|
|
قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدتها. أمّاهُ… حين ينكسر الوطن في القلب ويصير الحنين صلاةً.
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 08:12
المحور:
الادب والفن
قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدتها. أمّاهُ… حين ينكسر الوطن في القلب ويصير الحنين صلاةً. للأمّ في الروح مقامٌ لا تبلغه الأسماء، وفي القلب سلطانٌ لا تنقضه الأيام؛ هي مبتدأ الحنان حين يتلعثم اللسان، ومنتهى الأمان حين يتجهّم الزمان. ليست وجهًا نراه فحسب، بل عينًا نتعلّم بها رؤية الدنيا؛ وليست يدًا تمسك أيدينا فحسب، بل طمأنينةً تسري في أصابعنا كلّما أوشك الخوف أن ينتزع منّا يقين الخطوة. عندها يخلع المتعب أثقاله، ويستردّ المكسور أجزاءه، ويجد الصامت من يفهم سكوته قبل أن يسأله عن صوته. وما البيت إلا جدرانٌ حتى تملأه بحضورها، وما العمر إلا أيامٌ حتى تؤنسه بنورها؛ فإذا رحلت، بقيت الأشياء على أسمائها، ولكنّها فقدت سرّها: الباب بابٌ، ولا استقبال؛ والمقعد مقعدٌ، ولا إقبال؛ والطريق طريقٌ، غير أنّ آخره لم يعد ذلك الحضن الذي كان يردّ عن القلب وحشة الطريق. ولعلّ أقسى ما في موت الأمّ أنّه لا يأخذ منّا حبيبةً وحسب، بل يأخذ الشاهدة الأولى على وجودنا، والحارسة الأمينة لضعفنا، والقلب الذي عرفنا قبل أن نعرف أنفسنا. نمضي بعد رحيلها بين الناس بأعمارنا، ونعود إلى ذكراها بأعمارٍ صغيرة؛ نُحسن الكلام في المجالس، ثم تعجز ألسنتنا أمام اسمها؛ نتماسك حين يسألنا الآخرون، وننهار حين تسألنا الذاكرة. فلا يكون الحزن عليها بكاءً على ما انقضى وحده، بل حيرةً فيما بقي: كيف تستقيم الحياة وقد غاب مَن كان يمنحها معناها؟ وكيف يألف القلب نهاره وقد أُطفئ المصباح الذي كان يضيء له عتمته؟ من هذه الحيرة تنهض قصيدة الدكتورة سلوى الفيلالي، ومن هذا الصدع يخرج نداؤها: «أمّاهُ… مَن للروحِ بعدكِ يجبرُ؟». إنها لا تضع الفقد موضوعًا أمامها، بل تضع قلبها بين يدي اللغة؛ فلا تقرأ القصيدة بوصفها خبرًا عن رحيل الأمّ، وإنما بوصفها أثرًا لذلك الرحيل في الابنة. وفي سؤالها الأوّل دقّةٌ وجدانيةٌ لافتة: لم تسأل عمّن يجفّف الدمع، ولا عمّن يهوّن اليوم، وإنما سألت عمّن يجبر الروح؛ وكأنّ المصاب جاوز ظاهر البكاء إلى باطن الوجود، وكأنّ الحزن لم يطرق نافذة القلب، بل هدم فيه جدارًا كان يستند إليه. وتجيء نقاط الحذف بعد «أمّاه» فسحةً لما لا تستطيعه العبارة؛ هناك، بين النداء والسؤال، تقف غصّةٌ لا تُكتب، وزفرةٌ لا تُرى. إنّها سكتةٌ صغيرة في رسمها، فادحةٌ في معناها؛ كأنّ الشاعرة نادت، ثم انتظرت، ثم تذكّرت أنّ الصوت الذي كان يجيبها صار بعيدًا عن سمعها، قريبًا من جرحها. وما تكرار «أمّاه» في النصّ إلا عودةٌ إلى بابٍ لا يكفّ القلب عن طرقه؛ كلّما أخذتها الصور إلى تفصيلٍ من تفاصيل الفقد ردّها النداء إلى أصله، وكلّما استطال الكلام اختصرته الكلمة التي تتّسع، وحدها، لكلّ ما عجز الكلام عن احتوائه. في قولها: «يا وجعًا يسيلُ بخاطري / يا دمعةً في مقلتيَّ تُسافِرُ»، تمنح الشاعرة حزنها جسدًا وحركةً؛ فالوجع يسيل، والدمعة تسافر، والفقد لا يقيم في موضعٍ واحد من النفس. يمرّ بالخاطر فيبلّله، ويعبر العين فيثقلها، وينفذ إلى الضلوع فيشعلها. وتلك الدمعة المسافرة لا تبدو قطرةً تنتهي عند الخدّ، بل رسولَ حنينٍ يمضي إلى وجهٍ غائب، ولا يعود بجواب. ثم تأتي المكابرة في «والقلبُ بعدكِ في الحياةِ يُكابِرُ» لتكشف ما وراء التماسك: حياةٌ تستمرّ في ظاهرها، وقلبٌ يتعثّر في باطنها؛ فالناس يرون المشي، ولا يرون ما يحمله الماشي، ويرون الصبر، ولا يسمعون ما يضجّ تحته من كسر. وما أبلغ انتقالها من «قد كنتِ لي أمًّا، وكنتِ صديقتي» إلى «قد كنتِ لي وطنًا ألوذُ بظلِّهِ»؛ إذ لا تكتفي بأن تسمّي صلة الدم، بل تستعيد صلة البوح وصلـة الاحتماء. الأمّ هنا أمٌّ حين ترعى، وصديقةٌ حين تصغي، ووطنٌ حين تضيق الجهات. وباجتماع هذه المعاني يتّضح اتّساع الخسارة: فقدت الابنة مَن تحبّ، ومَن تحكي لها، ومَن تعود إليها؛ فقدت الحضن والمجلس والملاذ. ومن جمال صورة الوطن أنّها لا تقوم على اتّساع الأرض، بل على رحابة القلب؛ فالوطن في هذه المرثيّة ليس مكانًا تحدّه الجهات، وإنما حضورٌ يردّ عن النفس شتاتها، ويجعلها، مهما ابتعدت، قادرةً على العودة إلى نفسها. ويعمّق هذا المعنى تقابلُ تجبّر الزمان وأمان الأمّ؛ هناك عالمٌ يقسو، وهنا قلبٌ يحنو؛ هناك ما يُستصعب، وهنا يدان يهون بهما المستصعب. ليست الأمّ في النصّ قادرةً على محو مشقّات الحياة، ولكنّها قادرةٌ على تغيير وقعها في النفس. وهذه منزلةٌ أدقّ من صورة الحماية المطلقة: إنّها لا تمنع الريح، بل تمنح الابنة مأوى؛ لا تلغي الجرح، بل تجعل احتماله ممكنًا. وحين يغيب هذا المأوى، تبقى الريح كما كانت، لكنّ القلب يصبح أكثر انكشافًا لها. ثمّ تتوالى الأسئلة: أين الصوت؟ أين الوجه؟ مَن يسمع الخواطر؟ مَن يشعر بالنبض؟ مَن يقرأ الصمت؟ وفي تتابعها يتكشّف الفقد لا بوصفه لحظةً واحدة، بل بوصفه فراغاتٍ تتجدّد في تفاصيل العيش. فالصوت الغائب يُفتقد عند العودة من التعب، والوجه الغائب يُفتقد عند الحاجة إلى النور، والقلب الغائب يُفتقد حين تضيق النفس بما لا تستطيع قوله. ولهذا يبدو سؤالها عمّن يقرأ «صمتيَ المتوجّع» من أعمق مواضع القصيدة؛ فالكلام قد يجد سامعًا، أمّا الصمت فلا يجد قارئه بسهولة. كانت الأمّ تعرف الوجع قبل شكواه، وتلمح الغصّة قبل نجواه؛ ومن هنا يصبح رحيلها فقدًا للحنان وفقدًا للفهم، ووحشةً في الشعور ووحشةً في التعبير. وفي صورة «طفلٌ تفرَّقَ في الدروبِ ويُقهَرُ» تنكشف الذات من وراء ما يكسوها في الحياة من صلابة. ليست الطفولة هنا عمرًا مضى، بل حاجةً عادت؛ وليست صورة الطفل تقليلًا من قوّة الشاعرة، بل بيانًا لموضع ضعفها الأشدّ إنسانية. أمام غياب الأمّ لا تنفع الألقاب، ولا تقوم المعارف مقام الحضن، ولا تُغني القدرة على تدبير الحياة عن الحاجة إلى مَن يهوّنها. واللافت أنّها تقول «تفرّق» لا «تاه» فحسب؛ فكأنّ الدروب لم تُضع وجهته وحدها، بل أخذ كلّ دربٍ منه جزءًا، حتى صار محتاجًا إلى ما يجمعه قبل أن يكون محتاجًا إلى ما يدلّه. وهنا يعود سؤال جبر الروح، وقد صار له في الصورة وجهٌ وملامح. وتتجاور في فضاء القصيدة الجراح والغصّة والنار؛ فيغدو الجسد موضعًا تظهر فيه أحوال النفس: الصدر يحمل الفراق، والمهجة تؤوي الغصّة، والضلوع تشتعل بالشوق. وفي عبارة «فراقكِ الغافي على صدري» مفارقةٌ موجعة؛ فالفراق غافٍ، لكنّ أثره لا ينام، وهو ساكنٌ في صورته، مستيقظٌ في وطأته. كأنّه ألقى ثقله واستراح، وترك القلب يسهر تحته. وهذه الصورة أقدر على بيان ملازمة الحزن من الصخب المباشر؛ إذ تجعل الفاجعة حضورًا صامتًا، لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يستولي على المكان. ثمّ تفتح «لو» باب الحسرة: «لو كنتُ أدري أنَّ آخرَ موعدٍ / سيكونُ آخرَ نظرةٍ، لا أُغادِرُ». هنا يحاكم الحاضرُ الماضيَ بمعرفةٍ لم تكن في حوزته؛ فاللقاء الذي بدا قابلًا للتكرار صار، بعد الرحيل، لقاءً لا يتكرّر. وتلك هي مرارة الوداع الذي لم يعرف أنه وداع: تبقى فيه كلماتٌ لم تُقل، ولمساتٌ لم تطل، ودقائقُ نحسبها قليلةً حين نعيشها، ثم نراها عمرًا حين نفقد إمكان استعادتها. لا تطلب الشاعرة في هذا الموضع أمرًا خارقًا، بل تريد أن تزيد الجلسة قليلًا، وأن تستبقي دفء اليدين طويلًا؛ فتبلغ الحسرة أثرها من بساطة ما تتمنّاه، لا من غرابته. وليس في هذا التمنّي ما يثبت تقصيرًا، بل ما يكشف اتّساع المحبّة؛ فالقلب، حين يُفجع، يرى أنّ كلّ قربٍ كان يحتمل قربًا أكثر، وأنّ كلّ حديثٍ كان يستحقّ حديثًا أطول. وما «لو» هنا إلا محاولةٌ لغويةٌ لفتح بابٍ أغلقه الزمن؛ تدخل منه المخيّلة، ولا يدخل منه الواقع. ولذلك يأتي الاستدراك: «لكنَّ أمرَ اللهِ نافذُ حكمِهِ»، ليضع أمام الحسرة حدّها، وأمام الروح وجهتها. لا تُسكت الشاعرة حزنها بهذا القول، بل تبحث له عن مستند؛ ولا تنفي ألم الفراق، بل تردّه إلى أفقٍ من التسليم والرجاء. وعند الدعاء تتبدّل حركة النصّ وصوره؛ بعدما كانت اللغة تسأل عمّن يسند الابنة، أصبحت تسأل الرحمة للأمّ. تنتقل من وجع الباقية إلى رجاءٍ للراحلة، ومن نار الضلوع إلى نور الضريح، ومن الغصّة إلى الروض، ومن اضطراب الأرض إلى أمل الجنان. وفي تكرار «واجعل» إلحاحُ محبّةٍ لا تملك أن تستردّ مَن فقدت، لكنها تملك أن ترفع اسمها في الدعاء. تلك نقلةٌ مؤثّرة في بناء المرثيّة: يتحوّل الحبّ من حاجةٍ إلى العطاء، ومن طلب الطمأنينة للنفس إلى طلب الرحمة للأمّ، من غير أن يفقد شيئًا من حنينه. وفي ميزان الصنعة، تستمدّ القصيدة أثرها من مباشرة البوح، وتكرار النداء، وتوالي السؤال، وغلبة النهايات الرائيّة التي تصل مقاطع الحزن برباطٍ مسموع. وهي أقوى حين تستند إلى تفصيلٍ محسوس، كالصوت عند العودة ودفء اليدين، وحين تقيم صلةً دقيقة بين الصورة والتجربة، كالأمّ الوطن والابنة الطفل المتفرّق. أمّا بعض مواضعها فتقبل مزيدًا من الصقل؛ فتكرار «مقامَ مقامِها» لا يضيف إلى الدعاء بقدر ما يثقّل عبارته، وتوزيع كلمة «المخفيّ» بين السطرين يعترض انسياب القراءة، كما أنّ عبارة «جراحٌ لا تهونُ وتُجبَرُ» تحتاج إلى حسمٍ أوضح لعلاقة النفي بالجبر. وهذه ملاحظاتٌ على تشكّل القول، لا على صدق الشعور؛ فالصدق أصل الأثر، والصقل إحكام مجراه، وليس من الوفاء للتجربة أن نخلط بينهما. ثمّ تبلغ المرثيّة ختامها في مقابلةٍ تُبقي للحبّ ما أخذه الموت من الرؤية: «إنْ غابتْ عيونُكِ عن عيوني / فمحبَّتي لكِ في الفؤادِ تُعمَّرُ». العين فقدت لقاءها، ولم يفقد القلب ولاءه؛ الجسد غاب عن المجالسة، ولم تغب الأمّ عن المؤانسة الداخلية. ولهذا لا تكون الخاتمة إعلان نسيانٍ ولا ادّعاء شفاء، بل عهدَ تذكّرٍ ودعاء، ورجاءَ لقاءٍ بفضل الله. لقد بدأت القصيدة بروحٍ تسأل عمّن يجبرها، وانتهت بروحٍ تعرف ما تستطيع أن تحفظه: محبّةً لا تتنصّل من حزنها، وذكرى لا تنفصل عن دعائها. يا دكتورة سلوى الفيلالي، لقد جعلتِ من نداء الأمّ بابًا إلى ما وراء الكلام؛ وكلّما قرأنا سؤالًا من أسئلتكِ رأينا كيف يكون للغياب هذا الحضور، وللصمت هذا الصوت. رحم الله والدتكِ رحمةً تفيض عليها نورًا وسلامًا، وأكرم نزلها، ووسّع مدخلها، وربط على قلبكِ وقلوب أهلها بالصبر والسكينة. ولتكن هذه المرثيّة وفاءً يتجدّد، لا وجعًا يتجمّد؛ تحفظ من الأمّ صوتها في الذاكرة، وحنانها في السيرة، واسمها في الدعاء. فإنّ الذي تنتهي إليه قصيدتكِ ليس أن الحزن قليل، بل أن المحبّة أوسع؛ وليس أن الغياب هيّن، بل أن الوفاء لا يغيب. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 14/10/2026 ********************** القصيدة: أمّاهُ أمّاهُ… مَن للروحِ بعدكِ يجبرُ؟ أمّاهُ، يا وجعًا يسيلُ بخاطري يا دمعةً في مقلتيَّ تُسافِرُ أمّاهُ، كيفَ مضيتِ دونَ تهيُّؤٍ؟ والقلبُ بعدكِ في الحياةِ يُكابِرُ ما كنتُ أحسبُ أنَّ يومًا عابرًا يُفضي إلى فقدٍ بهِ أتحيَّرُ قد كنتِ لي أمًّا، وكنتِ صديقتي وبكِ الأمانُ إذا الزمانُ تجبَّرُ قد كنتِ لي وطنًا ألوذُ بظلِّهِ وعلى يديكِ يهونُ ما أستصعِرُ أمّاهُ، أينَ الصوتُ حينَ أعودُ من تعبِ الحياةِ، وأينَ وجهٌ يُنيرُ؟ مَن ذا سأحكي لهُ وجيعَ خواطري ومَنِ التي لنبضِ قلبي تشعُرُ؟ مَن ذا سيقرأُ صمتيَ المتوجِّعَ الـ مخفيَّ، حينَ لسانيَ لا يتكلَّمُ؟ قد كنتِ تعرفُ ما بنفسيَ قبلَ أنْ أشكو، وكانَ حنانُكِ المتكثِّرُ واليومَ أرجعُ، لا أراكِ، كأنَّني طفلٌ تفرَّقَ في الدروبِ ويُقهَرُ أمّاهُ، إنَّ فراقَكِ الغافي على صدري جراحٌ لا تهونُ وتُجبَرُ والغصَّةُ السوداءُ تسكنُ مهجتي والشوقُ نارٌ في الضلوعِ تُسعَّرُ لو كنتُ أدري أنَّ آخرَ موعدٍ سيكونُ آخرَ نظرةٍ، لا أُغادِرُ لأطلتُ عندكِ جلستي، ولضمَّني دفءُ اليدينِ، وللفراقِ أُحاذِرُ ولقلتُ: يا أمّاهُ، أنتِ حياتُنا وبغيرِ قربكِ كلُّ شيءٍ يَفْتُرُ لكنَّ أمرَ اللهِ نافذُ حكمِهِ والعبدُ في دربِ القضاءِ يُصبِّرُ يا ربِّ، فارحمْ أمَّ قلبٍ موجَعٍ واجعلْ لها دارَ النعيمِ تُنوَّرُ واجعلْ ضريحَ الأمِّ روضًا ناعمًا بالنورِ، حيثُ الطيبُ فيهِ يُعطَّرُ واغفرْ لها، وارفعْ مقامَ مقامِها واجعلْ جنانَ الخلدِ فيها تُزهِرُ أمّاهُ، إنْ غابتْ عيونُكِ عن عيوني فمحبَّتي لكِ في الفؤادِ تُعمَّرُ سأظلُّ أذكركِ الدعاءَ، وكلَّما ناديتُ ربّي، فالحنينُ يُكرَّرُ حتى إذا حانَ اللقاءُ بفضلهِ في جنةِ الفردوسِ، لا نتكدَّرُ سلوى الفيلالي Hector Polizzi Excellent. Congratulations to all Excellencys, my brothers. سماح ياقوت درويش «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهَا وَارْحَمْهَا، وَعَافِهَا وَاعْفُ عَنْهَا، وَأَكْرِمْ نُزُلَهَا، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.» قِراءَةٌ فِي القِرَاءَةِ.. وَوَفَاءٌ يَمْتَدُّ بِحَجْمِ الفَقْدِ بقلم: د. سماح ياقوت فهمي درويش أقفُ أمامَ هذه القراءةِ الوجدانيّةِ الرّفيعةِ التي أهدانا إيّاها الأديبُ القدير طه دخل الله عبد الرحمن، فلا أجدُ في العبارةِ ما يتّسعُ لحجمِ الشّعور، ولا في اللّغةِ ما يُوفّي هَذَا البَوْحَ الصّادِقَ حقّه. لقد أخذتَنا يا أستاذنا الجليل في رحلةٍ بينَ طيّاتِ مَرْثِيّةِ الصّديقةِ والأختِ العزيزة الدكتورة سلوى الفيلالي، فلم تكتَفِ بقراءةِ الحُرُوفِ، بَلْ قَرَأْتَ الجِرَاحَ، وَغُصْتَ فِي بَاطِنِ الرُّوحِ الَّتِي أَنْهَكَهَا الغِيَابُ. إنّ موتَ الأمّ ليسَ حَدَثًا يَمُرُّ فِي التّاريخِ الشّخصيّ لِلإنسانِ ثُمَّ يُطْوَى، بَلْ هُوَ زَلْزَالٌ يُعيدُ تَشْكِيلَ الوُجُودِ كُلّهِ؛ فَمَا فِي القَلْبِ مِنْ أَلَمٍ بَعْدَ رَحِيلِهَا أَلَمٌ يَدُومُ، لا تَمْحُوهُ الأَيَّامُ وَلا تُسَلّيهِ اللَّيَالِي، وَإِنَّمَا نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نَعِيشُ بِهِ، وَكَيْفَ نَجْعَلُ مِنْ ذِكْرَاهَا صَلاَةً حَايَّةً فِي دَواخِلِنَا. لقد بَرَعْتَ فِي تِفْكِيكِ أَبْعَادِ هَذَا الفَقْدِ العَظِيمِ؛ حِينَمَا أَبْرَزْتَ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ «الوَطَنُ» إِلى غُصَّةٍ، وَكَيْفَ يُصْبِحُ الحَنِينُ مأوًى أخيرًا. وَأَجَدْتَ حِينَمَا وَقَفْتَ عِنْدَ تِلْكَ النَّقْلَةِ البَلِيغَةِ فِي المرثيّةِ، حَيْثُ يَرْتَقِي الوَجَعُ مِنْ عَتَبِ الحِرَةِ إلى رَحَابَةِ الدُّعَاءِ، وَمِنْ اسْتِعَارِ الشَّوْقِ فِي الضُّلُوعِ إِلَى سَكِينَةِ الرَّجَاءِ فِي رَحْمَةِ اللهِ. عَظَّمَ اللهُ أَجْرَكِ يَا دُكْتُورَة سلوى، وَرَحِمَ اللهُ وَالِدَتَكِ، وَجَزَاكَ اللهُ خَيْرًا أُسْتَاذ طه عَلَى هَذَا البَيَانِ الأَدَبِيّ الرّاقِي الَّذِي جَسَّدَ المَشَاعِرَ بِأَمانَةٍ وَرِقَّةٍ. مايكل حمدان أيها العبقري لم تترك لنا ثغرة للحديث عن الأم ودور وجودها في في حياتنا ...! والقصيدة رائع في كل تفاصيلها ... أظهرت عبقريتك كالمعتاد من خلال قراءتك . الرحمة والسلام لجميع الأمهات الموجودات منهن والمنتقلات إلى جوار ربهن . الخادم : مايكل حمدان Souad Chahid رحمها الله واسكنها فسيح جناته Souad Chahid ليتنا كنا نعلم متى ستكون آخر نظرة أو آخر حديث أو آخر حضن Souad Chahid غصة في القلب نحمله من سياط لو و لو و ياريت Souad Chahid تحليل جد راقي و عميق لقصيدة جد قيمة و حزينة Fatema Matuok ياألله ... ماأقسى الفقدان وماأصعب فراق الأم ! مرثية الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدتها رحمها الله أججت في شراييننا وأرواحنا مشاعر فقدي لأمي ولكل أمهاتنا اللاتي سبقونا الدكتورة سلوى رسمت بريشة حبها وآلامها ودعائها تلك الصور المرسومة على صفحات قلوبنا والموشومة في حجراته ثم أتت دراستك الأدبية وقراءتك العميقة د. طه عبد الرحمن لتغمر مشاعرنا وربما تفوق بجمالياتها وتوسعاتها تلك القصيدة الراقية لقد أسرتم مشاعرنا وقيدتم احساسنا وأحييتم لحظات الفراق في قلوبنا لنزداد أمام مقامهم طفولة، ونُعظم لها دعاءنا بأن يتغمدها الله بواسع رحمته ويحسن ضيافتها ويكرم نزلها ويرفع مقامها للفردوس الأعلى من الجنة. ايمن الهريدى أنا دستور الهدايه الكبرى وأيمن فتحي عبد الحكيم الهريدي تأتي هذه القراءة الأدبية الواعية والعميقة التي خطّها الكاتب طه دخل الله عبد الرحمن لتغوص في أبعاد الوجع الإنساني والبوح الوجداني العالي الذي تجلّى في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي، لتؤسس لملحمة شعورية متكاملة تتخطى حدود الفقد الشخصي إلى آفاق الإنسانية المعذبة والمؤمنة في آن واحد. إن تفكيك هذا النصّ الجميل يكشف عن بنية دلالية محكمة تتوزع على عدة مستويات كبرى تتناول كيمياء الحزن، وجغرافيا الوطن الغائب، وتحولات الخطاب الشعري من التوجّع الأرضي إلى التسليم العُلوي. أولاً: فلسفة الفقد وهندسة الروح المكسورة لا يقف الفقد في هذه المرثية عند حدود الحدث البيولوجي العابر، بل يتجاوزه ليطال بنية الوجود الإنساني في أعمق تجلياتها. إن سؤال البداية: «مَن للروحِ بعدكِ يجبرُ؟» يمثل صدمة وجودية كبرى لا تبحث عن مسكّنات وقتية، بل تفتش عمن يمتلك القدرة على إعادة بناء ما هدمته غيبة الأمّ. فالأم هنا ليست مجرد كائن عزيز فارق الحياة، بل هي "الشاهدة الأولى على الوجود"، والعمود الفقري الذي تستند إليه النفس الإنسانية في مهبّ الريح. * الوطن البديل: تحويل مفهوم الأم من الرابطة البيولوجية إلى "الوطن" يمنح النصّ بعدًا ميثولوجياً؛ فالوطن ليس مساحة جغرافية تحدها الحدود، بل هو الدفء والظل الذي يقي الابنة من قسوة الأيام وجهامة الزمان. * الطفولة المتفرقة: إن صورة الطفل الذي "تفرّق في الدروب ويُقهَر" تعبير بليغ عن التشتت العضوي والنفسي الذي يصيب الإنسان حين يفقد مرجعيته الأولى، فالدروب لا تضيع فحسب، بل تمزق أوصال الروح، مما يبرز الحاجة الملحة إلى الحصن الحاني الذي يلمّ الشتات. ثانياً: جماليات التكثيف الصوتي والصمت الناطق تتألق القصيدة وتستمدّ حرارتها من استنطاق التفاصيل اليومية البسيطة التي تحولت بفعل الغياب إلى خناجر حادة تطعن الذاكرة: * حضور الصمت: يبرز التساؤل العميق عن "من يقرأ صمتي المتوجّع المخفي"، وهو من أبلغ مواطن النص؛ إذ إن الكلام متاح للجميع، أمّا الصمت فهو اللغة السرية التي لا تتقن قراءتها إلا عين الأمّ العارفة بخبايا النفوس قبل النطق. * الدمعة المسافرة والوجع السائل: تمنح الشاعرات الحزن أجساداً حركية؛ فالوجع يسيل والدمعة تسافر، مما يعكس عدم استقرار الفاجعة في مكان واحد، بل سريانها في شرايين الجسد والروح معاً، لتلتقي مع صورة "الفراق الغافي على الصدر" الذي يجمع بين سكون السطح واشتعال الجمر تحته. ثالثاً: دراما "لو" وتحولات التسليم والرجاء تمثل لحظة الاسترجاع في قولها "لو كنتُ أدري..." دراما نفسية تعكس حسرة التمني المستحيل، حيث يحاكم العقل الواعي الماضي برؤية تراجيدية لا تملك إيقاف زحف القدر. غير أن هذا التمني لا يقف عند حدود الأسف، بل ينفتح على أفق التسليم العالي حين يقترن بالاستدراك الحكيم: «لكنَّ أمرَ اللهِ نافذُ حكمِهِ». * التحول نحو الدعاء: يشكل المقطع الأخير نقطة انعطاف كبرى في حركة النص؛ إذ يتحول الحبّ من طلب الأخذ والارتواء إلى رغبة ملحة في العطاء والدعاء. تنتقل الشاعرة من لوعة الأرض إلى رحاب السماء، لتنسج من خيوط الحنين سجادة صلاة متواصلة ترجو فيها للراحلة نور الضريح وجنان الخلد. * استمرارية الرابطة: تختتم المرثية بتأكيد أن الموت لا يستطيع إلغاء المحبة، بل يعيد تأسيسها على قاعدة الوفاء الخالد والذاكرة التي لا تموت، في انتظار اللقاء الأبدي في جنات الفردوس. أنا دستور الهدايه الكبرى وأيمن فتحي عبد الحكيم الهريدي Badie Alkhafaji **بين صدق الوجع وجمال الصياغة: في مرثيّة سلوى الفيلالي** ما استوقفني في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي، وفي قراءة الأستاذ طه دخل الله عبد الرحمن لها، هو ذلك التماس بين حرارة التجربة ووعي القراءة. فالأمّ في القصيدة ليست غائبةً نرثيها فحسب، بل وطنٌ داخليّ يتصدّع برحيلها، وملاذٌ تفقد الروح بفقده شيئًا من توازنها. لذلك يبدو سؤال الشاعرة: «مَن للروح بعدكِ يجبرُ؟» مفتاحًا دلاليًّا للنصّ، لا مجرّد استهلالٍ حزين. وأرى أنّ القصيدة تبلغ أقوى لحظاتها حين تستند إلى التفاصيل الحميمة؛ إلى الصوت المنتظَر، ودفء اليدين، والصمت الذي كانت الأمّ تفهمه قبل أن يُقال. هنا يتحوّل الحزن من شعورٍ شخصيّ إلى تجربةٍ إنسانية يجد القارئ نفسه فيها. لكنّني أؤمن بأنّ صدق العاطفة، مهما علا، لا يعفي النصّ من مقتضيات الصنعة؛ فليس كلّ ما نشعر به شعرًا بالضرورة، بل يصبح شعرًا حين تنجح اللغة في إعادة خلق الشعور داخل صورةٍ مؤثّرة. ومن هنا تأتي أهمية الملاحظات الفنية التي أشار إليها الناقد؛ إذ إنّ الإنصاف لا يعني الإعفاء من المساءلة، كما أنّ النقد لا يستوجب القسوة. لقد أحسن الأستاذ طه الموازنة بين الإصغاء إلى وجع الشاعرة والانتباه إلى بعض مواطن الصقل، وكنتُ أفضّل لو مضى أبعد في تفسير أثر تلك المواطن في الإيقاع والدلالة؛ لأنّ النقد يكتمل حين لا يكتفي بتحديد موضع الخلل، بل يكشف أثره في التجربة الجمالية. **في تقديري، ليست مهمة النقد أن يقول لنا إنّ النصّ جميل أو موجع، بل أن يكشف كيف صار الجمال ممكنًا داخل الوجع، وأين نجحت اللغة في احتواء التجربة، وأين بقيت التجربة أوسع من عبارتها.** رحم الله والدة الدكتورة سلوى الفيلالي، وجعل هذه المرثيّة وفاءً لا ينقطع، وذكرى يظلّلها الدعاء. والتحية للأستاذ طه على قراءةٍ فتحت بابًا للحوار؛ فالنصّ الحيّ لا تنتهي دلالاته عند كاتبه، بل تتجدّد كلّما وجد قارئًا يُحسن الإصغاء إليه. **بديع شاكر الخفاجي** الأديب السبيطري بورك جهدك الفكري الهادف الثقافي المفيد بمضمونه التعبيري أصله صريح لأغلبية القراء الكرام طبعآ المحبين لفن الإبداع الكتابي الجيد فنتمناه كذالك بكل الأوقات ينور عقول العرب الناطقين بأحلى اللغات الكونية الأخرى تعليق متخيل مهداة للنص الأدبي الجديد سمراء عبد المنعم أخي طه، قرأتُ ما كتبتَه مرّتين. في المرّة الأولى قرأتُه بعين القارئ الذي يتأمّل، وفي الثانية قرأتُه بقلبٍ عرف ما تعنيه الأمّ حين تغيب. وما بين القراءتين، توقّفتُ طويلًا عند جملةٍ لك: «نمضي بعد رحيلها بين الناس بأعمارنا، ونعود إلى ذكراها بأعمارٍ صغيرة». هذه ليست جملةً تُكتب، هذه حقيقةٌ يعرفها فقط من جرّب أن يقف أمام العالم بكلّ ما تعلّمه، ثم يكتشف أنّه ما زال طفلًا حين يفتقد أمّه. ما كتبتَه ليس تحليلًا لقصيدة، بل هو اعترافٌ بأنّ بعض الفقد لا يُعالَج بالكلام، وإنما يُصان بالكلام. أنت لم تحاول أن تشرح القصيدة، بل حاولتَ أن تشرح الجرح الذي وُلدت منه. وهذا فرقٌ كبير. الشرح العادي يقف عند حدود النصّ، أمّا ما فعلتَه فهو أن وقفتَ عند حدود القلب، وتركتَ النصّ يتنفّس من هناك. وما لفتني أكثر هو أنّك لم تحاول أن تُجمّل الحزن. لم تقل إنّ الصبر جميل، ولم تقل إنّ الوقت كفيلٌ بجبر الكسر. قلت فقط إنّ المحبّة أوسع من الغياب، وإنّ الوفاء لا يغيب. وهذا هو الصدق كلّه. لأنّ من يفقد أمّه يعرف أنّ الحزن لا يُشفى، بل يُصبح جزءًا من الشخص، ويتعلّم الإنسان أن يحمله بدلًا من أن يتخلّص منه. وأنت قلت هذا بلغةٍ لم تستعجل العزاء، ولم تُقدّم مواساةً رخيصة. قدّمت احترامًا للوجع أولًا، ثم أشرتَ إلى ما يبقى بعده. وأمّا الدكتورة سلوى، فقد كتبت قصيدةً تبدو للناظر مرثيّة، لكنّها في العمق رسالةٌ لم تصل بعد. كلّ «أمّاه» فيها هي محاولةٌ لفتح بابٍ أُغلق، وكلّ سؤالٍ فيها هو اعترافٌ بأنّ لا جواب. والقصيدة لا تنتهي لأنّها لا تريد أن تنتهي؛ هي تُترك مفتوحة عمدًا، لأنّ الحديث مع الأمّ لا ينتهي عند آخر سطر، بل يستمرّ في الدعاء، وفي الذكرى، وفي التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها أحد. وأنا لا أريد أن أُضيف إلى ما كتبتَه تحليلًا، لأنّك لم تكتب لتُحلّل، بل كتبتَ لتُشهد. وما كتبتَه يشهد أنّ الأمّ، حين ترحل، لا ترحل كاملة؛ يبقى منها صوتٌ في الذاكرة، وحنانٌ في السيرة، واسمٌ في الدعاء. وهذا ما قلتَه بالضبط، ولم يكن يحتاج إلى أكثر من ذلك. فقط أقول لك: ما كتبتَه يستحقّ أن يُقرأ لا لأنّه كلامٌ جميل، بل لأنّه صادق. والصدق في الحديث عن الأمّ لا يحتاج إلى زخرفة، لأنّ الأمّ نفسها كانت دائمًا أبسط من كلّ زخرفة، وأعمق من كلّ تحليل. رحم الله والدة الدكتورة سلوى، ورحم كلّ أمّ رحلت وتركت خلفها أبناءً يتعلّمون كيف يكونون كبارًا، وهم في الداخل ما زالوا أطفالًا في حاجة إلى صوتها. Nadia Tannous Moussa دام نبض حروفك ودام عطاؤك وأبداعك وتألقك شاعرتنا الراقية الدكتورة سلوى الفيلالي وكل الشكر والتقدير للناقد القدير طه دخل الله عل قراءته الرائعة للقصيدة سلمت اناملكم الذهبية ودام عطاؤكم وأبداعكم وتألقكم تمنياتي لكم بالتوفيق الدائم صلاح الناصر الناصر أماه يا لحنان المنادى ويالحنين المنادي نداء يهب من أعماقنا بنهل من دموعنا يصدح بكل أحزاننا يسافر في العصور بوركت هذا الوهج الشاعري الجميل شاعرتنا الرائعة رحمة الله تغشاها في الفردوس الأعلى من الجنة يا الجمال هذا الحضور النقدي الثاقب و المشع بكل جميل استقراء ثاقب. وشامل واستنطاق صادق لكل دمعة هنا فاضت حزنا وتوغل شعوري عميق ومجلجل لكل جرح. غائر في الاعماق بوركت هذا الحضور النقدي الجميل وهذا الفيض الذوقي والشعور الرهيب استاذنا الحبيب طه دخل الله. Jiries Eid · كلاكما اسطورتان ادبيتان لا فض فوكما ما تفضلتما بكتابه يدرس في مدارس الحياة ما اجمل هذا العطاء المتدفق نبلا وثناء واحتراما يليق بكل اديب وشاعر فكلاكما وطن يلجأ الي الحرف ويطمئن بلقياه الكلم اسعد الله مسائكما وادامكما مشعلا ادبيا مضيئا نستظل بظله فدمتما ودام عطائكما المتميز رحم الله الفقيدة الغالية بواسع رحمته ورضاه وعظم الله اجركم وغفر لميتكم وأحسن عزائكم Saloua Filaly. بسم الله الرحمن الرحيم حين يعبر النقدُ من ضفّة القراءة إلى محراب الروح الأستاذ الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ناقدنا الجليل، وسادن المعنى، ومُستنطق المسكوت عنه في تضاريس النصوص… أيُّ امتنانٍ يفي قراءةً لم تكتفِ بأن تُصغي إلى مرثيّة، بل أنصتت إلى ما وراء أنينها، واستنطقت صمتها، واستخرجت من شقوق الفجيعة جواهرَ كانت تتوارى خلف الدمع؟! وأيُّ لغةٍ تتّسع لشكر ناقدٍ لم يقف عند تخوم العبارة، بل نفذ إلى أقبية الشعور، وأضاء المسالك الخفيّة التي يعبرها الحزن حين يعجز عن الإفصاح عن كامل فداحته؟ لقد قرأتَ «أمّاه» قراءةَ الغائص في لجّة المعنى، لا قراءةَ العابر على شاطئ الكلام؛ فالتقطتَ ارتجافة النداء، واستنطقتَ بياض الحذف، وكشفتَ كيف تستحيل الأمُّ في وجدان ابنتها من صلة دمٍ إلى وطنٍ للروح، ومن مأوى للمتعب إلى جهةٍ أخيرةٍ يأوي إليها القلب كلّما تناوشتْه عوادي الحياة. لم تكن قراءتك شرحًا لقصيدةٍ فحسب، بل كانت إزاحةً رفيقةً للستار عن مكنوناتها، وإنصاتًا حاذقًا لما لم تستطع الكلمات أن تحمله كاملًا. يا دكتور طه، يا من تُحسن الإصغاء إلى ما لا يُقال، لقد منحتَ الوجعَ حقَّه من الفهم، وأعطيتَ الصورةَ حقّها من التأويل، وأمسكتَ بالخيط الرفيع الذي يصل بين انكسار الابنة وامتداد الأمّ في أعماقها. وحين وقفتَ عند سؤال: «مَن للروح بعدك يجبر؟» لم تتعامل معه بوصفه مطلعًا شعريًّا، بل بوصفه شرخًا وجوديًّا تتسرّب منه أسئلة اليُتم مهما تقدّم العمر، ومهما ازدحمت الحياة بالوجوه؛ فبعض الغياب لا يُخلّي المكان وحده، بل يُبدّل جغرافيّة الداخل، ويجعل القلب يبحث عن جهةٍ كانت تسكنه دون أن يحتاج إلى دليل. ولقد استوقفتني بوجهٍ خاصّ تلك اللمسة النقدية النبيلة التي فرّقتَ بها بين صدق التجربة وإحكام الصياغة؛ فما أرقى أن يُنصف الناقدُ الوجدان دون أن يُعفي العبارة من حقّها في الصقل، وأن يربّت على كتف النصّ دون أن يحجب عنه مرآة المراجعة! فالنقد الحقّ ليس مِبضعًا يستعرض حدَّه في جسد القصيدة، ولا مِبخرةً تُغرقها في دخان المديح، بل ميزانٌ دقيقٌ يحفظ للموهبة كرامتها، وللحقيقة جلالها، وللإبداع حقّه في الارتقاء. أما عبارتكَ التي جعلتَ فيها المرثيّة وفاءً يتجدّد لا وجعًا يتجمّد، فقد لامست في نفسي موضعًا لا تبلغه المجاملات؛ إذ نقلتَ القصيدة من حدود الرثاء إلى أفق الوفاء، ومن استعادة الفاجعة إلى صيانة الأثر، كأنك تقول إنّ الراحلين لا يستردّهم الكلام، لكنّ الكلام يستطيع أن يحرس ما تركوه فينا من نور، وأن يجعل الدعاء ضفّةً تعبر إليها المحبّة كلّما أعياها الوصول. شكرًا لك، دكتور طه، شكرًا يليق بنبل قراءتك، وعمق بصيرتك، ورهافة حسّك النقدي. شكرًا لأنك لم تجعل من حزني مادّةً للكتابة فحسب، بل عاملتَه بأدبٍ يليق بقداسة الفقد، وبوعيٍ أدرك أنّ وراء النصّ قلبًا يكتب من موضعٍ ما زال يتعلّم كيف يتنفّس بعد الرحيل. وشكرًا لأنك أنصفتَ القصيدة من غير أن تُجاملها، وواسيْتَ صاحبتها من غير أن تُفرغ النقد من موضوعيّته؛ فجمعتَ في قراءتك بين صرامة البصيرة ورقّة المواساة، وبين أمانة الناقد وكرامة الإنسان. لقد أضفتَ إلى مرثيّتي طبقةً أخرى من المعنى، كأنك وضعتَ تحت حروفها مرآةً ثانية، فرأيتُ في انعكاسها وجوهًا من حزني لم أكن قد أحسنتُ تسميتها، ومسالكَ من شعوري لم أكن قد بلغتُ آخرها. وتلك، لعمري، منزلة القراءة التي لا تستهلك النصّ، بل توسّع مداه؛ ولا تستنفد أسراره، بل تمنحه حياةً أخرى في وعي القارئ. جزاك الله عنّي خير الجزاء، وبارك في قلمك الذي لا يكتفي بتفكيك البنية، بل يستردّ للمعنى نبضه، ولا يقف عند هندسة الصورة، بل ينفذ إلى روحها. وأسأل الله أن يجزيك عن هذه المواساة الفكرية والإنسانية أكرم الجزاء، وأن يجعل ما تكتبه من إنصافٍ وإضاءةٍ في ميزان حسناتك. رحم الله أمي رحمةً تتّسع لها السماوات والأرض، وجعل مرقدها روضةً من رياض الجنة، وأبقى فينا من سيرتها ما يزكّي الروح، ومن ذكراها ما يورق دعاءً لا يذبل. لك منّي أصدق الامتنان، وأرفع التقدير، وخالص الوفاء لقلمٍ يعرف كيف يقرأ الحرف بعين الناقد، ويصون الوجع بقلب الإنسان سلوى الفيلالي أمير الحروف و الكلمات القراءة قوية في بعدها الوجداني والنفسي، ولا سيما في تحليل صورة الأم بوصفها وطنًا وملاذًا، كما في قول الشاعرة: «قد كنتِ لي وطنًا ألوذُ بظلِّهِ»، وفي تأويل صورة الابنة بوصفها طفلًا يستعيد هشاشته بعد الفقد. غير أن عمق القراءة لا يُقاس بجمال عباراتها وحده، بل بقدرتها على إثبات تأويلاتها من داخل النص؛ فبعض الأفكار، مثل الأمان والاحتواء والوحشة، تتكرر بصور مختلفة دون أن تضيف في كل مرة مستوى جديدًا من الدلالة. كذلك، فإن الملاحظات المتعلقة باضطراب بعض التراكيب والقافية تحتاج إلى تحليل تطبيقي أوسع يبيّن أثرها في البناء الشعري، بدل الاكتفاء بالإشارة إليها. وعليه، فالقراءة ناجحة في استنطاق التجربة الإنسانية، لكنها أقل إحكامًا في مساءلة الصنعة الشعرية. وتزداد قيمتها النقدية حين توازن بين التعاطف مع صدق التجربة والصرامة في تقويم أدوات التعبير عنها؛ لأن صدق الحزن لا يعفي النص من النقد، كما أن النقد الموضوعي لا ينتقص من حرمة الفقد
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1
...
-
استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
-
النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي
...
-
استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع
...
-
قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة
...
-
رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة
...
-
قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد
...
-
ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان
...
-
إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه
...
-
رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ
...
-
دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك...
...
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة
...
-
قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون
...
المزيد.....
-
من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين
...
-
بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق
...
-
فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
-
-الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش
...
-
اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
-
أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و
...
-
باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس
...
-
فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي
...
-
تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف-
...
-
فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|