أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤى الثقافية ] == اليوم السادس منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السادسة: السبت 10 أكتوبر 2026















المزيد.....



مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤى الثقافية ] == اليوم السادس منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السادسة: السبت 10 أكتوبر 2026


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 23:51
المحور: الادب والفن
    


مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية
Abdou Bout
[ أسابيع الرؤى الثقافية ] == اليوم السادس
منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب.
إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب
الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين
العدد الخامس
الحلقة السادسة: السبت 10 أكتوبر 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قراءة نقدية في قصة "طقوسُ الشاي المُقدَّسة"
للدكتور طه عبد الرحمن
الناقدة السورية: د. منى السيد حمود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة
طقوسُ الشاي المُقدَّسة
في المساءِ، حينَ يرتدُّ الضوءُ إلى عتمتِهِ الأولى، وتنسحبُ المدينةُ من نوافذنا كضيفٍ أثقلَهُ الانتظار، كنّا نجلسُ على تلكَ الطاولةِ الخشبيةِ الصغيرة، حيثُ للشاي طقوسٌ لا تشبهُ شيئًا مما عرفَهُ البشر. لم يكنِ الشايُ عندنا مشروبًا، بل كانَ لغةً أخرى للحب، لغةً تصعدُ مع البخار، وتتكثفُ على زجاجِ النافذة، فتصيرُ قصائدَ ماءٍ لا يقرؤها إلا قلبانِ اتسعا للكونِ ثم ضاقا ببعضهما حتى التصقا.
كنتُ أراقبُ يدَها وهي تمسكُ الإبريقَ كأنها تمسكُ بمصيرِ المساء، تسكبُ الشايَ ببطءٍ متعمد، كأنها توقظُ في الكأسِ ذاكرةً غافية، فينهضُ البخارُ متكاسلًا كعاشقٍ يستفيقُ من حلمٍ ثقيل، ويتلوى في الهواءِ كأفعى من عطر، ثم يتلاشى، تاركًا في صدري أثرَ صعودِهِ المحموم. كانتِ الرشفةُ الأولى عندها كالقبلةِ الأولى؛ تذوقٌ خائفٌ، وترددٌ لذيذ، ثم انحدارٌ بطيءٌ إلى قرارِ الروح. أما أنا فكنتُ أؤجلُ رشفتي، لا بخلاً، بل لأني كنتُ أجدُ في الانتظارِ متعةً أعمق، متعةَ أن أرى شفتيها تلمسانِ حافةَ الفنجان، فأشعرَ أن للفنجانِ حظًّا لا أناله، وأن للشايِ سرًّا لا أفهمه، وأن ثمةَ غيرةً حلوةً تسكنُ صدري كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف.
كان السكرُ يذوبُ في كأسِها على مهل، كأنه يتعلمُ منها فنَّ الاختفاء، بينما يظلُّ شاييَ مرًّا كحنينٍ قديم، لأني كنتُ أومنُ أن المرارةَ وحدها تليقُ بمن عرفوا أن الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا شابَهُ شيءٌ من الخوف. وكنّا نتبادلُ الكؤوسَ أحيانًا، فتشربُ من كأسي وتتركُ حلاوتَها على شفتي، فأذوقُ في مرارتي عسلًا ما أنزلَ اللهُ به من سلطان، عسلًا مصنوعًا من ريقِ المحبوبةِ وسكرِ الروح.
أتدري ما الشاي؟ إنه ذريعةُ العاشقينَ للصمتِ المشترك، ذاكَ الصمتُ الذي يقولُ فيه القلبُ للقلبِ ما لا تطيقُه اللغة، صمتٌ مملوءٌ حتى الحوافِ بالمعاني، ككأسٍ ممتلئةٍ لا تفيض. كنّا نصمتُ طويلًا، فلا يقطعُ السكينةَ إلا صوتُ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجان، ذلكَ الصوتُ الرتيبُ الذي يشبهُ دقاتِ ساعةٍ تدورُ عقاربُها إلى الوراء، إلى زمنٍ لا يشبهُ زمنَنا، زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي.
ثم جاءتِ اللحظةُ التي يتنفسُ فيها الشايُ أنفاسَهُ الأخيرة، حينَ يرسبُ آخرُ ما في الكأسِ من أوراق، فتصمتُ الملعقةُ كأنها أتمتْ صلاتَها. هناكَ، عندَ القاع، كنّا نقرأُ طالعَنا في الورقِ المتناثر، فترى هي غدًا مشرقًا، وأرى أنا يدَها تمتدُّ نحوي، فتمحو بالتفسيرِ ما خطّتْهُ الأيام. وكنتُ أصدقُها، لا لأنها تُحسنُ قراءةَ الغيب، بل لأنها حينَ تبتسمُ وأصابعُها تلمسُ كفي، يتحولُ الغدُ كله إلى كأسِ شايٍ دافئٍ نشربُه معًا.
يا لأناقةِ الحبِّ حينَ يلبسُ ثوبَ التفاصيل! فالشايُ عندنا لم يكن شايًا، بل كانَ موعدًا متجددًا للبوح، ومرآةً نرى فيها وجوهَنا أكثرَ وضوحًا، ومذبحًا صغيرًا نقدمُ فيه القرابينَ من سكينةٍ ودفء، ونغتسلُ فيه من برودةِ الخارج، من قسوةِ الطرقات، من وحشةِ الناس. كانَ طقسًا مقدسًا، وكنّا كاهنينِ صغيرينِ في معبدٍ من زجاجٍ وخزفٍ ودخان، نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمُه التفاصيل.
واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد، أرفعُه إلى شفتي فلا أذوقُ شيئًا، لأني أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها، وأتنفسُ قربَها، وأرتشفُ من عينيها ما لا يرتشفُه الظمأُ من ماء. فحينَ رحلت، رحلَ معها طعمُ كلِّ شيء، وبقيَ الشايُ مرًّا كعمرٍ لا حبيبَ فيه، ينتظرُ يدًا لن تعودَ لتسكبَ فيه من جديد.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القراءة النقدية
د. منى السيد حمود - سورية
حين قرأتُ "طقوس الشاي المقدسة" للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، شعرتُ أنني أمام نصٍّ لا يحكي عن الشاي بقدر ما يخفي داخله مرثية حب. فالكاتب لم يجعل الشاي موضوعا للنص، بل جعله ستارا شفافا يروي من خلاله قصة الحضور والغياب، والحب والزمن، والذاكرة والفقد.
الشاي هنا ليس مشروبا؛ إنه لغة أخرى للحب. اليد التي تمسك الإبريق، الشفاه التي تلامس الفنجان، الأصابع التي تلمس الكف، السكر والمرارة، البخار والرائحة، صوت الملعقة، دفء الكأس... كل هذه التفاصيل تجعل النص تجربةً حسية كاملة. وكأن الكاتب لا يريد أن نتذكر المرأة بعقلنا فقط، بل أن نراها ونلمسها ونشم حضورها ونذوق أثرها.
وهنا تكمن عبقرية التفاصيل: المرأة لا تبقى في النص بوصفها شخصية، بل تتحول إلى آثار موزعة في الأشياء. يدها في الإبريق، حلاوتها في السكر، صوتها في الصمت، قربها في الكأس، وغيابها في الشاي البارد.
حتى الملعقة ليست مجرد أداة؛ إنها ساعة صغيرة للزمن. تدور، فيدور معها الوقت، ثم تصمت، فيبدو كأن الزمن نفسه قد انتهى. وأوراق الشاي في القاع ليست مجرد بقايا؛ إنها أشبه برواسب العمر، وكأن الماضي بعد أن عاش كاملًا لا يبقى منه إلا ما يترسب في قاع الذاكرة.
ومن هنا يصبح الشاي رمزا للزمن نفسه: يُسكب، يدفأ، يتصاعد بخاره، يُرتشف، يترسب، ثم يبرد. وهي الرحلة نفسها التي قطعها الحب في النص: بداية، ودفء، وامتلاء، ثم غياب.
والأجمل أن المرثية لا تبدأ عند كلمة "رحلت"، إنها موجودة منذ البداية؛ لأن الراوي لا يعيش اللحظة، بل يستعيدها. والاستعادة دليل على أن اللحظة أصبحت ماضيا، لذلك فإن كل هذا الدفء الذي نقرأه في البداية مشبع سرا بالحزن.
ثم تأتي الجملة التي تفتح النص كله:
"لم أكن أشربُ الشايَ يوما، بل كنتُ أشربُ وجودَها".
هنا يتحول النص من الرومانسية إلى الفلسفة. فنحن لا نحب الأشياء لذاتها، بل نحب المعاني التي وضعناها فيها. وحين يرحل الإنسان، لا تتغير الأشياء، لكن المعنى الذي كان يمنحها الحياة يرحل معه.
ولهذا كان الشاي في الماضي دافئا، وفي الحاضر باردا، لم تبرد الكأس وحدها؛ برد المستقبل، فقد كان الغد عندهما "كأس شاي دافئا"، ثم أصبح بعد رحيلها شيئا لا يستطيع الراوي أن يتذوقه.
حتى قراءة أوراق الشاي تحمل مفارقة مؤلمة: كانا يقرآن المستقبل في قاع الكأس، بينما نحن، بعد الرحيل، نقرأ الماضي. كانا يبحثان عن الغد، والكاتب يعرف أن الغد الذي تخيلاه لم يأتِ.
وهنا يصبح النص نفسه شبيها بفنجان الشاي: يبدأ ممتلئا بالحياة، بالبخار والحركة واللمس والصوت، ثم يهبط شيئا فشيئا إلى القاع، حيث لا يبقى إلا رجل وكأس وغياب. حتى بناء النص يحاكي رحلة الفقد.
وربما أعمق ما فيه أن الراوي لا يفقد المرأة وحدها؛ إنه يفقد نسخته من نفسه معها، فالإنسان حين يحب لا يحب شخصا حاضرا فقط، بل يحب مستقبلا يتخيله معه. لذلك فالرحيل لا يأخذ حبيبًا فحسب، بل يأخذ أحيانا مستقبلا كاملا لم يولد.
ومن هنا يصبح الشاي البارد أكثر من صورة حزينة؛ إنه زمنٌ فقد حرارته.
ومع ذلك، يبقى سؤال صغير ومثير: من هي "هي"؟
النص لا يحسم ذلك. قد تكون حبيبة، وقد تكون امرأةً ارتبط بها الراوي بذاكرة عميقة، وربما - كتأويل لا كحقيقة - تكون أم الكاتب، فدفء الطقس، واليد التي تسكب، والطاولة، والإحساس بالبيت والأمان، كلها تسمح بأن نقرأ المرأة بوصفها صورةً للأم أيضا.
وربما جمال النص أنه تركها بلا اسم.
لأن "هي" في النهاية ليست مجرد امرأة؛ إنها كل امرأة جعلت للحياة طعما، ثم غابت، فبقيت الأشياء تحمل رائحتها وصوتها ودفئها.
لهذا لا أرى "طقوس الشاي المقدسة" نصا عن الشاي، بل نصا عن الإنسان وهو يحاول أن يهزم الفقد بالتفاصيل.
فالكاتب لم ينقذ المرأة من الرحيل، لكنه أنقذ أثرها من النسيان.
وهنا تكمن العبرة الأجمل: نحن لا ندرك قيمة التفاصيل الصغيرة إلا حين يصبح أصحابها جزءا من الماضي؛ عندها نكتشف أن فنجانا، أو يدا، أو صوت ملعقة، قد يحمل عمرا كاملا من الحب.
وفي النهاية، ربما كان الدكتور طه لا يروي لنا حكاية شاي، بل يضع أمامنا قبرا شفافا للزمن: فيه بخار لحظةٍ مضت، وسكر حبٍّ كان، ومرارة غيابٍ صار، وأوراق مستقبلٍ سقطت في القاع.
ثم يبقى الرجل وحده، يرفع الكأس إلى شفتيه...
فلا يذوق شيئا.
لأنه اكتشف متأخرا أنه لم يكن يشرب الشاي؛
كان يشرب وجودها.
وربما كانت "هي" حبيبته...
وربما كانت أمّه...
لكن المؤكد أن الشاي، بعد رحيلها، لم يعد شايا.
أصبح مرثية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمنى السيد حمود
سورية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب
في إطار الاحتفاء بالتجارب الإبداعية والنقدية العربية، تتيح لنا هذه الحلقة من «أسابيع الرؤى الثقافية» فرصة للتأمل في قصة «طقوس الشاي المقدسة» للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، وقراءتها النقدية للدكتورة منى السيد حمود، بما تثيرانه من أسئلة جمالية وإنسانية حول الحب والذاكرة والزمن والفقد.
منذ عنوانها، تقترح القصة نقل الشاي من وظيفته اليومية المألوفة إلى فضاء رمزي تتداخل فيه طقوس الألفة مع طقوس الحب، وتتحول فيه التفاصيل الصغيرة إلى لغة وجدانية موازية للكلام. فاليد التي تمسك الإبريق، والبخار المتصاعد، والشفاه التي تلامس الفنجان، والسكر والمرارة، وصوت الملعقة، ليست مجرد عناصر وصفية، بل علامات تستحضر حضور المحبوبة وتكشف عمق العلاقة التي تجمعها بالراوي.
وتكمن جمالية النص في قدرته على جعل المحسوس منفذا إلى المجرد، واليومي العابر حاملا لمعنى إنساني عميق. فالشاي ليس موضوع القصة بقدر ما هو وسيط للتعبير عن علاقة يتشكل معناها عبر المشاركة والصمت والانتظار وتبادل الكؤوس. ومن خلال هذه التفاصيل، يمنح الكاتب الأشياء العادية قيمة استثنائية، حتى تصبح الطاولة الصغيرة فضاء حميميا، ويغدو الطقس المتكرر احتفالا بالحضور والألفة والأمان.
وتتجلى براعة الكاتب كذلك في توظيف ثنائية الحلاوة والمرارة، والدفء والبرودة، والحضور والغياب. فالمرارة التي تتحول إلى عسل بفعل مشاركة المحبوبة، والشاي الذي يفقد مذاقه بعد رحيلها، يكشفان أن قيمة الأشياء لا تكمن في مادتها وحدها، وإنما في المعاني والعلاقات التي نودعها فيها.
ومن هنا تكتسب العبارة المركزية في النص دلالتها العميقة: «لم أكن أشرب الشاي يوما، بل كنت أشرب وجودها». إنها خلاصة التجربة الوجدانية والفلسفية للقصة؛ فالراوي لم يفقد امرأة فحسب، بل فقد العالم الذي تشكل حول حضورها، والمستقبل الذي تخيله معها، والنسخة من ذاته التي كانت تجد اكتمالها في القرب منها.
وهكذا يصبح الشاي البارد أكثر من صورة للحزن؛ إنه استعارة لزمن فقد حرارته، ولأشياء احتفظت بأشكالها بعد أن فقدت معانيها. كما تتحول أوراق الشاي المترسبة في قاع الكأس إلى صورة لذاكرة لا تحتفظ بالتجربة كاملة، وإنما بما تبقى منها بعد انقضاء لحظاتها.
أما وصف الطقس بأنه مقدس، فلا يحيل إلى قداسة دينية مباشرة، بل إلى القيمة الاستثنائية التي يمنحها الحب للتفاصيل اليومية. فالمقدس هنا هو ما يصبح جديرا بالحفظ، لأن الروح ارتبطت به، ولأن لحظات الألفة البسيطة قد تحمل من المعنى ما لا تحمله الأحداث الكبرى.
في القراءة النقدية للدكتورة منى السيد حمود
تقدم الدكتورة منى السيد حمود قراءة تأويلية موفقة حين ترى في القصة مرثية حب تتخفى وراء حكاية الشاي. وتنجح في الكشف عن شبكة الرموز التي تربط التفاصيل الحسية بالذاكرة، وتربط حركة الملعقة بحركة الزمن، وأوراق الشاي برواسب العمر، وبرودة الكأس بانطفاء المعنى بعد الرحيل.
ومن أهم ملاحظاتها أن الحزن لا يبدأ عند التصريح بالغياب، بل يتسرب إلى النص منذ بدايته، لأن الحضور الدافئ الذي نستعيده سرديا أصبح ماضيا. كما تلتقط الناقدة البعد الوجودي للفقد، حين تشير إلى أن الإنسان لا يفقد المحبوب وحده، وإنما يفقد معه مستقبلا متخيلا وجزءا من صورته عن ذاته.
وتثير القراءة أيضا سؤال هوية المرأة الغائبة، فاتحة المجال لاحتمال أن تكون حبيبة أو أما، دون أن يحسم النص ذلك. وهو احتمال يثري أفق التلقي ما دام يظل تأويلا ممكنا، لا حقيقة ثابتة؛ فالنص لا يقدم قرائن قاطعة تسمح بتحديد هويتها على وجه اليقين.
ومع قيمة هذه القراءة وحساسيتها الجمالية، كان من الممكن تعزيزها بمزيد من الوقوف عند الأدوات الفنية، مثل طبيعة الراوي، وإيقاع السرد، وتكثيف الصور والاستعارات، ومدى التوازن بين كثافة المجاز ووضوح العبارة. فالنقد لا يكتفي بالكشف عن الدلالات، بل يسائل أيضا الوسائل الفنية التي أنتجتها، ويستكشف حدود نجاحها في بناء التجربة.
وبذلك تقدم الناقدة قراءة غنية في التقاط المحور الوجداني والرمزي للقصة، وتفتح أمام القارئ مسارات إضافية لفهمها، دون أن تستنفد إمكاناتها التأويلية.
الإبداع والنقد.. حوار يوسع المعنى
تكشف هذه الحلقة عن أهمية الحوار بين النص الإبداعي والقراءة النقدية؛ فالكاتب يبني عالما سرديا تتداخل فيه الحواس والذاكرة والرمز، بينما تعيد الناقدة تنظيم عناصره، وتضيء الروابط التي تصل بين تفاصيله ودلالاته. وبينهما يجد القارئ فرصة للانتقال من التذوق المباشر إلى الفهم الأعمق.
وهنا تتجلى رسالة «أسابيع الرؤى الثقافية»: الاحتفاء بالمنجز الإبداعي، وإتاحة المجال للقراءات النقدية الجادة، وترسيخ حوار ثقافي عربي يجعل الاختلاف في زوايا النظر مصدر إثراء وتطوير.
خاتمة
إن «طقوس الشاي المقدسة» ليست قصة عن مشروب، بل تأمل أدبي في الحب الذي يمنح الأشياء معناها، وفي الفقد الذي يسلبها دفأها، وفي الذاكرة التي تحاول إنقاذ آثار الحضور من التلاشي. وقد نجح الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن في تحويل تفصيل يومي بسيط إلى استعارة إنسانية واسعة، فيما أضاءت الدكتورة منى السيد حمود جوانب مهمة من بنيته الرمزية والوجدانية.
إن الأدب لا يعيد الغائب إلى الحياة، لكنه يحفظ أثره من النسيان، ولا يمنع الفقد، لكنه يمنحنا لغة لفهمه. ولعل أعمق ما نتعلمه من هذه التجربة أن التفاصيل التي تبدو عادية في لحظتها قد تختزن عمرا كاملا من الحب، وأن تقديرها ينبغي أن يبدأ وهي حاضرة، لا بعد أن تصبح ذكرى.
تحية تقدير للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن على إبداعه، وللدكتورة منى السيد حمود على جهدها النقدي، ولكل المبادرات التي تجعل من الحوار بين الإبداع والنقد رافعة للحياة الثقافية العربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الرحمن بوطيب
المدير العام لمجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية
إعداد وإدارة «أسابيع الرؤى الثقافية»
— مع ‏طه عبد الرحمن‏ و‏منى السيد حمود‏.
طه عبد الرحمن
القراءة النقدية لقراءة الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب في قصة «طقوس الشاي المقدسة» والقراءة النقدية للأستاذة منى السيد محمود كتب الأستاذ عبد الرحمن بوطيب «من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب» وتأتي قراءة طه دخل الله عبد الرحمن لتقول:
«تأويل الأثر: جدلية الحضور المستعاد والغياب المقيم»
حين يتوضّأ الغياب ببخار الذاكرة: محاورة في قداسة التفاصيل وبلاغة الفقد
للغياب يدٌ لا تُرى، لكنها تعيد ترتيب كل شيء؛ تترك الكأس في مكانه، وتخلع عن المكان طمأنينته، وتُبقي النافذة مفتوحة، وتغلق الأفق الذي كان يطلّ منها. وللذاكرة نارٌ لا تُمسّ، لكنها تسخّن ما برد من الأيام، وتستدعي من الأشياء أرواحًا مضت، حتى يخيل إلينا أن الذين رحلوا لم يغادروا العالم، وإنما انتقلوا من اتساع الحياة إلى ضيق التفاصيل. هناك، في رنّة ملعقة، أو انحناءة إبريق، أو بخارٍ يصعد ثم يتبدّد، يقيم أحبّتنا إقامةً أخرى؛ لا نملك لقاءهم، ولا نطيق إخلاء الأشياء منهم. وهكذا يصبح الفنجان أوسع من فنجان، وتغدو المائدة أعمق من سطح، ويصير الشاي، حين تعبره المحبة، وقتًا يُرتشف، وعمرًا يُستعاد، وعهدًا لا ينقضي بانقضاء أصحابه.
في هذا الأفق تتنزّل قصة «طقوس الشاي المقدسة» للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، كما تتبدّى في قراءة الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب «من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب»، وفيما يعرضه من تأويل الدكتورة منى السيد حمود. ولسنا بإزاء ثلاثة أصوات متجاورة فحسب، بل أمام ثلاث حركات متداخلة: كتابةٌ تمنح التجربة صورتها، وقراءةٌ تستنطق الصورة، ومحاورةٌ تسائل طرائق الاستنطاق. ولأن المعروض أمامنا هو مقال الأستاذ بوطيب، بما يحمله من اقتباسٍ وعرضٍ وتأويل، فإن الوفاء لهذه المحاورة يقتضي ألّا ننسب إلى القصة الكاملة ما لم تكشفه الشواهد، وألّا نجعل عرض قراءة الدكتورة منى بديلًا عن نصها الأصلي؛ فالتواضع أمام حدود المتاح ليس نقصًا في النقد، وإنما شرطٌ لعدالته، والبلاغة التي لا تضبطها الأمانة قد تُحسن القول وتُسيء النظر.
وأول ما يلفت في قراءة الأستاذ بوطيب أنها أدركت أن الشاي ليس موضوعًا مغلقًا على نفسه، بل معبرٌ إلى العلاقة؛ ليس ما يُشرب، بل ما يُعاش من خلال الشرب. وهنا تتجلى قيمة التفصيل اليومي: إنه لا يستمد جلاله من غرابة مادته، بل من خصوصية الصلة التي أُودعت فيه. فما يجعل الكأس استثنائيًّا ليس زجاجه، وإنما اليد التي ناولته؛ وما يجعل الطاولة حميمية ليس موضعها في الغرفة، وإنما المسافة التي اختصرتها بين روحين. بهذا المعنى، لا تنقل الكتابة الأشياء من الهامش إلى المركز وحسب، بل تكشف أن ما حسبناه هامشًا كان، في غفلةٍ منا، مركز الحياة.
غير أن استبصار هذه الرمزية يزداد عمقًا حين لا يتحول إلى استبدالٍ سريع للشيء بمعناه. فليس البخار غيابًا في كل موضع، ولا السكر حبًّا بالضرورة، ولا الرواسب ذاكرةً لمجرد أنها تستقر في القاع. إن الدلالة لا تُمنح للأشياء بقرارٍ من الناقد، وإنما تُستخرج من انتظامها في التجربة، ومن صلاتها بما قبلها وما بعدها. ولذلك فإن القراءة الأشد إنصافًا ليست التي تنزع عن الكأس مادته لتُلبسه فكرة، بل التي ترى كيف تعمل مادته نفسها في إنتاج الفكرة: كيف يؤسس الدفء معنى القرب، وكيف يمنح المذاق العلاقة جسدًا، وكيف تجعل المشاركة من فعلٍ فرديٍّ عادةً مشتركة. ليست الأشياء أقنعةً تخفي المعاني؛ إنها مواضع تتجسد فيها المعاني، وتكتسب ملمسها ورائحتها وحرارتها.
ومن هنا يحسن الالتفات إلى أن عنوان القصة، «طقوس الشاي المقدسة»، لا يجمع مفردات متجاورة بقدر ما يعقد بينها توترًا منتجًا. فالشاي يَعِد بالمألوف، والطقوس تستدعي التكرار المنظّم، والمقدس يرفع هذا التكرار إلى مرتبةٍ لا تُقاس بنفعه وحده. كأن العنوان يسأل، قبل أن تبدأ الحكاية: متى يصبح ما نفعله كل يوم جديرًا بأن نحفظه من الابتذال؟ وليس الجواب، في الأفق الذي ترسمه القراءة، أن الحب يجمّل الحياة فحسب؛ بل إنه يمنح بعض أفعالها منزلةً لا تقبل التعويض. يمكن إعداد شايٍ آخر، لكن لا يمكن استعادة الجلسة نفسها؛ ويمكن ملء الكأس، لكن لا يمكن ملء المقعد الغائب ببديلٍ يمحو الغياب.
ص 1 يتبع
٥ س
رد
مشاركة
منى السيد حمود
طه عبد الرحمن حين لا يكون الغياب نقيض الحضور
ثمّة فكرة تستوقفني في هذه المحاورة النقدية: لعلّ قداسة التفاصيل لا تنبع من قدرتها على استعادة الراحلين، بل من عجزها الجميل عن محو أثرهم؛ فالأشياء تبقى كما هي، غير أنّ علاقتنا بها تتبدّل حين يغيب من منحها معناها.
وهنا يلوح لي سؤال آخر: هل نستعيد الغائبين من خلال الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ لعلّ الفنجان لا يحمل ذكرى الراحل وحده، بل يحمل أيضًا صورةً من ذواتنا، تلك التي كانت تجلس إلى جواره دون أن تعرف أنّ الأيام العادية التي نعيشها باطمئنان قد تصبح يومًا أثمن ما نملك.
من هنا، لا أرى الطقس مجرّد عادة تتكرّر، ولا الذاكرة مجرّد مخزنٍ للماضي؛ إنّهما مساحةٌ يتداخل فيها الزمنان: ما انقضى في الواقع، وما لا يزال حيًّا في الوجدان. وربما لهذا لا يعوّض امتلاء الفنجان فراغ المقعد؛ لأنّ ما نفتقده ليس الشخص وحده، بل المعنى الذي كان يتشكّل بحضوره، في تفاصيل لم نكن نعرف أنّها تصنع ذاكرتنا.
فهل الغياب هو ما يمنح التفاصيل قداستها، أم أنّه يكشف لنا القداسة التي كانت تسكنها منذ البداية، لكنّ اعتيادنا عليها حجبها عن أعيننا؟
لعلّ هذا السؤال هو المساحة التي تستحق أن نواصل منها التأويل؛ فبعض النصوص لا تنتهي عند المعنى الذي نكتشفه فيها، بل تبدأ حين نكتشف السؤال الذي لم ننتبه إليه من قبل.حين لا يكون الغياب نقيض الحضور
ثمّة فكرة تستوقفني في هذه المحاورة النقدية: لعلّ قداسة التفاصيل لا تنبع من قدرتها على استعادة الراحلين، بل من عجزها الجميل عن محو أثرهم؛ فالأشياء تبقى كما هي، غير أنّ علاقتنا بها تتبدّل حين يغيب من منحها معناها.
وهنا يلوح لي سؤال آخر: هل نستعيد الغائبين من خلال الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ لعلّ الفنجان لا يحمل ذكرى الراحل وحده، بل يحمل أيضًا صورةً من ذواتنا، تلك التي كانت تجلس إلى جواره دون أن تعرف أنّ الأيام العادية التي نعيشها باطمئنان قد تصبح يومًا أثمن ما نملك.
من هنا، لا أرى الطقس مجرّد عادة تتكرّر، ولا الذاكرة مجرّد مخزنٍ للماضي؛ إنّهما مساحةٌ يتداخل فيها الزمنان: ما انقضى في الواقع، وما لا يزال حيًّا في الوجدان. وربما لهذا لا يعوّض امتلاء الفنجان فراغ المقعد؛ لأنّ ما نفتقده ليس الشخص وحده، بل المعنى الذي كان يتشكّل بحضوره، في تفاصيل لم نكن نعرف أنّها تصنع ذاكرتنا.
فهل الغياب هو ما يمنح التفاصيل قداستها، أم أنّه يكشف لنا القداسة التي كانت تسكنها منذ البداية، لكنّ اعتيادنا عليها حجبها عن أعيننا؟
لعلّ هذا السؤال هو المساحة التي تستحق أن نواصل منها التأويل؛ فبعض النصوص لا تنتهي عند المعنى الذي نكتشفه فيها، بل تبدأ حين نكتشف السؤال الذي لم ننتبه إليه من قبل.
٣ س
رد
مشاركة
طه عبد الرحمن
منى السيد حمود ايتها الاستاذة منى السيد حمود
ما أرهف هذا التأمّل الذي لا يقف عند عتبة الفقد، بل يدخل إلى ما يتركه الفقد فينا من غرفٍ لم نكن نعرف أنها تسكننا. لقد منحتِ السؤال عمقًا يتجاوز استعادة الراحلين، إلى استعادة تلك النسخة من أرواحنا التي لم تكن تعرف، وهي تعيش قربهم، أنها تُؤلّف أجمل ما ستفتقده يومًا.
ولعلّ الغياب لا يكون نقيض الحضور حين يصبح الحضور أعمق من أن يُختَصر في وجود الجسد؛ فثمّة من يغادر المكان، ولا يغادر الطريقة التي نرى بها المكان. يبقى في التفاتةٍ تسبق وعينا، وفي كلمةٍ نستعير نبرتها منه، وفي فرحٍ نهمّ أن نخبره به، ثم نتذكّر أن الطريق إلى صوته لم يعد مفتوحًا كما كان. عندئذٍ لا يعود الغائب ذكرى نذهب إليها، بل يصبح شيئًا فينا يرافق ذهابنا إلى العالم.
أما سؤالكِ: هل نستعيدهم في الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ فأحسب أن جماله يكمن في أن الإجابتين لا تتنافيان؛ إذ لم يكن حضورهم خارجنا حتى نستعيده منفصلًا عنّا. نحن نشتاق إليهم، ونشتاق أيضًا إلى الطمأنينة التي كانت تجعلنا أقلّ حذرًا من الحياة؛ إلى حديثٍ لم نكن نزن كلماته، وإلى صمتٍ لم نكن نخشى أن يُساء فهمه. نفتقدهم، ونفتقد تلك القدرة على أن نكون أنفسنا دون أن نبذل جهدًا لشرحها.
لهذا يبدو الفنجان في قراءتكِ أبعد من كونه وعاءً للذكرى؛ إنه شاهدٌ على علاقةٍ كانت تمنح الأشياء بساطتها، ثم جعلها الفقد عصيّةً على الاحتمال. وليس موجعًا أن يبقى المقعد فارغًا فحسب، بل أن تبقى فينا حركةُ إفساح المكان لمن لن يجلس. فما أشدّ أن يعرف العقل حقيقة الرحيل، وتظلّ اليد تتصرّف على رجاء اللقاء.
وأميل، في امتداد سؤالكِ الأخير، إلى أن الغياب يكشف قداسة التفاصيل أكثر مما يصنعها. كانت المحبّة هناك منذ البداية، لكنها كانت ترتدي ثياب اليوم العادي: سؤالًا عن التعب، وفنجانًا يُقرَّب إلى اليد، وانتظارًا عند الباب. لم تكن قليلة القيمة؛ كنّا فقط نعيشها بثقة من يظنّ أن الغد سيعيدها. وحين انقطع تكرارها، أدركنا أن ما حسبناه عابرًا كان يحمل حياتنا في هدوء.
غير أنّ للفقد مفارقته القاسية: إنه يعلّمنا قراءة النعمة بعد أن يغيب بعض حروفها. ولعلّ الوفاء الأجمل للراحلين ألّا نحفظ آثارهم وحدها، بل أن نحمل ما كشفه رحيلهم إلى من لا يزالون معنا؛ أن نصغي قبل أن يصير الصوت ذكرى، وأن نقول المحبّة قبل أن تصبح الكلمات حديثًا طويلًا مع مقعدٍ فارغ.
لقد تركتِ لنا، أستاذتي، سؤالًا لا يطلب جوابًا ينهيه، بل بصيرةً تجعلنا نعود إلى حياتنا أكثر انتباهًا. وبعد هذا التأمّل، لا يعود السؤال: كيف نحفظ الذين غابوا في تفاصيلنا؟ بل يصبح أيضًا: كيف نمنح الذين يحضرون الآن حقّهم من القلب، قبل أن نكتشف، متأخّرين، أنهم كانوا معنى المكان، لا مجرّد عابرين فيه؟
٢ س
رد
مشاركة
منى السيد حمود
طه عبد الرحمن ما الذي يغيب فينا حين يغيب الآخر؟
ثمة وجهٌ آخر للفقد لا تلتقطه الذاكرة وحدها؛ فنحن لا نفتقد الذين رحلوا فحسب، بل نفتقد أحيانًا الإنسان الذي كنّاه في حضرتهم. غير أنّ السؤال الأعمق ليس: كيف يستمرّ الغائب فينا؟ بل: ماذا فعل حضوره بنا حتى أصبح جزءًا من تكويننا؟
لعلّ بعض العلاقات لا تمرّ في حياتنا كما تمرّ الأحداث؛ إنها تعيد تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا، وتمنحنا لغةً جديدة للشعور، ومساحةً آمنة نكون فيها على سجيتنا، من غير خوفٍ من سوء الفهم أو حاجةٍ إلى تبرير ما في أعماقنا. وحين يغيب أصحابها، لا يخلو المكان وحده؛ بل تنكشف المسافة بين ما كنّاه معهم وما أصبحنا عليه بعدهم.
وهنا تكمن مفارقة الفقد: أننا نبحث عن الغائب في الأشياء التي تركها، بينما قد يكون أعمق حضوره فيما تركه فينا. في طريقةٍ تغيّرت بها قلوبنا، وفي معنىً لم نكن نراه قبل أن نعرفه، وفي جزءٍ من أرواحنا لم يكن ليأخذ شكله لولا مروره في حياتنا.
لكن هل الوفاء أن نبقى أسرى الصورة التي جمعتنا بالراحلين، أم أن نحمل أثرهم إلى الحياة من دون أن نتجمّد عند لحظة رحيلهم؟
أميل إلى أن الأثر الحقيقي لا يطلب منّا أن نعيش داخل الغياب، بل أن نفهم ما كشفه لنا الحضور. فالذين أحببناهم بصدق لا يتركون فينا فراغًا فحسب؛ قد يتركون قدرةً أوسع على الحب، وبصيرةً أعمق في فهم الآخرين، ووعيًا بأن بعض العلاقات لا تنتهي تمامًا، لأنها تتحوّل من حضورٍ نراه إلى معنىً نعيشه.
وربما لا يكون السؤال الأخير: كيف نستعيد أنفسنا التي فقدناها برحيلهم؟ بل: كيف نصالح أنفسنا الجديدة مع ذلك الجزء القديم الذي ما زال يناديهم؟
فليس كل ما يبقى بعد الغياب ذكرى، وليس كل ما يتغيّر فينا خسارة؛ أحيانًا يكون الأثر هو الطريقة التي يواصل بها الحبّ تشكيلنا، حتى بعد أن يتوقّف اللقاء.
منى السيد حمود.سوريه
٢ س
رد
مشاركة




منى السيد حمود
حين تفقد الأشياءُ قدرتها على إعادتنا إلى أنفسنا
ثمة ما لم أتوقف عنده في قصة «طقوس الشاي المقدسة»؛ وهو أن الإنسان لا يترك ذكرياته في الأشياء فحسب، بل يترك فيها، دون أن يدري، صورةً من نفسه.
فالطاولة التي شهدت ألف مساء لا تحفظ تفاصيل اللقاء وحدها، بل تحفظ أيضًا إنسانًا كان يجلس إليها بقلب مختلف، يرى الغد بعينين، ويجد في أبسط الأشياء سببًا للطمأنينة.
وحين يرحل من نحب، لا تتغير الأشياء بالضرورة، ولا تفقد ملامحها؛ الذي يتغير هو قدرتنا على العبور من خلالها إلى المعنى الذي عرفناه يومًا. يبقى الفنجان فنجانًا، وتبقى الملعقة قادرة على الدوران، لكن الإنسان الذي كان يمنح هذه الحركة روحها لم يعد حاضرًا.
وهنا يلوح لي سؤال يتجاوز الحنين: هل نحزن لأن الذين نحبهم غابوا، أم لأن غيابهم يكشف لنا أننا كنا نعيش، من خلالهم، نسخةً من أنفسنا لم نكن نعرفها إلا بقربهم؟
لعل الفقد لا يأخذ منا شخصًا فقط؛ إنه يضعنا أمام ذواتنا بعد أن تُسحب منها المعاني التي ألفتها. فنعود إلى الأماكن ذاتها، ونلمس الأشياء ذاتها، لكننا نكتشف أن التشابه بين الأمس واليوم لا يعني أن شيئًا لم يتغير.
إن أعمق ما تفعله الذاكرة أنها لا تعيد إلينا الماضي كما كان، بل تجعلنا نرى المسافة بين من كنّا ومن أصبحنا. ولهذا، ليست كل عودة إلى التفاصيل عودةً إلى أصحابها؛ فقد نبلغ المكان نفسه، ولا نبلغ القلب الذي تركناه فيه.
وربما تكمن قسوة الغياب الحقيقية في هذه المفارقة: أن تبقى الحياة محتفظةً بأشيائها، بينما نحتاج نحن إلى أن نتعلم من جديد كيف نسكنها.
فليست كل الأشياء التي تبقى قادرةً على أن تعيد إلينا ما فقدناه؛ بعضها يكشف لنا، بصمت، مقدار ما تغيّر فينا.
٢ س
رد
مشاركة
طه عبد الرحمن
منى السيد حمود الاستاذة منى السيد حمود،
كأنكِ في هذا التأمّل قد أصغيتِ إلى الصمت الذي يأتي بعد ارتطام الملعقة بحافّة الفنجان؛ ذلك الصمت الذي لا تسكته حركةٌ مألوفة، لأن اليد تستطيع أن تعيد الطقس، ولا تستطيع أن تعيد الحياة التي كانت تجري فيه. لقد نقلتِ القراءة من سؤال: «أين الذين رحلوا؟» إلى سؤال أشدّ مساسًا بالروح: «أين نحن الذين كنّا في حضورهم؟».
وهنا تبلغ كلماتكِ موضعها الأعمق؛ فالذين نحبّهم لا يشغلون أماكن في حياتنا فحسب، بل يفتحون فينا أماكن لا نبلغها وحدنا. مع أحدهم نصير أكثر بساطة، ومع آخر أكثر شجاعة، وبقرب ثالث نطمئن إلى أن ضعفنا لن يُساء فهمه. فإذا غابوا، افتقدنا وجوههم، وافتقدنا معها تلك المساحات التي كانت تستيقظ فينا حين ينادون أسماءنا. كأن الاسم يبقى اسمنا، لكنّ نبرةً واحدةً كانت تمنحه بيتًا لم تعد تصل إليه.
ولذلك لا أرى سؤالكِ مفاضلةً بين الحزن عليهم والحزن على أنفسنا؛ فالمحبّة أعمق من أن تفصل بين طرفيها بهذه السهولة. نحن لا نحزن على ذواتنا بدلًا منهم، بل نحزن على الصلة التي كان كلٌّ منّا يجد فيها الآخر ويجد نفسه أيضًا. وما نفتقده ليس وجهًا يقابلنا وحسب، وإنما عالمٌ كان يتكوّن بين وجهين؛ عالمٌ لا يستطيع أحدهما، مهما أخلص للذكرى، أن يعيد بناءه وحده.
أما الأشياء، فما أقسى براءتها حين تبقى على حالها! الطاولة لا تعرف أن المساء فقد صوته، والملعقة لا تتردّد قبل أن تدور، والفنجان لا يعتذر عن قدرته على الامتلاء. وحدنا نقف أمام هذا الانتظام البسيط، مستغربين كيف يمكن لكلّ شيء أن يؤدي وظيفته، فيما المعنى الذي جمع الأشياء قد انكسر. ولعلّ هذا هو الوجع الذي التقطتِه بدقّة: أن يستمرّ المشهد، ولا تستمرّ قدرتنا على الانتماء إليه.
وأكاد أقرأ في قولكِ: «فقد نبلغ المكان نفسه، ولا نبلغ القلب الذي تركناه فيه» مأساة العودة كلّها؛ فنحن نعرف الطريق إلى البيت، وموضع الطاولة، وكيف يدخل الضوء من النافذة، لكننا لا نعرف الطريق إلى تلك الطمأنينة التي كانت تستقبلنا هناك. نصل إلى العنوان، ولا نصل إلى الوصول. وما أبعد المسافة حين لا تكون بين مكانين، بل بين قلبٍ كان يأمن الغد، وقلبٍ تعلّم أن الأشياء الجميلة ليست مضمونة البقاء.
غير أنّ نصّكِ يترك، في عبارة «نتعلّم من جديد كيف نسكنها»، منفذًا رفيقًا للحياة. فالتعلّم هنا لا يعني أن نستبدل الراحلين، ولا أن نُكره أنفسنا على الطمأنينة القديمة؛ ربما يعني أن نقبل بأننا لن نعود كما كنّا، وأن هذا لا يسلبنا حقّ أن نحيا بما أصبحنا عليه. أن نجلس إلى الطاولة دون أن نطالبها بإعادة الأمس، وأن نعدّ الشاي دون أن نجعل كلّ رشفة امتحانًا لقدرتنا على النسيان. للذكرى مكانها، وللحياة التي لم تنتهِ مكانها أيضًا؛ وليس الوفاء أن نحرم الثانية من أجل الأولى.
وهكذا تصبح الذاكرة في قراءتكِ أبعد من حراسة ما مضى؛ إنها مواجهةٌ رقيقةٌ ومؤلمةٌ مع ما تركه الماضي فينا. تكشف ما انطفأ، نعم، لكنها قد تكشف أيضًا ما انتقل إلينا: لفتةً تعلّمناها من الراحل، ورحمةً وسّع بها قلوبنا، وطريقةً في الإصغاء ما زلنا نهبها للآخرين. فلا يعود بقاؤه محصورًا في الأشياء التي لمسها، بل يمتدّ إلى ما صرنا نفعله لأنّه مرّ بحياتنا.
ما أجمل ما فتحتِه، أستاذتي، وما أشدّ صدقه: ليست كلّ عودةٍ استعادة، وليس كلّ بقاءٍ عزاءً. وربما لا تعيدنا الأشياء إلى أنفسنا القديمة، لكنها تمنحنا لحظةً نرى فيها أنفسنا الجديدة دون مواربة؛ فنحزن عليها، ونرفق بها، ونتعلّم ألّا نتركها وحيدةً هي الأخرى.
لعلّ الوفاء، في آخر الأمر، أن نُبقي لمن رحل موضعًا في القلب، من غير أن نجعل القلب كلّه مقعدًا فارغًا.
٢ س
رد
مشاركة


طه عبد الرحمن
كذلك فإن ثنائيات الحلاوة والمرارة، والدفء والبرودة، والحضور والغياب، لا تستنفد طاقتها حين تُعرض بوصفها مقابلاتٍ متوازنة. الأعمق هو تأمل ما يُفسد هذا التوازن ويعقّده: كيف يحمل الدفء المستعاد لسعة البرد الحاضر، وكيف يصبح مذاق الماضي الحلو مصدرًا لمرارة الآن، وكيف يحضر الغائب بقوةٍ لا يملكها بعض الحاضرين. ليست الذاكرة دائمًا نقيض الفقد؛ قد تكون هي الموضع الذي يتجدد فيه الفقد. وليست الذكرى شفاءً خالصًا؛ إنها تحفظ ما يؤلم، ويؤلمنا أنها تحفظه. هكذا لا يعود الكأس شاهدًا على ثنائيةٍ بسيطة، بل يصبح ملتقى تناقضاتٍ لا يُبطل أحدها الآخر: عزاءً وجرحًا، قربًا ومسافة، بقاءً وانقضاء.
وعند سؤال هوية المرأة الغائبة، تُحمد لقراءة الأستاذ بوطيب محافظتها على الفرق بين الإمكان والحقيقة، حين تعرض احتمال الحبيبة أو الأم دون حسم. لكن هذا الانفتاح لا يقتضي أن نفاضل بين الهويات من خارج الشواهد، ولا أن نجعل الإبهام فضيلةً تلقائية. السؤال الأجدى هو: ما الذي يفعله عدم التعيين في التجربة؟ فإن كان مقصودًا في القصة، فقد يفتح مجالًا لخبراتٍ متعددة من المحبة والفقد؛ وإن كانت القصة الكاملة تحمل قرائنَ لم ينقلها المقال، فإن الحكم يتغير بتغيّر المعرفة. وفي الحالتين، ينبغي ألّا نحمّل الصمت اعترافًا لم ينطق به، وألّا نجعل رغبة القارئ في المعنى بديلًا عن حق النص في تحديد مساره.
وثمة سؤال آخر لا يقل إنسانيةً عن سؤال الهوية: كيف تُرى الغائبة؟ هل نلتقي بها في فرادتها، أم لا نعرف منها إلا ما منحته للراوي؟ إن عبارة «أشرب وجودها» تضيء شدة الاحتياج إليها، لكنها تدعونا أيضًا إلى البحث عن وجودها خارج هذا الاحتياج: عن صوتها، واختيارها، وحركتها الخاصة في المشهد. وليس هذا اعتراضًا على حميمية التذكر، بل محاولةٌ لتعميقها؛ فالمحبة لا تبلغ تمام إنصافها حين تقول: كنتِ عالمي، وإنما حين تتذكر أن مَن صار عالمًا لنا كان له عالمٌ أيضًا. ولعل من أدق امتحانات الرثاء أن يحفظ للمفقود وجهه، لا أن يحوّله إلى صورةٍ جميلة لجرح مَن فقده.
وبالمثل، فإن الرحيل لا ينبغي أن يُختزل، من غير قرائن، في الموت؛ فقد تتعدد صور الغياب، وتختلف آثارها، ويظل المشترك بينها انقطاع المشاركة وتعذّر الاستعادة على صورتها الأولى. إن دقة النقد تبدأ من هذه الفروق الصغيرة، لأن الفراق الذي يبقى معه احتمال اللقاء ليس كالغياب الذي يُغلقه، والذاكرة التي تنتظر ليست كالذاكرة التي ترثي. وحين نُبقي التأويل على مقدار ما تسمح به الشواهد، لا نفقد اتساع المعنى، بل نمنع اتساعه من أن يصير تشويشًا.
من هنا تبدو قيمة هذا اللقاء بين الإبداع والنقد في قدرته على نقل الاحتفاء من الثناء إلى الإصغاء. فالكاتب، كما يقدمه المقال، يجعل التفصيل مستودعًا للتجربة؛ والدكتورة منى تلتقط خيوطه الوجدانية والرمزية؛ والأستاذ بوطيب يعيد تنظيم هذا الالتقاط ويقترح له امتدادًا فنيًّا. وما تضيفه المحاورة ليس حكمًا يعلو هذه الأصوات، بل أسئلةً تسير بينها: كيف ينتج النص أثره؟ أين يترك المعنى مفتوحًا؟ متى ينجح المجاز في حمل التجربة، ومتى يحتاج إلى صمتٍ يخفّف عنه عبء القول؟ فالنقد ليس مجلسَ تصفيق، ولا محكمةَ إدانة؛ إنه صحبةٌ دقيقة للكتابة، تحفظ لها شرف المحاولة وتمنحها شرف المساءلة.
تحيةٌ للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن على التجربة الإبداعية التي أضاءها هذا المقال، وللدكتورة منى السيد حمود على الحساسية التأويلية التي ينقلها عنها، وللأستاذ عبد الرحمن بوطيب على قراءةٍ جمعت محبة الأدب إلى الرغبة في توسيع النظر إليه. ولعل أجمل الوفاء لهم جميعًا ألّا نكتفي بما قالوا، بل أن ننطلق منه إلى ما يتيحه من أسئلة؛ فالنص الذي يحتمل الحوار أبقى من النص الذي يستنفده المديح.
وفي آخر هذا التأمل، لا يبقى الشاي مشروبًا ارتبط بذكرى، بل يصير اختبارًا لقدرتنا على احتمال أثرها: أن نرى الأشياء كما هي، وكما صارت بعد الذين أحببناهم؛ أن نلمس الكأس فلا نجد اليد، وأن نستعيد الصوت فلا نجد صاحبه، وأن نعرف أن بقاء الأثر لا يلغي الغياب، لكنه يمنع الغياب من أن يكون محوًا كاملًا. هناك تكمن قداسة التفاصيل: لا في أنها تعيد الراحلين، بل في أنها ترفض أن يمرّ رحيلهم بلا علامة. وهناك تتجلّى بلاغة الأدب: لا يردّ الزمن إلى الوراء، لكنه يمنح ما انقضى مستقبلًا في اللغة؛ لا يملأ المقعد الخالي، لكنه يحفظ للفراغ اسم مَن كان يجلس فيه. وما بين فنجانٍ برد، وذكرى لم تبرد، تظل الروح تتعلّم حقيقتها الأشد رهافة: أننا لا نحب الأشياء لذاتها دائمًا، بل لأن أحدًا مرّ بها، فترك فيها من حضوره ما جعل غيابه، بعد ذلك، مرئيًّا.
طه دخل الله عبد الرحمن
ص 3 انتهى
٥ س
رد
مشاركة
منى السيد حمود
بكل تقدير وامتنان، أتوجّه بالشكر إلى مجلة «رؤى»، وإلى الدكتور طه عبد الرحمن، على اختيارهما نقدي المتواضع، ومنحي هذه المساحة التي أعتز بها؛ فالثقة بالكلمة مسؤولية قبل أن تكون تكريمًا، والحوار الثقافي الحقيقي هو الذي يفتح أمام الفكر آفاقًا جديدة للتأمل.
كما أتوجّه بخالص التقدير إلى الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، المدير العام وراعي هذه السلسلة من اللقاءات الثقافية، على جهوده في احتضان الفكر والإبداع، وفتح مساحات للحوار النقدي الجاد، بما يتيح للأقلام أن تلتقي، وللرؤى أن تتعدد، وللثقافة أن تؤدي رسالتها في الارتقاء بالوعي الإنساني.
وأحيّي المبدع الدكتور طه عبد الرحمن، صاحب النص العميق، الذي يستحق القراءة المتأنية والوقوف عند أبعاده الفكرية والإنسانية؛ فالنصوص التي تحمل أسئلة حقيقية لا تنتهي دلالاتها عند حدود عباراتها، بل تترك للقارئ مجالًا ليضيف إليها من وعيه وتجربته.
ومن زاوية أخرى، أرى أن قيمة الكلمة لا تكمن في قدرتها على التعبير عن الفكرة فحسب، بل في قدرتها على إيقاظ المسؤولية في داخل الإنسان. فليس كل من امتلك المعرفة أحسن توظيفها، وليس كل من أحسن التعبير أدرك أثر ما يقول؛ إذ تكتمل قيمة الفكر حين يتحوّل إلى وعيٍ يحترم الإنسان، ويمنح الاختلاف مساحة للحوار، ويجعل من المعرفة جسرًا للتفاهم لا وسيلةً للتعالي.
ولعلّ أعمق ما يمكن أن تتركه الثقافة فينا هو أن تعلّمنا كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نناقش الفكرة دون أن ننتقص من صاحبها، وكيف نجعل من النقد بابًا للفهم، لا جدارًا يفصل بين العقول. فالنضج الثقافي لا يُقاس بكثرة ما نقول، بل بما نضيفه إلى وعي الآخرين، وبما نتركه في نفوسهم من احترامٍ ورغبةٍ في التفكير.
أؤمن أن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى لقبٍ يرفعها، بقدر ما تحتاج إلى معنى يثبتها وأثرٍ يشهد لها؛ فالألقاب قد تعرّف بأصحابها، أما الأثر فهو الذي يمنح حضورهم قيمته.
شكرًا لمجلة «رؤى»، وللدكتور طه عبد الرحمن، وللأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، على ما يبذلونه في خدمة الثقافة والفكر، وعلى هذا الفضاء الذي يمنح الكلمة فرصة للحضور، والنقد مجالًا للحوار، والاختلاف أفقًا للتكامل. مع خالص الاحترام والتقدير لكل من يجعل من الثقافة مساحةً للوعي، ومن النقد حوارًا يرتقي بالإنسان.
منى السيد حمود – سورية
٢ س
رد
مشاركة
طه عبد الرحمن
منى السيد حمود إلى الأستاذة منى السيد حمود… امتنانٌ لكلمةٍ جعلت من الفكر ضميرًا، ومن الحوار لقاءً
ثمة كلماتٌ تنتهي حين نفرغ من قراءتها، وأخرى تبدأ فينا بعد آخر سطرٍ منها؛ تترك في الوجدان ضوءًا، وفي العقل سؤالًا، وفي علاقتنا بالآخر فسحةً أرحب للفهم. وكلمتكم، أستاذتنا الفاضلة منى السيد حمود، من ذلك الكلام الذي لا يطلب الإعجاب بزخرفه، بل يستحق التقدير بصدق معناه؛ إذ حملت امتنانًا لا يتكلّف، وتواضعًا لا ينتقص من قيمة صاحبه، ووعيًا يجعل من الثقافة عهدًا أخلاقيًّا قبل أن يجعل منها حضورًا أدبيًّا.
لكم منا خالص الشكر وعميق الامتنان؛ لا على جميل إشادتكم بمجلة «رؤى» وبالدكتور طه عبد الرحمن فحسب، بل على ما أودعتم هذه الإشادة من رؤيةٍ تسمو بالتقدير عن حدود المجاملة، وتمنحه معنى المشاركة والمسؤولية. فقد جعلتم من مناسبة الشكر بابًا للتأمل في أمانة الكلمة، ومن الاعتزاز بالثقة تذكيرًا بما تستوجبه تلك الثقة من صدقٍ وتبصّرٍ واحترامٍ للإنسان.
وفي رحاب هذا الامتنان، نتوجّه كذلك بخالص التقدير إلى الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، مُعِدّ ومدير «أسابيع الرؤى الثقافية»؛ فله في هذا اللقاء الثقافي تحيةٌ تحفظ مقامه، وتستحضر قيمة الإعداد والإدارة في إتاحة المساحة التي تلتقي فيها النصوص بقرّائها، والإبداع بالنقد، والسؤال بالحوار. وإن تقدير الكلمة يكتمل بتقدير من يهيّئون لها مجال الحضور والتفاعل؛ إذ لا يزدهر اللقاء الثقافي بالنصوص وحدها، بل بالعناية التي تجمع أصحابها، وتفسح لتجاربهم سبيلًا إلى الإنصات المتبادل.
لقد قلتم: «فالثقة بالكلمة مسؤولية قبل أن تكون تكريمًا»، وفي هذه العبارة من عمق الوعي ما يستحق الوقوف عنده طويلًا. فالتكريم، في ضوء ما كتبتم، ليس نهاية الطريق، ولا مقعدًا نستريح إليه مطمئنين إلى ما أنجزنا؛ إنه دعوةٌ إلى مزيدٍ من الإخلاص، وإلى أن نسأل أنفسنا عمّا نضيفه، لا عمّا نحظى به. وما أكرم هذا الفهم حين يجعل الاعتزاز بالتقدير قرينًا للحرص على استحقاقه، ويصل فرحة الكاتب بالثقة بمسؤوليته تجاه من يقرأون له.
ومن أجمل ما حملته كلمتكم أنكم لم تجعلوا من القراءة وقوفًا أمام النص من خارجه، بل لقاءً حيًّا معه؛ لقاءً تتجاور فيه أسئلة الكاتب مع وعي القارئ وتجربته. ففي تحيتكم للنص العميق، وإشارتكم إلى ما تتيحه أسئلته من تأملٍ وإضافة، تجلّى فهمٌ للنقد بوصفه مشاركةً في الكشف عن المعنى، لا مسابقةً لإثبات التفوق على صاحبه. وهنا تكمن أناقة رؤيتكم: أن يقترب الناقد من النص بعينٍ يقظة وقلبٍ منصف، فلا يذوب فيه حتى يفقد استقلاله، ولا يتعالى عليه حتى يفقد القدرة على الإنصات.
ص 1 يتبع
٢ س
رد
مشاركة
منى السيد حمود
طه عبد الرحمن حين يكتشف النقد ما لم يقصده النص
الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن، والأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب،
لعلّ ما يستحق التأمل، وراء تعدّد القراءات وتباين التأويلات، هو هذا السؤال: هل يقول النصّ كلَّ ما يعرفه صاحبه، أم أن في الكلمات حياةً تتجاوز وعي كاتبها، فلا تنكشف بعض معانيها إلا حين يمرّ بها قارئٌ يحمل تجربةً مختلفة؟
قد يكتب المبدع نصّه من نافذة تجربته، ثم يأتي الناقد فيفتح فيه نوافذ لم يكن المبدع قد التفت إليها؛ لا لأن أحدهما أعمق من الآخر بالضرورة، بل لأن المعنى لا يعيش في الكلمات وحدها، وإنما يتشكّل أيضًا في المسافة بين ما أراده الكاتب، وما احتمله النص، وما أيقظه في وعي القارئ.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: قد يكون النصّ ملكًا لصاحبه لحظة الكتابة، لكنه يصبح، لحظة القراءة، مساحةً يلتقي فيها وعيان، وربما تتولّد فيها فكرة ثالثة لم يمتلكها أيٌّ منهما منفردًا.
لكن السؤال الأعمق يظلّ قائمًا: متى يكون التأويل كشفًا عن أعماق النص، ومتى يصبح إسقاطًا لأفكارنا عليه؟
أظنّ أن المسافة بين الأمرين هي الامتحان الحقيقي للناقد؛ أن يُنصت إلى النص حتى لا يظلمه، وأن يُنصت إلى وعيه حتى لا يخلط بين ما يقوله النصّ وما يرغب هو في أن يقوله.
فالنقد الذي يكتفي بشرح ما نعرفه لا يضيف كثيرًا، والنقد الذي يحمّل النصّ ما لا يحتمل يبتعد عنه؛ أما النقد الخلّاق، فهو الذي يجعلنا نعود إلى النصّ نفسه، لكن بعيونٍ لم نكن نملكها قبل القراءة.
وربما لا تكون عظمة النصّ في أن يمنحنا إجابةً نهائية، بل في أن يوقظ فينا سؤالًا لم نكن نعرف أننا بحاجةٍ إلى طرحه.
منى السيد حمود. سورية
٢ س
رد
مشاركة


طه عبد الرحمن
أما حديثكم عن المعرفة حين تصبح جسرًا للتفاهم لا وسيلةً للتعالي، فقد منح كلمتكم مركزها الإنساني الأصفى. إنها دعوةٌ لأن يظل الإنسان حاضرًا في قلب الفكرة، وألّا تنسينا براعة التعبير أثر ما نعبّر عنه. وفي هذا المعنى ترتقي الكتابة من مهارةٍ نُحسن أداءها إلى أمانةٍ نحرص على صونها؛ فلا يكون السؤال: هل قلنا كلامًا جميلًا؟ بل: هل كان جماله وفيًّا للحقيقة، رحيمًا بالإنسان، فاتحًا أمامه طريقًا إلى الفهم؟
ولقد لامست كلماتكم جوهر الحوار حين دعوتم إلى أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نناقش الفكرة دون أن ننتقص من صاحبها. ما أحوج كل لقاءٍ ثقافي إلى هذا الميزان؛ ميزانٍ لا يطلب من العقول أن تتشابه، وإنما يطلب منها أن تتعارف، ولا يلغي حق الاعتراض، بل يصونه من أن يتحوّل إلى تجريح. وبذلك يصبح الاحترام قوةً تضبط الاختلاف، لا مجاملةً تخفيه، ويغدو النقد بابًا يدخل منه المعنى إلى مزيدٍ من الوضوح، بدل أن يكون جدارًا ينقطع عنده التواصل.
وفي قولكم إن الكلمة الصادقة تحتاج إلى معنى يثبتها وأثرٍ يشهد لها أكثر مما تحتاج إلى لقبٍ يرفعها، وضعتم معيارًا رفيعًا لقيمة الحضور الثقافي. فاللقب يعرّف، لكن المعنى يقنع؛ والمكانة تلفت النظر، لكن الأثر يستبقي الاحترام. وقد جاءت كلمتكم نفسها وفيّةً لهذا المعيار؛ لم تتكئ على ادعاء، ولم تستدعِ مديحًا لنفسها، بل تركت لرؤيتها الهادئة وإنصافها ووضوح مقصدها أن تتحدث عنها.
أستاذتنا الكريمة منى السيد حمود، إن تواضعكم في وصف نقدكم لا يحجب ما تكشفه كلمتكم من عنايةٍ بالفكر، وحساسيةٍ تجاه الإنسان، وحرصٍ على أن يظل الاختلاف جديرًا بأخلاق الحوار. وليس أجمل ما في هذا التواضع أنه يخفض الصوت، بل أنه يفسح المجال للمعنى؛ فلا تزاحمه الذات، ولا تضيق به الرغبة في الظهور. ولهذا نقرأ امتنانكم فنشعر أن التقدير لم يمضِ في اتجاهٍ واحد، بل عاد إلى أصحابه محمّلًا بما هو أعمق: دعوةٍ إلى أن نكون أوفى للكلمة، وأكثر إنصافًا لمن نلتقي بهم في رحابها.
شكرًا لكم على كلمةٍ احترمت قارئها، فلم تكتفِ بأن تستميله، بل دعته إلى التفكير. وشكرًا على رؤيةٍ جعلت من النقد صحبةً واعية للنص، ومن المعرفة فرصةً للتقارب، ومن الاختلاف امتحانًا لنبلنا قبل أن يكون امتحانًا لحجتنا. وشكرًا على امتنانٍ لم يقف عند أسماء من قدّرتم جهودهم، بل اتّسع ليشمل كل من يمنح الثقافة بُعدها الإنساني، ويصون الحوار من قسوة التعالي وضيق الخصومة.
ولكم من التقدير ما يليق بصدق هذه الروح، ومن الاحترام ما يوازي نبل هذا المقصد. لقد شكرتم من منحوا كلمتكم مساحةً للحضور، ومن حق كلمتكم علينا أن نشكركم على ما منحته لتلك المساحة من معنى. فما أبهى اللقاء حين لا يتبادل فيه أصحابه عبارات الثناء وحدها، بل يتبادلون أسباب الثقة، ويتقاسمون أمانة الفكر، ويخرجون منه أوسع وعيًا وأصفى مودة. وفي هذا اللقاء تتكامل تحيتنا لكم مع تقديرنا لمجلة «رؤى»، وللدكتور طه عبد الرحمن، وللأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، مُعِدّ ومدير «أسابيع الرؤى الثقافية»؛ تقديرًا يصل بين قيمة الإبداع، ووعي القراءة، والعناية التي تتيح لهما أن يلتقيا.
دمتِ، أستاذة منى السيد حمود، وفيّةً للكلمة التي توقظ ولا تجرح، وللنقد الذي يكشف ولا ينتقص، وللثقافة التي تُقرّب الإنسان من الإنسان. ويبقى أجمل ما نقوله في شكركم أن كلمتكم لم تكتفِ بالحديث عن أدب الحوار؛ لقد مارسته، ولم تكتفِ بالدعوة إلى احترام الإنسان؛ لقد جعلته حاضرًا في نبرتها ومعناها. وتلك منزلةٌ لا يمنحها المديح، بل يشهد لها النص نفسه.
طه دخل الله عبد الرحمن
ص 2 انتهى
٢ س
رد
مشاركة


طه عبد الرحمن
ردي للأستاذة منى السيد حمود على قراءتها لطقوس الشاي المقدسة
حينَ يفيضُ الفنجانُ شكرًا لمن أضاءتْ سرَّه
يا سيّدتي، يا من غمستِ قلمَكِ في ماءِ الروحِ وكتبتِ عن «طقوسِ الشايِ المقدسةِ» قراءةً لا تُشبهُ القراءات، بل تُشبهُ أن تفتحي نوافذَ النصِّ كلَّها دفعةً واحدة، فيدخلُ الضوءُ من كلِّ جهة، وتصحو الحروفُ من سُباتِها، وتنهضُ المعاني من قبورِها، ويمتلئُ المكانُ بعطرِ الفهمِ الذي لا يُشترى، وبريقِ البصيرةِ التي لا تُعلَّم.
أيتها الأستاذةُ منى، لقد قرأتُ كلماتِكِ فخُيِّلَ إليَّ أنَّني لم أكتبِ النصَّ أنا، بل أنتِ من كتبتِه أوّلًا، ثمّ جئتُ أنا بعدكِ لأرصفَ الحروفَ على غيرِ هدى، فما أعمقَ أن تكتشفي أنَّ الشايَ لم يكن شايًا، بل كان ستارًا شفّافًا تُلقى خلفَه مرثيةُ حبٍّ لا تنتهي، وما أصدقَ أن تقولي إنَّ المرأةَ في النصِّ لا تبقى شخصيةً، بل تتحوّلُ إلى آثارٍ موزّعةٍ في الأشياء، فكأنَّكِ دخلتِ إلى مطبخِ الروحِ حيثُ تُطبَخُ الذكرياتُ على نارٍ هادئة، ورأيتِ ما لم يرَه غيرُك.
لقد أمسكتِ بالخيطِ الرفيعِ الذي يصلُ بينَ البخارِ والدعاء، وبينَ المعلّقةِ وعقاربِ الساعة، وبينَ السكرِ وحلاوةِ الماضي، وبينَ برودةِ الكأسِ وبرودةِ الغدِ الذي ماتَ قبلَ أن يولد، فصرتِ كمن يقلّبُ جمرَ النصِّ بأصابعَ من نور، فلا يحترقُ القلبُ إلا من فرطِ الجمال، ولا تدمعُ العينُ إلا من فرطِ الصدق.
وما أعمقَ تلكَ اللحظةَ التي وقفتِ فيها عندَ قولي: «لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها»، فجعلتِ منها مفتاحًا للفلسفةِ كلِّها، وكأنَّكِ قلبتِ الفنجانَ فانسكبتْ منهُ المعاني كلُّها، وفاضَ على الطاولةِ عمرٌ كاملٌ من الحبِّ والفقدِ والتأويل، فمن ذا الذي قالَ إنَّ الشايَ مشروبٌ بعدَ اليوم؟ لقد صارَ بفضلِكِ مرآةً للوجود، وصرنا بفضلِكِ نرى في قاعِه ما لم نكن نراه.
ولقد أدهشَني حدسُكِ حينَ لمستِ احتمالَ أن تكونَ «هي» أمًّا، فما أبعدَ هذا العمقَ وما ألطفَه، وما أجملَ أن يُتركَ البابُ مواربًا لتدخلَ منهُ كلُّ الذكريات، فالحبُّ الأولُ في هذهِ الحياةِ قد يكونُ وجهَ أمٍّ تنحني فوقَ كأسٍ لتسكبَ دفئًا لا يُضاهى، واليدُ التي تُمسكُ الإبريقَ قد تكونُ يدَ امرأةٍ أو يدَ أمٍّ أو يدَ وطن، والأثرُ الذي يبقى بعدَ الغيابِ قد يكونُ كلَّ هذا مجتمعًا، فالحنينُ لا يُفرّقُ بينَ من أحببنا، بل يجمعُهم في مجرى دمٍ واحدٍ يسري في شرايينِ الذاكرة.
يا سيّدتي، لقد كتبتِ عنّي أكثرَ مما كتبتُ عن نفسي، ورأيتِ في النصِّ ما لم أكن أراه، فكأنَّ النصَّ كان ليلًا، وأنتِ كنتِ قمرَه، وكأنَّ النصَّ كانَ صمتًا، وأنتِ كنتِ صداه، وكأنَّ النصَّ كانَ فنجانًا فارغًا، وأنتِ ملأتِه ببخارِ روحِكِ حتى فاض، فما أكرمَ القرّاءَ حينَ يكونونَ كالشمسِ لا تقرأُ الأرضَ بل تمنحُها الدفءَ حتى تُزهر.
إنَّ الكاتبَ يكتبُ ليُفهَم، لكنّه نادرًا ما يجدُ من يفهمُه كما فهمتِ، فكأنَّكِ جلستِ أمامي في مقهى قديم، وطلبتِ شايًا مثلَ شايي، وارتشفنا معًا الصمتَ والحكاية، ثمَّ نظرتِ إليَّ بعينينِ تعرفانِ السرَّ وقلتِ: أعرفُ لماذا كانَ الشايُ باردًا، أعرفُ لماذا كانتِ الملعقةُ تدور، أعرفُ لماذا كانَ البخارُ يتصاعدُ كدعاءٍ لا يصل، أعرفُ لماذا بقيتَ وحدَك ترفعُ الكأسَ إلى شفتيكَ ولا تذوقُ شيئًا... لأنَّكَ لم تكن تشربُ الشاي، بل كنتَ تشربُ الوجود، والوجودُ بعدَها صارَ عدمًا يرتدي ثوبَ بخار.
فيا أستاذةَ الحرفِ، ويا من حوّلتِ قراءتَها إلى نصٍّ موازٍ يضيءُ الأصلَ ويعلو عليه، لكِ منّي كلُّ الشكرِ معطّرًا بأوراقِ الشايِ التي سقطتْ في القاعِ وما ماتت، بل نامتْ لتشهدَ أنَّ الحبَّ لا يتبخّر، وأنَّ الحضورَ لا يغيب، وأنَّ الكأسَ إذا امتلأتْ بالمعنى صارتْ وطنًا، وإذا فرغتْ منهُ صارتْ قبرًا، وبينَ الوطنِ والقبرِ رشفةٌ واحدةٌ هيَ العمر.
دمتِ للكلمةِ روحًا وللحرفِ ألقًا وللقراءةِ ذوقًا لا يُضاهى، ودمتُ أنا مدينًا لكِ بفنجانٍ لا يبرد.
طه دخل الله عبد الرحمن
٥ س
رد
مشاركة
منى السيد حمود
طه عبد الرحمن حين يلتقي النصُّ ببصيرة قارئه
الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن،
ما أجمل أن يجد النصُّ في قارئه مرآةً لا تكتفي بعكس ملامحه، بل تنفذ إلى ما وراءها، فتُضيء زوايا ربما تركها الكاتب في عهدة الصمت، لتأتي القراءة وتمنحها صوتًا آخر.
أشكركم على هذا الردّ الذي تجاوز حدود الامتنان إلى حوارٍ أدبيّ تتلاقح فيه الرؤى، وتتّسع فيه المعاني. ولعلّ أجمل ما في الكتابة أن الكاتب، حين يهب نصّه للناس، لا يعود المعنى ملكًا له وحده؛ إذ تبدأ الكلمات حياةً أخرى في قلوب القرّاء، ويغدو لكلّ قلبٍ طريقته في اكتشاف ما تخبّئه الحروف.
لم أقرأ «طقوس الشاي المقدسة» بوصفها حكاية فنجان، بل بوصفها حكاية الإنسان حين يُخبّئ عمرًا كاملًا في تفصيلٍ صغير؛ فثمة أشياء نشربها بأيدينا، لكننا في الحقيقة نرتشف معها وجوهًا غابت، وأزمنةً لن تعود، ودفئًا ما زالت أرواحنا تبحث عنه في الأشياء. وربما لهذا بدا لي الشاي أبعد من مشروب؛ لقد كان ذاكرةً تتصاعد أبخرتها، كلما ظنّ القلب أنّه نجا من الحنين.
أما احتمال الأمومة الذي توقّفتُ عنده، فلم يكن محاولةً لفرض معنى على النصّ، بل إيمانًا بأنّ النصوص العميقة تترك أبوابها مواربةً أمام التأويل؛ فالأمّ قد تكون الوجه الأول للحبّ، وقد يكون الحبّ نفسه أمًّا لكلّ ذكرى لا ترضى أن تموت. وهنا تكمن روعة الأدب: أن يكتب أحدنا عن امرأة، فيرى فيها قارئٌ أمّه، ويرى آخر وطنه، ويجد ثالثٌ فيها حكاية قلبه.
ولعلّ أجمل ما بين الكاتب والقارئ أن يلتقيا عند المعنى، ثم يختلفا في اتّساعه؛ فالكاتب يضع بذرة الحكاية، والقارئ يمنحها من روحه ما يجعلها تُزهر في أرضٍ أخرى. وليس في ذلك أن تتقدّم القراءة على النصّ أو تعلو عليه، بل أن يضيء أحدهما الآخر، فيصبح الأدب لقاءً بين روحين، لا مسابقةً بين قلمَين.
شكرًا لكم، دكتور طه، لأنكم استقبلتم قراءتي بهذا النبل، ولأنكم جعلتم من ردّكم نصًّا يستحقّ أن يُقرأ بتأنٍّ. وأرجو أن تبقى بيننا هذه المساحة الجميلة التي تتّسع للكلمة الصادقة، وتحترم اختلاف التأويل، وتؤمن بأنّ المعنى كلّما لامس قلبًا جديدًا، اكتشف من الحياة وجهًا آخر.
فليس أجمل من كاتبٍ يُحسن الإصغاء إلى قرّائه، ولا من قارئٍ يردّ إلى النصّ بعضًا من روحه؛ وحين يحدث ذلك، لا يعود الفنجان مجرّد فنجان، بل يصبح مساحةً صغيرةً تتّسع لذاكرة الإنسان كلّها.
منى السيد حمود.سورية
٣ س
رد
مشاركة


طه عبد الرحمن
وهنا يتجاوز معنى الطقس مجرد العادة. فالعادة قد تقع من غير انتباه، أما الطقس، في هذا التأويل، فيحتفظ بانتباهٍ إلى العلاقة، ولو ظلّ ذلك الانتباه صامتًا. إنه صيغةٌ صغيرة لتجديد العهد: أن نحضر في الوقت نفسه، وأن نتقاسم ما يبدو بسيطًا، وأن نمنح الآخر مكانًا لا ينازعه فيه أحد. لذلك لا يكون انقطاع الطقس نقصان فعلٍ من جدول النهار، وإنما اختلالًا في هيئة النهار كله. يتوقف إعداد العالم على الصورة التي عرفناها؛ ويغدو السؤال الموجع ليس: أين مَن كانت تشرب معي؟ بل: مَن أكون حين لا يعود ثمة مَن أشرب معها؟
عند هذه العتبة تستوقفنا العبارة المركزية التي أوردها الأستاذ بوطيب: «لم أكن أشرب الشاي يومًا، بل كنت أشرب وجودها». إنها عبارة لا تبدّل مفعول الفعل وحده، بل تبدّل فهم التجربة بأكملها؛ فما ظنّه الراوي تناولًا كان اتصالًا، وما حسبه مذاقًا كان حضورًا. ومع ذلك، فإن أعمق ما فيها قد لا يكون إعلان الامتزاج بالمحبوبة، وإنما لحظة اكتشافه. فصيغة «لم أكن… بل كنت…» تحمل مراجعةً للوعي، وتصحيحًا لما اعتقده المتكلم عن ماضيه. كأن الذات لا تستعيد ما وقع فحسب، بل تعيد تسمية ما وقع؛ وكأن الفقد لم يسلبها المحبوبة وحدها، بل منحها معرفةً متأخرة بقيمة ما كان بين يديها.
وفي هذه المعرفة مفارقةٌ مريرة: أن يصبح الإنسان أوضح نظرًا حين يصبح أقل قدرة، وأن يدرك حقيقة ما عاشه بعد أن تنقضي إمكانات عيشه. ليس الحزن هنا انفعالًا لاحقًا بالحدث وحسب، بل قوةً تعيد تأويل الماضي؛ ترفع لحظةً عادية إلى مقام الاستثناء، وتكشف في الصمت كلامًا لم يُفهم، وفي المشاركة عهدًا لم يُقرأ. وهذا لا يعني أن الذاكرة تكذب، وإنما يعني أنها ليست مرآةً محايدة؛ فهي تتذكر من موضعٍ جديد، وتنتقي تحت ضغط الحاجة، وتعيد ترتيب الأمس على ضوء ما افتقده اليوم. ومن ثمّ يغدو من الأسئلة الخصبة: هل كانت قداسة التفاصيل معلومةً زمن الحضور، أم أن الغياب هو الذي أضاءها بهذا الجلال؟
بهذا السؤال يمكن محاورة عنوان الأستاذ بوطيب «من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب» محاورةَ استكمالٍ لا محاورةَ نقض. فالعنوان يرسم مسارًا من حالةٍ إلى أخرى، لكن المادة التي يعرضها تسمح بالنظر إلى حركةٍ أكثر التفافًا: قد يكون الغياب هو الذي يعيدنا إلى التفاصيل، وقد تكون المرثية هي التي تكشف قداستها. ليست العلاقة إذن طريقًا مستقيمًا يبدأ بالألفة وينتهي بالحزن، بل حركةً يعود فيها الحاضر المكسور إلى الماضي، فيستخرج منه ما لم يكن قد وعاه. يصير الدفء أكثر دفئًا لأنه مستعاد من البرد، ويغدو القرب أكثر قربًا لأنه يُرى من شرفة البعد. وهنا لا تتعاقب القداسة والمرثية فقط؛ بل تتجاوران في الصورة الواحدة، وتتقاسمان الكأس نفسه.
وتتبدّى حساسية قراءة الدكتورة منى السيد حمود، بحسب عرض الأستاذ بوطيب، في التقاطها هذا الحزن المتسرّب إلى مشاهد الألفة قبل التصريح بالرحيل. غير أن استكمال هذا الالتقاط يقتضي التمييز بين حزن التجربة وحزن روايتها. فقد تكون اللحظة الماضية سعيدةً في وقوعها، رثائيةً في استعادتها؛ وقد لا يسكن الأسى الفنجان الذي شُرب آنذاك، بل الصوت الذي يصفه الآن. عندئذ تصبح دراسة موقع الراوي من حكايته ضرورةً جمالية، لا إجراءً تقنيًّا زائدًا؛ لأننا لا نعرف معنى المشهد من عناصره وحدها، وإنما من المسافة التي يقف عندها مَن يرويه، ومن الزمن الذي ينظر منه إليه.
وهذه المسافة تفتح سؤالًا عن البناء: كيف ينتقل النص من المشهد إلى التأمل، ومن المحسوس إلى المجرد، ومن حركة اليد إلى حركة الوعي؟ إن المعنى لا يكفيه أن يكون عميقًا؛ عليه أن يبلغنا عبر تشكيلٍ يتيح لنا اختباره. ولذلك فإن تنبيه الأستاذ بوطيب إلى ضرورة مساءلة الراوي والإيقاع وكثافة المجاز جدير بأن يُمنح مساحةً أوسع. لا يكفي أن نقول إن برودة الشاي تمثل انطفاء المعنى؛ ينبغي أن نتأمل كيف حضرت هذه البرودة، وهل سبقتها حرارةٌ عشناها سرديًّا، وهل جاء التحول مباغتًا أم متدرجًا، وهل ترك النص للقارئ فسحة الاكتشاف أم تولّى شرح الصورة بعد رسمها. فليست البلاغة أن نقول عن الألم إنه عميق، بل أن نبني له هيئةً يشعر القارئ بعمقها.
وفي هذا السياق تستحق العبارة «كنت أشرب وجودها» أن تُقرأ بوصفها إنجازًا محتملًا وسؤالًا فنيًّا في آن. فقد تكون ذروةً تختصر ما تراكم من المشاهد، وقد تصبح، بحسب موضعها وما يحيط بها، تصريحًا يضيّق ما وسّعته الإيحاءات. ولا يحسم الاقتباس وحده ذلك. إنما الحاسم هو وظيفتها في النسيج: أتفتح بابًا جديدًا في الوعي، أم تضع لافتةً على بابٍ سبق أن دخلناه؟ إن النقد الذي يحتفي بالجملة من غير أن يمتحن ضرورتها يمنحها جمالًا معزولًا؛ أما النقد الذي ينظر في موقعها فيسأل عن جمالها العامل، عن قدرتها على تحريك البناء لا تزيينه فحسب.
ص 2 يتبع
٥ س
رد
مشاركة
منى السيد حمود
طه عبد الرحمن حين تفقد الأشياء لغتها
ليست مأساة الغياب أن يرحل الذين نحبهم فحسب، بل أن ترحل معهم لغةٌ كاملة لم يكن يفهمها سوانا.
ثمة تفاصيل تبدو عاديةً في أعين الآخرين، لكنها بين قلبين تتحوّل إلى معجمٍ خاص؛ فنجان شاي، وموعد يتكرّر، وصمت لا يحتاج إلى تفسير. ومع الزمن، لا تعود هذه الأشياء مجرد عادات، بل تصبح لغةً خفيّة تصنعها الألفة، ويمنحها الحب معناها.
وحين يغيب أحد القلبين، تبقى الأشياء في أماكنها؛ الفنجان هو الفنجان، والمكان هو المكان، والوقت يمضي كأن شيئًا لم يحدث. لكن شيئًا جوهريًا يكون قد انكسر: المعنى الذي لم يكن في الأشياء ذاتها، بل في المسافة الحيّة التي كانت تجمع روحين من خلالها.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل نقدّس التفاصيل لأنها جميلة في ذاتها، أم لأن الذين شاركونا إياها منحونا لغةً لا نستطيع تعلّمها من جديد مع أحد آخر؟
لعلّ أعمق ما يفعله الغياب أنه لا يسلبنا الأشخاص وحدهم، بل يكشف لنا أن بعض المعاني لا تسكن الأشياء، وإنما تولد بيننا وبين من نحب. وحين تنقطع تلك الصلة، تبقى الأشياء شاهدةً على لغةٍ كانت حيّة، ولم يعد في وسع أحد أن يتحدّث بها كما كان.
فبعض الغياب لا يُفرغ المكان من أصحابه، بل يُبقي المكان كما هو، وينزع عنه المعنى الذي كان يجعله وطنًا.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...
- دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك... ...
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة ...
- قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون ...
- الأثر
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...
- قراءة لحكاية - من حيث توقفنا – للكاتبة الأستاذة عاتكة الياسر ...
- قراءة للقصة القصيرة – العدو – للقاصة الأستاذة الهام عيسى 6-9 ...


المزيد.....




- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤى الثقافية ] == اليوم السادس منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السادسة: السبت 10 أكتوبر 2026