أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق















المزيد.....

النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 16:34
المحور: الادب والفن
    


إذا كان الأدبُ يُنصت إلى خفقة الإنسان في ضجيج العالم، فإنّ النقدَ يُنصت إلى خفقة الأدب في صمت الكلمات. لا يقف منه موقفَ القاضي الذي يستدعي النصَّ إلى قفص الحكم، ولا موقفَ العاشق الذي يعميه الوجدُ عن مواضع الوهن؛ بل يقترب منه اقترابَ مَن يعلم أنّ للجمال سرًّا لا يُنال بالتهليل، وأنّ للمعنى طبقاتٍ لا يكشفها العبور العجول. فالنقد، في أصفى صوره، سؤالٌ دقيق تطرحه المحبّة، وجوابٌ متأنٍّ تمتحنه البصيرة.
ولعلّ أشدَّ ما يلتبس في شأنه تلك المسافةُ بين النظرية والتطبيق؛ إذ يُخيَّل إلى بعضهم أنّ النظرية بناءٌ شامخ في سماء التجريد، وأنّ التطبيق أرضٌ واطئة تكتفي بتنفيذ ما أُملي عليها. وليس الأمر كذلك. النظريةُ عينٌ تتعلّم كيف تُبصر، والتطبيقُ نظرٌ يختبر ما تُبصره العين؛ هذه تُهيّئ الأسئلة، وذاك يكشف ما أغفلته الأسئلة. فإذا انفردت النظريةُ جفّت في مفاهيمها، وإذا انفرد التطبيقُ تاه في انطباعاته؛ ولا حياة للنقد إلا حين يتبادلان الهداية والمراجعة.
فالنص الأدبي ليس مسألةً وضعت لها إجابةٌ في آخر الكتاب. إنّه كائنٌ تُنشئه اللغة ثم لا تلبث أن تُخفي فيه من أسرارها أكثرَ ممّا تُعلن. قد تُشرق لفظةٌ في ظاهرها وتُضمر ظلًّا، وقد يتعثر الإيقاعُ في موضعٍ لا لعجز الشاعر، بل لأنّ التجربة نفسها بلغت من الاضطراب ما لا تحتمله الخطوة المنتظمة. وقد تصمت الشخصيةُ حين ينتظر القارئ اعترافها، فيكون صمتُها أبلغَ من صفحات البوح. هنا يبدأ عملُ الناقد: لا بأن يُسارع إلى تسمية الظاهرة، بل بأن يسأل عمّا صنعتْه في بناء الأثر، وعمّا كان سيضيع لو جاءت العبارةُ على غير هذا الوجه.
وما المنهجُ إلا مصباحٌ يُحمل إلى النص، لا شمسٌ يُطلب إلى النص أن يدور حولها. من شاء أن يقرأ كلَّ قصيدةٍ بوصفها شاهدًا على فكرةٍ أعدّها سلفًا، عاد من القراءة ومعه فكرته، وترك القصيدةَ حيث وجدها. ومن أراد لكل روايةٍ أن تُقرّ بما تقوله نظريته، لم ينظر في حيوات شخوصها، بل استنطقها بما شاء ثم نسب إليها ما سمع. إنّ المنهج النافع لا يُغلق الاحتمال، بل يُحسن مساءلته؛ ولا يُعفي الناقد من الإصغاء، بل يُلزمه أن يُصغي بوعيٍ أشد.
على أنّ الإصغاء إلى النص لا يعني عزله عن الدنيا التي جاء منها. فالكلمةُ لا تولد في فراغ، والصورةُ لا تنبت خارج تربة الذاكرة واللغة والتاريخ. للأدب عصرُه الذي يُلقي عليه أسئلته، ومجتمعُه الذي يُسرّب إليه خوفه وأحلامه، وكاتبُه الذي يترك فيه أثر يده وإن توارى وراء شخوصه. غير أنّ النص لا يكون عظيمًا لمجرّد أنّه يعكس زمانه؛ فالمرآة تعكس ولا تخلق. إنّ عظمة الأدب في الطريقة التي يُعيد بها صنعَ ما تلقّاه: يجعل من الواقعة مصيرًا، ومن العابر رمزًا، ومن الألم الخاصّ نافذةً يطلّ منها غريبٌ على نفسه.
ومن هنا كان على الناقد أن يميّز بين تفسير العمل وردِّه إلى ما عداه. قد تعينه حياةُ الكاتب على فهم جرحٍ يتردّد في شعره، لكنّ الجرح في القصيدة ليس هو الجرح في السيرة؛ لقد مرّ باللغة فتغيّر، وأصابته يدُ الفنّ فتشكّل. وقد تعينه أحوال المجتمع على إدراك غضب الرواية، لكنّ الغضب وحده لا يفسّر كيف توزّعت الأصوات، ولماذا تأخّر الكشف، وأين انكسرت نبرةُ السارد. مَن يكتفِ بالأسباب الخارجية يقف عند باب البيت ويظنّ أنّه عرف ما فيه؛ ومَن ينكر تلك الأسباب يصف أثاث البيت ولا يسأل كيف وصل ساكنوه إليه.
ثم إنّ النقد لا يستقيم إذا خجل من الذوق، كما لا يستقيم إذا سلّم إليه زمام الحكم. فالذوقُ أوّل انتباهنا إلى أثر الجمال، لكنه ليس آخرَ ما نقول فيه. قد تهزّنا عبارةٌ فلا نعلم للوهلة الأولى لِمَ هزّتنا؛ ثم نعود إليها فنرى لفظها مألوفًا وترتيبها غير مألوف، ونرى معناها قريبًا وطريقها إليه بعيدًا، فإذا الذي حسبناه سحرًا مبهمًا عملٌ فنّيّ له دقّته. وليس التحليلُ في هذه الحال انتقاصًا من الدهشة؛ إنّه كشفٌ عن بعض وجوهها، كما أنّ معرفةَ مواضع الضوء في اللوحة لا تُطفئ نورها.
غير أنّ للتأويل غوايةً لا تقلّ عن غواية الأحكام المتعجّلة: أن يُحمِّل الناقدُ النصَّ ما لا يحتمل، ثم يُعجب ببراعة ما حمّله. ولئن كان العمل الأدبي يتّسع لأكثر من قراءة، فليس اتّساعه إذنًا بأن تُنسب إليه كلّ قراءة. بين التأويل الذي يُنبت معناه من اللفظ والبناء والسياق، والتأويل الذي يُعلّق فكرته على النصّ تعليقًا، فرقٌ بين الثمرة والغصن المربوط بالشجرة. حقُّ القارئ أن يجتهد، وحقُّ النصّ ألّا يُنسى في أثناء الاجتهاد.
وللنقد، قبل أدواته وبعدها، خُلُقٌ إن فُقد فسدت براعتُه: الأمانة. أن ينقل الناقدُ ما يقرأ نقلًا لا يُخلّ، وأن يعرض موضع القوّة وإن خالف هواه، وموضع الضعف وإن وافق ميله؛ أن يُفرّق بين «لم يُعجبني» و«لم يُحكم صنعه»، وبين ما قصّر عنه النص وما قصّرت عنه قراءته. وليس الإنصافُ مديحًا لطيفًا يترك العمل على عيوبه، ولا القسوةُ شجاعةً إذا كانت تُخفي عجزًا عن الفهم. الكلمةُ النقدية المسؤولة تصيب موضعها، وتُقيم عليه دليلها، وتترك لصاحبها من التواضع ما يجعله قادرًا على مراجعتها.
ولعلّ أعمق ما يهبُه النقد للأدب أنّه يمنع الألفة من أن تتحوّل إلى عمى. كم من بيتٍ نحفظه حتى نظنّ أنّنا فرغنا منه، ثم يردّنا إليه سؤالٌ ناقد فنسمع في وقفته ما لم نسمع، ونرى في استعارتِه ما حجبه التكرار. وكم من عملٍ ننفر منه لغرابة شكله، فإذا قرأناه على مهلٍ أدركنا أنّ غرابتَه ليست زينةً طارئة، بل صورةُ تجربةٍ لم تجد في الأشكال المألوفة متّسعًا لها. النقدُ الحقّ لا يفرض على القارئ أن يُحبّ، ولكنه يعلّمه ألّا يختزل ما يقرأ في حبٍّ أو نفور.
وهكذا لا تكون المسافةُ بين النظرية والتطبيق فجوةً ينبغي ردمها مرّةً واحدة، بل ميدانَ حوارٍ لا ينقضي. تدخل النظريةُ إلى النصّ وفي يدها أسئلة، فيردُّ عليها بما يؤيّد ويُربك؛ وتخرج منه وقد اتّسعت أو تبدّلت، لأنّ النصوص العظيمة لا تكتفي بأن تكون موضوعًا للمعرفة، بل تُعيد امتحان وسائل المعرفة نفسها. تلك علامةُ النقد الحيّ: أن يُنير العملَ من غير أن يدّعي امتلاكه، وأن يستضيءَ به من غير أن يتخلّى عن دقّته.
ليس الناقدُ، إذن، صانعَ ظلٍّ يسير خلف المبدع، ولا صاحبَ عرشٍ يطلّ عليه من علٍ. إنّه قارئٌ يُبطئ حيث أسرع غيره، ويُصغي حيث اكتفى غيره بالسماع؛ يعرف أنّ في الأدب ما يُقال، وفيه ما لا يُدرك إلا من طريقة القول. فإذا وفّق إلى الإنصاف، ردّ إلى الكلمة رنّتها، وإلى الصورة أفقها، وإلى الصمت ثقله. وعند ذلك يغدو النقدُ أدبًا في فهم الأدب: تُهذّب النظريةُ حدسَه، ويُوقظ التطبيقُ عقلَه، ويبقى النصّ بينهما لا أسيرًا لمصطلحٍ ولا ضحيةً لانطباع، بل أثرًا حيًّا يستحقّ أن نقرأه كلّ مرّةٍ كما لو أنّه يُولد للمرّة الأولى.
البعنه == الجليل
10/10/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...
- دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك... ...
- شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف ...
- القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة ...
- قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون ...
- الأثر
- من جامعة الحياة إلى محراب البيان: سيرة قلمٍ لا ينطفئ ‏‎=‏ خل ...
- قراءة لقصيدة - حينَ يَرْتَقِي الكَلِمُ – للشاعرة الدكتورة سل ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات مهرجان البحرين المسرحي في دورته الخامسة بالمن ...
- السينما العربية في مهرجان القاهرة: حكايات الهوية وذاكرة الصم ...
- من ذاكرة الحروب إلى معارك الهوية.. حكايات السينما العربية في ...
- زاك كريغر يخطط لأفلام الرعب على الآيفون قبل أن تبدأ الكاميرا ...
- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق