يقل قيمة عن الأدب الذي نطلبه في النص؛ أدبًا يجعل الاختلاف سبيلًا إلى المعرفة، لا مناسبة لاستعراض الغلبة. قرأتم «فوضى النشر المعاصر» بعين تحفظ للكاتب شرف قصده، ولا تعفي عبارته من مسؤولية دلالتها. وتلك دقة أقدرها؛ إذ ليس حسن المقصد برهانًا على سلامة الحكم، كما أن المبالغة في الحكم لا تبطل بالضرورة صدق المقصد. وبين هذين الطرفين أقمتم ميزانكم، فأبقيتم على مشروعية القلق، وفتحتم أحكامه على المراجعة، كأنكم تقولون: إن ما يستحق الدفاع عنه، يستحق أيضًا أن نراجع الطريقة التي ندافع بها عنه.
وأحسب أن الإنصاف هنا ليس زينةً أخلاقية تضاف إلى النقد بعد اكتماله، بل هو شرط من شروط بصيرته. فالقراءة التي تدخل النص وفي يدها حكم جاهز لا تكتشفه؛ إنها تبحث فيه عما يؤيدها. أما قراءتكم فقد بدأت من التعرف إلى الدافع، ثم مضت إلى مساءلة ما ترتب عليه من تصورات. لم تطلبوا مني أن أتخلى عن غيرتي على الكلمة، بل دعوتموني إلى أن أخلص لهذه الغيرة على نحو أدق؛ وألا يصبح حرصي على جودة الكتابة سببًا في الاشتباه بحق الآخرين في أن يجربوا الكتابة، ويتعلموا، ويخطئوا، ثم ينضجوا.
وحين أعود إلى مقالتي في ضوء هذا الحوار، أرى أن حرارة الاحتجاج قد جمعت أحيانًا في حكم واحد أمورًا تحتاج إلى التمييز. فإتاحة النشر ليست هي الاستسهال، وتعدد الأصوات ليس هو اختلاط القيم، وسقوط بعض الحواجز لا يعني سقوط كل معيار. وقد تتجاور هذه الظواهر في المشهد الذي أقلقني، لكن تجاورها لا يمنحني الحق في جعلها شيئًا واحدًا. هنا أدرك قيمة استدراككم: لقد نقلتم السؤال من إدانة السعة إلى البحث عن الشروط التي تجعل هذه السعة منتجة للمعنى؛ من الخوف من كثرة ما يقال، إلى العناية بما يجعل القول جديرًا بأن يُقرأ.
وإذا كنت قد استعنت بصورة البيت الثقافي وحراسه، فإن قراءتكم أعادتني إلى سؤال سابق على الحراسة نفسها: لمن هذا البيت؟ وهل نحميه لكي تظل الحياة ممكنة فيه، أم لكي تبقى غرفه على الهيئة التي ألفناها؟ إن الحراسة تفقد معناها حين يصبح الباب أهم من الداخل، وحين يتحول الاطمئنان إلى المألوف إلى معيار وحيد للقبول. وما أريده لدور النشر ليس أن تستعيد سلطة المنع، وإنما أن تنهض بمسؤولية التكوين؛ أن ترى في النص مشروعًا يستحق الاختبار والعمل، لا طلبًا يُقبل أو يُرد ثم ينتهي الأمر. فالفارق كبير بين من يحرس العتبة، ومن يهيئ داخل البيت مكانًا صالحًا لنمو التجربة.
ص 1 يتبع
٤ س
رد
مشاركة
طه عبد الرحمن
وفي قراءتكم للقارئ وجدت تصحيحًا يمس جوهر مقالتي. لقد دفعني الخوف عليه إلى تصويره أحيانًا كأنه واقف بلا حيلة أمام طوفان المنشورات، بينما رددتم إليه حقه في الفعل والتعلم والاختيار. وأرى أن الدفاع عن القارئ يظل ناقصًا إذا جعله وصاية عليه. فلا يكفي أن نقول له إن هذا جيد وذاك رديء؛ الأجدر أن نكشف له أسباب الحكم، ونتيح له أن يفحصها ويختلف معها. عندئذ لا يصبح النقد بديلًا من قراءته، بل معينًا عليها، ولا تكون التوصية أمرًا بالقبول، بل دعوة إلى تجربة يملك أن يختبرها بنفسه.
ومن هذا المنظور يتغير معنى العلاقة بين الوفرة والجودة. فالوفرة، في ذاتها، لا تمنح النص قيمة ولا تسلبه إياها؛ إنها توسع مجال ظهوره، وتزيد الحاجة إلى قراءة قادرة على التمييز. وما أخشاه ليس وجود نصوص متفاوتة، وإنما أن تُستبدل أسئلة القيمة بمظاهر الحضور، وأن يصبح مقدار الالتفات إلى العمل حجة على جودته. لكن معالجة هذا الخلل لا تكون بإغلاق منافذ الظهور، بل بإعادة الاعتبار إلى السؤال عن النص نفسه: ماذا رأى؟ وكيف بنى رؤيته؟ وماذا يبقى منه بعد أن تهدأ الضجة المحيطة به؟
ولذلك استوقفتني إشارتكم إلى أن البقاء لا تحسمه لحظة النشر، ولا تمنحه مؤسسة واحدة. ففيها دعوة إلى تواضع ضروري، للكاتب والناشر والناقد جميعًا. قد يعتني الكاتب بنصه ولا يضمن له الخلود، وقد يقدمه الناشر في أحسن صورة ولا يملك أن يفرض قيمته، وقد يصدر الناقد حكمه ولا يغلق به باب القراءة. ليست هذه حدودًا تحط من شأن أدوارهم، بل حدود تجعلها أصدق؛ إذ يعمل كل منهم بما يملك، من غير أن يدعي امتلاك المصير كله. وأحب أن أفهم أمانة الكلمة على هذا النحو: وفاء للعمل الممكن، لا ادعاء لسلطة لا يملكها أحد.
هنا، أستاذي عبد الرحمن بوطيب، يتبين لي أن قراءتكم لم تعارض الغاية التي كتبت من أجلها، وإنما راجعت الطريق الذي سلكته إليها. كنت أريد استعادة الهيبة للكلمة، فنبهتم إلى أن الهيبة لا ينبغي أن تُبنى على تخويف الأصوات الجديدة. وكنت أطالب بالمسؤولية، فأضفتم إليها المرافقة التي تجعل المسؤولية قابلة للتعلم. وكنت أحذر من الاستسهال، فذكرتم بأن إدانته لا تستلزم إدانة السهولة التي أتاحت الوصول. وهذه فروق لا تجمّل الحوار فحسب؛ إنها تمنعه من أن ينتهي إلى خيارات زائفة، كأن علينا أن نختار بين حرية بلا عناية، وجودة لا تتحقق إلا بالتضييق.
ولست أقرأ هذا كله بوصفه دعوة إلى الاعتدال اللفظي وحده، بل إلى تعميق الحكم. فالمسألة ليست أن نستبدل عبارة لينة بأخرى حادة، وإنما أن نجعل العبارة أدق اتصالًا بما تصفه. قد يكون الرفض واجبًا، لكنه يحتاج إلى حجة؛ وقد يكون التشجيع جميلًا، لكنه يحتاج إلى صدق؛ وقد تكون المراجعة مؤلمة، لكنها تصبح نافعة حين تعرف موضع الألم وغاية إحداثه. وما أرجوه من النقد الذي أدافع عنه أن يجمع هذه القدرة: ألا يهادن الخلل، وألا يحول كشفه إلى إهانة، وألا يخلط بين احترام الإنسان ومنح نصه قيمة لم يحققها.
إن أجمل ما خرجت به من قراءتكم هو أن الحوار لا يقتضي أن يغادر المرء موقفه خالي اليدين، بل أن يعود إليه وقد عرف حدوده بصورة أوضح. ما زلت أخشى على الكلمة من أن تُنشر قبل أن تنضج، ومن أن تُستعمل سبيلًا إلى الظهور بدل أن يكون ظهورها ثمرة للعناية بها. لكنني أصبحت، في ضوء ما كتبتم، أكثر انتباهًا إلى أن مواجهة هذا الخوف ينبغي أن تفتح طريقًا للعمل، لا أن تكتفي بإعلان الخطر. فليس من الوفاء للكلمة أن نصف ما يؤذيها ثم نتركها في الموضع نفسه؛ الوفاء أن نسأل عما نستطيع فعله كي تصبح أوضح، وأعمق، وأقدر على لقاء قارئها.
وشكري لكم، لذلك، يتجاوز الامتنان إلى حسن القراءة؛ إنه امتنان لما جعلته القراءة ممكنًا في نفسي من مراجعة. لقد عاملتم مقالتي باعتبارها قولًا يستحق الحوار، لا موقفًا ينبغي الانتصار عليه، ومنحتم صاحبها فرصة أن يرى أن التراجع عن التعميم ليس تراجعًا عن المبدأ، وأن تصحيح الصورة لا ينقض صدق الغيرة التي رسمتها. وفي هذا من كرم النقد ما يجعله شريكًا في بناء الكتابة، لا صوتًا يأتي بعد اكتمالها ليعلن حكمه ويمضي.
وأعود الآن إلى مكتبي وفي معنى الحراسة شيء قد تغير: لم تعد في خاطري وقوفًا طويلًا عند الأبواب، بل عملًا دؤوبًا على ما يدخل منها؛ قراءةً تميز، ومراجعةً تصلح، ومرافقةً لا تتعجل الثمرة، وشجاعةً تقول للنص أين أخفق دون أن تقول لصاحبه إن الطريق انتهى. تلك هي المساحة التي أرى مقالتي وقراءتكم تلتقيان فيها، وإن وصلتا إليها من جهتين مختلفتين.
لقد كتبتُ من خوفي أن تفقد الكلمة قيمتها في الزحام، وقرأتم من حرصكم على ألا تفقد حريتها في سبيل استعادة تلك القيمة. وبين الخوف والحرص اتضح لي وجه آخر للأمانة: أن نصون حق الكلمة في أن تظهر، وحق القارئ في أن يسائلها، وحق الكاتب في أن يتعلم من السؤال. فما نرجوه ليس صمتًا تختفي فيه العثرات لأن أحدًا لم يحاول الكلام، ولا ضجيجًا تُعفى فيه الأقوال من المحاسبة؛ ما نرجوه فضاء يستطيع فيه النص أن يخرج إلى النور، ثم يجد من يمنحه قراءة لا تكتفي برؤيته، بل تساعده على أن يرى نفسه.
طه دخل الله عبد الرحمن
ص 3 انتهى
٤ س
رد
مشاركة
Aziz Oussain
ابداع وتالق
٣ س
رد
مشاركة
Abdeslam Jellabi
يبقى النقد الحاد و المحايد ؤسيلة لصينة الإنتاح الأدبي و من خلاله يتم الاستماع الى تبض الإبداع و تصحيح ما يعتريه من ضعف فكري أو لغوي
مع كثرة النشر و تعدد الأقلام ثم على المواقع و المجموعات أن تقوم بما كانت تقوم به دور النشر في غربلة المنتوج الجيد و الكلمة المسؤولة اولا في السماح بالنشر و ثانيا في مواكبة كل من ابدع و توجيهه الى المسار الصحيح
٢ س
رد
مشاركة
تم التعديل
مايكل حمدان
دكتور طه دخل الله عبد الرحمن
سلام الله لك
ولكل فرد من أفراد الرؤى اجمعين
مقالتك أظهرت الحقيقة كاملة
حقيقة الواقع المذري الذي تتخبط فيه معظم وسائل التواصل الاجتماعي ...!
فهذا العالم الذي يسمونه افتراضيا" .. ليس سوى نسخة طبق الأصل عن عالمنا الواقعي ...
والسؤال هنا أحصره في لب المقالة :
من المسؤول عن هذا التدهور المين الذي أصاب الثقافة؟
والجواب : وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت متاحة للجميع ( متعلمين وأميين ؛ عقلاء وجهلة؛ و.......إلخ ! ) . وهذا لا يمكن الاعتراض عليه .. لأن الاعتراض لن يفضي إلى نتيجة .
قد يقع اللوم في الدرجة الأولى على من يدعون أنهم أدباء .. أو فلاسفة .. أو علماء .. أو مثقفون ...؛ وفي نفس الوقت ، يعملون على نشر نصوص فلسفية عمياء ؛ ومقالات علمية لا شان للعامة بها ؛ أو منشورات يعتبرونها ثقافية علما" بأنها بمعظمها أفسدت المجتمعات ؛ أو مقالات لا طعم لها ولا لون ؛ أو قصائد غير مبنية على أسس الشعر ؛ أو قراءات نقدية لاذعة وغير منطقية تشوه العلاقات الأدبية.
وأكثر ما يشوه الصورة العامة للنشر هو أن العديد من الصفحات الإلكترونية تغدق بالتكريمات ( شهادات دكتوراة وسفير وأوسمة وغيرها ) على كل من صال وجال في صفحاتهم .. وحتي للذين لا ينشرون ولا يعلقون بهدف زيادة عدد المنتسبين للصفحة .
أكتفي بهذا القدر
تحياتي للجميع
الخادم : مايكل حمدان
٣ س
رد
مشاركة
طه عبد الرحمن
مايكل حمدان حين تتزيّن الألقاب… وتتعَرّى المعاني
إلى الأستاذ مايكل حمدان، صاحب الكلمة التي لا تكتفي بوصف العطب، بل تسأل عن موضعه، ولا تقف عند ضجيج المشهد، بل تنصت إلى ما وراءه من وجع.
سلام الله عليك، وعلى أهل «الرؤى» جميعًا؛ سلامًا يليق بحوارٍ نريد له أن يكون نافذةً للفهم، لا ساحةً للخصومة، وجسرًا بين العقول، لا جدارًا بين أصحابها.
قرأت تعقيبك الكريم، فوجدت فيه غيرةً على الكلمة أن تُبتذل، وعلى الثقافة أن تُختزل في زينة الأسماء، وعلى الأدب أن يتحوّل من رسالةٍ تُهذّب الوجدان إلى واجهةٍ تستجدي التصفيق. وأثمّن لك أنك لم تكتفِ بالإشارة إلى قبح الصورة، بل سألت السؤال الذي ينبغي ألّا يغيب خلف ازدحام التفاصيل: من المسؤول؟
وأرى، يا صديقي، أن مفتاح الجواب هو المسؤولية؛ تلك التي تتوزّع بين من يكتب، ومن ينشر، ومن يقرأ، ومن يمنح الاعتراف. فلا يحمل طرفٌ وحده أوزار المشهد، ولا يجوز لطرفٍ أن يتّخذ من أخطاء الآخرين صكّ براءةٍ لنفسه.
إن إتاحة المنابر للجميع ليست، في ذاتها، خطيئة؛ فليس من العدل أن نجعل الثقافة حديقةً مسوّرة، لا يدخلها إلا من يحمل شهادةً أو لقبًا. قد يأتي المعنى النبيل في عبارةٍ بسيطة، وقد تتعثّر الحقيقة في نصٍّ شديد التأنّق. وليست المشكلة أن يتكلّم من لم نتعوّد سماعه؛ المشكلة أن نكفّ عن التمييز بين حقّ الإنسان في الكلام، وقيمة الكلام الذي يقوله.
من حقّ الجميع أن يكتبوا؛ وليس من حقّ أيّ نصٍّ أن يطالبنا بالإعجاب قبل أن يمنحنا ما يستحقّه.
ولهذا ألتقي معك في رفض الادّعاء، وأختلف قليلًا مع اتّساع بعض أحكامك: فليس كلّ نصٍّ فلسفيٍّ عسير نصًّا أعمى، ولا كلّ مقالٍ علميٍّ بعيد عن اهتمام العامة عبثًا، ولا كلّ تجربةٍ شعريةٍ مغايرة خروجًا على الشعر. للمعرفة مستوياتها، وللتجريب ضرورته، وللجديد حقّه في أن يُختبر قبل أن يُدان. إنما يبدأ الخلل حين يصبح الغموض ستارًا للفراغ، والتخصّص ذريعةً للتعالي، والتجريب اسمًا مهذّبًا للعجز.
فالعمق لا يُقاس بما يعجز القارئ عن فهمه، بل بما يستطيع النصّ أن يوقظه فيه؛ والتبسيط لا يعني تسطيح الفكرة، كما أن التعقيد لا يضمن جلالها.
أما حديثك عن التكريمات والألقاب، فقد أصبت به موضعًا حساسًا. وما أجد أجمل من تكريمٍ صادقٍ يعرف قدر صاحبه، وما أجد أشدّ إيلامًا من تكريمٍ يُستعمل لاستمالة الناس بدل إنصاف أعمالهم. وأحسب أن الواجب هنا ليس احتقار كلّ شهادة تقدير، بل التمييز بين تقديرٍ رمزيٍّ واضح، وتأهيلٍ علميٍّ له مقتضياته؛ كيلا يلبس الامتنان ثوب الاختصاص، ولا تتحوّل المجاملة إلى ادّعاء.
لا يصنع الوسام صدرًا جديرًا به؛ إنما يمنح الصدر الجديرُ الوسامَ معناه. ولا يزيد اللقب صاحبه علمًا، إن لم يكن وراءه جهدٌ يشهد له، وأثرٌ يدلّ عليه.
وأما النقد، الذي أشرتَ إلى ما قد يفسده من العلاقات الأدبية، فحقّه أن يكون صارمًا في الحجة، رحيمًا بالإنسان. نريد ناقدًا يكشف موطن الضعف، لا من يبحث عن موطن الإهانة؛ ونريد كاتبًا يحتمل مراجعة نصّه، لا من يرى كلّ اعتراضٍ اعتداءً على كرامته. فالنقد ليس خنجرًا في يد خصم، ولا مبخرةً في يد صديق؛ إنه ضوء، وقيمة الضوء أن يكشف، لا أن يحرق.
ولعلّ الإصلاح يبدأ من أمورٍ أقلّ صخبًا من الشكوى، وأكثر أثرًا منها: أن نقرأ قبل أن نحكم، وأن نسأل قبل أن نشارك، وأن نتأنّى قبل أن نمنح لقبًا، وأن نقول للنصّ الجميل: أحسنت، وللنصّ المتعثّر: هنا ما يحتاج إلى مراجعة؛ دون أن نبيع الصدق للمجاملة، أو نضحّي بالإنسان من أجل إثبات صوابنا.
أستاذ مايكل،
لقد فتحتَ بسؤالك بابًا يستحقّ أن يبقى مفتوحًا. وأرجو أن تكون غيرتنا على الثقافة دعوةً إلى الارتقاء، لا ذريعةً إلى الإقصاء؛ وأن نحرس قيمة الكلمة دون أن نصادر حقّ الناس في تعلّمها. فالمبتدئ ليس مدّعيًا بالضرورة، والخطأ ليس فسادًا دائمًا، ولكن الإصرار على الزيف، وطلب المكانة دون استحقاقها، هما ما ينبغي أن نواجهه بوضوحٍ لا يخلو من عدل.
شكرًا لك على هذا التعقيب الذي منح الحوار وجهًا آخر؛ وجهًا يسأل عن واجبنا، لا عن عيوب الآخرين وحدهم.
ولك ولأهل «الرؤى» خالص المحبة والتقدير؛ لنجعل من هذا المنبر موضعًا تتقدّم فيه النصوص على الألقاب، والحجج على الأصوات، ويكون التكريم ثمرةً للأثر، لا بديلًا عنه.
٢ س
رد
مشاركة
مايكل حمدان
طه عبد الرحمن
ما تختلف معي بشأنه أعود وأؤكد أنني نسبته للمدعين ...؛ وأنت تعرف حق المعرفة أنني لا أشمل الجميع . فالشمولية أنبذها
٢ س
رد
مشاركة
تم التعديل




طه عبد الرحمن
غير أن هذا الاستدراك لا يدعوني إلى التخلي عن المعيار، بل إلى تحريره من الالتباس. فالمعيار الذي أدافع عنه ينبغي أن يكون قادرًا على تفسير حكمه: أين اختل البناء؟ وأين ضعفت اللغة؟ وأي معنى أفسده التكرار؟ وما الذي جعل الاختيار الفني مقنعًا أو مفتعلًا؟ أما الحكم الذي لا يملك إلا نفوره أو إعجابه، فهو ذوق يطلب من الآخرين أن يطيعوه. ولعلنا نتفق هنا على أن حماية الأدب لا تكون بتقديس الذائقة الموروثة، ولا بإعلان براءة كل جديد، وإنما بإخضاع النص لقراءة تبين كيف يعمل، وما الذي يحققه، وما الذي يعجز عنه.
وفي هذا الموضع يكتسب تصوركم للتحرير الأدبي عمقًا خاصًا. فليس التحرير تجميلًا لسطح اللغة بينما يبقى اضطراب المعنى في داخلها، وليس اقتطاعًا لكل ما يخالف عادة المحرر. إنه، كما أفهمه في أفق قراءتكم، اختبار للعلاقة بين ما يريد النص قوله وما استطاع أن يقوله بالفعل. قد تكون العبارة سليمة وتظل عاجزة، وقد تكون الفكرة ثمينة ويبددها ترتيب مضطرب، وقد تكون الزيادة فصيحة لكنها تحجب موضع القوة. والمحرر الأمين لا يطارد العثرات وحدها؛ إنه يبحث أيضًا عن الطاقة المهدرة، عن الجملة التي لم تجد مكانها، وعن الصمت الذي كان ينبغي أن يحل محل شرح أثقل النص وأضعف أثره.
وأرى أن أصعب ما في هذه المهمة هو التمييز بين عيب ينبغي إصلاحه وخصوصية ينبغي حمايتها. فقد يخطئ المحرر إذا سوّى نتوءات النص كلها، لأن بعضها قد يكون موضع شخصيته. وليس كل وضوح عمقًا، كما ليس كل غموض عجزًا؛ والحكم بينهما يحتاج إلى النظر في وظيفة العبارة داخل بنائها، لا إلى محاكمتها منفردة. من هنا تبدو المراجعة لقاءً بين خبرتين: معرفة الكاتب بما أراد، ومعرفة القارئ بما وصل إليه. وفي المسافة بين الإرادة والوصول يبدأ العمل الحقيقي على النص.
أما اللغة العربية، التي حملتها مقالتي إلى قلب القلق، فقد منحها تأملكم مساحة أرحب من الخوف عليها وحده. وأنا، إذ أراجع عباراتي، أريد أن أفرق بين صون اللغة وصون صورة واحدة لاستعمالها. فليس الذي يقلقني أن تتلون العبارة بحياة المتكلمين، أو أن يبحث الكاتب عن إيقاع لم يألفه؛ وإنما يقلقني أن يُترك الخلل بلا سؤال، وأن تُسوَّغ العثرة باسم الحرية قبل التحقق من كونها اختيارًا أصلًا. ولا تكفي تسمية الانحراف تجريبًا لكي يصبح كذلك، كما لا يكفي خروجه عن المألوف للحكم عليه بالفساد. إنما يحسم الأمر ما يؤديه في النص، وما يضيفه إلى الرؤية، وما يكشفه من وعي صاحبه بأداته.
لقد نبهتم، في حديثكم عن العامية والانزياح، إلى فرق جوهري بين اللغة التي يختارها الكاتب واللغة التي تضطره إليها قلة التمكن. وأجد في هذا الفرق ما يصون حق التجريب وحق النقد معًا. فالحرية الفنية ليست إعفاءً من البيان، بل بحث عن بيان يلائم التجربة؛ وقد يقتضي هذا البحث تنوعًا في الأصوات والمستويات، لكنه يظل مطالبًا بأن يقنعنا بضرورته. إنني لا أطلب من كل شخصية أن تتكلم كما يكتب صاحب المقالة، ولا من كل نص أن يسير في طريق لغوي واحد؛ أطلب أن أشعر بأن الكاتب يعرف لماذا اختار هذا الطريق، وأن اختياره خدم الحياة التي أراد للنص أن يحملها.
وما قلتموه عن الخطأ بوصفه فرصة للتعلم وضع أمامي تمييزًا آخر لا يقل أهمية: أن ضعف النص لا يساوي انعدام قابلية صاحبه للنمو. يجوز لنا أن نكون صارمين في تقويم عمل منشور، ولكن ليس من حقنا أن نجعل ذلك التقويم حكمًا أبديًا على صاحبه. فالنص حاضر بين أيدينا، أما إمكان الكاتب فما يزال يتشكل. وهنا ينبغي أن تكون دقة النقد أكبر من قسوته؛ يقول ما لم يتحقق، ويوضح سبيل العمل عليه، ولا يدعي معرفة النهاية. بذلك لا نخفض معيار الجودة، بل نجعل الوصول إليه ممكنًا لمن يملك الاستعداد للمراجعة وبذل الجهد.
ص 2 يتبع
٤ س
رد
مشاركة
منى السيد حمود
طه عبد الرحمن ثمة لقاءاتٌ لا تبدأ من الفكرة، بل من فنجانٍ يهيّئ لها مكانًا؛ وما إن تتلاقى الأيدي حول الشاي حتى تتجاوز الكلمات حدود المجاملة، ويصبح الحديث رحلةً في المعنى، ويغدو الاختلاف فرصةً لاكتشاف ما لم نكن نراه.
في النقاش الذي أثارته مقالة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن «فوضى النشر المعاصر»، والقراءة التفاعلية للناقد الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، استوقفني سؤالٌ يتجاوز حدود النشر والجودة: متى تصبح الكلمة ذات قيمة حقيقية؛ حين يفرغ الكاتب من كتابتها، أم حين تبدأ في عقول الآخرين حياةً جديدة؟
لعلّنا اعتدنا أن نقيس الكتابة بما تحمله من لغةٍ وجمال، والنقد بما يكشفه من مواطن القوة والضعف، والقراءة بما تمنحه للنص من فهم؛ لكن ثمة مساحةً أخرى لا تقل أهمية، هي تلك التي تتشكّل بين الكاتب والناقد والقارئ، حين لا يعود النص ملكًا لصاحبه وحده، ولا يصبح النقد حكمًا أخيرًا عليه، بل يتحوّل كلاهما إلى بداية حوارٍ تتسع فيه الرؤية، وتتجدد فيه الأسئلة.
وهنا أرى أن أخطر ما قد يصيب الثقافة ليس كثرة ما يُنشر وحدها، ولا تفاوت مستويات الكتابة فحسب، بل أن تتحوّل العلاقة بين أطرافها إلى أحكامٍ متبادلة، فينشغل الكاتب بالدفاع عن نصه، والناقد بإثبات حكمه، والقارئ بالبحث عمّن يفكر نيابةً عنه؛ بينما جوهر الثقافة أن يظل الجميع قادرين على الإصغاء، والمراجعة، والتعلّم.
فالجودة ليست بابًا نغلقه في وجه من لم يبلغها بعد، بل أفقٌ نساعد الكتابة على بلوغه. والنقد ليس حارسًا يقف على عتبة النص ليسمح لهذا ويمنع ذاك، بل وعيٌ يميّز، ويعلّل، ويقترح، ويمنح التجربة فرصةً كي ترى نفسها بعيونٍ أخرى. أما حرية النشر، فلا تكتمل بمجرد أن يستطيع الإنسان إيصال كلمته إلى الناس، بل حين يجد ثقافةً تحترم حقه في المحاولة، وحق القارئ في الاختيار، وحق الحقيقة في ألّا تُستبدل بالمجاملة.
ولعلّ هذا ما جعلني أرى في حوارنا حول فنجان الشاي صورةً مصغّرة لما نرجوه من الحياة الثقافية: أن نجلس مختلفين في الرأي، متفقين على كرامة الحوار؛ أن نناقش الفكرة من غير أن ننتقص من صاحبها، وأن نبحث عن موضع الخلل من غير أن ننسى إمكانية النضج، وأن نحتفي بالكلمة الجميلة من غير أن نعفيها من السؤال.
فالفنجان لا يصنع عمق الحوار، كما أن الكتاب لا يصنع عمق الثقافة بمجرد صدوره؛ إنما تصنع القيمةَ العقولُ التي تعرف كيف تحوّل اللقاء إلى معرفة، والاختلاف إلى اكتشاف، والكلمة إلى أثر.
وربما كانت أجمل المفارقات أن فنجان الشاي، الذي ينتهي مذاقه في دقائق، قد يكون مناسبةً لفكرةٍ تبقى في الذاكرة أعوامًا. فكم من مجالس انفضّت ولم يبقَ منها شيء، وكم من حوارٍ قصير أعاد ترتيب سؤالٍ في داخلنا، فظلّ أثره ممتدًّا بعد أن غادر أصحابه المكان!
من هنا، لا أرى أن نجاح الكاتب أن يُنشر نصه فحسب، ولا أن يظفر الناقد بالإقناع وحده، ولا أن ينتهي القارئ إلى حكمٍ نهائي؛ بل أن يخرج الثلاثة من الحوار وقد أصبحوا أكثر قدرةً على الرؤية. عندها لا يكون النقد خصومةً مع الإبداع، ولا النشر سباقًا إلى الظهور، ولا القراءة استهلاكًا للكلمات؛ بل تصبح الثقافة فعلًا إنسانيًّا مشتركًا، ينمو فيه المعنى كلما تعددت زوايا النظر إليه.
وبهذه الروح، أتقدّم بخالص الشكر إلى مجلة «رؤى» الثقافية، وإلى الناقد الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، على هذه المساحة التي احتضنت الحوار وفتحت أبواب التأمل، كما أشكر الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن على مقالته التي أطلقت هذا النقاش، وأتاحت لنا فرصة الانتقال من سؤال النشر إلى سؤال أعمق يتصل بمسؤولية الكلمة وأخلاق الاختلاف.
لقد كان فنجان الشاي ضيافةً كريمة، وكان الحوار ضيافةً أخرى للعقل؛ وبينهما أدركنا أن أجمل ما يمكن أن تقدمه الثقافة للإنسان ليس أن تمنحه رأيًا يردده، بل أن توقظ فيه سؤالًا يواصل التفكير فيه.
فحين برد الشاي، لم تكن الحكاية قد انتهت؛ لأن بعض المجالس تنتهي بانتهاء الضيافة، أما المجالس التي تتلاقح فيها الأفكار، فإنها تغادر المكان لتبدأ فينا.
بقلم منى السيد حمود سورية
٣ س
رد
مشاركة
طه عبد الرحمن
منى السيد حمود حين يبرد الشاي… وتظلّ المعاني دافئة
الأستاذة منى السيد حمود
بعض الكلمات ضيافةٌ لا تنتهي عند آخر السطر؛ نقرأها، فإذا بها تُفسح في داخلنا مقعدًا لفكرةٍ لم ننتبه إليها، وتفتح نافذةً لسؤالٍ حسبناه قد استقرّ على جواب. وهكذا جاء نصّكِ: لم يكن تعقيبًا يمرّ على الحوار، بل امتدادًا لروحه؛ ولم يكتفِ بوصف مجلسٍ اجتمعنا فيه، بل كشف عمّا يمكن أن يظلّ مجتمعًا فينا بعد انفضاضه.
لكِ سلامٌ يليق بهذا الحضور، وشكرٌ على قراءةٍ أنصتت إلى ما وراء المقالة، ثم أعادت إلينا سؤالها في أفقٍ أرحب.
لقد استوقفتني عبارتكِ عن اللحظة التي تبدأ فيها الكلمة حياةً جديدة في عقول الآخرين؛ لأنها تضع يدها على المعنى الذي أرجو للكتابة أن تبلغه: أن تكون مكتملةً بما يكفي لتقول شيئًا، ومفتوحةً بما يكفي لتوقظ أشياء أخرى. فالكاتب يختار كلماته، ولكنه لا يختار وحده جميع الآفاق التي ستطلّ منها؛ يكتب من تجربته، ثم يأتي القارئ بتجربةٍ أخرى، فيلتقيان عند النصّ، وقد يرى أحدهما ما غاب عن الآخر.
ولعلّ الكلمة لا تحتاج إلى أن تنتظر قارئها كي تستحقّ الوجود، لكنها تحتاج إلى اللقاء به كي نكتشف بعض ما تستطيع أن تمنحه. ثمة صدقٌ يولد معها في لحظة الكتابة، وثمة أثرٌ يتشكّل حين تجد عقلًا يسائلها، وقلبًا يتلقّاها، وتجربةً تختبرها. وبين الصدق والأثر تتّسع حياة النصّ، دون أن يفقد جذوره أو يُحبس فيها.
وما أجمل أن تجعلينا نلتفت إلى تلك المساحة بين الكاتب والناقد والقارئ؛ فهي ليست فراغًا تفصل فيه المسافات بينهم، بل موضع الحوار الذي يستطيع أن يقرّبهم، من غير أن يطالبهم بالتشابه.
هناك يستطيع الكاتب أن يقول: هذا ما أردتُه، ويستطيع القارئ أن يقول: وهذا ما وصل إليّ؛ ويأتي النقد ليتأمّل المسافة بين القصد والتلقّي، لا ليلغي أحدهما لمصلحة الآخر. وما أخصب هذه المسافة حين نسكنها بالسؤال، بدل أن نملأها بالتهمة! فقد يكون فيها غموضٌ يحتاج إلى إضاءة، أو معنى لم يستنفد صاحبه احتمالاته، أو قراءةٌ تحتاج بدورها إلى مراجعة.
وأصبتِ حين جعلتِ الإصغاء والمراجعة والتعلّم في صميم العلاقة الثقافية. فما أقسى أن يدخل المرء نقاشًا وقد أعدّ دفاعه قبل أن يسمع الاعتراض، أو هيّأ حكمه قبل أن يتبيّن الحجة! عندئذٍ تتجاور الأصوات، ولكنها لا تلتقي؛ ويكثر الكلام، بينما تظلّ الفكرة وحيدةً بين المتكلمين.
أما الإصغاء الذي تشيرين إليه، فليس سكوتًا ينتظر دوره في الكلام، بل استعدادٌ لأن يترك كلام الآخر أثرًا في السؤال الذي نحمله. وليس من ضرورته أن نقتنع بكلّ ما نسمع، وإنما أن نفهمه قبل أن نرفضه، وأن نردّ عليه بما يستحقّه من تعليل، لا بما يسهل علينا من تصنيف.
وتوقّفتُ طويلًا عند قولكِ إن الجودة أفقٌ نساعد الكتابة على بلوغه. في هذه العبارة عدلٌ للمبتدئ، ووفاءٌ للأدب معًا؛ فهي تمنح المحاولة حقّها في النموّ، دون أن تمنحها حصانةً من النقد. فالرفق بالكاتب لا يستلزم المجاملة في تقويم نصّه، كما أن الصرامة في التقويم لا تستلزم القسوة على صاحبه.
ما أجمل أن نقول للتجربة المتعثّرة: هنا خطوةٌ لم تستقم بعد، بدل أن نقول لصاحبها: ليس لك مكانٌ في الطريق. وما أنفع أن نبيّن موضع الخلل، ونكشف أثره، ونقترح سبيلًا لتجاوزه؛ فذلك أكرم للكاتب من ثناءٍ لا يعلّمه شيئًا، وأصدق مع القارئ من احتفاءٍ يحجب عنه الفروق.
وفي حديثكِ عن حرية النشر، أعجبني أنكِ لم تقفي عند حقّ الصوت في الوصول، بل مددتِ النظر إلى حقوقٍ تلتقي معه ولا ينبغي أن يطغى عليها: حقّ المحاولة، وحقّ الاختيار، وحقّ الحقيقة في ألّا تستبدل بها المجاملة. بهذه الموازنة يصبح الاختلاف قابلًا لأن يُثمر؛ إذ لا يطلب الكاتب إعجابًا واجبًا، ولا يتّخذ القارئ ذائقته قانونًا ملزمًا، ولا يجعل الناقد حكمه نهايةً لكلّ احتمال.
ويبقى فنجان الشاي في نصّكِ صورةً قريبةً من القلب؛ لا لأنه منح الأفكار عمقها، كما نبّهتِ، بل لأنه أتاح لها هيئة اللقاء الإنساني: وجوهًا تتقابل، ووقتًا يُمنح، وحديثًا يجد فسحةً ليتأنّى. أحببتُ أنكِ أبقيتِ الفنجان على بساطته، ثم أريتِنا كيف تتجاوز الذكرى حدود الشيء الذي بدأت منه.
الشاي يبرد، نعم؛ لكن سؤالًا وُلد في أثناء الحديث قد يعود إلينا ونحن نكتب، أو نقرأ، أو نراجع رأيًا كنّا ندافع عنه بالأمس. عندها ندرك أن المجلس لم يترك فينا صورة أصحابه وحدها، بل ترك شيئًا من قدرتهم على النظر؛ وأن الضيافة بلغت غايتها حين وجد الآخر مكانًا في تفكيرنا، لا في مجلسنا فحسب.
أما شكركِ لي على المقالة، فأبادلكِ إياه على هذه القراءة التي نقلت النقاش من الانشغال بما يعتري النشر إلى التأمّل فيما ينبغي أن يجمع أهله. وأضمّ صوتي إلى صوتكِ في تقدير مجلة «رؤى» الثقافية، والأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، وكلّ من أسهم في هذا الحوار بسؤالٍ صادق أو اعتراضٍ معلّل؛ فالمساحة التي تسمح للفكرة أن تُختبر تمنحها فرصةً للنضج لا يمنحها التصفيق وحده.
لكِ خالص التقدير، أستاذة منى، على نصٍّ جمع رهافة العبارة إلى إنصاف الرؤية، وجعل من مشهدٍ بسيط مدخلًا إلى سؤالٍ يستحقّ البقاء.
لقد انتهيتُ من قراءة كلماتكِ، لكنني بقيتُ عند ذلك المجلس الذي رسمتِه: الفناجين ساكنة، والأصوات قد هدأت، وفي داخل كلّ واحدٍ منّا سؤالٌ يستعدّ لأن يواصل الحديث.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...
- دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك... ...
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة ...
- قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون ...
- الأثر
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...
- قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر ...


المزيد.....




- تقرير: مدير مكتب نتنياهو أخفى وثائق سرية لصياغة الرواية المت ...
- نتنياهو يطالب بالتحقيق مع المشاركين في فيلم -نازا- ومحاكمتهم ...
- غيبني يكشف تردد «يونيفرسال» بشأن فيلم ماسك الوثائقي ورد المل ...
- -سيجارة- تهدد مطربا مصريا بالشطب النهائي
- مهرجان القاهرة السينمائي.. فلسطين حاضرة واحتفاء بأسماء بارزة ...
- نتنياهو: يطالب بفتح تحقيق ضد المشاركين في فيلم -نازا- بتهمة ...
- باسم رئيس رماة السلطان الفاتح.. مدرسة -أوقجو موسى- شاهدة على ...
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يعلن مشاركة 145 فيلمًا من 64 ...
- مهرجان الجونة السينمائي..حكايات عربية عن الحرب والمنفى والهش ...
- متحف التحرير يستعد لمرحلة جديدة.. ماذا تخطط مصر لأحد أشهر مت ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ]== اليوم السابع منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السابعة: الأحد 11 أكتوبر 2026