|
|
استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-10-2026 مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية == الحلقات كاملة
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 06:11
المحور:
الادب والفن
استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-10-2026 مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية == الحلقات كاملة 25/09/2026 الجمعة == س: 11.09 عبد الرحمن بوطيب صباح الخير سيدي الفاضل النبيل بالمناسبة، تتشرف الرؤى بدعوتكم لبرنامج "أسابيع الرؤى الثقافية" ضيفا معززا مكرما طيلة أسبوع كامل، في العدد الرابع، من السلسلة الثانية، بعد عدد الأسبوع القادم الذي خصص لأستاذة فاضلة. استاذي الغالي وعدتني بحوار ولسا انتظر الاسئلة مطلوب: 1/ ورقة إبداعيةـ حصرية للبرنامج، لم تنشر من قبل: رؤية شخصية لتجربتكم الثقافية الشاملة على ضوء سيرتكم الاجتماعية. (هي أهم ورقة في الأسبوع، تصاغ بأسلوب أدبي بعيد عن أساليب السير الذاتية، وبنفس طويل). ـــ تجدون رفقة الرسالة ملفات أوراق ضيوف الأعداد السابقة، للاستئناس بنوع صياغة كل منها، مع التحرر منها في صياغة الورقة الشخصية. 2/ سيرة ذاتية مفصلة، ومحينة. 3/ ثلاثة أعمال إبداعية من إنتاجكم (شعر / قصة / نقد...) 4/ ثلاثة أعمال نقدية اشتغلتْ على بعض أعمالكم، من نقاد كبار (واحدة منها، أتشرف بالاشتغال عليها. على الله توكلنا ********************** أولًا: الورقة الإبداعية حين تصير الثقافة سيرة روحي لم أدخل الثقافة لأضيف اسمي إلى قائمة الأسماء، ولا لأجمع المقالات والقراءات كما تُجمع الشواهد على حضورٍ عابر. اقتربتُ من الكلمة لأنني آمنتُ أنها تستطيع، وسط ضجيج العالم، أن تردّ إلى الإنسان حقه في أن يُصغى إليه. كلما جلستُ إلى نص، وجدتُ خلفه وجهًا ينتظر من يراه، وحلمًا تعثّر ولم يفقد رغبته في النهوض، وألمًا لم يعثر بعد على عبارته. لم أرد أن أقيم في برج اللغة وأطلّ منه على الناس. أردتُ أن أمشي بينهم، أن أتعلم من تفاصيلهم التي تمرّ عليها العيون المستعجلة: من فرحهم الصغير، ومن تعبهم الطويل، ومن صمتهم حين لا يجدون ما يقولونه أو لا يجدون من يسمع. هناك، في الحياة لا بعيدًا عنها، أخذت حساسيتي تتشكل، وأخذت أسئلتي تكبر معي. لم تكن الثقافة يومًا ثوبًا أرتديه في المناسبات، ولا لقبًا أعلّقه على اسمي، ولا سلّمًا أصعد به فوق أحد. كانت إقامتي داخل السؤال: كيف أحفظ إنسانيتي حين تضيق الأزمنة؟ كيف أجعل اللغة جسرًا لا جدارًا؟ وكيف أترك للأدب أن يحرس ما تبقى في القلب من رهافة، في عالم يتقن القسوة أكثر مما يتقن الإصغاء؟ وحين أكتب، لا أشعر أنني أقف خارج الجرح وأصفه. أكتب من داخله، لا لأنه جرحي وحدي، بل لأنه نصيبٌ نتقاسمه وإن اختلفت حكاياتنا. لا أرى الأدب لعبةً للشكل، ولا النقد سلطةً على أصحاب النصوص، ولا المعرفة امتيازًا يُغلق بابه في وجه الناس. أريد للكلمة أن تبحث معي عن المعنى، وأن تلتقطه من بين أنقاض العادة واللامبالاة. أنا ابن الجليل أنا ابن البعنة في الجليل. لا أحمل المكان في عنوان سيرتي فحسب؛ أحمله في نبرة صوتي، وفي الطريقة التي أقترب بها من الأشياء. تعلّمتُ أن الأرض ليست خريطةً محايدة، بل ذاكرةٌ تشدّ الإنسان إلى جذوره، وتتركه في الوقت نفسه يصغي إلى الريح. فيها اليوميّ البسيط، وفيها ثقل التاريخ؛ فيها ما يبقى، وما نخشى عليه من الضياع. كلما اتسع العالم أمامي، عدتُ إلى المكان الأول لا لأنغلق فيه، بل لأفتح منه نافذة. أعرف أن القرية لا تصغر حين أرى عبرها العالم؛ إنها تمنح نظرتي رائحةً وصوتًا وملمسًا. من لهجة الجدات، ومن نافذة البيت، ومن رائحة التراب بعد المطر، تعلّمتُ أن الأشياء التي تبدو صغيرة قد تكون خزائن للوجود. لهذا لا أقترب من القصيدة أو الحكاية بميزانٍ بارد. أنصتُ إلى ما تقوله العبارة، وإلى ما تعجز عن قوله أيضًا. أبحث عن الصوت الخافت، لأنني أعرف أن خفوته لا تعني ضالته؛ وقد تختبئ وراء تجربة فردٍ واحد ذاكرةُ أناس كثيرين ومخاوفهم وأحلامهم. لا أظن أنني أفهم إنسانًا من كلامه وحده. ثمة صمتٌ يحيط بكل عبارة، ومعارك لا تظهر في سيرة النجاح، وحياةٌ كاملة تسبق النص وتجعله ضروريًا لصاحبه. وما أحاول فعله، قارئًا وكاتبًا، هو ألا أكسر تلك الحياة وأنا أبحث عن معنى الكلمات. من الصمت إلى الكلمة لم أكتب دائمًا لأن لديّ جوابًا. أحيانًا كتبتُ لأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل. رأيتُ كيف يمكن للأصوات أن تخفت حين يطول الخوف أو التهميش، وحين يشعر الإنسان أن لا أحد ينتظر ما سيقوله. لذلك ظل سؤال الصمت يرافقني: متى يكون فسحةً للتأمل، ومتى يصير بابًا موصدًا على من يحتاجون إلى الكلام؟ لا أؤمن بأن كل كلامٍ يحرّر، ولا بأن كل صمتٍ عجز. لكنني أؤمن أن الكلمة تستطيع أن تفتح ثغرةً للضوء حين يصير الصمت مفروضًا على صاحبه. وحين أكتب أو أقرأ، أحاول أن أبدأ بالإصغاء؛ أن أسمع ارتجاف المعنى قبل أن يتحول إلى صرخة، وأن أمهل التجربة الإنسانية وقتًا لا تمنحه لها العيون المستعجلة. لم أرد من المعرفة أن تجعلني أعلى صوتًا من الآخرين. سألتُ نفسي، وما زلتُ أسألها: كيف أجعلها أقل قسوةً وأكثر قربًا من الإنسان؟ كيف أختلف مع نصٍّ من غير أن أهين صاحبه، وأقول رأيي من غير أن أغلق باب المراجعة؟ إذا كان في عملي الثقافي موقفٌ أخلاقي، فأرجو أن يكون هنا: في ألا أفصل الجمال عن الرحمة، ولا المعرفة عن التواضع، ولا اللغة عن مسؤوليتها. أحب النص الذي يجعل قارئه أشد انتباهًا إلى الناس، وأحب النقد الذي يساعد النص على أن يرى إمكاناته من غير أن يسلبه حقه في الاختلاف. النقد محبةٌ عاقلة حين أجلس أمام نصٍّ، لا أريد أن أكون قاضيًا يستدعيه إلى محكمة اللغة. ولا أريد أن أثبت تفوقي على كاتبه. أريد أن أكون قارئًا يحمل محبةً لا تُجامل، وعقلًا لا يفتك بما يقرأ كي يبرهن على براعته. أعرف أن النص قد يضعف، وأن الصدق في القراءة يقتضي تسمية مواضع ضعفه. لكنني أعرف أيضًا أنه، في جانبٍ منه، محاولة إنسانية للنجاة؛ محاولةٌ لأن يقول صاحبه شيئًا عن نفسه أو عن العالم أو عن وجعٍ لم يجد له اسمًا. لذلك أحاول أن أقترب من الضعف بكرامة، وأن أرى إمكان النمو قبل أن أعلن الإلغاء. أتتبع طبقات القصيدة والحكاية والنص السردي؛ أصغي إلى الإيقاع، وأتوقف عند المفردة والإشارة، وأبحث عن المجاز الذي ينبض في الداخل. وما أتمناه من القراءة أن تفتح النص على احتمالاته، لا أن تحبسه في نتيجةٍ واحدة. فالنص، حين نمهله، قد يدلّنا على بابٍ لم نره في القراءة الأولى. لا أريد أن أقف أمامه وفي يدي مطرقة. يكفيني مصباح. المصباح لا يكتب الطريق بدلًا من السائر، لكنه يعينه على أن يرى موضع خطوته. هكذا أحب أن أقرأ: أن أضيء ولا أحرق، أن أسأل ولا أتّهم، وأن أفتح الباب ثم أترك للنص غرفته. أكتب كي لا ينطفئ المعنى أعيش في زمنٍ تتكاثر فيه المعلومات ولا يزداد فيه الفهم بالضرورة؛ تتسع منصات الكلام، وقد يضيق بينها مجال الحوار. لذلك أحاول أن أقاوم الاستسهال في نفسي أولًا: ألا أُسلّم عقلي لأول تفسير، ولا قلبي لأول كراهية، ولا لغتي لأول صيغةٍ جاهزة. أحتاج إلى الاستدراك كما أحتاج إلى الرأي. أراجع ما ظننته مكتملًا، لا لأنني أخشى أن أتخذ موقفًا، بل لأنني لا أريد لموقفي أن يصير جدارًا. قد يرى الآخر زاويةً غابت عني، وقد تمنحني القراءة الثانية فهمًا لم تمنحني إياه الأولى. هكذا أتعلم أن أثق من غير أن أصمّ أذني، وأن أختلف من غير أن أحوّل الاختلاف إلى خندق. خرجتُ من مكاني الأول إلى فضاءاتٍ أدبية وثقافية عربية أوسع، وبقي الجليل حاضرًا في وجداني. لم أجد في ذلك تناقضًا؛ فكلما عرفتُ تربتي على نحوٍ أعمق، استطعتُ أن أمدّ منها حديثًا إلى الآخرين. أرى الأدب العربي نهرًا تلتقي فيه روافد كثيرة: صوت الشاعر، وذاكرة القاص، وتجربة المرأة الكاتبة، ومكابدة الأديب الشاب، وحيرة الناقد، وأسئلة القارئ الذي يقف على العتبة. حين أقرأ نصوص الآخرين، أحب أن أتخيل أثر القراءة خارج صفحتها: كاتبًا يطمئن إلى أن أحدًا حاول فهمه، وقارئًا يتوقف قليلًا بدل أن يمضي مسرعًا، ونصًا مهمشًا يجد منفذًا إلى الضوء. الإبداع لا يحتاج إلى المنافسة وحدها؛ يحتاج أيضًا إلى من يرعاه، وإلى مصابيح صغيرة تتوزع في الطريق بدل أن يُسلَّط الضوء كله على اسمٍ واحد. أكتب لأنني أخشى أن يبتلع النسيان ما عشناه، وأن يمرّ الألم من غير أن يتحول إلى معنى، وأن يعتاد الناس القسوة لأن أحدًا لم يجد اللغة التي تكشفها. أحاول، بالمقالة والقراءة والتأمل، أن أردّ إلى الكلمة وقارها: لا تجهمها، بل وعيها بما تستطيع أن تفعل. فقد تخفف وحدة قارئ، أو تمنح كاتبًا مبتدئًا شجاعة الاستمرار، أو تقول لإنسانٍ أثقلته الأيام إن تجربته جديرة بأن تُروى. لا أطلب من الكلمة أن تصنع معجزة. يكفيني أن تفتح نافذةً صغيرة في جدار الواقع. وأنا، إن كان لي أن أختار صورتي في هذه الرحلة، أختار أن أكون صاحب مصباحٍ لا صاحب منبر. لا أريد للعيون أن تتجه إليّ بقدر ما أريد لها أن ترى الطريق. أريد أن يبقى الحرف نورًا لا نارًا، ورفقًا لا وصاية، وسؤالًا لا قيدًا؛ وأن تمتدّ به يدٌ إلى إنسانٍ كي لا يسقط وحيدًا في عتمة العالم. *********************** سيرتي الذاتية من أنا أنا طه دخل الله عبد الرحمن، كاتبٌ وشاعرٌ وناقدٌ أدبيّ فلسطيني. وُلدتُ في 23 آب/أغسطس 1958 في قرية البعنة بالجليل الأعلى، فلسطين. هناك عرفتُ اسمي الأول، وهناك بدأت صلتي بالمكان الذي ما زال يسكن ذاكرتي وكتابتي. أنا متزوج وأبٌ لأربعة أبناء. وبين حياة الأسرة ورفقة الكتب، ظلّ الشعر والخاطرة والمقالة والنقد الأدبي مساحاتٍ أعود إليها؛ أقرأ فيها العالم، وأفتّش عمّا تتركه الأيام في نفس الإنسان. تعليمي وتكويني بدأتُ تعليمي الابتدائي في قريتي البعنة، ثم تابعتُ دراستي الثانوية في المسار العلمي، وتخرّجتُ عام 1976. بعد ذلك سافرتُ إلى إيطاليا والتحقتُ بكلية الصيدلة في جامعة فلورنسا، حيث درستُ ثلاث سنوات. حالت ظروفٌ دون إتمام دراستي الجامعية، لكنّ الطريق لم يتوقف عند تلك العتبة؛ فقد وجدتُ في القراءة بابًا آخر للتعلّم. قرأتُ في التراث العربي، وفي الأدب والنقد، وانفتحتُ على الأدب العالمي. شيئًا فشيئًا، أخذتُ أقترب من الشعر والنثر والقراءة النقدية، وأتعلم كيف أصغي إلى الكلمة قبل أن أكتبها. عملي وكتابتي بعد عودتي إلى الوطن، عملتُ في مجال الفندقة. كانت للعمل مسؤولياته، وللكتابة مكانها الذي لم أتخلَّ عنه. كتبتُ الشعر والخاطرة والمقالة والنقد الأدبي، ونشرتُ نصوصي ومقالاتي في منابر ورقية وإلكترونية داخل البلاد وخارجها. تشغلني في الكتابة قضايا الإنسان والمجتمع، وتستوقفني القصيدة والحكاية وما تخبئه النصوص من أسئلة. أرى في النقد فرصةً للحوار مع النص، وفي الثقافة مجالًا للإنصات والمراجعة، لا مجرد أجوبةٍ جاهزة. مشاركاتي الأدبية شاركتُ في أربعة دواوين أدبية جماعية تحت رعاية مجلة الجمهور العربي وبيت الأدباء والشعراء العرب، بإدارة الدكتور طارق فوزي أحمد من مصر. ونشرتُ إنتاجي في مواقع ومنتديات ومنابر ثقافية عربية متعددة، وشاركتُ عضوًا في عدد من المنتديات والمجالس الأدبية العربية. نلتُ جوائز وشهادات تقدير أدبية، وإن لم تُذكر أسماؤها وتواريخها في المعلومات التي أستند إليها هنا. وفي عام 2023 أعددتُ مشروع كتاب للنشر، لكنني لم أُصدر حتى تاريخ إعداد هذه السيرة ديوانًا شعريًا أو كتابًا مستقلًا. ما زالت نصوصي تجد طريقها إلى القراء عبر المنابر والمشاركات الأدبية. اليوم وما أؤمن به تقاعدتُ من العمل المهني، ولم أتقاعد من القراءة والكتابة. ما زلتُ أكتب وأنشر، وأعود إلى الكتب كلما احتجتُ إلى نافذةٍ أوسع أرى منها نفسي والعالم. أؤمن بأن الكتابة صدقٌ قبل أن تكون صياغة، وأنها تستطيع أن تحفظ شيئًا من ذاكرة الإنسان والمكان. لذلك أمدّ يدي إلى الكلمة لا لأزيّن بها سيرةً مضت، بل لأواصل بها الطريق: من البعنة التي بدأتُ فيها، إلى كل قارئٍ قد يجد في نصّي صدىً لشيءٍ عاشه ولم يقله بعد. ******************** ثالثًا: ثلاثة أعمال إبداعية من إنتاجكم (شعر / قصة / نقد...) الشعر: غابَ أبي وما غابَ الضياء أبي غبتَ لكنْ بقيتَ السَّنا إذا أظلمَ الدربُ كنتَ الضيا مضيتَ وفي عامِ سبعٍ وسبعينَ خلَّفتَ في الروحِ جرحَ النوى وما زالَ صوتُكَ بينَ الجدارِ يُؤنِسُ صمتَ مكانٍ خلا كأنَّكَ ما غبتَ عن ناظرَيَّ ولكنْ لبستَ الغياب رِدا إذا هبَّ في القلبِ ريحُ الأسى أتى منكَ صبرٌ يُداوي الأسى وإن ضاقَ صدري بأعباءِ يومي رأيتُكَ في خاطري مُلتجى أبي، كنتَ للنفسِ ظلًّا ظليلًا إذا لفحَ العمرُ وجهَ الصِّبا وكنتَ إذا مالتِ الريحُ حولي جذورًا تُعلِّمُ غُصني البقا حملتَ عن البيتِ ثِقلَ الليالي وأخفيتَ خلفَ ابتسامٍ عَنا وما قلتَ قط: انظروا كيفَ أشقى وفي العين نقرأ سرًا خفا تركتَ لنا الصدقَ إرثًا عزيزًا وخلَّفتَ فينا عُلوَّ الإبا فلا المالُ يبقى ولا الجاهُ يبقى ولكنْ جميلُ السجايا بَقا أبي، كلُّ عيدٍ يمرُّ علينا يُعيدُ إلى البابِ حزنَ اللقا نُفتِّشُ عنكَ فلا يستجيبُ سوى عطرِ ذكراكَ في الملتقى وما غبتَ ما دامَ فينا دعاءٌ يُحلِّقُ نحوَكَ عندَ الدُّجى سلامٌ عليكَ إذا الفجرُ لاحَ سلامٌ عليكَ إذا الليلُ دجا ويا ربُّ أسكنْ أبي في جنانٍ يُجاوِرُ فيها الرضا والهِنا لئن حال دون لقائِك لحدٌ فموعدُنا عندَ ربِّ الورى. طه دخل الله عبد الرحمن ***************** القصة: الجهة الأخرى من الصمت أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍ لا يغيب، كل صباحٍ أتفقّد قبري بأصابع مرتجفة، أمسح الغبار عن اسمي المنحوت على رخامٍ لم يُرفع بعد. الموت ليس هديةً مؤجلة، بل هو الشيء الوحيد الذي أشعر أنه لي، حقي الوحيد الذي لا ينتزعه مني أحد، ومع ذلك أتأخر عنه كل يوم، لا حبًا في الحياة، بل لأن البؤس صار دينًا، وأنا مدينٌ حتى آخر قطرة عذاب. لستُ حزينًا، الحزن عاطفة، أما أنا فقد تحوّلت إلى جغرافية الألم ذاتها. جبالٌ من الصمت ترتجف في حلقي، أنهارٌ من الكتمان تجف في شراييني، صحاري من الوحشة تتمدد بين ضلعي وضلعي. الحزن شيء يشبه المطر، يأتي ثم يذهب، أما أنا فصرت الطين الذي لا يجف، صرت الوحل الذي يبتلع خطوات الفرح قبل أن تصل إليّ. أنا المقبرة التي تمشي، أنا النعش الذي يتنفس، أنا الدموع التي لا عين لها فظلّت حبيسة في لحم القلب تنخر فيه كنخر السوس في خشب التابوت. اكتئابي علّمني لغةً لا يتحدثها الأحياء، علّمني كيف أكون شبحًا بينهم، كيف أمرّ كالهواء المسموم، لا يراني أحد، ولكن الجميع يختنق بي. أتكلّم، فيظنون أن صوتي آتٍ من غرفة مجاورة، أتحرك، فيحسبون أن الريح حرّكت ستارة، أنا الغائب الذي يملأ المكان، أنا الفراغ الذي إذا دخل غرفة ضاقت بالجالسين. صرت الهباءة، صرت الذرة المعلقة بين "كان" و"لم يعد"، صرت زمنًا ماضيًا بلا فعلٍ ولا فاعل. الغد؟ لا تؤذوني بالغد. الغد كذبةٌ اخترعها من يملكون قوّة الانتظار، وأنا مفلسٌ حتى من الانتظار. أنظر إلى الساعة فأرى العقارب تمشي على جثث دقائقي، كل ثانية تموت وأنا أموت معها، ثم تولد ثانية جديدة لتموت هي الأخرى، وأنا أموت من جديد. كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟ أنا متُّ بعدد أنفاسي، متُّ بعدد نبضات قلبي، ومع ذلك ما زلتُ أجلس هنا، أتنفس، كأن الحياة تصرّ عليّ وأنا أصرّ على الرحيل، عشقٌ من طرفٍ واحد، أنا والحياة، عشقٌ بلا لغة، عناقٌ بلا ذراعين، قُبلة إسفلتية بطعم الدم والغبار. أتعرفون كيف يكون البكاء بلا عيون؟ أن تبكي برئتيك، أن تبكي بكبدك، أن تبكي بعظامك، أن تبكي بقلبك، أن يذوب نخاعك دموعًا لا ترى النور أبدًا. دموعي حبيسة في أقبية الجسد، تغرق أحشائي كل ليلة، أغرق فيّ ولا ينتشلني أحد. أبكي من أصابعي، من ركبتيّ، من ضلوعي التي تشبّكت كأغصان شجرةٍ في مهب الإعصار، أبكي من كل مسام جلدي، ومع ذلك أبدو جافًا كصحراء لم تسمع اسم المطر، كحجرٍ لم ترتطم به دمعة قط. الوحدة صارت أثقل من الجاذبية، تسحقني إلى مركز الأرض، إلى اللبّ، إلى النواة الملتهبة، ثم إلى ما بعد الالتهاب، إلى رماد الرماد. أنام فأصحو على صوت وحدتي، آكل فتشاركني وحدتي لقمتها، أتنفس فتدخل وحدتي إلى رئتيّ قبل الهواء. صرنا توأمين سياميين، لا يمكن فصلي عنها إلا بموتي، وربما حتى بموتي لا تفارقني، ربما تتبعني إلى قبري، ربما تكون هي الدود الذي يأكل جثتي، ربما تكون هي التراب الذي يثقل صدري إلى الأبد. يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب. أتعجب من قلبٍ هذا حظه من الدنيا وما زال ينبض، من روح هذا نصيبها من الألم وما زالت تصعد كل صباح، تعود إلى الجسد كمن يعود إلى سجنه بقدميه. أتعجب منك، لا غضبًا، بل استغراب المحكوم بالإعدام حين يجد في زنزانته وردة، يقول: "ما فائدة الوردة لمن سيُشنق فجرًا؟" أنا الوردة في زنزانة الانتظار، أنا السؤال بلا جواب، أنا الدعاء الذي يصعد فلا يخترق السقف، يعود إليّ كالطيور المهاجرة التي ضلّت طريقها، تسقط ميتةً عند عتبة فمي فأبتلعها وأتحول أنا إلى مقبرة الدعوات. لا تبحثوا عني في وجوه الأحياء، ابحثوا عني في الوجوه التي ماتت قبل أصحابها، في العيون التي صارت حدقتاها قبرين، في الابتسامات التي تشبه الشقوق في جدارٍ قديم. أنا هناك، حيث الحياة ذاكرةٌ منسيّة، حيث الألم طبيعةٌ لا حدث، حيث البؤس ليس حالةً بل هوية. أنا الهوية، أنا التعريف، أنا الإنسان الذي صار تعريفه: "شيء كان حيًا ثم صار هذا". طه دخل الله عبد الرحمن ************************* النقد: الغيرة الأدبية عند أصحاب القلم، سُلَّمٌ من نار ونور ليست الغيرة الأدبية نارًا مستعِرةً في قلوب الأدباء فحسب، بل هي كذلك زلزالٌ خفيٌّ يهزُّ أركان الملكات الإبداعية، وريحٌ عاتيةٌ تُقَلِّبُ صفحات المخطوطات قبل أن تُكتب. هي ذلك الشعور المركَّب الذي يمتزج فيه الإعجاب بالضغينة، والتنافس بالحسد، والطموح بالخوف. ولكن، هل تُعدُّ هذه الغيرة آفةً مدمِّرةً أم محرِّكًا إبداعيًا؟ وهل يمكن تحويلها من شوكةٍ سامَّةٍ في خاصرة الإبداع إلى زهرةٍ تنمو في حديقة الأدب؟ الغيرة الأدبية ليست وليدة العصر الحديث، بل هي قديمةٌ قِدَمَ الأدب نفسه. ففي التراث العربي، نجد أصداءها في قصيدةٍ لامرئ القيس يَفْخَرُ فيها بتفوقه على الشعراء، أو في تنافس جرير والفرزدق الذي حوَّل الشعراء إلى خصومٍ وأعداء. وفي الأدب الغربي، عانى شكسبير من حسد معاصريه، وحمل تولستوي مشاعر معقدة تجاه دوستويفسكي رغم إعجابه به. تَنْبُعُ هذه الغيرة من منابع متعددة: الشعور بالنقص أمام عظمة الآخر، الخوف من ضياع المجد، القلق من نسيان القارئ، أو حتى الإحساس بأن زميلاً أقل موهبةً نال ما لم ينله الأكثر براعةً. يقول الفيلسوف الألماني نيتشه: "في قلب كل إنسان شاعر يكمن وحش". وهذا الوحش هو مزيج من الأنانية والرغبة في التميز التي قد تتحول إلى غيرةٍ إذا لم تُروَّض. تتجلى الغيرة الأدبية في مشاهد متعددة من المشهد الثقافي: فمن الصمت المُتَكَلِّف حين يُمطِرُ النقادُ أديبًا بالثناء، فيسكت زملاؤه سكوتًا ثقيلاً، أو يَتَحَدَّثون عن "مزايا" عمله بكلماتٍ جافةٍ تختزن في طياتها سُمَّ الغيرة. إلى النقد الهدَّام الذي يتستَّرُ وراءَ المصطلحات النقدية ليمزق العمل ولا يبني، ويُفَسِّرُ النجاح بأنه ضربٌ من الصدفة أو الدعاية. مرورًا بالانتحال الخفي حيث يُقَلِّدُ الكاتبُ أسلوبَ من يغار منه دون إضافة جوهرية، كمن يَبْنِي قصرًا على أساسات غيره. ووصولاً إلى التقليل من الإنجازات عبر التركيز على هفوات بسيطة في عمل ضخم، أو تشبيه الإبداع بسيلٍ من الكتابات المشابهة ليُذَوِّبَ تفرده. ولا ننسى تلك التحالفات السلبية حيث تتشكل جماعات أدبية ليس على أساس المبدأ الفني، بل على أساس العداء المشترك لنجاح أديبٍ ما. للغيرة وجهان: وجهٌ مظلمٌ وآخر مضيء. فمن جانب، قد تُفْسِدُ العلاقات الأدبية، وتُحَوِّلُ الصالونات الثقافية إلى ساحات صراع، وتُعَطِّلُ الإبداعَ الحقيقي بالتركيز على التفوق على الآخر بدلاً من التفوق على الذات. كما أنها قد تؤدي إلى الاكتئاب والعزلة عند بعض المبدعين. ولكن من جانب آخر، يمكن أن تكون الغيرة حافزًا قويًا نحو التميز. فحين يرى الأديبُ زميلَه يُحَقِّقُ نجاحًا، قد يدفعه ذلك لمراجعة أدواته وصقل موهبته والاجتهاد أكثر. يقول الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز: "الكتابة الجيدة هي أفضل انتقام". فبدلاً من إضاعة الوقت في التحسر على نجاح الآخرين، يحول الكاتب العاقل غيرته إلى طاقة إبداعية تدفعه لإنتاج عملٍ أفضل. لكي تتحول الغيرة من عدوٍ إلى حليف، يمكن للأديب أن يعترف بمشاعره، فالاعتراف بالغيرة أول خطوة لتخطيها، بدلاً من كبتها الذي يُحوِّلها إلى مرارة دائمة. وأن يُحَوِّلَ الإعجابَ إلى تعلُّمٍ، بدلاً من الحسد، عبر دراسة أسباب نجاح الآخر والاستفادة من تجربته. كما عليه أن يُرَكِّزَ على تطوير صوته الخاص، فلكل كاتب بصمته الفريدة، والمقارنة المستمرة تشتت الطاقة الإبداعية. ومن الحكمة أن يُقَدِّرَ التنوع الأدبي، فالأدب ليس سباقًا على جائزة واحدة، بل هو بستانٌ واسع تتفتح فيه أزهارٌ مختلفة. وأخيراً، أن يتذكر أن النجاح الأدبي ليس محدودًا، فنجاح كاتب لا يعني فشل الآخرين، وكل قارئ جديد هو فرصة لكل كاتب. الغيرة الأدبية كالنار: إن أُهملت أحرقت الحقول والبساتين، وإن وُظِّفت بحكمة أضاءت الدروب وطهَتْ طعام الإبداع. الفرق بين الأديب العظيم والمتوسط ليس في عدم الشعور بالغيرة، بل في كيفية تعامله معها. فالأول يصنع من غيرته سُلَّمًا يصعد به إلى آفاق جديدة، بينما يبقى الثاني حبيسَ غربتها كعصفورٍ في قفص. في النهاية، إن الأدب الحقيقي ليس معركةً يكون فيها منتصرٌ ومهزوم، بل هو حوارٌ إنسانيٌ عميق، وتنوعٌ يثري المكتبة العالمية. وكما قال الشاعر الإنجليزي جون كيتس: "لا شيء يصبح حقيقيًا حتى يتم تجربته". فتجربة الإبداع الحقيقية تكمن في تجاوز الغيرة إلى فضاء التعلم المتبادل، حيث يضيء كل قمرٍ في سماء الأدب دون أن يطفئ ضوء الآخر. فليكتب كلُّ صاحب قلم، وليعلم أن حبره سيبقى حين تتبخر غربته، وكلماته ستخلد حين تنسى ضغينته. لأن الأدب في جوهره ليس سجالاً بين الأنا بل هو هديةٌ من الروح الإنسانية إلى الإنسانية جمعاء. طه دخل الله عبد الرحمن ********************** رابعًا: ثلاثة أعمال نقدية اشتغلتْ على بعض أعمالكم، من نقاد كبار واحدة منها، أتشرف بالاشتغال عليها العمل الأول: سَبْعَةٌ وَسِتُونَ عَامًا سبعة وستون عامًا تتدلى من ظهري كسلاسل ساعة رملية ثقيلة، كلّ حبة منها مصنوعة من ظل، وكلّ ظل منها يحمل اسمًا: لحظة حزن متروكة على عتبة، فرصة ضائعة كانت تشبه فراشة بيضاء، وجه حبيبة كان يلمع في الظلام كاللؤلؤ قبل أن يعود ويغيب في العتمة الأزلية. عشتُ حياتي كأنّي داخل حلم ليلٍ دائم، أسمع همس النهار خلف الجدران، ألمس دفء الشمس من خلال القفازات الثقيلة للزمن. كانت عيناي تريان العالم مُصَفًّى عبر زجاجٍ أسود. رأيتُ زهرة الربيع بلون الرماد، والبحر بلون الرصاص، وابتسامة الطفل كشرارة ساطعة للحظة ثم تنطفئ في فضاء الذاكرة. كنتُ أتساءل: أهو أنا المصاب بعمى الألوان الوجودي؟ أم أن الوجود نفسه يقدم لي نسخةً منه منقوشة على ألواح من حجر الظلمة؟ كنتُ أرى الآخرين يسبحون في ضوء النهار كالأسماك الذهبية في بركة صافية، بينما كنتُ أتحرك وكأنّي مغمور في قطران من الليل الكثيف، كل خطوة أخطوها تترك أثرًا أسود على الأرض البيضاء للعالم. كم مرّة حاولت أن أسرق بصيصًا من الضياء! في مكتبة قديمة، بين صفحات كتاب مهترئ عن حكمة الشرق، ظننت أنني عثرت على شعاع شمس نام بين السطور. في عيون حفيدي الصغير، يوم ولد، رأيتُ بريقًا أزرق يذكرني بلون السماء التي قرأتُ عنها في الشعر الجاهلي. في كوب ماء صافٍ تحت القمر، خُيّل إليّ أنني أرى انعكاسًا لضوء لم أره من قبل. لكنها كانت كلها شظايا، ومضات، خدع بصرية للقلب المتعطش. كان النهار يرسل لي رسائله المشفرة على أجنحة الحمام، لكن يدي لم تكن تعرف فكّ شفرات النور. الغريب في الأمر أن الظلمة التي عشتُ في أحشائها لم تكن قفرًا جرداء. تعلمت فيها بصري الخاص. صار لدي قاموسي اللوني المختلف: درجات السواد مائة ليست واحدة، هناك سواد دافئ كالقهوة عند الفجر، وسواد بارد كالحديد في الشتاء، وسواد عميق كالغفران، وسواد رقيق كالحجاب على وجه العروس. صرت أسمع ألوانًا لا أراها: أحمر الصرخة، أخضر الصمت، أزرق الهمس. صار ظلي صديقي الأقدم، يتكلم معي بلغة الإيماءات على جدران حياتي. ثم في إحدى ليالي الشتاء المتأخرة، وأنا أجلس وحيدًا أتأمل الفراغ الذي صار رفيقًا، حدث شيء غريب. لم يبزغ نور، ولم ينشق الظلام. لكن شيئًا في داخلي انقلب. كأنّ السبعةِ والستين عامًا من الانتظار للقاء البياض، صارت هي البياض نفسه. كأنّ العتمة الطويلة كانت مرآةً معتمة، وأخيرًا كُشط السواد عن سطحها لأرى نفسي فيها. رأيتُ وجه رجلٍ كلّ خط فيه محفورٌ بنور مُختَزن، كلّ تجعيدة فيها تحمل غسقًا تحوّل إلى ضياء داخلي. فهمتُ أخيرًا: النهار الذي لم أرَه لم يكن غائبًا عني، بل كان يسكن فيّ. كان في صبر الأم التي ربتني في فقر، في كلمة حنان سمعتها من غريب، في دموع ندم أحرقتُ بها خطيئة، في لحظة سجود شعرتُ فيها بأن الكون كله يسجد معي. كان النهار مُبعثرًا في ملايين اللحظات الصغيرة التي ظننتها مظلمة. كلُّ ظلٍّ كان وجهًا آخر للضوء، كلُّ ليل كان النهار في حالة تأمل عميق. الآن، وقد اقتربتُ من نهاية العدّ التنازلي، لم أعد أبحث عن يوم أبيض في الأفق. لأني اكتشفتُ أن البياض ليس مكانًا نصل إليه، بل هو النقاء الذي نحمله في رحلة العبور. النهار الحقيقي لا تُشرقه الشمس، بل يَشرق من أعماق الذين عرفوا الظلمة فصاروا ينبوعًا للضياء. سبعة وستون عامًا لم أرَ فيها يومًا أبيض، فوهبني الله عينين ترى النور حيث لا نور، وتلمس البياض في صميم السواد. وربما كانت تلك هي نعمة الأعمى: أن تعيش في الظلّ، فتصبح أنت المصباح. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 10/02/2026 ******************** Abdulkareem Alhiloالناقد الدكتور عبد الكريم الحلو – العراق الاديب طه عبد الرحمن المحترم : تحية طيبة : هذا النص لا يكتب عن العمر بوصفه رقمًا، بل يحوّله إلى بنيةٍ أنطولوجية يتقاطع فيها الزمن مع الإدراك، والظلمة مع المعرفة. فالكاتب لا يتحدث عن فقدان الضوء بمعناه الحسي، وإنما عن رحلة وعيٍ طويلة تُعيد تعريف الرؤية ذاتها؛ إذ ينتقل من سؤال: كيف أرى العالم؟ إلى سؤال أعمق: كيف يُولد النور داخل الإنسان؟ تقوم البنية الجمالية للنص على مفارقة فلسفية رفيعة؛ فالعتمة ليست نقيض النور، بل شرط اكتشافه. ولهذا تتكثف الاستعارات حتى يصبح السواد فضاءً دلاليًا غنيًا، له درجاته وأصواته وحرارته، في تجاوزٍ واضح للثنائية التقليدية بين الأبيض والأسود، ليقترب النص من الرؤية الصوفية التي ترى أن الحقيقة لا تُنال بالحواس، وإنما بالبصيرة. كما ينجح الكاتب في تحويل الذاكرة إلى مختبرٍ وجودي، حيث تتناثر الخسارات والندم والحنين بوصفها مراحل في صناعة الإنسان، لا مجرد جراحٍ في سيرته. وتبلغ الذروة الفكرية عند اكتشاف أن النهار لم يكن غائبًا، بل كان كامنًا في تفاصيل الرحمة والصبر والتوبة، وهي لحظة استنارة تمنح النص بعدًا إنسانيًا وروحيًا بالغ العمق. إنه نص يجمع بين الشعرية العالية والتأمل الفلسفي، ويؤسس لمعنى نادر: أن الإنسان لا ينتصر على الظلام بالخروج منه، بل بتحويله إلى نورٍ داخلي. وهنا تتجلى قيمة النص بوصفه تأملًا في الوجود، أكثر منه سيرةً للعمر. تقبل احترامي د. عبد الكريم الحلو ********************* العمل الثاني: طقوسُ الشاي المُقدَّسة في المساءِ، حينَ يرتدُّ الضوءُ إلى عتمتِهِ الأولى، وتنسحبُ المدينةُ من نوافذنا كضيفٍ أثقلَهُ الانتظار، كنّا نجلسُ على تلكَ الطاولةِ الخشبيةِ الصغيرة، حيثُ للشاي طقوسٌ لا تشبهُ شيئًا مما عرفَهُ البشر. لم يكنِ الشايُ عندنا مشروبًا، بل كانَ لغةً أخرى للحب، لغةً تصعدُ مع البخار، وتتكثفُ على زجاجِ النافذة، فتصيرُ قصائدَ ماءٍ لا يقرؤها إلا قلبانِ اتسعا للكونِ ثم ضاقا ببعضهما حتى التصقا. كنتُ أراقبُ يدَها وهي تمسكُ الإبريقَ كأنها تمسكُ بمصيرِ المساء، تسكبُ الشايَ ببطءٍ متعمد، كأنها توقظُ في الكأسِ ذاكرةً غافية، فينهضُ البخارُ متكاسلًا كعاشقٍ يستفيقُ من حلمٍ ثقيل، ويتلوى في الهواءِ كأفعى من عطر، ثم يتلاشى، تاركًا في صدري أثرَ صعودِهِ المحموم. كانتِ الرشفةُ الأولى عندها كالقبلةِ الأولى؛ تذوقٌ خائفٌ، وترددٌ لذيذ، ثم انحدارٌ بطيءٌ إلى قرارِ الروح. أما أنا فكنتُ أؤجلُ رشفتي، لا بخلاً، بل لأني كنتُ أجدُ في الانتظارِ متعةً أعمق، متعةَ أن أرى شفتيها تلمسانِ حافةَ الفنجان، فأشعرَ أن للفنجانِ حظًّا لا أناله، وأن للشايِ سرًّا لا أفهمه، وأن ثمةَ غيرةً حلوةً تسكنُ صدري كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف. كان السكرُ يذوبُ في كأسِها على مهل، كأنه يتعلمُ منها فنَّ الاختفاء، بينما يظلُّ شاييَ مرًّا كحنينٍ قديم، لأني كنتُ أومنُ أن المرارةَ وحدها تليقُ بمن عرفوا أن الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا شابَهُ شيءٌ من الخوف. وكنّا نتبادلُ الكؤوسَ أحيانًا، فتشربُ من كأسي وتتركُ حلاوتَها على شفتي، فأذوقُ في مرارتي عسلًا ما أنزلَ اللهُ به من سلطان، عسلًا مصنوعًا من ريقِ المحبوبةِ وسكرِ الروح. أتدري ما الشاي؟ إنه ذريعةُ العاشقينَ للصمتِ المشترك، ذاكَ الصمتُ الذي يقولُ فيه القلبُ للقلبِ ما لا تطيقُه اللغة، صمتٌ مملوءٌ حتى الحوافِ بالمعاني، ككأسٍ ممتلئةٍ لا تفيض. كنّا نصمتُ طويلًا، فلا يقطعُ السكينةَ إلا صوتُ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجان، ذلكَ الصوتُ الرتيبُ الذي يشبهُ دقاتِ ساعةٍ تدورُ عقاربُها إلى الوراء، إلى زمنٍ لا يشبهُ زمنَنا، زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي. ثم جاءتِ اللحظةُ التي يتنفسُ فيها الشايُ أنفاسَهُ الأخيرة، حينَ يرسبُ آخرُ ما في الكأسِ من أوراق، فتصمتُ الملعقةُ كأنها أتمتْ صلاتَها. هناكَ، عندَ القاع، كنّا نقرأُ طالعَنا في الورقِ المتناثر، فترى هي غدًا مشرقًا، وأرى أنا يدَها تمتدُّ نحوي، فتمحو بالتفسيرِ ما خطّتْهُ الأيام. وكنتُ أصدقُها، لا لأنها تُحسنُ قراءةَ الغيب، بل لأنها حينَ تبتسمُ وأصابعُها تلمسُ كفي، يتحولُ الغدُ كله إلى كأسِ شايٍ دافئٍ نشربُه معًا. يا لأناقةِ الحبِّ حينَ يلبسُ ثوبَ التفاصيل! فالشايُ عندنا لم يكن شايًا، بل كانَ موعدًا متجددًا للبوح، ومرآةً نرى فيها وجوهَنا أكثرَ وضوحًا، ومذبحًا صغيرًا نقدمُ فيه القرابينَ من سكينةٍ ودفء، ونغتسلُ فيه من برودةِ الخارج، من قسوةِ الطرقات، من وحشةِ الناس. كانَ طقسًا مقدسًا، وكنّا كاهنينِ صغيرينِ في معبدٍ من زجاجٍ وخزفٍ ودخان، نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمُه التفاصيل. واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد، أرفعُه إلى شفتي فلا أذوقُ شيئًا، لأني أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها، وأتنفسُ قربَها، وأرتشفُ من عينيها ما لا يرتشفُه الظمأُ من ماء. فحينَ رحلت، رحلَ معها طعمُ كلِّ شيء، وبقيَ الشايُ مرًّا كعمرٍ لا حبيبَ فيه، ينتظرُ يدًا لن تعودَ لتسكبَ فيه من جديد. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 23/08/2026 **************** Saloua Filalyالدكتورة سلوى الفيلالي – المغرب الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن… ما هذا الجمال الذي لم ينسكب من الإبريق وحده، بل انسكب من روحك إلى الحروف؟! قرأتُ «طقوس الشاي المقدسة» فلم أشعر أنني أمام نصٍّ عن الشاي، بل أمام قصيدةٍ نثريةٍ طويلةٍ تخفي قلبًا عاشقًا في فنجان. لقد أخذتَ شيئًا بسيطًا من يوميات البشر، ثم نفختَ فيه من روحك حتى صار طقسًا كونيًا للحب؛ فإذا بالإبريق يحمل ذاكرة، والبخار يصعد كرسالة، والفنجان يصبح شاهدًا، والملعقة ساعةً تعيد عقاربها إلى زمنٍ لم يكن الفراق قد اخترع فيه كلمته الأخيرة. يا دكتور طه… أنت لا تكتب التفاصيل؛ أنت تضع التفاصيل تحت مجهر القلب حتى نرى أرواحها الخفية. فاليد التي تمسك الإبريق عندك لم تعد يدًا، بل صارت مفتاحًا لمصير المساء، والبخار لم يعد بخار شاي، بل روحُ لحظةٍ تحاول أن تفلت من الزمن، والفنجان المسكين أصبح منافسًا للعاشق، لأن له شرف الوصول إلى شفتي الحبيبة قبله! وما أذكى تلك الغيرة الصغيرة التي جعلتها «كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف»… صورةٌ طريفة وعاشقة في آنٍ واحد، تُضحك القلب ثم تترك فيه وخزةً من الحنين. أما السكر الذي «يتعلم منها فن الاختفاء»، فهذه وحدها تستحق أن تُعلَّق على جدار الشعر؛ لأنك لم تجعل السكر يذوب في الشاي، بل جعلته يتعلم من المحبوبة كيف يختفي دون أن يفقد أثره. ثم تأتي تلك المفارقة الساحرة: «مرارة الشاي… عسلًا مصنوعًا من ريق المحبوبة وسكر الروح.» هنا لم يعد للشاي طعمٌ واحد؛ لقد أصبح مقياسًا للحب: ما كان مرًّا قبلها، صار عذبًا بحضورها، وما كان عاديًا صار طقسًا، وما كان فنجانًا صار ذاكرة. لكن أجمل ما فعلته، في رأيي، أنك جعلت الصمت هو اللغة الأرقى بين العاشقين؛ فحين تعجز اللغة عن حمل ما في القلب، تتكفل الملعقة بالدوران، ويتكفل البخار بالبوح، ويتكفل الفنجان بحفظ الأسرار. يا له من مشهد! ملعقةٌ تدور في فنجان، وفنجانٌ يصغي إلى قلبين، وقلبانِ يصمتان كي لا تفسد اللغةُ ما قاله الصمت. حتى قراءة طالع الورق في قاع الكأس لم تأتِ كخرافة، بل جاءت كحيلةٍ بريئة اخترعها الحب كي يمنح الغد وجهًا جميلًا؛ فهي لا تقرأ الغيب، وإنما تقرأ يدًا حين تمتد، وابتسامةً حين تُرى، وقلبًا حين يطمئن. ثم يا طه… تصل بنا إلى النهاية، فتسحب الكرسي بهدوء، وتتركنا أمام كأسٍ باردٍ على طاولةٍ فارغة. وهنا يحدث الانقلاب الأكبر في النص: لم يكن الرجل يشرب الشاي… كان يشرب حضورها. يا لهذه الجملة التي تختصر مأساة النص كله! حين رحلت، لم يفقد حبيبته فقط؛ لقد فقد المعنى الذي كان يمنحه للأشياء طعمها. فالمشكلة لم تكن في أن الشاي أصبح باردًا، بل أن اليد التي كانت تمنحه دفؤه غابت. وهنا يتحول الفنجان من إناءٍ إلى قبرٍ صغيرٍ للذاكرة، ويصبح البخار الذي كان يصعد بينهما شبحًا أبيض لشيءٍ لن يعود. كأنك تقول: بعض الغياب لا يأخذ الأشخاص من مقاعدهم فقط؛ بل يأخذ المقاعد من معناها، والأكواب من دفئها، والأمسيات من صوتها، والشاي من طعمه. لهذا شعرتُ أن نصك لا ينتهي عند الجملة الأخيرة؛ بل يبقى مثل بخار فنجانٍ في غرفةٍ خالية… يعلو قليلًا، ثم يتلاشى، لكن رائحته تظل معلقةً في الستائر. دكتور طه دخل الله عبد الرحمن… لقد كتبتَ الحب من أصغر أبوابه: فنجان، ملعقة، يد، بخار، صمت، ابتسامة… ثم فتحتَ لنا منه أكبر أبوابه: الحنين، الذاكرة، الفقد، واستحالة أن تعود الأشياء كما كانت بعد رحيل من منحها معناها. هذا نصٌّ لا يُقرأ مرةً واحدة؛ إنه يُقرأ كما يُحتسى الشاي: ببطء… وعلى مهل… وبين كل رشفةٍ ورشفةٍ تنهض ذكرى. فشكرًا لك على هذا النص الذي جعلني أؤمن أن الشاعر الحقيقي يستطيع أن يجعل من فنجان شايٍ عاديٍّ كوكبًا يدور حول حبيبة، ومن بخاره سماءً، ومن قاعه مقبرةً صغيرةً للأيام الجميلة. دام قلمك قادرًا على أن يجعل الأشياء اليومية تخلع ثيابها العادية وتظهر أمامنا عاريةً من معناها المألوف، مرتديةً ثوب الشعر. ولك منّي كل الإعجاب والتقدير… أما الشاي بعد نصك هذا، فلن يعود مجرد شاي؛ سيصبح سؤالًا موجعًا: مَن الذي كان يجعل الفنجان دافئًا… الشاي، أم اليد التي كانت تسكبه؟ ****************** العمل الثالث: بحسب طلبكم استاذنا للاشتغال عليه من قبلكم وهو بعنوان: فوضى النشر المعاصر أيها القارئ الكريم، إن المتأمل في حال النشر في هذا العصر لَيُصابُ بالذهول والدهشة، فقد انقلبت الموازين، وتغيرت المفاهيم، وغدا كل صاحب قلم، بل كل مُمسك بهاتف، ناشرًا ومؤلفًا. لقد زالت الحواجز التي كانت تحمي ساحة الثقافة من الدخلاء، فانهارت بذلك قيم الجودة والتحرير والانتقاء، وسادت فوضى عارمة طالت الكلمة والمضمون والشكل. في الماضي، كان النشر حلمًا يراود الأدباء، وغايةً يسعون إليها بشوق، وكانت دور النشر بمثابة حراس للبيت الثقافي، ينتقون الأفضل، ويصقلون المواهب، ويحمون اللغة من اللحن، والفكر من السطحية. أما اليوم، فقد أصبح النشر متاحًا لكل من هبَّ ودبَّ، فانهالت علينا سيول من الكتب والمقالات التي تخلو من العمق، وتفقد عناصر الجمال، وتنضح بالضعف والركاكة. لقد أفسحت منصات النشر الإلكتروني المجالَ لكل صوت، فاختلط الحابل بالنابل، وضاع الجوهر في زحام الكم. لم يعد القارئ يملك ميزانًا يميز به بين الغث والسمين، ولا مرشدًا يهديه إلى طريق الجودة. وأصبح الكاتب الجديد يتيه في بحر من التنافس غير الشريف، حيث لا معاييرَ للتمييز، ولا ضوابطَ للجودة. ولعل أخطر ما في هذه الفوضى هو ما أصاب اللغة العربية من وهن. فقد غزت العاميةُ والفصحى المكسورةُ صفحات الكتب، واعتادت العيون على الخطأ، فصار الصواب غريبًا، والبلاغةُ طرفةً بين الناس. لقد أضحت الأخطاء اللغوية سمة من سمات النشر المعاصر، حتى إن القارئ ليظن أن هذه الهنات من صلب اللغة وجزء من كينونتها. ولا يقل خطرًا عن ذلك ما تعانيه الساحة من غياب للتحرير الأدبي. فما عاد هناك من يصحح الأخطاء، أو يقدم النصح للكاتب، أو يرتب الأفكار ويصقل العبارات. فأصبحت الكتب تظهر إلى النور وهي حبلى بالأخطاء، مشوشة في مضامينها، مضطربة في ترتيبها. إن هذه الفوضى لتؤدي بالضرورة إلى إهمال الكتب الجيدة، وإلى تشتيت انتباه القارئ، وإلى خلق جيل من القراء لا يميز بين الأدب الرفيع والكتابة المتواضعة. وقد يصل الأمر إلى انحدار الذوق العام، وموت الحس النقدي، وغياب المعايير التي على أساسها تُقيم الأعمال الأدبية. غير أن الأمل لا يزال موجودًا، ففي خضم هذه العاصفة، تبقى هناك أصوات شجاعة تحاول أن تعلو فوق الضجيج، وأن تقدم للأدب حقه من الجودة والعمق والجمال. وإن على دور النشر الأصيلة أن تعيد النظر في سياساتها، وأن تتحمل مسؤوليتها في الحفاظ على مكانة الكلمة، وأن تقدم للقارئ ما يستحقه من أدب رفيع. وإن على القارئ أيضًا أن يتحمل جزءًا من المسؤولية، بأن ينتقي ما يقرأ، وأن يبحث عن الجودة في خضم هذه الفوضى، وأن يدعم الكتّاب الجادين الذين يحترمون الكلمة والقارئ. فيا أصحاب الأقلام، إن الكلمة أمانة، والأدب مسؤولية، فلا تُسوِّدوا الصحائف بما لا يليق، وليكن نُشركم عبرة وفائدة، لا ضياعًا وعبثًا. واعلموا أن الكلمة الخالدة هي التي تصمد أمام النقد، وتستحق البقاء، لا التي تذهب مع الريح في عصر الفوضى. طه دخل الله عبد الرحمن
استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-10-2026 مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول خبير بالمجموعة مساهم ممتاز محتوى ذكاء اصطناعي ·منذ حوالي ساعة١ س ·5/10/2026 ( أسابيع الرؤى الثقافية ) منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب —————————————————— السلسلة الثانية / الموسم الثقافي 2026 - 2027 العدد الخامس: من الاثنين 5 أكتوبر 2026 إلى الأحد 11 أكتوبر 2026 الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين الصفة / التخصص: أديب متعدد، كاتب، وناقد. —————————————————— مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية ترحب بالضيف الكريم، وبكل المثقفات والمثقفين العرب، الأوفياء لبرنامج "أسابيع الرؤى الثقافية" الرائد. *************************** كلمة شكر وامتنان للاستضافة أسبوعٌ من الرؤى… وشكرٌ يليقُ بالناقدِ الذي يُضيءُ المعنى حين تتحوّل الثقافة من صفحاتٍ تُقرأ إلى فضاءاتٍ تُعاش، ومن حروفٍ متجاورة إلى جسورٍ تعبر بنا نحو الفكر والجمال والوعي، ندرك أننا أمام مشروعٍ لا يكتفي بأن يروي عطش المعرفة، بل يصنع لها منابع جديدة. فالثقافة الحقة ليست زينةً للكلام، ولا ترفاً يمرّ على هامش الأيام، وإنما هي ضوءٌ للعقول، ورفعةٌ للأرواح، ووعدٌ متجدّد بأن للكلمة الصادقة سلطاناً، وللفكرة النبيلة مكاناً، وللإبداع إذا احتُضن واحتُفى به حياةً لا تنطفئ. ومن هذا الأفق الرحب، ومن هذه المساحة التي تتعانق فيها الرؤية بالرواية، والنقد بالنور، والأدب بالواجب الجمالي والإنساني، يأتي برنامج أسابيع الرؤى الثقافية في عدده الخامس، ليؤكد أن المشهد الثقافي لا يزدهر إلا حين يجد من يرعاه بعين البصيرة، ويُحسن تقديمه بقلب المحبة، ويمنحه من الجهد ما يجعله أليق بأهله وروّاده. أسبوعٌ كامل من العطاء المتصل، ومن الحضور الذي لا يكلّ، ومن الوفاء للكلمة في أجمل تجلياتها وأبهى معانيها. وإذا كان للشكر مقامٌ لا تفيه الكلمات، فإن من أحقّ الناس بأن تُرفع له رايات الامتنان، ويُهدى إليه صادق الثناء وعاطر العرفان، الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب؛ ذلك الذي لم يجعل من النقد ميزاناً جافاً، ولا من القراءة حكماً عابراً، بل جعلهما جسراً إلى النص، وإنصافاً للمبدع، واحتفاءً بالفكرة، وانتصاراً للجمال. فكان في حضوره الثقافي صوتاً يُنصت إلى المعنى قبل أن يحاكم المبنى، ويستخرج من أعماق النصوص دررها، ومن مساحات الإبداع أسرارها، ومن وجوه التجارب ملامح تفرّدها وإشراقها. له منّا شكرٌ لا تحدّه العبارة، وثناءٌ لا يفيه البيان، وعرفانٌ يمتدّ امتداد الأثر الطيب في القلوب. شكرٌ لرجلٍ جعل من كلمته مسؤولية، ومن نقده رسالة، ومن حضوره الثقافي منارةً تهدي ولا تدّعي، وتُضيء ولا تُقصي، وتبني ولا تهدم. فكم من نصٍّ وجد في قراءته حياةً أخرى، وكم من مبدعٍ وجد في إنصاته سنداً، وكم من فكرةٍ أزهرت حين لامستها عدسته النقدية الرصينة، فغدت أوضحَ معنى، وأقربَ مأخذاً، وأعمقَ أثراً. كما تتجه أسمى عبارات التقدير إلى مجموعة مجلات الرؤى الثقافية، هذه الأسرة الفكرية التي جمعت بين تنوع المنابر ووحدة الغاية، وبين تعدد الأصوات وانسجام الرؤى، فكانت منبراً يحتفي بالأدب، ويصاحب الفن، ويُنصت للشعر، ويُجالس الفكر، ويمنح القلم الحرّ موطناً كريماً ومساحةً رحبة. لقد أثبتت هذه المجلات أن العمل الثقافي حين يقوم على الإيمان برسالته، والإخلاص لفكرته، والحرص على جودته، يصبح أكثر من إصدارٍ أو برنامج؛ يصبح ذاكرةً للجمال، ومدرسةً للذائقة، ونافذةً تُطل منها الأرواح على آفاق أوسع وأجمل. في هذا الأسبوع الثقافي البهي، لم تكن الأيام سبعةً فحسب، بل كانت سبع نوافذ على الإبداع، وسبع محطات في دروب المعنى، وسبع رسائل تؤكد أن الكلمة لا تزال بخير ما دام لها من يصونها، وأن الأدب لا يزال حياً ما دام له من يقرأه بحبّ، وينقده بوعي، ويحتفي به بصدق. كانت أياماً تنفست فيها الحروف عبقها، واستعادت فيها الثقافة بهاءها، واجتمع فيها أهل القلم على مائدة الجمال، يتبادلون الرأي في رقيّ، ويختلفون في وعي، ويلتقون في رحاب المحبة والاحترام. فيا أستاذ عبد الرحمن بوطيب، يا صاحب القلم الذي يزن المعنى بميزان الإنصاف، ويكتب الرأي بروح العارف لا بروح العابر، لك منا أصدق التحايا، وأوفى الثناء، وأجمل الدعاء. دمتَ للنقد سداداً، وللثقافة مداداً، وللمبدعين عضداً، وللكلمة الرفيعة عهداً ووعداً. ويا مجموعة مجلات الرؤى الثقافية، يا من جعلتم من الرؤى واقعاً، ومن الثقافة رسالةً، ومن اللقاء الأدبي عيداً متجدداً، لكم من القلوب تقديرها، ومن الأقلام تحيتها، ومن الأرواح امتنانها. إن الشكر، مهما تزيّن بالسجع والبيان، يظل أقلّ من أن يحيط بجميل هذا الجهد، ولكن حسبُ الكلمات أنها تشهد بما في القلوب من وفاء، وأن تقول لمن أحسن: أحسنتم، ولمن أبدع: أبدعتم، ولمن خدم الثقافة في صمتٍ أو في ضوء: جزاكم الله عن الكلمة وأهلها خير الجزاء. فبورك هذا البرنامج، وبوركت هذه الرؤى، وبورك كل قلمٍ آمن بأن الثقافة حياة، وأن الجمال رسالة، وأن الإنسان لا يسمو إلا بما يقرأ ويكتب ويبدع. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 5/10/2026 ******************** الدكتور محمد ميموني يكتب: دكتور طه، قرأت مقدمتك هذه المرة لا بعين القارئ الذي يبحث عن جمال العبارة فقط، بل بعين من يريد أن يلتقط ما تقوله أنت من خلالها. وأظن أن أجمل ما فيها، بالنسبة لي، أنها تكشف عن علاقتك الخاصة بالثقافة وبالكلمة؛ فأنت لا تكتب الشكر كواجب، وإنما تحاول أن تمنح من تشكرهم شيئًا من حقهم في الذاكرة. أكثر ما استوقفني هو أنك لم تدخل مباشرة إلى عبارات الامتنان، بل أخذتنا أولًا إلى معنى الثقافة: من صفحات تُقرأ إلى فضاءات تُعاش. شعرت وأنا أقرأ هذه البداية أنك تهيئ القارئ لفهم سبب أهمية اللقاء قبل أن تتحدث عن أصحاب اللقاء. وهذه نقطة أراها ذكية وجميلة؛ لأنك جعلت المناسبة جزءًا من فكرة أكبر. وأنا شخصيًا أحببت كثيرًا انتقالك من الحديث عن «الرؤى الثقافية» إلى الحديث عن الدكتور عبد الرحمن بوطيب. لم يكن انتقالًا من برنامج إلى شخص، وإنما من مشروع إلى إنسان يقف وراءه. وهذا ما جعل ثناءك على الدكتور أكثر صدقًا في نظري، لأنك لم تكتفِ بوصفه بالناقد، بل حاولت أن تقول لنا ماذا يعني لك هذا النقد: إنصافًا للنص، واحتفاءً بالمبدع، وإنصاتًا للمعنى. وأثناء القراءة، توقفت أكثر من مرة عند بعض العبارات التي شعرت أنها تحمل صوتك أنت، لا مجرد لغة احتفالية جاهزة. وهذا في رأيي ما يمنح النص روحه. قد تختلف معي في بعض التفاصيل، لكنني خرجت منه بانطباع واضح: أنك كتبت لأنك أردت أن تقول شيئًا، لا لأن المناسبة فرضت عليك أن تقول شيئًا. كما لفتني أنك لم تحصر امتنانك في الدكتور عبد الرحمن، بل التفتَّ إلى «مجلات الرؤى الثقافية» باعتبارها مشروعًا يحتضن هذه اللقاءات. وهنا بدا لي أن الشكر عندك يتسع من الشخص إلى الفكرة، ومن المناسبة إلى الإيمان بالثقافة نفسها. ولأن لقاءنا سيكون غدًا، فقد قرأت النص أيضًا بوصفه تمهيدًا جميلًا لما سيحدث، لا خاتمة لحدث وقع. وهذا أعطاني إحساسًا بأنك لا تكتب عن لقاء منتهٍ، بل تستبق لحظة ستمنح النص معناه الكامل حين تلتقي الوجوه والأصوات حول طاولة واحدة. في النهاية، دكتور طه، أجد أن قوة مقدمتك ليست في طولها ولا في كثافة عباراتها، وإنما في أنها تحمل شيئًا من صاحبها. وهذا بالنسبة لي هو معيار النص الجميل: أن أقرأ الكلمات، ثم أشعر أنني التقيت بالكاتب خلفها. أتمنى أن يكون لقاء الغد بحجم هذا التمهيد الجميل، وأن تظل الكلمة بيننا هي المساحة التي نختلف فيها بمحبة، ونلتقي فيها بوعي، ونترك فيها شيئًا يستحق أن يُقرأ بعد أن ينتهي اللقاء. الدكتور محمد ميموني. ردي للدكتور محمد ميموني: إلى الدكتور محمد ميموني: حين يكون النقدُ وفاءً، والقولُ لقاءً ما أبهى أن يأتي الكلام من قارئٍ لا يقف عند حُسن العبارة، بل ينفذ إلى سريرتها؛ لا يطرب لجرس الحروف فحسب، بل يُصغي إلى نبضها، ولا يكتفي بقطف زهر اللغة، بل يتتبع جذورها في تربة المعنى. لقد قرأتُ كلماتكم كما تُقرأ الرسائل النادرة: بعين الامتنان، وبقلب المودّة، وبروحٍ تجد في الفهم العميق أجمل ضروب التكريم. ما كتبتموه ليس تعليقًا عابرًا على مقدمة، ولا مجاملةً تُقال ثم تمضي مع الريح؛ بل هو قراءةٌ تُضيء المقروء، ووفاءٌ يمنح المكتوب حياةً أخرى، ونقدٌ يفتح للنص نافذةً يرى منها نفسه في مرآة قارئه النبيل. فلقد أحسنتم إذ التقطتم ما وراء الكلمات، وأصبتم إذ رأيتم أن الشكر، حين يخرج من القلب، لا يكون أداءً لواجبٍ عابر، بل إحياءً لحقٍّ واجب؛ ولا يكون ثناءً على أشخاصٍ فحسب، بل اعترافًا بأثرهم في الوجدان والثقافة والذاكرة. لقد منحتم النص، من سعة تأمّلكم ما جعله يتجاوز حدوده الأولى؛ فأنتم لم تقرؤوا المقدمة حروفًا مصطفّة، بل قرأتم فيها مقصدًا، ولم تروا فيها مناسبةً آنية، بل رأيتم فيها إيمانًا بأن الثقافة ليست أوراقًا تُقلّب، وإنما آفاقٌ تُفتح؛ وليست كلماتٍ تُقال، وإنما جسورٌ تُمدّ بين العقول والقلوب. وما أصدق إشارتكم إلى الانتقال من «الرؤى الثقافية» إلى الدكتور عبد الرحمن بوطيب؛ إذ إن المشروع لا يزدهر إلا برجاله، والفكرة لا تُثمر إلا بمن يحملها، والكلمة لا تستقيم في فضاء الثقافة إلا إذا وجدت من يُنصت إليها بضمير الناقد، وعدل العارف، وذائقة المحب. فالدكتور عبد الرحمن بوطيب، بما يمثله من رهافةٍ ونزاهةٍ ووعي، ليس اسمًا يُذكر في سياق الثناء، بل قيمةٌ تُستحضر في مقام الوفاء. وإن كان للنص من فضل، فإن لكلماتكم فضلًا آخر: أنها ردّت إليه صداه الإنساني، وأعادت إليه وجهه الذي لعله توارى بين سطور المناسبة. لقد قلتم، ببلاغتكم الهادئة، إن النص الجميل هو الذي يحمل صاحبه؛ وما أجمل هذا القول وما أعمقه: فالكلمات بلا روحٍ زينةٌ تزول، والعبارات بلا صدقٍ أصداءٌ تخبو، أما الكلمة التي تسكنها ذات كاتبها، فإنها تبقى؛ لأنها لا تُقرأ بالعين وحدها، بل تُلامس بالقلب، وتُحفظ في الذاكرة. أشكركم، دكتور محمد ميموني، لا لأنكم أثنيتم، بل لأنكم أنصفتم؛ لا لأنكم قرأتم، بل لأنكم أصغيتم؛ لا لأنكم كتبتم عن نص، بل لأنكم كتبتم إلى صاحبه بما يليق بالكلمة حين تكون جسرًا من الود، ومجالًا من الوعي، ومقامًا من الجمال. ولعل لقاء الغد، كما تفضلتم، يكون امتدادًا لهذا المعنى النبيل: نلتقي لا لنُكثر القول، بل لنُحسن الإصغاء؛ ولا لنتشابه في كل شيء، بل لنختلف بمحبةٍ ونتحاور بوعي؛ ولا لنصنع مناسبةً تنتهي بانتهاء ساعاتها، بل لنترك في فضاء الثقافة أثرًا يظلّ حيًّا بعد انفضاض المجلس، وفي الذاكرة ضوءًا لا تطفئه الأيام. دمتم، دكتور محمد ميموني، قارئًا يُنصف النصوص، ومثقفًا يُكرم المعاني، وصديقًا للكلمة حين تكون صادقةً، وللثقافة حين تكون وعدًا بالإنسان، وللجمال حين يكون طريقًا إلى الحقيقة. طه دخل الله عبد الرحمن رد الدكتور محمد ميموني دكتور طه، قرأت كلماتك أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أتوقف عند جملة، لا لأبحث عن جمالها، بل لأتساءل: كيف استطاع صاحبها أن يرى ما كنت أظنه عابرًا في النص؟ ولعل أجمل م+ا في كلامك أنك لم تردّ على قراءتي بمديحٍ آخر، بل رددت إليها شيئًا من روحها. وهذا النوع من الكلام يربكني قليلًا؛ لأنني أجد نفسي أمام صديقٍ لم يكتفِ بأن يقرأ ما كتبت، بل التفت إلى اليد التي كانت تكتب، وإلى الإنسان المختبئ بين السطور. أنا لا أؤمن كثيرًا بالنقد الذي يقف بعيدًا عن النص كأنه قاضٍ، ولا بالثناء الذي يقترب منه أكثر مما ينبغي. أحب القراءة التي تجلس إلى جوار النص، تنصت إليه، وتشاكسه أحيانًا، ثم تتركه أكثر وضوحًا لصاحبه. وربما لهذا شعرت أن كلماتك كانت لقاءً قبل أن تكون ردًّا. أما حديثك عن الدكتور عبد الرحمن بوطيب، فقد جعلني أتأمل مرة أخرى في معنى الوفاء الثقافي. فالأسماء التي نذكرها ليست دائمًا أسماءً فقط؛ بعضها يحمل وراءه ذاكرةً، ومواقفَ، وأثرًا ترك شيئًا فينا ثم مضى. ومن حق هؤلاء أن نستعيد حضورهم لا بالمجاملة، وإنما بما يليق بما تركوه من أثر. وأقول لك بصراحة: أسعدني في رسالتك أنك لم تُكثر من الحديث عن كلماتي بقدر ما كشفت لي شيئًا عنك أنت. وهذا عندي أجمل ما يمكن أن تمنحه الكتابة للكتابة: أن نبدأ من نص، ثم نكتشف أننا التقينا عند معنى إنساني أوسع منه. لذلك، لا أرى لقاء الغد مجرد موعدٍ للحوار. أراه فرصةً لأن نضع الكلمات جانبًا قليلًا، ونرى من يقف خلفها. فكم من فكرةٍ جميلة ماتت لأنها لم تجد من يصغي إليها، وكم من اختلافٍ صار أجمل حين وجد بين طرفيه احترامًا حقيقيًا. سأحضر غدًا كما أحب أن أحضر دائمًا: لا محمّلًا بإجابات جاهزة، بل بشيء من الفضول، وشيء من المشاكسة، وكثير من الإصغاء. وشكرًا لك يا دكتور طه، ليس لأنك أثنيت عليّ، فهذا يمرّ، وإنما لأنك جعلتني أشعر أن القراءة يمكن أن تكون فعل مودة، وأن الكلمة حين تصدر عن قلبٍ حاضر، تستطيع أن تعيد للقاء معناه قبل أن يبدأ. ولعل أجمل ما في بعض اللقاءات أنها لا تنتهي حين ينتهي الكلام، بل تبدأ منه. Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن دكتور طه العزيز، بما أن لقاء الجمعة القادمة، إن شاء الله، سيكون ضمن برنامج لقاءات منتدى شعاع، يسعدني أن أستفيد من ذائقتك ومعرفتك الواسعة، وأن ترشح لي ضيفًا أراه جديرًا بأن يكون معنا في لقاء الأسبوع القادم. أترك لك مساحة الاختيار، لأنني أثق أن لديك أسماءً وتجارب تستحق أن تُفتح لها نافذة الحوار في شعاع. وسيكون ترشيحك محل تقدير واعتزاز مني. مودتي وتقديري دكتور طه. الدكتور محمد ميموني. ****************************** العناصر المميزة 6 عناصر جديدة شارة محتوى مميز
Abdou Bout مع طه عبد الرحمن. مسؤول خبير بالمجموعة مساهم ممتاز · منذ ١٥ دقيقة ١٥ د · أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب —————————————————— السلسلة الثانية / الموسم الثقافي 2026 - 2027 العدد الخامس الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين الحلقة الأولى: الاثنين 5 أكتوبر 2026 الورقة الإبداعية الذاتية —————————————————— 1/ كلمة مدير البرنامج (حين تصبح الثقافة سيرة للروح، ويغدو المكان ذاكرة للكلمة) في سياق السلسلة الثانية من "أسابيع الرؤى الثقافية"، وفي موسمها الثقافي 2026–2027، يسعدنا أن نفتح في العدد الخامس نافذة جديدة على تجربة ثقافية وإبداعية فلسطينية، من خلال استضافة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ابن البعنة في الجليل، في حلقة أولى نخصصها للورقة الإبداعية الذاتية؛ حيث لا يعود المثقف مجرد اسم في المشهد، ولا الكاتب مجرد صاحب نصوص، وإنما يصبح الإنسان نفسه موضوعا للقراءة، بما يحمله من ذاكرة المكان، وأسئلة الوجود، وتجربة الكتابة، وموقفه من الثقافة والإنسان. إن اختيار الورقة الإبداعية الذاتية مدخلا لهذه الحلقة ليس اختيارا عابرا؛ فالكتابة عن الذات، حين تتجاوز حدود السيرة التعريفية، تتحول إلى محاولة لاستعادة الطريق من الداخل، والكشف عن المنابع التي تشكلت منها الحساسية الإبداعية والفكرية. ومن هنا تأتي أهمية شهادة الدكتور طه عبد الرحمن، لأنها لا تقدم لنا مسارا حياتيا فحسب، بل تقترح علينا رؤية خاصة إلى معنى الثقافة، ووظيفة الكتابة، وأخلاقيات النقد، وعلاقة الإنسان بمكانه الأول. في هذه الورقة، يبدو الجليل والبعنة أكثر من جغرافيا للولادة والإقامة؛ إنهما ذاكرة تتخلل اللغة، وتمنح التجربة جذورها وملامحها. فالمكان، كما يقدمه صاحب الورقة، لا يبقى خارج النص، بل يتحول إلى جزء من تكوين النظرة إلى العالم؛ من رائحة التراب وذاكرة الجدات إلى ثقل التاريخ وأسئلة البقاء، ومن القرية الصغيرة إلى أفق عربي وإنساني أوسع. ولعل أجمل ما يلفت في هذه التجربة أن الثقافة لا تقدم بوصفها وجاهة أو لقبا أو تراكما من المعارف، وإنما باعتبارها إقامة داخل السؤال. سؤال الإنسان عن إنسانيته، وعن اللغة حين تصبح جسرا لا جدارا، وعن الأدب حين يتحول من ممارسة جمالية إلى مسؤولية تجاه الإنسان والذاكرة والمعنى. ومن هذه الزاوية تحديدا، تستوقفنا نظرته إلى النقد باعتباره محبة عاقلة. إنها عبارة تختصر تصورا نقديا وإنسانيا جديرا بالتأمل؛ فالنقد، في هذه الرؤية، لا يقوم على إلغاء النص أو استعراض سلطة الناقد عليه، وإنما على الإنصات، والإضاءة، والكشف عن إمكانات النص، مع تسمية مواطن ضعفه بصدق واحترام. وهذا التصور يلتقي، في جوهره، مع ما نحرص عليه في "أسابيع الرؤى الثقافية": أن تكون الثقافة فضاء للحوار لا للمحاكمة، وأن يكون النقد فعل إنصات وكشف وبناء، وأن تظل الاختلافات الفكرية والجمالية داخل دائرة الاحترام المتبادل، لأن قيمة الثقافة لا تقاس فقط بما تقوله، وإنما أيضا بالطريقة التي تتيح بها للآخر أن يقول ما لديه. كما أن انتقال التجربة من الصمت إلى الكلمة يمنح الورقة بعدا إنسانيا إضافيا؛ فالكلمة هنا ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما إمكانية لمقاومة النسيان، وكسر العزلة، وتحويل الألم إلى معنى، واستعادة ما قد تبتلعه الذاكرة. ومن ثم يصبح فعل الكتابة نوعا من الوفاء للإنسان وللمكان وللتجربة. وفي مسار الدكتور طه عبد الرحمن، تتجاور القراءة والكتابة والشعر والخاطرة والمقالة والنقد، وتتقاطع الحياة المهنية مع حياة الكتاب، لتؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تتوقف عند وظيفة أو مرحلة عمرية. فالتقاعد من العمل المهني لا يعني التقاعد من السؤال، ولا من القراءة، ولا من الكتابة؛ إذ تظل الثقافة، كما توحي هذه التجربة، مسارا مفتوحا لا محطة نهائية له. وإذا كان هذا العدد يقدم ضيفه من خلال ورقة ذاتية، فإننا لا نريده أن يكون مجرد احتفاء بشخص وتجربة، بل دعوة إلى القارئ لكي يتأمل معه أسئلة أوسع: ما الذي يجعل الإنسان كاتبا؟ كيف يتحول المكان إلى ذاكرة إبداعية؟ أين تبدأ مسؤولية النقد وأين تنتهي سلطته؟ وهل يمكن للثقافة أن تستعيد إنسانيتها حين تجعل من المعرفة طريقا إلى التواضع لا إلى الاستعلاء؟ إننا في "أسابيع الرؤى الثقافية" نؤمن بأن الاحتفاء بالمثقف لا يكون بتقديم اسمه فقط، وإنما بإتاحة المساحة لتجربته كي تتكلم، ولأسئلته كي تصل، ولرؤيته إلى الثقافة كي تدخل في حوار حي مع القارئ. ومن هنا تأتي هذه الحلقة الأولى من العدد الخامس بوصفها لقاء مع تجربة فلسطينية تحمل المكان في ذاكرتها، والكتابة في وجدانها، والنقد في وعيها، والإنسان في قلب مشروعها الثقافي. وإذ أرحب بالدكتور طه دخل الله عبد الرحمن ضيفا كريما على هذا العدد، فإنني أتقدم إليه بخالص الشكر والتقدير على هذه المشاركة التي اختار أن يطل من خلالها على القارئ لا من نافذة التعريف الجاهز، وإنما من عمق التجربة الإنسانية والإبداعية. ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذا التقديم هو أن الثقافة، حين تصير سيرة للروح، لا تعود ملكا لصاحبها وحده؛ إنها تصبح جزءا من الذاكرة المشتركة، وتتحول الكلمة فيها إلى جسر بين الأمكنة والتجارب، وبين الإنسان وذاته، وبين الماضي الذي يسكننا والمستقبل الذي لم نصل إليه بعد. مرحبا بالدكتور طه عبد الرحمن في "أسابيع الرؤى الثقافية"، ومرحبا بتجربته، وبالجليل الذي يحضر فيها، وبالكلمة التي اختار لها أن تكون مصباحا لا مطرقة، وجسرا لا جدارا، ونافذة صغيرة على اتساع الإنسان. عبد الرحمن بوطيب مدير برنامج "أسابيع الرؤى الثقافية" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 2/ كلمة شكر وامتنان للاستضافة / د. طه عبد الرحمن (أسبوعٌ من الرؤى… وشكرٌ يليقُ بالناقدِ الذي يُضيءُ المعنى)
حين تتحوّل الثقافة من صفحاتٍ تُقرأ إلى فضاءاتٍ تُعاش، ومن حروفٍ متجاورة إلى جسورٍ تعبر بنا نحو الفكر والجمال والوعي، ندرك أننا أمام مشروعٍ لا يكتفي بأن يروي عطش المعرفة، بل يصنع لها منابع جديدة. فالثقافة الحقة ليست زينةً للكلام، ولا ترفاً يمرّ على هامش الأيام، وإنما هي ضوءٌ للعقول، ورفعةٌ للأرواح، ووعدٌ متجدّد بأن للكلمة الصادقة سلطاناً، وللفكرة النبيلة مكاناً، وللإبداع إذا احتُضن واحتُفى به حياةً لا تنطفئ. ومن هذا الأفق الرحب، ومن هذه المساحة التي تتعانق فيها الرؤية بالرواية، والنقد بالنور، والأدب بالواجب الجمالي والإنساني، يأتي برنامج أسابيع الرؤى الثقافية في عدده الخامس، ليؤكد أن المشهد الثقافي لا يزدهر إلا حين يجد من يرعاه بعين البصيرة، ويُحسن تقديمه بقلب المحبة، ويمنحه من الجهد ما يجعله أليق بأهله وروّاده. أسبوعٌ كامل من العطاء المتصل، ومن الحضور الذي لا يكلّ، ومن الوفاء للكلمة في أجمل تجلياتها وأبهى معانيها. وإذا كان للشكر مقامٌ لا تفيه الكلمات، فإن من أحقّ الناس بأن تُرفع له رايات الامتنان، ويُهدى إليه صادق الثناء وعاطر العرفان، الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب؛ ذلك الذي لم يجعل من النقد ميزاناً جافاً، ولا من القراءة حكماً عابراً، بل جعلهما جسراً إلى النص، وإنصافاً للمبدع، واحتفاءً بالفكرة، وانتصاراً للجمال. فكان في حضوره الثقافي صوتاً يُنصت إلى المعنى قبل أن يحاكم المبنى، ويستخرج من أعماق النصوص دررها، ومن مساحات الإبداع أسرارها، ومن وجوه التجارب ملامح تفرّدها وإشراقها. له منّا شكرٌ لا تحدّه العبارة، وثناءٌ لا يفيه البيان، وعرفانٌ يمتدّ امتداد الأثر الطيب في القلوب. شكرٌ لرجلٍ جعل من كلمته مسؤولية، ومن نقده رسالة، ومن حضوره الثقافي منارةً تهدي ولا تدّعي، وتُضيء ولا تُقصي، وتبني ولا تهدم. فكم من نصٍّ وجد في قراءته حياةً أخرى، وكم من مبدعٍ وجد في إنصاته سنداً، وكم من فكرةٍ أزهرت حين لامستها عدسته النقدية الرصينة، فغدت أوضحَ معنى، وأقربَ مأخذاً، وأعمقَ أثراً. كما تتجه أسمى عبارات التقدير إلى مجموعة مجلات الرؤى الثقافية، هذه الأسرة الفكرية التي جمعت بين تنوع المنابر ووحدة الغاية، وبين تعدد الأصوات وانسجام الرؤى، فكانت منبراً يحتفي بالأدب، ويصاحب الفن، ويُنصت للشعر، ويُجالس الفكر، ويمنح القلم الحرّ موطناً كريماً ومساحةً رحبة. لقد أثبتت هذه المجلات أن العمل الثقافي حين يقوم على الإيمان برسالته، والإخلاص لفكرته، والحرص على جودته، يصبح أكثر من إصدارٍ أو برنامج؛ يصبح ذاكرةً للجمال، ومدرسةً للذائقة، ونافذةً تُطل منها الأرواح على آفاق أوسع وأجمل. في هذا الأسبوع الثقافي البهي، لم تكن الأيام سبعةً فحسب، بل كانت سبع نوافذ على الإبداع، وسبع محطات في دروب المعنى، وسبع رسائل تؤكد أن الكلمة لا تزال بخير ما دام لها من يصونها، وأن الأدب لا يزال حياً ما دام له من يقرأه بحبّ، وينقده بوعي، ويحتفي به بصدق. كانت أياماً تنفست فيها الحروف عبقها، واستعادت فيها الثقافة بهاءها، واجتمع فيها أهل القلم على مائدة الجمال، يتبادلون الرأي في رقيّ، ويختلفون في وعي، ويلتقون في رحاب المحبة والاحترام. فيا أستاذ عبد الرحمن بوطيب، يا صاحب القلم الذي يزن المعنى بميزان الإنصاف، ويكتب الرأي بروح العارف لا بروح العابر، لك منا أصدق التحايا، وأوفى الثناء، وأجمل الدعاء. دمتَ للنقد سداداً، وللثقافة مداداً، وللمبدعين عضداً، وللكلمة الرفيعة عهداً ووعداً. ويا مجموعة مجلات الرؤى الثقافية، يا من جعلتم من الرؤى واقعاً، ومن الثقافة رسالةً، ومن اللقاء الأدبي عيداً متجدداً، لكم من القلوب تقديرها، ومن الأقلام تحيتها، ومن الأرواح امتنانها. إن الشكر، مهما تزيّن بالسجع والبيان، يظل أقلّ من أن يحيط بجميل هذا الجهد، ولكن حسبُ الكلمات أنها تشهد بما في القلوب من وفاء، وأن تقول لمن أحسن: أحسنتم، ولمن أبدع: أبدعتم، ولمن خدم الثقافة في صمتٍ أو في ضوء: جزاكم الله عن الكلمة وأهلها خير الجزاء. فبورك هذا البرنامج، وبوركت هذه الرؤى، وبورك كل قلمٍ آمن بأن الثقافة حياة، وأن الجمال رسالة، وأن الإنسان لا يسمو إلا بما يقرأ ويكتب ويبدع. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل ————————————————— 3/ الورقة الإبداعية الذاتية (حين تصير الثقافة سيرة روحي) لم أدخل الثقافة لأضيف اسمي إلى قائمة الأسماء، ولا لأجمع المقالات والقراءات كما تُجمع الشواهد على حضورٍ عابر. اقتربتُ من الكلمة لأنني آمنتُ أنها تستطيع، وسط ضجيج العالم، أن تردّ إلى الإنسان حقه في أن يُصغى إليه. كلما جلستُ إلى نص، وجدتُ خلفه وجهًا ينتظر من يراه، وحلمًا تعثّر ولم يفقد رغبته في النهوض، وألمًا لم يعثر بعد على عبارته. لم أرد أن أقيم في برج اللغة وأطلّ منه على الناس. أردتُ أن أمشي بينهم، أن أتعلم من تفاصيلهم التي تمرّ عليها العيون المستعجلة: من فرحهم الصغير، ومن تعبهم الطويل، ومن صمتهم حين لا يجدون ما يقولونه أو لا يجدون من يسمع. هناك، في الحياة لا بعيدًا عنها، أخذت حساسيتي تتشكل، وأخذت أسئلتي تكبر معي. لم تكن الثقافة يومًا ثوبًا أرتديه في المناسبات، ولا لقبًا أعلّقه على اسمي، ولا سلّمًا أصعد به فوق أحد. كانت إقامتي داخل السؤال: كيف أحفظ إنسانيتي حين تضيق الأزمنة؟ كيف أجعل اللغة جسرًا لا جدارًا؟ وكيف أترك للأدب أن يحرس ما تبقى في القلب من رهافة، في عالم يتقن القسوة أكثر مما يتقن الإصغاء؟ وحين أكتب، لا أشعر أنني أقف خارج الجرح وأصفه. أكتب من داخله، لا لأنه جرحي وحدي، بل لأنه نصيبٌ نتقاسمه وإن اختلفت حكاياتنا. لا أرى الأدب لعبةً للشكل، ولا النقد سلطةً على أصحاب النصوص، ولا المعرفة امتيازًا يُغلق بابه في وجه الناس. أريد للكلمة أن تبحث معي عن المعنى، وأن تلتقطه من بين أنقاض العادة واللامبالاة. أنا ابن الجليل أنا ابن البعنة في الجليل. لا أحمل المكان في عنوان سيرتي فحسب؛ أحمله في نبرة صوتي، وفي الطريقة التي أقترب بها من الأشياء. تعلّمتُ أن الأرض ليست خريطةً محايدة، بل ذاكرةٌ تشدّ الإنسان إلى جذوره، وتتركه في الوقت نفسه يصغي إلى الريح. فيها اليوميّ البسيط، وفيها ثقل التاريخ؛ فيها ما يبقى، وما نخشى عليه من الضياع. كلما اتسع العالم أمامي، عدتُ إلى المكان الأول لا لأنغلق فيه، بل لأفتح منه نافذة. أعرف أن القرية لا تصغر حين أرى عبرها العالم؛ إنها تمنح نظرتي رائحةً وصوتًا وملمسًا. من لهجة الجدات، ومن نافذة البيت، ومن رائحة التراب بعد المطر، تعلّمتُ أن الأشياء التي تبدو صغيرة قد تكون خزائن للوجود. لهذا لا أقترب من القصيدة أو الحكاية بميزانٍ بارد. أنصتُ إلى ما تقوله العبارة، وإلى ما تعجز عن قوله أيضًا. أبحث عن الصوت الخافت، لأنني أعرف أن خفوته لا تعني ضالته؛ وقد تختبئ وراء تجربة فردٍ واحد ذاكرةُ أناس كثيرين ومخاوفهم وأحلامهم. لا أظن أنني أفهم إنسانًا من كلامه وحده. ثمة صمتٌ يحيط بكل عبارة، ومعارك لا تظهر في سيرة النجاح، وحياةٌ كاملة تسبق النص وتجعله ضروريًا لصاحبه. وما أحاول فعله، قارئًا وكاتبًا، هو ألا أكسر تلك الحياة وأنا أبحث عن معنى الكلمات. من الصمت إلى الكلمة لم أكتب دائمًا لأن لديّ جوابًا. أحيانًا كتبتُ لأن الصمت صار أثقل من أن يُحتمل. رأيتُ كيف يمكن للأصوات أن تخفت حين يطول الخوف أو التهميش، وحين يشعر الإنسان أن لا أحد ينتظر ما سيقوله. لذلك ظل سؤال الصمت يرافقني: متى يكون فسحةً للتأمل، ومتى يصير بابًا موصدًا على من يحتاجون إلى الكلام؟ لا أؤمن بأن كل كلامٍ يحرّر، ولا بأن كل صمتٍ عجز. لكنني أؤمن أن الكلمة تستطيع أن تفتح ثغرةً للضوء حين يصير الصمت مفروضًا على صاحبه. وحين أكتب أو أقرأ، أحاول أن أبدأ بالإصغاء؛ أن أسمع ارتجاف المعنى قبل أن يتحول إلى صرخة، وأن أمهل التجربة الإنسانية وقتًا لا تمنحه لها العيون المستعجلة. لم أرد من المعرفة أن تجعلني أعلى صوتًا من الآخرين. سألتُ نفسي، وما زلتُ أسألها: كيف أجعلها أقل قسوةً وأكثر قربًا من الإنسان؟ كيف أختلف مع نصٍّ من غير أن أهين صاحبه، وأقول رأيي من غير أن أغلق باب المراجعة؟ إذا كان في عملي الثقافي موقفٌ أخلاقي، فأرجو أن يكون هنا: في ألا أفصل الجمال عن الرحمة، ولا المعرفة عن التواضع، ولا اللغة عن مسؤوليتها. أحب النص الذي يجعل قارئه أشد انتباهًا إلى الناس، وأحب النقد الذي يساعد النص على أن يرى إمكاناته من غير أن يسلبه حقه في الاختلاف. النقد محبةٌ عاقلة حين أجلس أمام نصٍّ، لا أريد أن أكون قاضيًا يستدعيه إلى محكمة اللغة. ولا أريد أن أثبت تفوقي على كاتبه. أريد أن أكون قارئًا يحمل محبةً لا تُجامل، وعقلًا لا يفتك بما يقرأ كي يبرهن على براعته. أعرف أن النص قد يضعف، وأن الصدق في القراءة يقتضي تسمية مواضع ضعفه. لكنني أعرف أيضًا أنه، في جانبٍ منه، محاولة إنسانية للنجاة؛ محاولةٌ لأن يقول صاحبه شيئًا عن نفسه أو عن العالم أو عن وجعٍ لم يجد له اسمًا. لذلك أحاول أن أقترب من الضعف بكرامة، وأن أرى إمكان النمو قبل أن أعلن الإلغاء. أتتبع طبقات القصيدة والحكاية والنص السردي؛ أصغي إلى الإيقاع، وأتوقف عند المفردة والإشارة، وأبحث عن المجاز الذي ينبض في الداخل. وما أتمناه من القراءة أن تفتح النص على احتمالاته، لا أن تحبسه في نتيجةٍ واحدة. فالنص، حين نمهله، قد يدلّنا على بابٍ لم نره في القراءة الأولى. لا أريد أن أقف أمامه وفي يدي مطرقة. يكفيني مصباح. المصباح لا يكتب الطريق بدلًا من السائر، لكنه يعينه على أن يرى موضع خطوته. هكذا أحب أن أقرأ: أن أضيء ولا أحرق، أن أسأل ولا أتّهم، وأن أفتح الباب ثم أترك للنص غرفته. أكتب كي لا ينطفئ المعنى أعيش في زمنٍ تتكاثر فيه المعلومات ولا يزداد فيه الفهم بالضرورة؛ تتسع منصات الكلام، وقد يضيق بينها مجال الحوار. لذلك أحاول أن أقاوم الاستسهال في نفسي أولًا: ألا أُسلّم عقلي لأول تفسير، ولا قلبي لأول كراهية، ولا لغتي لأول صيغةٍ جاهزة. أحتاج إلى الاستدراك كما أحتاج إلى الرأي. أراجع ما ظننته مكتملًا، لا لأنني أخشى أن أتخذ موقفًا، بل لأنني لا أريد لموقفي أن يصير جدارًا. قد يرى الآخر زاويةً غابت عني، وقد تمنحني القراءة الثانية فهمًا لم تمنحني إياه الأولى. هكذا أتعلم أن أثق من غير أن أصمّ أذني، وأن أختلف من غير أن أحوّل الاختلاف إلى خندق. خرجتُ من مكاني الأول إلى فضاءاتٍ أدبية وثقافية عربية أوسع، وبقي الجليل حاضرًا في وجداني. لم أجد في ذلك تناقضًا؛ فكلما عرفتُ تربتي على نحوٍ أعمق، استطعتُ أن أمدّ منها حديثًا إلى الآخرين. أرى الأدب العربي نهرًا تلتقي فيه روافد كثيرة: صوت الشاعر، وذاكرة القاص، وتجربة المرأة الكاتبة، ومكابدة الأديب الشاب، وحيرة الناقد، وأسئلة القارئ الذي يقف على العتبة. حين أقرأ نصوص الآخرين، أحب أن أتخيل أثر القراءة خارج صفحتها: كاتبًا يطمئن إلى أن أحدًا حاول فهمه، وقارئًا يتوقف قليلًا بدل أن يمضي مسرعًا، ونصًا مهمشًا يجد منفذًا إلى الضوء. الإبداع لا يحتاج إلى المنافسة وحدها؛ يحتاج أيضًا إلى من يرعاه، وإلى مصابيح صغيرة تتوزع في الطريق بدل أن يُسلَّط الضوء كله على اسمٍ واحد. أكتب لأنني أخشى أن يبتلع النسيان ما عشناه، وأن يمرّ الألم من غير أن يتحول إلى معنى، وأن يعتاد الناس القسوة لأن أحدًا لم يجد اللغة التي تكشفها. أحاول، بالمقالة والقراءة والتأمل، أن أردّ إلى الكلمة وقارها: لا تجهمها، بل وعيها بما تستطيع أن تفعل. فقد تخفف وحدة قارئ، أو تمنح كاتبًا مبتدئًا شجاعة الاستمرار، أو تقول لإنسانٍ أثقلته الأيام إن تجربته جديرة بأن تُروى. لا أطلب من الكلمة أن تصنع معجزة. يكفيني أن تفتح نافذةً صغيرة في جدار الواقع. وأنا، إن كان لي أن أختار صورتي في هذه الرحلة، أختار أن أكون صاحب مصباحٍ لا صاحب منبر. لا أريد للعيون أن تتجه إليّ بقدر ما أريد لها أن ترى الطريق. أريد أن يبقى الحرف نورًا لا نارًا، ورفقًا لا وصاية، وسؤالًا لا قيدًا؛ وأن تمتدّ به يدٌ إلى إنسانٍ كي لا يسقط وحيدًا في عتمة العالم.——————————————— 4/ سيرة ذاتية طه دخل الله عبد الرحمن، كاتبٌ وشاعرٌ وناقدٌ أدبيّ فلسطيني. وُلدتُ في 23 آب/أغسطس 1958 في قرية البعنة بالجليل الأعلى، فلسطين. هناك عرفتُ اسمي الأول، وهناك بدأت صلتي بالمكان الذي ما زال يسكن ذاكرتي وكتابتي. متزوج وأبٌ لأربعة أبناء. وبين حياة الأسرة ورفقة الكتب، ظلّ الشعر والخاطرة والمقالة والنقد الأدبي مساحاتٍ أعود إليها؛ أقرأ فيها العالم، وأفتّش عمّا تتركه الأيام في نفس الإنسان. تعليمي وتكويني بدأتُ تعليمي الابتدائي في قريتي البعنة، ثم تابعتُ دراستي الثانوية في المسار العلمي، وتخرّجتُ عام 1976. بعد ذلك سافرتُ إلى إيطاليا والتحقتُ بكلية الصيدلة في جامعة فلورنسا، حيث درستُ ثلاث سنوات. حالت ظروفٌ دون إتمام دراستي الجامعية، لكنّ الطريق لم يتوقف عند تلك العتبة؛ فقد وجدتُ في القراءة بابًا آخر للتعلّم. قرأتُ في التراث العربي، وفي الأدب والنقد، وانفتحتُ على الأدب العالمي. شيئًا فشيئًا، أخذتُ أقترب من الشعر والنثر والقراءة النقدية، وأتعلم كيف أصغي إلى الكلمة قبل أن أكتبها. عملي وكتابتي بعد عودتي إلى الوطن، عملتُ في مجال الفندقة. كانت للعمل مسؤولياته، وللكتابة مكانها الذي لم أتخلَّ عنه. كتبتُ الشعر والخاطرة والمقالة والنقد الأدبي، ونشرتُ نصوصي ومقالاتي في منابر ورقية وإلكترونية داخل البلاد وخارجها. تشغلني في الكتابة قضايا الإنسان والمجتمع، وتستوقفني القصيدة والحكاية وما تخبئه النصوص من أسئلة. أرى في النقد فرصةً للحوار مع النص، وفي الثقافة مجالًا للإنصات والمراجعة، لا مجرد أجوبةٍ جاهزة. مشاركاتي الأدبية شاركتُ في أربعة دواوين أدبية جماعية تحت رعاية مجلة الجمهور العربي وبيت الأدباء والشعراء العرب، بإدارة الدكتور طارق فوزي أحمد من مصر. ونشرتُ إنتاجي في مواقع ومنتديات ومنابر ثقافية عربية متعددة، وشاركتُ عضوًا في عدد من المنتديات والمجالس الأدبية العربية. نلتُ جوائز وشهادات تقدير أدبية، وإن لم تُذكر أسماؤها وتواريخها في المعلومات التي أستند إليها هنا. وفي عام 2023 أعددتُ مشروع كتاب للنشر، لكنني لم أُصدر حتى تاريخ إعداد هذه السيرة ديوانًا شعريًا أو كتابًا مستقلًا. ما زالت نصوصي تجد طريقها إلى القراء عبر المنابر والمشاركات الأدبية. اليوم وما أؤمن به تقاعدتُ من العمل المهني، ولم أتقاعد من القراءة والكتابة. ما زلتُ أكتب وأنشر، وأعود إلى الكتب كلما احتجتُ إلى نافذةٍ أوسع أرى منها نفسي والعالم. أؤمن بأن الكتابة صدقٌ قبل أن تكون صياغة، وأنها تستطيع أن تحفظ شيئًا من ذاكرة الإنسان والمكان. لذلك أمدّ يدي إلى الكلمة لا لأزيّن بها سيرةً مضت، بل لأواصل بها الطريق: من البعنة التي بدأتُ فيها، إلى كل قارئٍ قد يجد في نصّي صدىً لشيءٍ عاشه ولم يقله بعد. **************** التعليقات والردود : ردي على الكلمة الافتتاحية للأستاذ عبد الرحمن بوطيب مدير برنامج " أسابيع الرؤى الثقافية" إلى أستاذ الحرف: حين يزهر التقديمُ ويستضيءُ الطريق الأستاذ الأديب عبد الرحمن بوطيب، يا من جعلتَ من التقديم قصيدةَ وفاء، ومن القراءة مصافحةَ روح، ومن الثقافة موئلا للإنسان قبل أن تكون منبرا للأسماء؛ تحيةً تليق بقلمك وهو يقطف من المعنى أزهاره، ويغرس في دروب الكلمة مصابيحه، ويعيد إلى الخطاب الثقافي بهاءه حين يحرره من جفاف العبارة وضجيج الادعاء. ما قرأتُ كلمتكم إلا وشعرت أنني أقف أمام مرآة لا تُظهر الملامح، بل تستخرج المعاني؛ مرآة لا تسأل الكاتب: ماذا كتبت؟ بل تسأله: من أيّ وجعٍ خرجت كلمتك، وأيّ ترابٍ علّمه قلبك أن يصير لغة، وأيّ حلمٍ ظلّ يوقظ فيك القدرة على القول بعد طول الصمت؟ فما كان تقديمكم مقدمةً تعبر إلى النص ثم تنصرف، بل كان نصا موازيا، يجاور التجربة ولا يزاحمها، ويضيء دربها ولا يدّعي أنه الطريق. لقد قرأتم في حروفي ما لم أقلْه كله، وسمعتم في صمتي ما عجزت العبارة عن حمله، وأبصرتم في البعنة والجليل أكثر من اسمين على خارطة المكان؛ أبصرتم جذرا يمد في الروح أغصانه، وذاكرة تسكن الحرف وإن غاب أهلها، وجرحا يتعلم كل يوم كيف يصير أملا. فالبعنة ليست عندي قريةً أعود إليها في الصور، بل قصيدة أولى كتبتها الأرض في دمي؛ والجليل ليس جهةً من الجهات، بل جهة القلب حين تضيع الجهات، ونداء الحجر حين يخذلنا الكلام، ووعد الزيتون حين يطول ليل الانتظار. أستاذ عبد الرحمن، لقد أحسنتم الإصغاء إلى المكان وهو يتكلم في اللغة، وإلى اللغة وهي تستدعي مكانها من أعماق الذاكرة. أدركتم أن الإنسان لا يغادر بداياته، مهما نأت المسافات وتبدلت الوجوه؛ لأن الطفولة لا تمضي، وإنما تستقر فينا على هيئة حنين، ولأن الأمكنة لا تموت، وإنما تنام في الحروف حتى يوقظها قلم صادق. فمن رائحة التراب، ومن خبز الأمهات، ومن دعاء الجدات، ومن ظلال الأشجار التي حفظت أسماءنا، تتشكل تلك الأبجدية الخفية التي نكتب بها أنفسنا قبل أن نكتب للآخرين. وما أجمل أنكم التقطتم لبّ ما أومن به: أن الثقافة ليست تاجا يوضع على الرؤوس، ولا سلّما يصعد به المرء فوق الناس، ولا رصيدا يتباهى به المتعلم في مجالس العابرين؛ إنها تواضع العارف أمام اتساع المجهول، وقلق السؤال أمام صمت الأجوبة، ووفاء الإنسان لإنسانيته حين يملك المعرفة ولا يفقد الرحمة. فالثقافة، حين تنفصل عن القلب، تصبح زخرفا باردا؛ وحين تنفصل عن الناس، تصبح صدى لنفسها؛ وحين تتخلى عن أخلاقها، تتحول إلى سلاح يجرح أكثر مما ينير. أما النقد، ذلك الذي وصفتم جوهره في عبارة «محبة عاقلة»، فليس في نظري سوطا يجلد النصوص، ولا سيفا يطلب رقابها، ولا حكما متعاليا يوزع البراءة والإدانة من علٍ؛ النقد عينٌ ترى الجمال فلا تبخسه حقه، وترى العيب فلا تستره بالمجاملة، وقلبٌ يختلف دون أن يهين، ويكشف دون أن يفضح، ويشير إلى العثرة دون أن يتشفى. إن الناقد الحق لا يقف فوق النص متكبرا، بل يقف إلى جانبه متأملا؛ لا يقتحم روحه، بل يستأذنها؛ لا يهدم بناءه ليثبت قوته، بل يفتح نوافذه ليدخله الضوء. لقد وضعتم يدكم على معنى أعتز به: أن الكلمة ليست صوتا عابرا في هواء الأيام، بل عهد بين الكاتب وذاكرته، وبين الإنسان وألمه، وبين الحاضر وما أودعته الأزمنة في صدره. نكتب كي لا ينتصر النسيان، ونكتب كي لا يصبح الألم حجرا في الحلق، ونكتب كي نعطي للغائبين مقاعدهم في دفاتر الحياة، وللأمكنة التي تسكننا حقها في أن تبقى. نكتب لأن الصمت، إذا طال، يصير منفًى؛ ولأن الحرف، إذا صدق، يصبح وطنا. وإن ما تصنعونه في «أسابيع الرؤى الثقافية» ليس إقامة احتفال عابر للأسماء، ولا توزيع ضوء موسمي على الوجوه؛ إنه تأسيس لفضاء يكرم الفكرة، ويستقبل التجربة، ويصون الاختلاف، ويعيد إلى الحوار أدبه، وإلى النقد ضميره، وإلى الثقافة رسالتها. إنكم تفتحون للكاتب نافذة لا ليطل منها على صورته، بل ليطل منها على مسؤوليته؛ وتدعون القارئ لا ليصفق، بل ليشارك بالسؤال؛ وتجمعون الكلمة لا لتتجاور في زحامها، بل لتتآلف في اختلافها وتلتقي في إنسانيتها. فشكرا لكم، أستاذنا الكريم، على كلمةٍ كانت أوسع من الترحيب، وأعمق من التقديم، وأبقى من مناسبة عابرة. شكرا لأنكم منحتم التجربة حقها في أن تُقرأ بعين المحب وعقل العارف، ومنحتم صاحبها شرف أن يرى ذاته في ضوء قراءة نبيلة لا تجامل ولا تجفو، لا ترفع صاحبها فوق الناس ولا تنزع عنه حقه في أن يكون إنسانا بين الناس. لقد جعلتم من اسمي، في هذا المقام، بابا إلى الجليل؛ ومن الجليل بابا إلى فلسطين؛ ومن فلسطين بابا إلى الإنسان؛ ومن الإنسان بابا إلى ذلك السؤال الكبير الذي لا يشيخ: كيف نصون أرواحنا من قسوة العالم؟ وكيف نجعل من الكلمة خبزا للجائع إلى المعنى، وماء للعطشان إلى العدالة، ومصباحا للتائهين في عتمة الأيام؟ سلام عليكم أستاذ عبد الرحمن بوطيب، يوم جعلتم للكلمة جناحين، وللثقافة قلبا، وللنقد ضميرا، وللمكان ذاكرة، وللإنسان مكانه الأول والأخير في حضرة الأدب. وسيبقى الامتنان لكم مكتوبا بين سطور القلب، لا يمحوه مرور الوقت، ولا تطفئه مسافات الغياب؛ لأن الكلمات الصادقة لا تنتهي عند آخر السطر، بل تبدأ منه رحلة جديدة في الوجدان. طه دخل الله عبد الرحمن Mohammed Mimouni أخي وصديقي دكتور طه، قرأت ورقتك لا كسيرة ذاتية تعرّف بك، بل كنص يكشف شيئا من الطريق الذي صنعت فيه الثقافة علاقتك بالإنسان والكلمة. وأثناء القراءة، توقفت عند عبارتك: «النقد محبة عاقلة». لم أتعامل معها كتعريف للنقد، بل كدعوة للتفكير فيه: كيف نحب النص دون أن نفقد قدرتنا على رؤيته؟ وكيف نحافظ على العقل دون أن يتحول إلى برودة؟ أظن أن قوة عبارتك تكمن في جمعها بين الإنصاف والوضوح؛ فالنقد عندك لا يجامل النص، ولا يتعالى عليه. ولهذا جاءت صورتك الأخرى، «المصباح لا المطرقة»، كأنها ترجمة لهذه الرؤية. وأجدني قريبا منها: لا يهمني أن يخرج الناقد منتصرا، بقدر ما يهمني أن يخرج النص أكثر وضوحا. ولعل أجمل ما في هذه الرؤية أنك لا تقرأ الكلمات وحدها، بل تصغي أيضا إلى ما عجزت عن قوله؛ وكأن النص عندك ليس بناء لغويا فحسب، بل أثرا من آثار الإنسان. أما البعنة والجليل، فلم يظهرا في ورقتك كمعلومة في السيرة، بل كذاكرة تسكن اللغة. وهنا وجدتني أسألك: هل نحن الذين نكتب أمكنتنا، أم أن أمكنتنا تكتب فينا أولا، ثم نقضي العمر نحاول أن نفهم ما كتبته؟ وحين تقول إنك تكتب كي لا ينطفئ المعنى، أجدني أضيف: ربما لا نكتب دائما لأننا نملك المعنى، بل لأننا نخشى أن نفقده. وهنا تتجاوز ورقتك السيرة إلى سؤال الثقافة نفسها: ماذا تفعل بنا المعرفة؟ بالنسبة إلي، هذا هو الاختبار الحقيقي: أن تجعلنا أكثر إنصافا، وأكثر تواضعا أمام ما لا نعرف، وأكثر قدرة على الإصغاء. لذلك أخرج من ورقتك بفكرة أجد نفسي قريبا منها: النقد الذي يضيء النص ولا يحجب صاحبه، والثقافة التي ترفع الإنسان دون أن تضعه فوق الإنسان، يلتقيان في فضيلة واحدة: أن نعرف دون أن نستعلي. شكرا لك، دكتور طه، لأنك لم ترسل لي سيرة جاهزة، بل تركت لي مساحة لأحاور تجربتك من داخلها. وربما أجمل ما تفعله الورقة الذاتية أن تجعل القارئ، بعد أن ينتهي منها، لا يقول فقط: «لقد فهمت هذا الإنسان»، بل يسأل نفسه: ماذا فعلت بي أنا الثقافة التي أزعم أنني عشتها؟
طه عبد الرحمن Mohammed Mimouni الأخ الدكتور محمد ميموني: حين يمرّ الثناءُ فيضيءُ ما بين الحروف تحية تليق بعالمٍ يعرف أن للكلمة نسبا في القلب قبل أن يكون لها موقع في الصفحة، وبقارئٍ لا يكتفي بأن يلامس ظاهر النص، بل ينفذ إلى طبقاته الخفية، فيوقظ ما نام فيه من أسئلة، ويستخرج من صمته نداءات المعنى. تحية لكم وأنتم تمنحون الأدب من سعة علمكم رهافة الشعور، ومن عمق معرفتكم تواضع المحبة، ومن حضوركم الثقافي ذلك الضوء الذي يجعل للقول قيمة، وللقراءة رسالة، وللكاتب شعورا نبيلا بأن كلمته قد بلغت موضعها الصحيح. ما وصلتني كلماتكم إلا كما يصل النسيم إلى غصن أتعبته الرياح، فيرده إلى خضرته، وكما يصل الماء إلى أرض عطشى، فيوقظ فيها ما خفي من البذور. لقد وجدتها كلمة صادرة من قلب قارئ يعرف أن النصوص لا تطلب التصفيق بقدر ما تطلب الفهم، ولا تبحث عن الثناء لذاته، بل عن روح تلتقي بروحها في مساحة من الصدق والإنصاف. وما أبهى أن يلتقي الكاتب بقارئ مثلكم، يقرأ العبارة بعين المثقف، ويصغي إلى ما وراءها بقلب الإنسان، ثم يعيدها إلى صاحبها مزدانة بما أضافه إليها من حسه الرفيع ووعيه النبيل. إن الكلمة التي تخرج من صاحب علم وخبرة لا تمر كأي كلمة؛ فهي تحمل معها وقار المعرفة، لكنها حين تتوشح بهذا الدفء الإنساني الذي عرفناه في حديثكم، تصبح أقرب إلى هدية من نور. لقد منحتموني، بكلماتكم، ما هو أبعد من الإطراء؛ منحتموني ثقة أجمل، وأمانة أثقل، ومسؤولية أعمق تجاه ما أكتب. فالكاتب حين يشعر أن هناك من يقرأه بصدق، لا يزداد غرورا، بل يزداد حياء أمام الحرف، ويتعلم أن يكون أكثر وفاء للكلمة، وأكثر حرصا على أن لا يخذل المعنى ولا يخون الذاكرة. إنكم، أستاذنا الدكتور محمد ميموني، تمثلون ذلك النموذج الذي يحتاجه المشهد الثقافي: معرفة لا تتعالى، ونقد لا يجرح، وحضور لا يضيق بالآخر، وقلم يؤمن أن الأدب ليس ميدانا للغلبة، بل مجالا للقاء. فكم نحن في حاجة إلى قارئ يتقدم إلى النص بمحبة العارف، لا بغرور المتربص؛ وإلى ناقد يضيء العثرات دون أن يطفئ المصابيح؛ وإلى مثقف يرى في اختلاف الرؤى اتساعا للعقل، لا سببا للخصومة أو الإقصاء. لقد تعلمنا من الأدب أن الجمال لا يقيم في العبارة وحدها، بل في النية التي تصنع العبارة، وفي الأثر الذي تتركه بعد أن تصمت الأصوات. ومن هنا كانت كلمتكم جميلة، لا لأنها مدحت نصا أو رفعت من شأن كاتب، بل لأنها حملت أخلاق القراءة؛ تلك الأخلاق التي تجعل من التلقي شراكة، ومن الثناء مسؤولية، ومن الحوار جسرا يعبر عليه الإنسان إلى الإنسان. وإذا كانت الكتابة محاولة لمقاومة العابر والزائل، فإن القراءة الواعية هي التي تمنحها قدرتها على البقاء. فالكاتب يضع في نصه بعضا من روحه، لكنه لا يعرف أين تستقر تلك الروح إلا حين يجد من يلتقطها برفق، ويمنحها من تأمله حياة أخرى. لقد جعلتم، بحسن ظنكم وسمو قراءتكم، من كلمتي مناسبة لأتذكر أن الأدب لا يزدهر بصوت واحد، وأن النص لا يبلغ تمامه إلا حين يلتقي بقارئ كريم يضيف إليه من وجدانه ما لا تمنحه الكتابة وحدها. فشكرا لكم، أستاذي الدكتور محمد ميموني، على هذه اللفتة الراقية، وعلى هذا الحضور الذي يضع للثقافة ميزانها الأخلاقي، وللكلمة حرمتها، وللكاتب دافعا جديدا لأن يستمر في البحث عن المعنى وسط ضجيج العابرين. شكرا لأنكم ذكرتمونا، من حيث لا تقصدون، بأن أجمل ما في المعرفة أن تجعلنا أكثر قربا من الناس، وأن أصدق ما في النقد أن يحفظ للنص كرامته، ولصاحبه إنسانيته، وللقراءة جمالها. دمتم علما يضيء ولا يحجب، وقلبا يقرأ ولا يقسو، وقامة ثقافية تفتح أمام الكلمة طريقا إلى مزيد من الصدق والجمال. وليبقَ حضوركم في فضاءات الفكر والأدب علامة على أن الحرف، حين يلتقي بالعلم والخلق، لا يصبح نصا فحسب، بل يصبح أثرا طيبا يبقى في الوجدان. طه دخل الله عبد الرحمن
Jamal Garougar ما يلفت في الورقة حضور البعنة والجليل في تفاصيل التجربة، والحديث عن الكتابة بوصفها مقاومة للنسيان، وعن النقد باعتباره "محبة عاقلة". وتبقى صورة "صاحب مصباح لا صاحب منبر" من أجمل ما يلخص علاقة الكاتب بالكلمة. تحية للدكتور طه عبد الرحمن وللأستاذ بوطيب عبد الرحمن أديب Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، قرأت نصك أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أجد فيه شيئًا يتجاوز فكرة الرد على ما كتبت. شعرت أنني أمام قارئ لم يكتفِ بأن يرى النص، بل حاول أن يرى الإنسان الذي كان يقف خلفه وهو يكتب. وهذا، في رأيي، من أجمل ما يمكن أن يحدث لكاتب؛ أن يجد من لا يكتفي بقراءة عباراته، بل يصغي أيضًا إلى ما تركه بين السطور. أنت لم تقرأ كلماتي من الخارج، بل دخلت إلى أسئلتها، وفتحت فيها نوافذ لم أنتبه إليها وأنا أكتب. وربما هنا تكمن قيمة القراءة الحقيقية: أن يعيد القارئ إلى الكاتب شيئًا من نصه، ولكن بصورة لم يرها من قبل. وأنا، من تجربتي مع الكتابة، لا أؤمن أن النص يبقى ملكًا لصاحبه بعد أن يغادره. نضع فيه شيئًا من أرواحنا، ثم نتركه للآخرين. وقد يأتي قارئ واحد صادق فيمنحه معنى جديدًا، أو يوقظ فيه سؤالًا كان نائمًا. ولهذا توقفت عند حديثك عن أخلاق القراءة. هذه الفكرة قريبة مني جدًا؛ لأنني أرى أن النقد حين يتحول إلى استعراض للمعرفة يفقد شيئًا من جماله، وأن الاختلاف لا يحتاج إلى قسوة حتى يكون عميقًا. أجمل ناقد، في نظري، هو من يستطيع أن يشير إلى موضع العثرة دون أن يهدم الطريق كله. ولعل هذا ما وجدته في قراءتك. لم أشعر أنك كنت تبحث عن موضع تنتصر فيه على النص، بل كنت تبحث عن معنى يمكن أن نلتقي حوله. وهذا النوع من القراءة هو الذي يجعل الكاتب يعود إلى نصه بعين أخرى. وأنت تعرف أنني أعود كثيرًا إلى فكرة المعنى المستعصي؛ ذلك المعنى الذي كلما ظننا أننا اقتربنا منه، ترك لنا سؤالًا جديدًا. وربما لهذا أحببت قراءتك؛ لأنك لم تحاول أن تغلق النص بتفسير نهائي، بل تركت له مساحة أخرى كي يتنفس. وأقول لك شيئًا من تجربتي: الكاتب لا يكبر بكثرة من يمدحونه، بل أحيانًا بكلمة واحدة تجعله يعيد التفكير فيما كتب. لذلك لم أستقبل كلماتك باعتبارها شهادة أضيفها إلى ما أكتب، وإنما باعتبارها مسؤولية أمام قلمي. فالكلمة حين تجد قارئًا بهذا الوعي تصبح أمانة، وليس مجرد لحظة رضا. لقد ذكرتني أيضًا بأن الكتابة ليست حديثًا من طرف واحد. نحن نكتب، ثم يأتي قارئ ما، فيكمل معنا الحديث دون أن نكون قد دعوناه إليه. وقد تكون هذه هي المفاجأة الجميلة في الأدب: أن النص الذي نظنه انتهى عند آخر سطر، يبدأ أحيانًا هناك. لذلك شكرًا لك، دكتور طه، لا لأنك أثنيت على نصي، بل لأنك قرأته بصدق، ثم أعدت إليّ بعضه بصورة أخرى. وأعتقد أن أجمل ما يمكن أن يقال عن قارئ هو أنه يجعل الكاتب يرغب في أن يكتب أفضل، لا أن يكتفي بما كتب. دمتَ قارئًا يضيف إلى النص دون أن يصادره، وناقدًا يعرف أن الاختلاف يمكن أن يكون طريقًا إلى المعرفة، وإنسانًا يجعل للكلمة مكانًا آخر غير الصفحة. الدكتور محمد ميموني. طه عبد الرحمن Mohammed Mimouni حين يعيد القارئ إلى الكاتب مرآةَ المعنى إلى الأستاذ الدكتور محمد ميموني، تحيةً تليق بعقلٍ يعرف أن للكلمة وجهاً ظاهراً تراه العيون، ووجهاً باطناً لا تبصره إلا القلوب التي تهذّبت بالمعرفة، وتأنّقت بالإنصاف، وتطهّرت من ضجيج الادعاء. تحيةً لقلمٍ لا يكتب ليملأ فراغ الصفحة، بل يترك في بياضها نبضاً، ويمنح الحرف من رقة الروح ما يجعله أوسع من العبارة، وأبقى من المناسبة، وأقرب إلى ذلك الضوء الذي يضلّ الطريق إليه كثير من الناس، فلا يهتدي إليه إلا من جعل من القراءة خلقاً، ومن النقد مروءة، ومن الحوار جسراً لا متراساً. لقد قرأت كلمتكم الكريمة، يا أستاذي الدكتور محمد، فشعرت أنني لا أتلقى جواباً على جواب، ولا ثناءً يقابله امتنان، بل أدخل معكم إلى فسحةٍ رحبة من المعنى، حيث تتعانق الكتابة والقراءة، ويتصافح الكاتب والقارئ، ويذوب الحد الفاصل بين من يكتب ومن يتلقى؛ لأن النص، في حضرة الوعي الصادق، لا يعود ملكاً لقلمٍ واحد، ولا أسيراً لقصدٍ واحد، بل يصبح كائناً حراً يمضي إلى القراء، فيأخذ من أرواحهم كما يعطيهم، ويضيء فيهم كما يستضيئون به. ما أعمق قولكم إن القارئ الحقيقي لا يكتفي برؤية النص، بل يحاول أن يرى الإنسان الواقف خلفه وهو يكتب. تلك ليست قراءة للحروف، بل قراءة للنبض؛ ليست إصغاءً إلى الكلام وحده، بل إنصاتٌ لما يختبئ وراءه من قلقٍ وأملٍ ووجعٍ ورجاء. فكم من قارئ يمر على النص كما تمر الريح على نافذة مغلقة، لا يلتقط دفأ البيت ولا يسمع حكاية ساكنيه؛ وكم من قارئ كريم، من طينتكم، يفتح نافذة النص برفق، فيدخل إلى قلبه دون اقتحام، ويرى في سطوره ما تركه صاحبه من ظلال العمر، وخبايا السؤال، وآثار الطريق. لقد أعدتم إلى ذاكرتي، بكلماتكم، حقيقةً أؤمن بها كلما أمسكت بالقلم: أن النص لحظة يولد لا يعود ملكاً كاملاً لصاحبه. إن الكاتب يضع فيه بعضاً من روحه، ثم يرسله إلى العالم مثل طائرٍ خرج من عشه، لا يملك أن يرسم له مسار طيرانه، ولا أن يختار له السماء التي يحلّق فيها، ولا القلوب التي سيحط عليها. وقد يعود ذلك الطائر إلى صاحبه محملاً بألوانٍ لم يرها حين أطلقه، وبأغانٍ لم يسمعها وهو يصوغ جناحيه. وهذه هي معجزة الأدب: أن العبارة، حين تصدق، تنجو من حدود صاحبها، وتتسع لتصبح بيتاً لكل من يجد فيها بعضاً من نفسه. وما أصدق ما أشرتم إليه من أن قارئاً واحداً صادقاً قد يمنح النص معنى جديداً، أو يوقظ فيه سؤالاً كان نائماً. فالنصوص، يا أستاذنا، تشبه البذور؛ قد تبدو ساكنة في يد الكاتب، لكنها لا تعرف سرّ إنباتها إلا حين تقع في تربة قارئ حيّ، يسقيها بالتأمل، ويعرضها لشمس التجربة، ويمنحها من أسئلته ما يجعلها تنبت على هيئة لا يتوقعها حتى من غرسها. ولذلك فإن الكاتب لا يملك أن يدّعي اكتمال المعنى، ولا أن يغلق باب النص بمفتاح تفسيره؛ لأن المعنى أوسع من يدٍ واحدة، وأبعد من عينٍ واحدة، وأغنى من أن يُختصر في نية القائل وحدها. لقد لمست في حديثكم عن أخلاق القراءة ذلك الجوهر الرفيع الذي يجعل النقد فناً من فنون العدالة، لا استعراضاً للمعرفة، ولا مبارزةً في ساحات الغرور. إن الناقد الذي يقف عند عثرة النص ليشهّر بها، ويبحث في كل جمال عن نقص، لا يقرأ ليضيء، بل يقرأ ليُطفئ؛ أما الناقد الحق، فهو الذي يشير إلى موضع العثرة ليعين النص على النهوض، لا ليحتفل بسقوطه، ويختلف ليكشف أفقاً آخر، لا ليقيم جداراً بينه وبين صاحبه. فليس في القسوة برهان عمق، ولا في التهجم علامة ذكاء، ولا في ادعاء اليقين نهاية للأسئلة؛ إنما العمق أن نرى النقص دون أن ننكر الجمال، وأن نقول الحقيقة دون أن نجرح كرامة الإنسان، وأن نختلف دون أن نفقد شرف اللقاء. ولقد أسعدني أنكم وجدتم في قراءتي ما لم يكن بحثاً عن انتصار على النص، بل سعياً إلى معنى يمكن أن نلتقي حوله. فما الكتابة، في تقديري، ساحة غلبة بين قارئ وكاتب، ولا محكمة يُستدعى إليها النص ليدافع عن نفسه، وإنما هي مائدة معنى يجلس حولها المختلفون، يحمل كل منهم خبزه الداخلي، ويقتسمون نور السؤال. إن أجمل ما يفعله القارئ بالنص أن يضيف إليه دون أن يستولي عليه، وأن يفتح له نافذة دون أن يسلبه أسراره، وأن ينصت إلى صمته دون أن يدّعي امتلاك صوته. وإذا كنتم تعودون، كما ذكرتم، إلى فكرة المعنى المستعصي، فإنني أجد في هذه الفكرة بعض عزاء الكتابة وفتنتها معاً. فما أجمل المعنى حين لا يسلم نفسه دفعة واحدة، وحين يظل، كلما ظننا أننا بلغناه، يزيح ستاراً ليكشف عن سؤال آخر. إن المعنى الذي ينتهي سريعاً يشبه طريقاً قصيراً لا يترك في الروح أثراً، أما المعنى الذي يراوغنا بكرم، ويقودنا من سؤال إلى سؤال، فهو الذي يبقي النص حياً، ويبقي القارئ يقظاً، ويبقي الكاتب متواضعاً أمام ما لم يقله بعد. إن كلماتكم لم تزدني شعوراً بالرضا، بقدر ما زادتني شعوراً بالأمانة. فالمديح العابر قد يبهج صاحبه لحظة، ثم يمضي كما تمضي سحابة صيف، أما الكلمة التي تأتي من قارئ عارف فتضع في يد الكاتب مرآة ومسؤولية؛ مرآة يراجع فيها ما كتب، ومسؤولية تحثه على أن يكتب بما يليق بثقة من قرأه. لذلك أستقبل حديثكم لا بوصفه وساماً يعلّق على صدر الكاتب، بل بوصفه عهداً جديداً مع الحرف: أن يكون أصدق، وأهدأ، وأعمق، وأقرب إلى الإنسان الذي يظل الغاية الأولى والأخيرة لكل كتابة حقيقية. نعم، نحن لا نكتب وحدنا، وإن بدا القلم وحيداً بين الأصابع. نكتب ومعنا وجوه الذين أحببناهم، وأصوات الذين غابوا، وأسئلة الذين لم نلتقهم بعد، وذاكرة الأمكنة التي سكنت فينا، ووجع الأيام التي علمتنا أن للكلمة كلفةً وكرامة. ثم يأتي القارئ، فيواصل الحديث من الجهة التي توقفنا عندها، ويكتب في المسافة بين السطور ما لا نستطيع نحن أن نكتبه. وعندئذٍ فقط، ندرك أن النص لم ينته عند آخر نقطة، بل بدأ رحلته الحقيقية منها. فشكراً لكم، أستاذي الدكتور محمد ميموني، لا على ما قلتموه في حق كلماتي فحسب، بل على ما أعدتموه إلى الكتابة من بهائها الإنساني، وعلى ما منحتموه للقراءة من منزلة تليق بها. شكراً لأنكم جعلتم من الحوار بين النص وقارئه فعلاً من أفعال المعرفة، ومن الاختلاف باباً للاتساع، ومن النقد طريقاً إلى مزيد من الفهم لا إلى مزيد من القطيعة. دمتم علماً يجاور الحرف فيزيده نوراً، وقارئاً يرد إلى النصوص أرواحها، ومفكراً يعرف أن أجمل ما في الأدب ليس أن يمنحنا أجوبة جاهزة، بل أن يجعلنا أكثر صدقاً أمام أسئلتنا. ودمتم للثقافة حضوراً نبيلاً، وللكلمة ضميراً يقظاً، وللمعنى المستعصي صديقاً لا يرهبه غموضه، بل يلاحقه بمحبة العارف، وصبر الباحث، وبهاء الإنسان. طه دخل الله عبد الرحمن Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن الدكتور طه، قرأت كلماتكم هذه المرة وأنا أشعر أن المرآة التي تحدثتم عنها لم تعد تعكس النص وحده، بل بدأت تعكس القارئ نفسه. وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة: نحن نظن أننا نقرأ النص، ثم نكتشف في لحظة ما أن النص كان يختبر طريقتنا في النظر إليه. أعجبني في كلامكم أنكم لم تتعاملوا مع القراءة بوصفها عبوراً فوق الكلمات، بل بوصفها اقتراباً من الإنسان المختبئ خلفها. وهذا، في رأيي، هو الفارق بين قارئ يرى ما كُتب، وقارئ يسأل: لماذا كُتب هكذا؟ وما الذي عجز صاحبه عن قوله صراحة؟ ولعل أجمل ما في القراءة أن الكاتب لا يملك بعد نشر نصه سلطة كاملة عليه. يتركه، ثم تبدأ حياة أخرى لا يستطيع التحكم في تفاصيلها. قد يرى فيه قارئٌ ما لم يخطر له، وقد يعثر آخر على جرح لم يكن الكاتب نفسه قد سمّاه، وقد تأتي قراءة صادقة فتجعل الكاتب يعود إلى نصه كأنه يراه للمرة الأولى. وهنا أتوقف عند عبارتي التي أعود إليها كثيراً: المعنى المستعصي. فالمعنى الذي يسلّم نفسه سريعاً لا يترك للقارئ سوى مهمة الفهم، أما المعنى الذي يقاوم قليلاً، فيجعل القراءة مشاركةً في الخلق. ولعل النص الجميل ليس هو الذي يقول كل شيء، بل الذي يترك شيئاً منه في يد القارئ كي يكمله بطريقته. أما حديثكم عن أخلاق القراءة والنقد، فقد لامس عندي مسألة أراها أكبر من الأدب نفسه. فحين نختلف، ماذا نريد من اختلافنا؟ أن نثبت أننا الأذكى، أم أن نرى معاً ما لم نكن نراه منفردين؟ بالنسبة لي، النقد الذي لا يترك في الإنسان شيئاً من الضوء، مهما كان صائباً، يظل ناقصاً؛ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى إهانة من يحملها، كما أن الاختلاف لا يحتاج إلى خصومة كي يكون عميقاً. وقد تعلمت، مع الوقت، أن بعض النصوص لا تحتاج إلى قارئ يشرحها بقدر ما تحتاج إلى قارئ يحسن الإصغاء إليها. فهناك أشياء لا تُقال بين السطور، بل تُترك في الصمت الذي بينها. وربما لهذا أحب الكتابة التي تجعلني أتردد قبل أن أضع النقطة الأخيرة؛ لأنني أشعر أنني لم أصل إلى نهاية المعنى، وإنما وصلت فقط إلى الحد الذي استطعت أن أراه. ولذلك أستقبل كلماتكم لا كمديح أحتفظ به، بل كسؤال يعيدني إلى نفسي: هل كنت أكتب ما أريد قوله، أم ما أستطيع قوله؟ وهل استطاعت اللغة أن تحمل شيئاً من الإنسان الذي يقف خلفها؟ ربما لهذا لا أطمئن كثيراً إلى النص الذي يشرح نفسه بالكامل. أحب النص الذي يترك لي وللقارئ مساحة صغيرة من الحيرة؛ تلك الحيرة التي لا تُربك المعنى، بل تمنحه حياة أخرى. شكراً لكم، دكتور طه، لأنكم لم تعيدوا إليّ كلمات كتبتها فحسب، بل أعدتم إليّ سؤالاً كنت أظنه انتهى: متى ينتهي النص؟ وأظن أن جوابي اليوم أبسط مما كنت أتصور: ينتهي النص حين يتوقف القارئ عن العثور على نفسه فيه. أما ما دام القارئ يعود إليه، ويختلف معه، ويضيف إليه شيئاً من تجربته، فالنص لم ينته بعد... وربما الكاتب نفسه لم ينته من اكتشاف ما كتب. الدكتور محمد ميموني طه عبد الرحمن Mohammed Mimouni حين تُصغي المرآة إلى وجهها الآخر إلى الأستاذ الدكتور محمد ميموني، يا من يمنحون للكلمة حقّها في أن تتأمل نفسها، وللقراءة شرفَ أن تكون كشفاً لا استهلاكاً، وللنقد نُبلَ أن يكون ضوءاً لا سيفاً؛ تحية تفيض من قلبٍ وجد في حديثكم ما هو أعمق من جوابٍ على جواب، وأبعد من ثناءٍ يتبادل صداه كاتبان. تحية لعقلٍ أدرك أن النص ليس كلاماً ينتهي عند نقطة، بل كائنٌ من سؤال، يولد في يد صاحبه، ثم يكبر في عيون الآخرين، ويكتشف في كل قارئ وجهاً لم يكن يعرفه عن نفسه. قرأت كلماتكم، فشعرت أن المرآة التي تحدثنا عنها لم تعد معلقة على جدار النص، بل أصبحت فضاءً شفافاً يتبادل فيه الكاتب والقارئ النظر؛ فلا يعود أحدهما مالكاً للحقيقة، ولا يكون الآخر مجرد عابرٍ عند بابها. إنهما يلتقيان في منطقة دقيقة بين القول والصمت، بين ما استطاعت اللغة أن تحمله وما بقي في القلب أوسع من اللغة، فيرى الكاتب نفسه في عين قارئه، ويرى القارئ صورته الإنسانية في نصّ لم يكتبه، ثم يكتشف الاثنان أن المعنى ليس غنيمةً يظفر بها أحدهما، بل طريقٌ طويل يزداد اتساعاً كلما سار فيه قلبان صادقان. ما أبهى قولكم إن النص يختبر طريقتنا في النظر إليه. أجل، فنحن نظن أننا نقرأ النصوص، غير أن النصوص، في لحظات صفائها، تقرأنا هي أيضاً؛ تسألنا عن مقدار ما فينا من صبر، وما في أرواحنا من رحمة، وما في عقولنا من استعداد لأن نقبل أن المعنى لا يمنح مفاتيحه لمن يطرق بابه بعجلة. فليس كل من مرّ بعينين على الكلمات قارئاً، كما أن ليس كل من حفظ المصطلحات ناقداً؛ القارئ الحق هو من يضع أمام النص قلبه وعقله معاً، فيسأل لا ليتهم، ويتأمل لا ليتعالى، ويصغي لا ليصادر. لقد وقفتم عند ذلك الفارق الجميل بين من يرى ما كُتب ومن يسأل: لماذا كُتب هكذا؟ وما الذي لم يستطع صاحبه أن يقوله صراحة؟ وهنا، في ظني، تبدأ القراءة التي تستحق اسمها. فالكلمات التي نكتبها ليست دائماً ما نريد قوله، بل كثيراً ما تكون جسوراً مرتجفة بين ما نشعر به وما نقدر على حمله إلى اللغة. وكم من معنى يظل واقفاً خلف العبارة، يلوّح لنا ولا يدخل؛ لأن الحرف أضيق من الوجع أحياناً، ولأن اللغة، على سعتها، تقف متواضعة أمام بعض التجارب التي لا تتسع لها إلا الدموع أو الصمت أو الرجفة التي لا اسم لها. وما أعمق ما قلتموه عن لحظة خروج النص من يد كاتبه. إن الكاتب، مهما أحب نصه، لا يستطيع أن يحتجزه في حدود قصده، ولا أن يرافقه إلى كل قلب يصل إليه، ولا أن يفرض عليه أن يُرى من زاوية واحدة. يضع فيه بعضاً من ظله، ثم يتركه يمضي إلى الآخرين، وهناك تبدأ حيواته الكثيرة. قد يجد فيه قارئٌ وجعاً لم يسمّه صاحبه، وقد يقرأ آخر فيه أملاً لم يكن الكاتب قد وعاه وهو يكتبه، وقد تعثر روح متعبة بين جمله على كلمةٍ صغيرة تنقذها من وحشة لا يعرف بها أحد. ولذلك لا يكون النص العظيم هو الذي يأمر قارئه بما ينبغي أن يفهم، بل النص الذي يفتح له باباً ليصبح شريكاً في اكتشافه. وهنا يجيء «المعنى المستعصي» لا بوصفه غموضاً يتباهى به النص، ولا تعقيداً يتعمد أن يغلق نوافذه، بل بوصفه ذلك الأفق الذي يحفظ للكتابة فتنتها وللقارئ كرامته. فالمعنى الذي يسلّم نفسه سريعاً ينتهي عند الفهم، أما المعنى الذي يؤخر بعض عطاياه، ويترك في القلب مساحة للتأمل، فإنه يجعل القارئ شريكاً في الخلق، لا متلقياً ينتظر ما يُقال له. وليس جمال النص في أن يخفي المعنى حتى يعجز عنه الناس، بل في أن يمنحه على هيئة إشارات، فيدع للقارئ أن يمدّ من تجربته خيطاً آخر، وأن يضع من روحه ما يكمل به الصورة دون أن يدّعي امتلاكها. وقد أصبتم، أستاذي الكريم، حين جعلتم من أخلاق القراءة والنقد مسألة تتجاوز الأدب إلى معنى الإنسان نفسه. فالخلاف امتحان للنفوس قبل أن يكون اختباراً للأفكار؛ به نعرف هل نريد أن ننتصر لأنفسنا أم أن ننتصر للحق، وهل نملك شجاعة أن نرى في الرأي الآخر نافذةً ممكنة لا عدواً ينبغي إسكات صوته. ما أسهل أن نرفع أصواتنا، وما أصعب أن نرفع مستوى الحوار؛ وما أيسر أن ننتصر لعبارةٍ عابرة، وما أعظم أن ننتصر لإنسانيتنا ونحن نختلف. إن النقد الذي لا يترك في الإنسان ضوءاً، ولو كان مصيباً في تشخيصه، يبقى ناقصاً في إنسانيته. لا لأن الحقيقة ينبغي أن تُخفى كي لا نتألم، بل لأن الحقيقة نفسها لا تفقد قوتها حين تُقال برفق، بل تزداد نفاذاً حين تأتي في ثوب العدل. فما الحاجة إلى إهانة من يحمل الفكرة؟ وما الجدوى من هدم الطريق كله لأن فيه حجراً عالقاً؟ إن الناقد الذي يحب المعنى يرفع النص من مواضع عثرة، ولا يقف عند عثرته ليقيم لنفسه منصة؛ يفتح للكاتب نافذة، ولا يسد عليه أبواب الضوء. لقد لامسني كثيراً حديثكم عن النصوص التي لا تحتاج من يشرحها بقدر ما تحتاج من يحسن الإصغاء إليها. أجل، ففي بعض النصوص صمتٌ أبلغ من الكلام، وفي المسافات التي تفصل الكلمات أسرار لا تبوح بها القواميس. ثمّة أشياء نودعها في الفراغ بين جملتين، وفي التردد الذي يسبق النقطة الأخيرة، وفي العبارة التي نتوقف عندها لأننا ندرك أن ما بعدها لا يقال، أو لأننا نخاف أن يبدد الكلام ما حفظه الصمت جميلاً وعميقاً. ولعل الكاتب لا يضع النقطة الأخيرة لأنه بلغ نهاية المعنى، بل لأنه بلغ نهاية ما استطاع أن يراه في تلك اللحظة؛ ثم يأتي الزمن، ويأتي قارئ صادق، فيكشفان له أن للنص امتداداً آخر وراء النقطة. أما سؤالكم الجميل: «هل كنت أكتب ما أريد قوله، أم ما أستطيع قوله؟» فهو سؤال كل كاتب صادق؛ لأن الرغبة في القول بحر واسع، والقدرة على القول مركب صغير، وبينهما تتكون مأساة اللغة وبهجتها معاً. نريد أن ننقل إلى الورق العالم كله، فنجد أنفسنا أمام كلمة واحدة؛ نريد أن نضع في العبارة وجعاً بحجم العمر، فتخوننا العبارة أو تضيق بنا؛ ثم نعود رغم ذلك إلى الكتابة، لا لأننا نملك اللغة كاملة، بل لأننا نؤمن أن محاولة الاقتراب من المعنى أجمل من الصمت أمامه. وإنني أتفق معكم: لا يطمئن الكاتب إلى النص الذي يشرح نفسه حتى آخر أنفاسه، ويغلق على قارئه كل أبواب الاحتمال. إن النص الذي يبقى حياً هو الذي يترك نافذة مواربة، يدخل منها القارئ بما يحمله من عمره، ويخرج منها وقد حمل سؤالاً جديداً. تلك الحيرة الجميلة ليست اضطراباً يبدد المعنى، بل هي ضوء خافت يرشدنا إلى أن المعنى أوسع من أن يُحاصر، وأن الإنسان أعمق من أن يُختصر في جملة، وأن الأدب لا يعطي أجوبة نهائية بقدر ما يعلّمنا كيف نحب أسئلتنا. لذلك أستاذي أستقبل تأملاتكم لا بوصفها خاتمة للحوار، بل بوصفها امتداداً له؛ ذلك الحوار الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يكون عميقاً، ولا إلى اتفاق كامل كي يكون جميلاً. لقد أعدتم إليّ بسؤالكم عن نهاية النص يقيناً صغيراً: أن النص لا ينتهي حين يفرغ الكاتب من كتابته، ولا حين يجف الحبر، ولا حتى حين يضع القارئ الصفحة جانباً؛ إنه ينتهي، كما قلتم، حين يتوقف أحد عن العثور على شيء من نفسه فيه. أما ما دام النص يوقظ ذاكرةً، أو يفتح سؤالاً، أو يربت على جرح، أو يضيء درباً، أو يستدعي قارئاً إلى أن يرى وجهه في مرآة الكلمات، فإنه ما يزال حياً، وما تزال الكتابة فيه تبدأ من جديد. شكراً لكم، لأنكم جعلتم من الكلمة جسراً لا يضيق بالعبور، ومن القراءة لقاءً لا ينتهي عند حدود النص، ومن النقد أخلاقاً تحرس الجمال من القسوة، وتحرس الحقيقة من الغرور. دمتم قارئاً يوقظ النص دون أن يرهقه، ومفكراً يفتح للمغلق أبواباً من نور، وإنساناً يعرف أن أجمل ما في الأدب أنه لا يمنحنا معنى نهائياً، بل يمنحنا شجاعة أن نواصل البحث عنه. طه دخل الله عبد الرحمن مايكل حمدان فضاء النقد .. يتسع لجميع النقاد لكنني .. لا أراه يتسع لقراءاتك ... يا للعبقرية التي تتمتع بها ...! ويا لشجاعتك التي تظهرها في الحروب الفكرية التي دائما" ما تخوضها وتخرج منها منتصرا" ...! لن أرددها بعد اليوم تلك التسمية التي أطلقتها أنت على نفسك بإذن من العلي القدير من دون أن تدري ولم يسمعها احد غير الخادم لأنني واثق من أنك ستراها ذات يوم محفورة على صفحات سيرتك الذاتية التي ستفتح في سماء الأبدية . الخادم : مايكل حمدان مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · 6-10-2026 س: 22:50 منذ ٢٢ دقيقة ٢٢ د · [ أسابيع الرؤى الثقافية ] منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السلسلة الثانية / الموسم الثقافي 2026 - 2027 العدد الخامس الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين الحلقة الثانية: الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 د. طه عبد الرحمن شاعرا قصيدة: غاب أبي وما غاب الضياء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقديم: في نصه الشعري "غاب أبي وما غاب الضياء"، يكتب الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن عن الأب من جهة الغياب، لكنه سرعان ما يحوّل هذا الغياب إلى شكل آخر من الحضور، حضور لا تقيسه العين، ولا تحدّه المسافة، وإنما تستبقيه الذاكرة والدعاء والقيم التي تركها الراحل في وجدان أبنائه. منذ العنوان، تتأسس المفارقة المركزية للنص: "غاب أبي" في مقابل "ما غاب الضياء"، فالغياب هنا واقعة جسدية، أما الضياء فهو الأثر الباقي، ومن هذه الثنائية ينطلق النص كله، بحيث يصبح الأب أقل ارتباطا بصورة الشخص الغائب وأكثر اقترانا بما تركه من نور داخلي، ومن قيم وسلوك وذاكرة، ولذلك تأتي العبارة: "إذا أظلم الدرب كنت الضيا" لتؤسس للرمز المحوري في القصيدة، فالأب ليس مجرد ماض شخصي، بل بوصلة روحية تستمر في إضاءة الطريق بعد الرحيل. واللافت أن الشاعر لا يتعامل مع الفقد بوصفه لحظة عابرة، بل باعتباره زمنا مستمرا، فالقول: "مضيت وفي عام سبع وسبعين / خلّفت في الروح جرح النوى" يحيل إلى تاريخ الفقد، لكنه لا يغلقه، إذ إن الجرح ما يزال فاعلا في الحاضر،ومن هنا تتشكل القصيدة بوصفها كتابة لاستمرار الحداد، لا لاستحضار حادثة الموت فحسب. وتتقدم الذاكرة في النص باعتبارها فضاء لاستعادة الأب، فصوته ما يزال "بين الجدار"، وحضوره يتجدد في لحظات الأسى، وفي ضيق الصدر، وفي أعياد تتكرر دون أن تملك القدرة على محو الفقد. إن المكان نفسه يتحول إلى كائن ذاكر، يحتفظ بالصوت والعطر والأثر. ولهذا يقول الشاعر: "وما زال صوتك بين الجدار / يؤنس صمت مكان خلا". إنها صورة شعرية تقوم على مفارقة دقيقة: الصوت في مواجهة الصمت، والحضور في مواجهة الخلو، والذكرى في مواجهة الغياب. ومن أجمل مستويات النص انتقال صورة الأب من الفرد إلى القيمة، فالأب ظل يحمي، وجذر يعلّم الغصن البقاء، وحامل لأعباء البيت، وصاحب صبر يخفي مشقته خلف الابتسام، وبذلك لا يرث الأبناء من أبيهم المال أو الجاه، وإنما يرثون ما هو أبقى... الصدق، والإباء، وجميل السجايا... وهنا ترتفع التجربة من الخاص إلى الإنساني، إذ تتحول سيرة الأب الشخصية إلى تأمل في معنى الإرث الحقيقي الذي يتركه الإنسان بعد رحيله. وتتأسس في هذا السياق صورة بالغة الدلالة: "وكنت إذا مالت الريح حولي / جذورا تعلم غصني البقا"، فالأب هنا ليس غصنا يظل قائما إلى الأبد، وإنما هو الجذر الذي يمنح الغصن القدرة على مقاومة الريح. وهذه الصورة تختصر فلسفة النص في علاقته بالأب... الجسد يغيب، لكن الجذر يستمر في تغذية الوجود. كما تحضر ثنائية المادي والزائل / المعنوي والباقي بوضوح في قوله: "فلا المال يبقى ولا الجاه يبقى / ولكن جميل السجايا بقا"... إنها لحظة تأملية تتجاوز الرثاء المباشر إلى استخلاص حكمة من تجربة الموت، فالقصيدة لا تبكي الأب فقط، وإنما تعيد تعريف ما يستحق أن يبقى من الإنسان، ومن هنا تصبح الكتابة نفسها فعلا من أفعال الوفاء، لأنها تحفظ السجايا من النسيان، وتحول الذكرى إلى أثر لغوي قابل للاستمرار. وتكشف البنية الشعورية للنص عن حركة دائرية تبدأ بالغياب وتنتهي بوعد اللقاء. فبين "غاب أبي" في البداية ، و "موعدنا عند رب الورى" في الختام، تنتقل القصيدة من صدمة الفقد إلى استعادة الحضور، ومن الحزن إلى الدعاء، ومن الموت إلى أفق الرجاء، ولذلك فإن النهاية لا تبدو إغلاقا للنص بقدر ما تبدو تصالحا روحيا مع الفقد، فالقبر، وإن حال دون اللقاء الدنيوي، لا يلغي إمكان اللقاء في التصور الإيماني للشاعر. ومن الناحية الفنية، تعتمد القصيدة لغة واضحة، مباشرة، مشبعة بالمعجم الوجداني والديني "الضياء، السنا، الدرب، الروح، الأسى، الصبر، الدعاء، الفجر، الليل، الجنان"، وهي مفردات تمنح النص وحدة دلالية قائمة على ثنائية النور والعتمة، الحضور والغياب، الحزن والرجاء. كما ينهض التكرار، ولا سيما تكرار ألفاظ "أبي" و "غبت" و "ما غبت"، بوظيفة إيقاعية ونفسية، إذ يبدو التكرار هنا أقرب إلى فعل استعادة، وكأن الشاعر يعيد نداء أبيه كلما شعر بأن المسافة بينهما تتسع. ولا تقوم قيمة النص على التعقيد أو الإبهام، وإنما على صدق التجربة وبساطة التعبير وقدرته على تحويل الخاص إلى مشترك إنساني. فالأب في القصيدة أب فردي، له تاريخ وبيت وذكرى، لكنه في الوقت نفسه صورة للأب الذي يتحول بعد موته إلى مرجع داخلي، وإلى ذاكرة أخلاقية تستمر في تشكيل الأبناء. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى قصيدة "غاب أبي وما غاب الضياء" بوصفها قصيدة رثاء لا تستسلم لمنطق الفقد، بل تعمل على إعادة بناء حضور الأب داخل اللغة، فالموت يغيب الجسد، لكنه لا يستطيع أن يغيب الأثر، والقصيدة هنا ليست مجرد بكاء على الراحل، وإنما محاولة لإنقاذ ما تبقى منه من زوال آخر هو النسيان. إنها، في جوهرها، قصيدة وفاء... وفاء لذكرى الأب، ولما مثّله من سند وقيمة وقدوة، ووفاء لفكرة أعمق (أن بعض الغائبين لا يغادرون حياتنا، لأنهم يتحولون من حضور خارجي إلى ضياء يسكن الداخل). وهنا تتأكد دلالة العنوان مرة أخرى: غاب الأب، لكن الضياء لم يغب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النص الشعري غابَ أبي وما غابَ الضياء طه دخل الله عبد الرحمن / فلسطين غابَ أبي وما غابَ الضياء أبي غبتَ لكنْ بقيتَ السَّنا إذا أظلمَ الدربُ كنتَ الضيا مضيتَ وفي عامِ سبعٍ وسبعينَ خلَّفتَ في الروحِ جرحَ النوى وما زالَ صوتُكَ بينَ الجدارِ يُؤنِسُ صمتَ مكانٍ خلا كأنَّكَ ما غبتَ عن ناظرَيَّ ولكنْ لبستَ الغياب رِدا إذا هبَّ في القلبِ ريحُ الأسى أتى منكَ صبرٌ يُداوي الأسى وإن ضاقَ صدري بأعباءِ يومي رأيتُكَ في خاطري مُلتجى أبي، كنتَ للنفسِ ظلًّا ظليلًا إذا لفحَ العمرُ وجهَ الصِّبا وكنتَ إذا مالتِ الريحُ حولي جذورًا تُعلِّمُ غُصني البقا حملتَ عن البيتِ ثِقلَ الليالي وأخفيتَ خلفَ ابتسامٍ عَنا وما قلتَ قط: انظروا كيفَ أشقى وفي العين نقرأ سرًا خفا تركتَ لنا الصدقَ إرثًا عزيزًا وخلَّفتَ فينا عُلوَّ الإبا فلا المالُ يبقى ولا الجاهُ يبقى ولكنْ جميلُ السجايا بَقا أبي، كلُّ عيدٍ يمرُّ علينا يُعيدُ إلى البابِ حزنَ اللقا نُفتِّشُ عنكَ فلا يستجيبُ سوى عطرِ ذكراكَ في الملتقى وما غبتَ ما دامَ فينا دعاءٌ يُحلِّقُ نحوَكَ عندَ الدُّجى سلامٌ عليكَ إذا الفجرُ لاحَ سلامٌ عليكَ إذا الليلُ دجا ويا ربُّ أسكنْ أبي في جنانٍ يُجاوِرُ فيها الرضا والهِنا لئن حال دون لقائِك لحدٌ فموعدُنا عندَ ربِّ الورى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طه دخل الله عبد الرحمن فلسطين — مع طه عبد الرحمن. ***************** ردي للأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب: الأستاذ الفاضل عبد الرحمن بوطيب: قرأتَ غيابَ أبي، فأضأتَ في قلبي ما بقي أستاذي الكريم، الناقد عبد الرحمن بوطيب ثمة كلماتٌ نكتبها لنخفّف بها عن الروح، فإذا بها تعود إلينا، على يد قارئٍ بصير، أكثر عمقًا مما حسبنا، وأوسع أفقًا مما أردنا؛ وثمة أحزانٌ نودعها الشعر ظنًّا منا أنّ اللغة آخر مرافئها، حتى يأتي من يحسن الإصغاء، فيكشف لنا أنّ للحزن وراء العبارة حياةً أخرى، وأنّ للوفاء وراء الدمع معنًى يستحقّ أن يُستضاء به. هكذا قرأتُ تقديمكم لقصيدتي «غاب أبي وما غاب الضياء»: لم أقرأه بوصفه كلامًا عن نصّي فحسب، بل بوصفه اقترابًا رفيقًا من ذلك الموضع في النفس الذي تتجاور فيه حرقة الفقد ونعمة الذكرى، ويظلّ فيه الأب، مهما طال الغياب، أولَ السند وآخرَ الملاذ. وإنّي لأكتب إليكم اليوم شكرًا لا يستوفيه الثناء، وتقديرًا لا تستوعبه المجاملة؛ فقد منحتم قصيدتي ما هو أنفس من الإشادة: منحتموها قراءةً تعرف كيف تقترب من الوجع دون أن تستبيحه، وكيف تستجلي المعنى دون أن تختزله، وكيف تفسح للغة أن تقول، ولصمتها أن يُسمَع. وما أحوج النصّ الوجداني إلى قارئٍ لا يغترّ بسهولة عبارته عن عمق تجربته، ولا يحجب عنه صفاءُ سطحه ما في قراره من رجفةٍ وحنين. لقد كتبتُ عن أبي، ولكنني لم أكن أكتب عن رجلٍ مضى وانقضت حكايته؛ كنت أكتب عن حضورٍ تبدّلت صورته، وعن سندٍ غاب عن اليد ولم يغب عن الروح، وعن صوتٍ خفت في المكان وظلّ في الضمير. فبعض الغياب لا يترك وراءه فراغًا خالصًا؛ يترك فينا أيضًا ما يملأ ذلك الفراغ من أثر صاحبه: طريقته في الصبر، ونبرته في النصح، وملامح رضاه، وما علّمنا إيّاه دون أن يجلس يومًا ليحصي لنا دروسه. وقد رأيتُ في قراءتكم إدراكًا عميقًا لهذا التحوّل؛ إذ لم تقفوا عند رحيل الأب، بل تتبّعتم كيف يستمرّ في أبنائه، وكيف يغدو من ذكرى تستعاد إلى قيمةٍ تُعاش. وحين جعلتم من مفارقة العنوان مدخلًا إلى القصيدة، شعرْتُ أنكم وضعتم اليد على موضع النبض فيها. فبين «غاب أبي» و«ما غاب الضياء» تقع المسافة التي حاولتُ أن أعبرها باللغة؛ مسافةٌ بين ما لا أملك ردّه وما لا أرضى أن أفقده. لا أستطيع أن أنكر الغياب، ولا أستطيع أن أختصر أبي فيه. ولذلك كان النور في القصيدة أكثر من صورةٍ ألوذ بجمالها؛ كان الاسم الذي وجدته لما بقي منه في داخلي، لما يعود إليّ حين يشتدّ الطريق، ولما يوقظ فيّ القدرة على المضيّ حين يثقلني التعب. ولقد أوقفني طويلًا قولكم إنّ الأب يصبح بوصلةً روحية؛ لأنّ هذه العبارة قرّبت إليّ ما يشعر به الابن حين يفتقد أباه ثم يكتشف أنه ما يزال يستشيره، وإن لم يعد ينتظر جوابًا مسموعًا. تمرّ به المواقف، فيسأل نفسه كيف كان أبوه سينظر إليها، وكيف كان سيواجهها، وأيّ كلمةٍ كان سيختار. وحين يفعل ذلك، لا يكون أسير الماضي، بل يكون حاملًا لشيءٍ منه إلى الحاضر؛ يستعين بما تعلّمه على ما لم يتعلّمه بعد، ويهتدي بما استقرّ في قلبه حين تضطرب أمامه الجهات. أما تنبّهكم إلى زمن الفقد، وإلى أنّ ذكر عام سبعٍ وسبعين لا يغلق الجرح في تاريخٍ مضى، فقد مسّ في نفسي حقيقةً لا تسهل الإحاطة بها. فالزمن يستطيع أن يغيّر هيئة الحزن، لكنه لا يقيس المحبة بما يقيس به الأعوام. قد يهدأ الدمع، وقد تنتظم الحياة، وقد يعتاد المرء أن يمضي بأعبائه، ثم توقظه كلمةٌ أو مناسبةٌ أو حاجةٌ إلى سند، فإذا بالفقد قريبٌ كأنه لم يبتعد. ولقد أنصفتم هذا الشعور حين قرأتموه استمرارًا للأثر، لا مجرد عودةٍ إلى واقعة الرحيل؛ فالأب لا يحضر في الذاكرة لأننا نتذكّر موته وحده، بل لأننا ما نزال نحتاج إلى حياته. وقرأتُ وقفتكم عند قوله: «وما زالَ صوتُكَ بينَ الجدارِ / يُؤنِسُ صمتَ مكانٍ خلا»، فأحسستُ أنكم أصغيتم إلى ما في البيت من وحشةٍ وألفةٍ معًا. فما أقسى أن يبقى المكان وتغيب عنه خطى من أحببنا، وما أرقّ أن نجد في المكان نفسه ما يدلّنا عليهم! لا يتكلم الجدار، ولكننا نسمع عنده ما حفظته قلوبنا؛ ولا يعود الراحل، ولكن تفصيلًا صغيرًا يعيد إلينا طريقته في الحضور. وفي قراءتكم لهذه المقابلة بين الصوت والصمت ما أضاء ذلك التردّد الخفيّ في نفس الفاقد: يستأنس بالذكرى، ثم يتألم لأنها ذكرى؛ يفرح بما بقي، ثم يشتاق إلى ما لا يعود. وما أعمق وقفتكم عند صورة الجذور والغصن؛ فقد وجدْتُ فيها فهمًا لما أردتُ أن أمنحه لأبي من معنى. لم أره في القصيدة ظلًّا يحجب عنّي امتحان الحياة، بل جذرًا يمنحني القدرة على احتماله. والفرق بين الصورتين كبيرٌ في وجداني؛ فالظلّ يؤوي حين نقف تحته، أما الجذر فيمدّنا بالقوة ونحن نمضي بعيدًا عن موضعه. من هنا يظلّ أثر الأب فاعلًا حتى في لحظاتٍ لم يشهدها، وفي مواجهاتٍ لم يحضرها، وفي قراراتٍ اتخذناها بعده؛ كأنّ بعض ما منحنا إيّاه لا نعرف مقداره إلا حين نستعين به وهو غائب. ثم إنكم، أستاذي الكريم، أحسنتم الإصغاء إلى سيرة العطاء الصامت في الأبيات؛ إلى ذلك الأب الذي حمل عن البيت ثقل الليالي، وأخفى خلف ابتسامه العناء. ولعلّ في هذا الصمت بعض ما يجعل الوفاء للأب عملًا لا ينتهي؛ إذ نكبر، فتتكشف لنا أعباءٌ لم نكن نراها، ونخوض الحياة، فنفهم متأخرين معنى أشياء كانت تبدو لنا عادية. نعرف عندئذٍ أن الطمأنينة التي عشناها لم تأتِ بلا كلفة، وأن وراء البساطة التي ألفناها صبرًا، ووراء الابتسامة جهدًا، ووراء استقامة البيت إنسانًا كان يتعب كي لا يظهر التعب على وجوهنا. ولهذا كانت وقفتكم عند الإرث الأخلاقي من أحبّ ما قرأتُ في تقديمكم. فالصدق والإباء وجميل السجايا ليست في قصيدتي ألفاظًا أزيّن بها الرثاء، بل هي محاولةٌ لتسمية ما أراه أبقى من سائر الميراث. ما قيمة أن يحمل الابن اسم أبيه إذا لم يحمل شيئًا من أمانته؟ وما معنى أن يصون ذكراه في القول ثم يضيّعها في الفعل؟ إنّ الوفاء الذي أرجوه لأبي لا يكتمل بالحنين إليه، بل بأن أجتهد في ألّا أخون ما علّمني؛ وأن يكون له، في استقامتي ما استطعت، أثرٌ يشهد أنّ عطاءه لم ينقطع برحيله. وقد كشفتم، في انتقالكم من صورة الأب الفرد إلى المعنى الإنساني للأبوة، وجهًا عزيزًا من وجوه الشعر. فقد بدأتُ من حزني الخاص، لكنني لا أرى هذا الحزن مغلقًا على صاحبه؛ ففي نداء «أبي» ما يسمح لقلوبٍ كثيرةٍ أن تسمع أسماء آبائها، وفي صورة الباب ما يستدعي أبوابًا كثيرةً طال عندها الانتظار. وليس اشتراك الناس في الشعور محوًا لخصوصية التجربة، بل اتّساعٌ لها؛ يحتفظ كلّ واحدٍ بوجه من فقد، ثم يجد في كلمات الآخر ما يعينه على إدراك حزنه والتعبير عنه. وقد أفسحتم لهذا الاتّساع أن يظهر، دون أن تجرّدوا أبي من بيته وملامحه وأثره الخاص في نفسي. أما حديثكم عن بساطة اللغة وصدق التجربة، فقد تلقّيته بامتنانٍ خاص. ذلك أنّني أردتُ للقصيدة أن تظلّ قريبةً من النداء الذي خرجت منه؛ أن أقول «أبي» كما يقولها القلب، لا كما تفرضها الرغبة في الزخرف. فليست كلّ عاطفةٍ بحاجةٍ إلى أن تلتفّ على نفسها كي تبدو عميقة، ولا كلّ عبارةٍ واضحةٍ خاليةً من الأسرار. وقد قدّمتم قراءةً تنظر إلى ما تصنعه الكلمات في سياقها، وإلى ما يربط بينها من شعورٍ ومعنى؛ فلم تحملوا الوضوح على السذاجة، ولم تجعلوا الغموض شرطًا للجمال. ولقد شعرتُ بدقة قراءتكم أيضًا حين رأيتم في التكرار فعل استعادة. فنداء الأب لا يستنفد حاجته في مرةٍ واحدة، ونفي الغياب لا يصدر عن إنكار الحقيقة، بل عن محاولةٍ لحماية ما بقي منها. كلّ «أبي» في القصيدة عودةٌ إلى الباب نفسه، لكن القلب لا يعود في كلّ مرةٍ بالحاجة نفسها؛ مرةً يلتمس الصبر، ومرةً يستعيد الحنان، ومرةً يشهد بالعطاء، ومرةً يرفع الدعاء. ومن هنا كان التكرار قريبًا من حركة الوجدان؛ يرجع إلى المحبوب لأنه لم ينتهِ من محبته، ويناديه لأنه لم ينتهِ من افتقاده. وحين وصلتم إلى خاتمة القصيدة، وقرأتم انتقالها من الفقد إلى رجاء اللقاء، وجدْتُ في تناولكم رفقًا بالمعنى الذي ألوذ به. فقولُ «فموعدُنا عندَ ربِّ الورى» لا يهوّن عليّ الغياب بقدر ما يمنح شوقي جهةً لا تنغلق، ويجعل الدعاء صلةً حين تنقطع سائر الصلات. إنّني لا أقول به إنّ الحزن انتهى، بل إنّ الحزن ليس وحده؛ إلى جواره رجاءٌ، وفي أعماقه محبةٌ، ومن فوقه رحمةُ الله التي أستودعها أبي. وما أكرم القراءة حين تفهم هذا الأفق دون أن تبالغ في تفسيره، أو تجرّد صاحبه من حاجته الإنسانية إليه. أستاذي عبد الرحمن بوطيب، إنّ ما صنعتموه في هذا التقديم يبيّن لي جمال العلاقة الممكنة بين الشاعر والناقد. ليس على الناقد أن يكرّر إحساس الشاعر، ولا على الشاعر أن يحتكر جميع دلالات نصّه؛ لكنّ بينهما لقاءً خصبًا حين يسأل أحدهما عمّا تقوله اللغة، ويصغي الآخر إلى ما تكشفه القراءة. وقد عدتُ، بعد تقديمكم، إلى أبياتي بعينٍ أخرى؛ رأيتُ ترابطًا أشدّ بين صورها، وأدركتُ كيف تتساند فيها الذاكرة والقيمة والدعاء، وكيف يشدّ العنوان أولها إلى آخرها. وتلك هديةٌ لا يستهان بها: أن تساعد قراءةٌ صاحبَ النص على أن يرى نصّه من خارج حرارة لحظته الأولى، دون أن يفقد تلك الحرارة. ولكم، في إعداد «أسابيع الرؤى الثقافية» وإدارتها، شكري على إتاحة هذا المقام للتجربة، وعلى إحاطتها بهذا القدر من العناية. لقد جعلتم الاحتفاء، في هذه الحلقة، فعلَ قراءةٍ وحوار، لا مجرد عرضٍ للنص؛ ومنحتم قصيدتي فرصةً لأن تخرج من خلوتي إلى رحابة التلقي، مصحوبةً بتقديمٍ يدلّ عليها ولا يحجبها. وإنّي لأعتزّ بهذا اللقاء، لأنّ قيمته عندي لا تقف عند حضور القصيدة في المنصة، بل تمتدّ إلى ما نشأ حولها من إصغاءٍ وفهمٍ ومشاركة. فشكرًا لكم، أستاذي الكريم، على ما بذلتم من فكرٍ وعناية، وعلى ما منحتم من وقتٍ وبيان. وشكرًا لأنكم قرأتم أبي في أثره، ولم تتركوه عند حدود غيابه؛ وقرأتم حزني في وفائه، ولم تختصروه في دمعه؛ وقرأتم القصيدة في سعيها إلى حفظ المحبة، لا في استعادتها للألم وحده. لقد كتبْتُها كي أقول إنّ أبي ما يزال فيّ، وجاءت قراءتكم لتكشف بعض الطرق التي يستمرّ بها هذا الحضور، وليصبح ما حاولتُ البوح به أقرب إلى القارئ وأبين. وإذ أختم كلمتي، أجدني أعود إلى العنوان الذي جمع نصّي وقراءتكم في معنى واحد: غاب أبي وما غاب الضياء. غاب من كنتُ أراه، وبقي من أستعين بما علّمني؛ غاب من كنتُ أسمع صوته، وبقي من أسمع في ضميري وصيته؛ غاب من كنتُ ألوذ بقربه، وبقي من ألوذ بأثره. ولكم فضل الإصغاء إلى هذا البقاء، وفضل البيان الذي أحسن الدلالة عليه. فلتبقَ بيننا هذه الصلة النبيلة: كلمةٌ تُكتب بصدق، وقراءةٌ تتلقّاها بأمانة، ومحبةٌ تحفظ للغائبين نورهم في قلوب الأحياء. طه دخل الله عبد الرحمن Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن كتب الاخ الصديق الدكتور محمد ميموني تعليقا مميزا الا وهو == أخي العزيز الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، قرأتُ قصيدتك «غاب أبي وما غاب الضياء»، ثم عدتُ إلى هذه القراءة النقدية التي رافقتها، فوجدتني أمام تجربة لا تستمد قوتها من الحزن وحده، بل من قدرتها على تحويل الذكرى إلى سؤال، والعاطفة إلى معنى، والتجربة الشخصية إلى مساحة يتسع فيها النص لكل من عرف أبًا ثم اكتشف، متأخرًا، أن بعض الآباء يواصلون تربيتنا حتى بعد أن يرحلوا. ما شدّني في قصيدتك أنك لم تذهب إلى الرثاء الصاخب، بل تركت التفاصيل تتكلم بهدوء. الأب عندك ليس صورة معلقة في ذاكرة الابن، وإنما سيرة من السلوك: رجل يحمل أعباء البيت، يخفي تعبه، يمنح أبناءه الطمأنينة، ثم يترك لهم من نفسه ما هو أثمن من الميراث المادي: «فلا المال يبقى ولا الجاه يبقى ولكن جميل السجايا بقا» وهنا، في تقديري، تنتقل القصيدة من الأب إلى الإنسان. فما يبقى من المرء ليس ما جمعه حوله، بل ما غرسه في غيره. وهذه الفكرة هي التي تمنح النص بعده الأخلاقي، وتجعل الرثاء عندك فعلَ استعادة لقيمة الرجل، لا مجرد تعداد لمناقب الراحل. وأرى أن صورة «الجذر والغصن» من أنضج صور القصيدة؛ لأنك لم تجعل الأب مجرد ظل يحمي، بل جعلته أصلًا يمنح الغصن القدرة على الثبات. الجذر لا يُرى، لكنه يحمل الشجرة كلها؛ وربما لهذا تبدو الصورة أكبر من معناها المباشر: إنها تقول شيئًا عن التربية، وعن الآباء الذين لا ننتبه إلى حجم ما صنعوه فينا إلا حين نضطر إلى الوقوف وحدنا. أما القراءة النقدية، فقد أحسنت حين التقطت هذه الخيوط الدقيقة في النص، وانتقلت من العنوان إلى الصور، ومن الذاكرة إلى المكان، ومن التجربة الخاصة إلى دلالتها الإنسانية. والأجمل أنها لم تتعامل مع القصيدة بوصفها مادة للشرح، بل بوصفها كائنًا له طبقاته وإيحاءاته. لقد توقفت القراءة عند «الصوت» و«الجدار» و«العطر» و«الدعاء»، وهذه إشارات موفقة؛ لأن الأشياء الصغيرة في النص هي التي تمنحه صدقه الكبير. فالمكان لا يعود مجرد مكان، والعطر لا يصبح مجرد عطر، والصوت لا يبقى صوتًا؛ إنها مفاتيح لذاكرة لا تحتاج إلى استئذان كي تفتح أبوابها. وأحسب أن أجمل ما صنعته القراءة هو أنها كشفت الحكمة التي تتخفى داخل البساطة. فالقصيدة سهلة العبارة، لكنها ليست فقيرة الدلالة؛ وهذه معادلة لا ينجح فيها كل شاعر. أحيانًا تكون اللغة الصافية أكثر مقاومة للنسيان من اللغة التي تتعمد الغموض. ومن جهتي، أرى أن النص لا يطلب من القارئ أن يحزن فقط، بل يدفعه إلى مراجعة معنى الإرث نفسه: ماذا نترك لمن بعدنا؟ اسمًا؟ مالًا؟ مكانة؟ أم طريقة في النظر إلى الحياة، وخلقًا يواصل السير في الآخرين؟ لهذا وجدتُ أن خاتمتك جاءت منسجمة مع البناء الروحي للنص؛ فبعد رحلة طويلة في الذاكرة، ينتهي الكلام بالدعاء والرجاء. وكأن الشاعر، حين يعجز عن إعادة الزمن، يختار أن يمنح المحبة شكلًا آخر: الدعاء. ولك يا دكتور طه تحية تليق بنص استطاع أن يكون شخصيًا دون أن ينغلق على صاحبه، وأن يكون وجدانيًا دون أن يسقط في المباشرة، وأن يستدعي الأب من الذاكرة ليضع أمامنا سؤالًا يخصنا جميعًا. وللدكتور عبد الرحمن بوطيب أيضًا خالص التقدير على هذه القراءة التي لم تكتفِ بأن تقول لنا ماذا في القصيدة، بل جعلتنا نعيد النظر في ما نتركه نحن، ذات يوم، في الذين أحببناهم. وربما هنا يكمن سر الشعر كله: أن تكتب شخصًا تحبه، فيكتشف القارئ شيئًا من نفسه بين السطور. وهذا ما فعلته قصيدتك. Saloua Filaly قراءة نقدية في قصيدة «غاب أبي وما غاب الضياء» للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن حين يكتب الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن عن الأب، لا يكتب مرثيةً عابرةً تستعيد صورة الراحل، بل يفتح في جدار الفقد نافذةً على معنى البقاء. ولهذا جاءت قصيدته «غاب أبي وما غاب الضياء» قائمة على مفارقة شعرية عميقة: الأب غاب جسدًا، لكن الضياء الذي تركه في الروح لم يغب. منذ العنوان، يضعنا الدكتور طه أمام ثنائية الغياب والحضور، وهي الثنائية التي تشكل العمود الفقري للنص كله. فـ«غاب أبي» تحيل إلى الحقيقة الموجعة، بينما «ما غاب الضياء» تنقل التجربة من حدود الموت إلى رحابة الأثر. الأب هنا لا يعود شخصًا غائبًا فحسب، بل يتحول إلى قيمة مستمرة، وإلى نور داخلي يواصل أداء وظيفته بعد الرحيل. وفي قوله: «أبي غبتَ لكنْ بقيتَ السَّنا إذا أظلمَ الدربُ كنتَ الضيا» يمنح الدكتور طه أباه وظيفة تتجاوز الحضور العاطفي؛ يجعله بوصلةً داخلية. فالذي يبقى بعد الأب ليس صورته وحدها، بل ما غرسه من قيم جعلت الابن قادرًا على مواصلة الطريق حين تشتد العتمة. وتبلغ الصورة الشعرية في قصيدة الدكتور طه ذروة خصوبتها في قوله: «وكنتَ إذا مالتِ الريحُ حولي جذورًا تُعلِّمُ غُصني البقا» فهنا لا يكون الأب مجرد ظلٍّ يحمي، بل يصبح «جذورًا»؛ أصلًا خفيًا يمنح الغصن قدرته على الصمود. إنها صورة تجعل الأب حاضرًا في البنية العميقة للذات، لا في ظاهر الذاكرة فقط. فالجذور لا تُرى، لكنها سر الثبات، وكأن الدكتور طه يقول إن بعض الآباء يغيبون عن العين، لكنهم يستمرون في تكوين أبنائهم من الداخل. وفي: «وما زالَ صوتُكَ بينَ الجدارِ يُؤنِسُ صمتَ مكانٍ خلا» يحوّل الدكتور طه المكان إلى ذاكرة حيّة؛ فالجدار الذي يفترض أن يكون صامتًا يحتفظ بالصوت، والفراغ نفسه يصبح مأهولًا بالأثر. إنها مفارقة شفيفة بين غياب الجسد وبقاء التفاصيل التي لا يستطيع الموت محوها. ثم يرتقي النص من رثاء الأب إلى رثاء القيمة، حين يقول: «تركتَ لنا الصدقَ إرثًا عزيزًا وخلَّفتَ فينا عُلوَّ الإبا» وهنا ينجح الدكتور طه في تجاوز الخاص إلى الإنساني؛ فالإرث الحقيقي، في رؤيته، ليس مالًا ولا جاهًا، وإنما ما يستقر في أخلاق الأبناء. ولذلك تأتي حكمته: «فلا المالُ يبقى ولا الجاهُ يبقى ولكنْ جميلُ السجايا بَقا» وكأن الشاعر يعيد تعريف معنى الخلود: الإنسان لا يخلد بما امتلك، بل بما غرسه. أما قوله: «أبي، كلُّ عيدٍ يمرُّ علينا يُعيدُ إلى البابِ حزنَ اللقا» فيكشف أن الزمن عند الدكتور طه ليس آلةً لمحو الحزن؛ فالمناسبات التي يفترض أن تجلب الفرح قد تصبح مرايا تستدعي الغائب. وهنا يتخذ الحنين شكله الأكثر صدقًا: لا بوصفه بكاءً مستمرًا، وإنما بوصفه حضورًا يتجدد كلما عاد الزمن إلى الأماكن والمواعيد ذاتها. وتتآزر في القصيدة مفردات السنا والضياء والفجر والليل والدعاء والجنان، لتصنع نسيجًا دلاليًا واحدًا. وكلما اقترب النص من عتمة الفقد، فتح الدكتور طه منفذًا نحو الرجاء، حتى يبلغ ذلك ذروته في الخاتمة: «لئن حال دون لقائِك لحدٌ فموعدُنا عندَ ربِّ الورى» وهنا لا يترك الشاعر حزنه معلقًا في العدم، بل يرفعه من مستوى الفقد إلى مستوى الإيمان؛ فاللحد يفصل الأجساد، لكنه لا يلغي وعد اللقاء. ولعل أجمل ما صنعه الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن في هذه القصيدة أنه لم يجعل الأب موضوعًا للرثاء فقط، بل جعله مرآةً لفلسفة البقاء. فالأب يغيب، لكن الصدق يبقى؛ يغيب الجسد، لكن السيرة تبقى؛ ينقطع الصوت، لكن أثره يستمر في الضمير. ومن هنا تتحرك القصيدة في مسار بالغ الانسجام: من الغياب إلى الأثر، ومن الأثر إلى القيمة، ومن القيمة إلى الدعاء، ومن الدعاء إلى الرجاء. ولذلك فإن السؤال الذي تخفيه القصيدة تحت طبقات الحنين ليس: كيف مات الأب؟ بل: ماذا يبقى من الإنسان حين يرحل؟ ويأتي جواب الدكتور طه واضحًا وعميقًا: يبقى ما غرسه في الآخرين. لهذا لا يبدو «الضياء» في عنوان القصيدة مجرد استعارة للنور، بل يصبح رمزًا للإرث الروحي والأخلاقي الذي يواصل إشعاعه بعد غياب صاحبه. وهنا تكمن خصوصية تجربة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن: لقد كتب أباه من داخل الأثر الذي تركه فيه، لا من خارج الذكرى. إنها قصيدة رثاء، لكنها لا تستسلم للموت؛ قصيدة حزن، لكنها لا تغرق في العتمة؛ قصيدة عن أب غائب، لكنها في جوهرها عن حضورٍ أقوى من الغياب. ولذلك يمكن القول إن الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن لم يكتب في هذه القصيدة نهاية الأب، بل كتب استمرار الأب في أبنائه. وكأن العنوان نفسه يختصر فلسفة النص كلها: «غاب أبي» عن العين، لكن «ما غاب الضياء» عن الروح د سلوى الفيلالي طه عبد الرحمن Saloua Filaly حين قرأتِ الضياءَ، عاد أبي إلى الكلام الدكتورة سلوى الفيلالي، أيتها القارئة التي أصغت إلى ما وراء الحروف؛ ثمّة كلماتٌ نكتبها لنقول ما في قلوبنا، وثمّة قراءاتٌ تأتي لتكشف لنا ما ظلّ في تلك القلوب ولم نحسن قوله. وبين الكتابة والقراءة يولد لقاءٌ لا تصنعه المجاملة، بل تصنعه تلك القدرة النادرة على الاقتراب من وجع الآخر دون اقتحامه، وعلى ملامسة الذكرى دون إفساد سكينتها. هكذا وصلتني قراءتكِ لقصيدتي «غاب أبي وما غاب الضياء»: لم أشعر أنّكِ وقفتِ أمام نصٍّ تتأملين صوره فحسب، بل كأنّكِ جلستِ إلى جوار حنينه، وأمهلتِ صمته حتى باح. قرأتُ ما كتبتِ، فوجدتني أعود إلى القصيدة من بابٍ غير الباب الذي دخلتُ منه حين كتبتها. دخلتُها يومئذٍ ابنًا يبحث في اللغة عن متّسعٍ لغياب أبي، وعدتُ إليها معكِ شاعرًا يتأمّل كيف صار ذلك الغياب حضورًا في العبارة. وهذه، في نظري، من أجمل عطايا القراءة: أن تردّ الكاتب إلى كلماته، وقد أضاءت فيها دروبًا كان يعبرها بقلبه قبل أن يراها بعينه. لقد التقطتِ في عنوان القصيدة تلك الرجفة التي تقوم بين الاعتراف بالفقد والإصرار على بقاء الأثر. ففي «غاب أبي» حقيقةٌ لا أملك تغييرها، وفي «ما غاب الضياء» وفاءٌ لا أريد التفريط به. وبين شطري العنوان يقف قلبي؛ يعرف أنّ اليد التي كان يطمئنّ إليها لم تعد في متناوله، لكنه يجد شيئًا من هدايتها في كلّ موقفٍ يحتاج فيه إلى الصدق، وفي كلّ طريقٍ يختبر فيه ثباته. لم يكن الضياء عندي زينةً ألطّف بها قسوة الغياب، بل كان الاسم الأقرب لما بقي من أبي في داخلي. وحين وصفتِ حضوره بأنّه «بوصلة داخلية»، منحتِ إحساسًا مبعثرًا في وجداني عبارةً واضحة. فما أشدّ حاجتنا إلى آبائنا حين لا يكون السؤال: من يحمينا؟ بل: كيف نحسن الاختيار؟ هناك، في لحظة التردّد، يعود ما تعلّمناه منهم، لا على هيئة درسٍ محفوظ، وإنما على هيئة ميلٍ إلى الصواب، ونفورٍ من الزيف، وخجلٍ من أن نخذل معنىً ائتمنونا عليه. وقد وجدتُ في قراءتكِ لهذا الحضور فهمًا لما أردتُ أن أحفظه بالقصيدة: أبي الذي لا أستطيع استعادته، لكنني أستطيع أن أكون وفيًّا لما علّمني. واستوقفتني قراءتكِ لصورة الجذور والغصن؛ فقد اقتربتِ بها من موضعٍ شديد الخصوصية في النص. حين كتبتُ: «جذورًا تُعلِّمُ غُصني البقا»، كان الحنين يتّجه إلى ذلك السند الذي لا ننتبه إلى عمقه ما دمنا نتفيّأه. وجئتِ أنتِ لتقولي إنّ الجذور، وإن غابت عن النظر، تظلّ سرّ الثبات. فشعرتُ أنّ الصورة وجدت من يصغي إلى معناها الخفيّ: لم يكن أبي في حياتي حضورًا يجاورني فقط، بل كان أصلًا يمتدّ في تكويني؛ ولهذا لم ينتهِ أثره عند حدود الرحيل. وأمّا وقوفكِ عند الصوت الذي يؤنس صمت المكان، فقد أعادني إلى ما تعجز الأمكنة عن قوله وتفلح الذاكرة في سماعه. للبيت بعد الغياب هيئةٌ مألوفة، لكنّ ألفته تتغيّر؛ الباب هو الباب، والجدار هو الجدار، غير أنّ العين تسأل عمّن كان يمنح الأشياء معناها. في مثل هذه اللحظات لا يستعيد القلب صوتًا فحسب، بل يستعيد معه طمأنينةً كاملة. وقد أحسنتِ حين رأيتِ في الفراغ مكانًا مأهولًا بالأثر، دون أن تنكري عليه وحشته؛ فذلك هو التوازن الذي يحتاجه هذا الحزن: أن نعترف بما فقدناه، وأن نحفظ ما بقي لنا منه. وكان لتأمّلكِ في الإرث الأخلاقي وقعٌ خاصّ في نفسي. فالصدق والإباء في القصيدة ليسا لفظين أستكمل بهما صورة الأب، وإنما هما مما أردتُ أن يبقى شاهدًا عليه. وما أرهف الفرق بين أن نمدح الراحل، وأن نحاول أن نصون في سلوكنا ما أحببناه فيه. قراءتكِ أعادت هذا السؤال إليّ بهدوء: كيف يصير الوفاء عملًا، لا ذكرى وحدها؟ وكيف نمنح ما غرسه الآباء امتدادًا في حياتنا؟ هنا شعرتُ أنّ القصيدة لم تعد تكتفي باستعادة الماضي، بل تطلب منّي أن أحمل نصيبي من مسؤوليته. وفي وقفتكِ عند الأعياد، لامستِ حنينًا لا يحتاج إلى كثير شرح. فالعيد لا يمحو الغائب بفرحه؛ قد يجعل موضعه أوضح. يعود الموعد، وتتهيّأ النفس لما ألفته، ثم تتذكّر أنّ بعض خطوات اللقاء لن تتمّ. ولهذا أعجبتني عنايتكِ بتجدّد الحزن، لا بوصفه استسلامًا دائمًا، بل بوصفه وفاءً توقظه المواعيد. ففي ذلك إنصافٌ للقلب: يستطيع أن يفرح، وأن يشتاق في الوقت نفسه، وأن يترك للدمعة مكانها دون أن يطفئ بهجة من حوله. ثم بلغتِ بالقراءة موضع الدعاء والرجاء، حيث أردتُ للقصيدة أن تستريح. لم يكن الإيمان في خاتمتها وسيلةً لإنكار وجعي، وإنما كان ما أستند إليه وأنا أقرّ به. أقول إنّني أفتقد أبي، وأدعو له، وأرجو اللقاء؛ فلا يلغي الرجاء مرارة الفراق، لكنه يمنعها من أن تستأثر بكلّ ما في القلب. وقد وجدتِ لهذا الانتقال عبارته حين تتبّعتِ مسار النص من الغياب إلى الأثر، ومن القيمة إلى الدعاء. بذلك حفظتِ للحزن صدقه، وللرجاء منزلته، ولم تحمّلي أحدهما إلغاء الآخر. وما أقدّره في قراءتكِ، دكتورة سلوى، أنّ جمال لغتكِ لم يحجب القصيدة التي تقرئينها. عدتِ إلى أبياتها، واستنطقتِ صورها، وربطتِ بين مفرداتها، فكان الاحتفاء قائمًا على التأمّل، لا على الإطراء وحده. وهذا يجعل امتناني لكِ أبعد من سعادة شاعرٍ بكلماتٍ جميلة قيلت في نصّه؛ إنّه امتنان صاحب تجربةٍ شعر بأنّ تجربته قُرئت بعناية، وأنّ حزنه لم يتحوّل في يد قارئته إلى مناسبةٍ لمديحٍ عابر. وقد بقيت عبارتكِ: «لقد كتب أباه من داخل الأثر الذي تركه فيه، لا من خارج الذكرى»، تتردّد في نفسي بعد القراءة. وجدتُ فيها وصفًا قريبًا مما عجزتُ عن تسميته وأنا أكتب. لم أكن أجمع ملامح أبي لأضعها أمام القارئ، بقدر ما كنتُ أتتبّع حضوره في رؤيتي للحياة. وربما لهذا تظلّ بعض القصائد أوسع من مناسبتها؛ لأنّ من نكتب عنهم لا يقيمون في ذاكرتنا وحدها، بل يشاركوننا، من حيث لا نشعر، طريقة النظر والكلام والاختيار. لكِ منّي شكرٌ يليق بهذا الإصغاء، وبما بذلتِه من عنايةٍ في قراءة نصٍّ عزيزٍ على قلبي. لقد منحتِ القصيدة صحبةً من الفهم، ومنحتِ صاحبها لحظةً يرى فيها حنينه من مسافةٍ أصفى. وأنا لا أملك أن أردّ الغياب، لكنني أستطيع أن أشكر من قرأ ما بقي بعده، ورأى في الضياء معنىً يستحقّ الوقوف عنده. كتبتُ «غاب أبي وما غاب الضياء» لأحفظ لأبي حضورًا في الكلام؛ فقرأتِها على نحوٍ جعلني أرى ذلك الحضور مرةً أخرى. وبين ما كتبته وما قرأتِه ظلّ أبي هو المعنى الأعزّ: غائبًا أشتاق إليه، وأثرًا أحاول أن أكون أمينًا عليه. فشكرًا لكِ، دكتورة سلوى الفيلالي، لأنّكِ لم تمرّي على الضوء مرورًا عابرًا، بل توقّفتِ عنده، وأريتِني أين ما زال يضيء. طه دخل الله عبد الرحمن أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السلسلة الثانية / الموسم الثقافي 2026 - 2027 العدد الخامس الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين الحلقة الثانية: الأربعاء 7 أكتوبر 2026 د. طه عبد الرحمن قاصا قصة: الجهة الأخرى من الصمت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقديم في الحلقة الثالثة من برنامج «أسابيع الرؤى الثقافية»، نفتح نافذة جديدة على التجربة الإبداعية للكاتب طه عبد الرحمن، من خلال قصة قصيرة بعنوان «الجهة الأخرى من الصمت»، وهي كتابة تنقل القارئ إلى منطقة داخلية شديدة العتمة، حيث لا يعود الصمت مجرد غياب للكلام، ولا الألم مجرد عارض عابر، وإنما يتحولان إلى فضاء وجودي يستوطن الذات ويعيد تشكيل علاقتها بنفسها وبالعالم. منذ الجملة الأولى، تقيم القصة مفارقتها الأساسية بين الحياة والموت: «أنا الحي الذي يجر موته خلفه كظل لا يغيب». ومن هذه المفارقة ينفتح السرد على صوت ذات مأزومة، لا تحكي عن بؤسها من الخارج، بل تتكلم من داخله، حتى يغدو الألم جغرافية كاملة، وتتحول الوحدة إلى كيان ملازم، ويصبح الموت فكرة يومية تتكرر داخل الحياة قبل أن يتحقق بوصفه نهاية. وتقوم القصة على المونولوج الداخلي بوصفه أداة كاشفة لأعماق الذات؛ فالسارد لا يروي أحداثا متتابعة بالمعنى التقليدي، بقدر ما يكشف طبقات متراكمة من الوجع والاغتراب والانطفاء. ولذلك تتقدم اللغة هنا بوصفها فعلا نفسيا ووجوديا، تتوالد من خلالها الصور والاستعارات: المقبرة التي تمشي، والنعش الذي يتنفس، والدموع التي لا عين لها، والوحدة التي تدخل إلى الرئتين قبل الهواء. إنها صور لا تكتفي بتزيين المعنى، بل تؤدي وظيفة بنائية في تشكيل عالم الشخصية. ولعل اللافت في هذه الكتابة أن الصمت نفسه يصبح شخصية خفية؛ فهو ليس فراغا، وإنما حضور كثيف، تتجمع في داخله الأشياء التي عجزت الذات عن قولها. ومن هنا يأتي عنوان القصة: «الجهة الأخرى من الصمت»، باعتباره إحالة إلى ذلك الجانب غير المرئي من الإنسان، حيث تختبئ اعترافاته المؤجلة، وأسئلته، وخيباته، وأشكال موته الداخلي. كما أن الزمن في القصة يفقد انتظامه المألوف؛ فالغد يبدو وعدا مؤجلا لا تملك الذات القدرة على تصديقه، والحاضر يتحول إلى تكرار للموت، والماضي يصبح مساحة لـ«ما كان» دون قدرة على استعادة ما مضى. وهكذا يتحول الزمن من إطار للأحداث إلى تجربة نفسية مغلقة، تتكرر فيها اللحظة ذاتها بأشكال مختلفة. ومع ذلك، لا تخلو هذه العتمة من ومضة روحية لافتة. ففي مقطع من أكثر مقاطع القصة كثافة، يتوجه السارد إلى الله لا بلغة الإنكار، وإنما بلغة التعجب والحيرة: سؤال الإنسان الذي يواجه الألم ويحاول أن يفهم معنى بقائه. هنا تنتقل القصة من التعبير عن مأساة فردية إلى مساءلة أوسع لمعنى الوجود، وجدوى الاحتمال، وحدود قدرة الإنسان على مواصلة الحياة حين تصبح الحياة نفسها عبئا ثقيلا. إن «الجهة الأخرى من الصمت» كتابة تقوم على تكثيف الإحساس بالاغتراب، وعلى تحويل الألم النفسي إلى صور حسية وفضاءات مكانية، بحيث لا يبقى القارئ أمام شخصية تعاني فحسب، بل أمام ذات تتآكل لغويا ووجوديا وهي تحاول أن تمنح عذابها اسما. ومن هنا تأتي أهمية هذه القصة ضمن تجربة طه عبد الرحمن: إنها لا تبحث عن الحكاية في تعاقب الوقائع، بقدر ما تبحث عنها في ارتعاش الداخل الإنساني، وفي المسافة الدقيقة بين أن يكون الإنسان حيا، وأن يشعر بأنه غائب عن حياته. في «الجهة الأخرى من الصمت»، لا يكون الصمت نهاية الكلام، بل بدايته الخفية؛ ولا يكون الموت نقيضا للحياة تماما، بل ظلا يتشكل داخلها. وبين الجهتين، يترك الكاتب قارئه أمام سؤال مفتوح: كم مرة يمكن للإنسان أن يموت في داخله، قبل أن يتوقف العالم عن سماع صوته؟ إعداد وتقديم: عبد الرحمن بوطيب برنامج «أسابيع الرؤى الثقافية» ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القصة الجهة الأخرى من الصمت قصة قصيرة طه عبد الرحمن أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍ لا يغيب، كل صباحٍ أتفقّد قبري بأصابع مرتجفة، أمسح الغبار عن اسمي المنحوت على رخامٍ لم يُرفع بعد. الموت ليس هديةً مؤجلة، بل هو الشيء الوحيد الذي أشعر أنه لي، حقي الوحيد الذي لا ينتزعه مني أحد، ومع ذلك أتأخر عنه كل يوم، لا حبًا في الحياة، بل لأن البؤس صار دينًا، وأنا مدينٌ حتى آخر قطرة عذاب. لستُ حزينًا، الحزن عاطفة، أما أنا فقد تحوّلت إلى جغرافية الألم ذاتها. جبالٌ من الصمت ترتجف في حلقي، أنهارٌ من الكتمان تجف في شراييني، صحاري من الوحشة تتمدد بين ضلعي وضلعي. الحزن شيء يشبه المطر، يأتي ثم يذهب، أما أنا فصرت الطين الذي لا يجف، صرت الوحل الذي يبتلع خطوات الفرح قبل أن تصل إليّ. أنا المقبرة التي تمشي، أنا النعش الذي يتنفس، أنا الدموع التي لا عين لها فظلّت حبيسة في لحم القلب تنخر فيه كنخر السوس في خشب التابوت. اكتئابي علّمني لغةً لا يتحدثها الأحياء، علّمني كيف أكون شبحًا بينهم، كيف أمرّ كالهواء المسموم، لا يراني أحد، ولكن الجميع يختنق بي. أتكلّم، فيظنون أن صوتي آتٍ من غرفة مجاورة، أتحرك، فيحسبون أن الريح حرّكت ستارة، أنا الغائب الذي يملأ المكان، أنا الفراغ الذي إذا دخل غرفة ضاقت بالجالسين. صرت الهباءة، صرت الذرة المعلقة بين "كان" و"لم يعد"، صرت زمنًا ماضيًا بلا فعلٍ ولا فاعل. الغد؟ لا تؤذوني بالغد. الغد كذبةٌ اخترعها من يملكون قوّة الانتظار، وأنا مفلسٌ حتى من الانتظار. أنظر إلى الساعة فأرى العقارب تمشي على جثث دقائقي، كل ثانية تموت وأنا أموت معها، ثم تولد ثانية جديدة لتموت هي الأخرى، وأنا أموت من جديد. كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟ أنا متُّ بعدد أنفاسي، متُّ بعدد نبضات قلبي، ومع ذلك ما زلتُ أجلس هنا، أتنفس، كأن الحياة تصرّ عليّ وأنا أصرّ على الرحيل، عشقٌ من طرفٍ واحد، أنا والحياة، عشقٌ بلا لغة، عناقٌ بلا ذراعين، قُبلة إسفلتية بطعم الدم والغبار. أتعرفون كيف يكون البكاء بلا عيون؟ أن تبكي برئتيك، أن تبكي بكبدك، أن تبكي بعظامك، أن تبكي بقلبك، أن يذوب نخاعك دموعًا لا ترى النور أبدًا. دموعي حبيسة في أقبية الجسد، تغرق أحشائي كل ليلة، أغرق فيّ ولا ينتشلني أحد. أبكي من أصابعي، من ركبتيّ، من ضلوعي التي تشبّكت كأغصان شجرةٍ في مهب الإعصار، أبكي من كل مسام جلدي، ومع ذلك أبدو جافًا كصحراء لم تسمع اسم المطر، كحجرٍ لم ترتطم به دمعة قط. الوحدة صارت أثقل من الجاذبية، تسحقني إلى مركز الأرض، إلى اللبّ، إلى النواة الملتهبة، ثم إلى ما بعد الالتهاب، إلى رماد الرماد. أنام فأصحو على صوت وحدتي، آكل فتشاركني وحدتي لقمتها، أتنفس فتدخل وحدتي إلى رئتيّ قبل الهواء. صرنا توأمين سياميين، لا يمكن فصلي عنها إلا بموتي، وربما حتى بموتي لا تفارقني، ربما تتبعني إلى قبري، ربما تكون هي الدود الذي يأكل جثتي، ربما تكون هي التراب الذي يثقل صدري إلى الأبد. يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب. أتعجب من قلبٍ هذا حظه من الدنيا وما زال ينبض، من روح هذا نصيبها من الألم وما زالت تصعد كل صباح، تعود إلى الجسد كمن يعود إلى سجنه بقدميه. أتعجب منك، لا غضبًا، بل استغراب المحكوم بالإعدام حين يجد في زنزانته وردة، يقول: "ما فائدة الوردة لمن سيُشنق فجرًا؟" أنا الوردة في زنزانة الانتظار، أنا السؤال بلا جواب، أنا الدعاء الذي يصعد فلا يخترق السقف، يعود إليّ كالطيور المهاجرة التي ضلّت طريقها، تسقط ميتةً عند عتبة فمي فأبتلعها وأتحول أنا إلى مقبرة الدعوات. لا تبحثوا عني في وجوه الأحياء، ابحثوا عني في الوجوه التي ماتت قبل أصحابها، في العيون التي صارت حدقتاها قبرين، في الابتسامات التي تشبه الشقوق في جدارٍ قديم. أنا هناك، حيث الحياة ذاكرةٌ منسيّة، حيث الألم طبيعةٌ لا حدث، حيث البؤس ليس حالةً بل هوية. أنا الهوية، أنا التعريف، أنا الإنسان الذي صار تعريفه: "شيء كان حيًا ثم صار هذا". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طه دخل الله عبد الرحمن فلسطين ردي على تقديم الأستاذ الاديب الناقد عبد الرحمن بوطيب: طه عبد الرحمن حين يُنصت الضوءُ إلى عتمة الكلام أستاذي الأديب عبد الرحمن بوطيب للكلمات أقدارٌ تشبه أقدار الأرواح؛ منها ما يولد في الضوء ثم يذوي في الزحام، ومنها ما يخرج من عتمته مثقلًا بليل صاحبه، حتى إذا لقي قلبًا بصيرًا، انفتح فيه ما استغلق، وأشرق منه ما احترق. وما كلُّ عينٍ تقرأ ترى، ولا كلُّ أذنٍ تسمع تعي؛ فبين النظر والبصيرة مسافة، وبين السماع والإصغاء ضيافة. وقد منحتم قصتي هذه الضيافة النبيلة؛ لم تستقبلوا حروفها عند عتبة العبارة فحسب، بل أفسحتم لارتجافها موضعًا في التأمل، ولأنينها مقامًا في الفهم، حتى شعرت أن النص الذي خرج يحمل وحدته، قد وجد في قراءتكم من يؤنس غربته، ويصون حيرته. تلقيت تقديمكم لـ«الجهة الأخرى من الصمت» كما تتلقى أرضٌ أرهقها الجفاف أولَ قطرة؛ لا لأنها تنهي ظمأها كله، بل لأنها تردّ إليها خبر السماء. وقرأت كلماتكم، فإذا بي أعود إلى قصتي من طريق لم أسلكه وأنا أكتبها؛ أرى في منعطفاتها ما حجبته عني حرارة الولادة، وأسمع في صمتها ما غطّاه عليّ صخب المكابدة. ولعل هذه أبهى هبات القراءة: أن تعيد إلى الكاتب نصَّه أوسع مما أرسله، وأعمق مما ظنّه، وأن تفتح في مرآته نافذةً بعدما حسبها وجهًا واحدًا وصورةً واحدة. ولذلك فإن شكري لكم يتجاوز بهجة الكاتب بالعناية بنصه إلى امتنان الإنسان لمن أحسن ملامسة ما يتوارى خلفه. لقد كان الإصغاء روح تقديمكم؛ إصغاءٌ لا يتعجل تسمية الجرح قبل استبانة عمقه، ولا يرفع عن الوجع حجابَه ليستعرضه، بل ليقارب سره. وفي ذلك فرقٌ بين قراءة تستخرج من النص شاهدًا على براعتها، وقراءة تهب النص براعتها ليزداد حضورًا ووضوحًا. وقد شعرْت أنكم منحتم القصة من ضوء النقد ما يكشف تضاريسها، دون أن تسلبوا ليلها سواده، أو تُكرهوا سؤالها على جواب لا يحتمله. وقفتم عند قول السارد: «أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍّ لا يغيب»، فكأنكم وضعتم اليد على المفصل الذي يدور عليه باب الحكاية. ففي هذه الجملة تتجاور الحياة والموت، لا تجاور الضدين عند نهايتين، بل تجاور الجرح وصاحبه في جسد واحد. إنه حيٌّ بما يبقى فيه من نبض، غائبٌ بما ينطفئ فيه من معنى؛ يمضي إلى صباحه، ويجر وراءه ليلًا لم ينقضِ؛ يسير في العالم، فيما يتعثر العالم في داخله. والمحنة هنا ليست نهايةً تهدد الإنسان من بعيد، وإنما شعورٌ يتسلل إلى تفاصيل بقائه، حتى يغدو الاستيقاظ عودةً إلى السؤال، ويصبح التنفس تكرارًا للمحنة قبل أن يكون علامةً على النجاة. وقد أضاءت قراءتكم هذه المسافة الموجعة بين أن يعيش المرء وأن يسكن حياته؛ فليس كلُّ حضورٍ امتلاءً، ولا كلُّ غيابٍ رحيلًا. قد يكون الإنسان في مكانه، واسمه على الألسنة، ووجهه بين الوجوه، ثم لا يجد في شيءٍ من ذلك طريقًا إلى نفسه. ولهذا تتكاثر في صوت السارد صور الغياب، كأنه يطرق أبواب اللغة بابًا بابًا، ويقول عند كل باب: أنا هنا، ولكنني لا أجدني. وحين تصير العبارة مأوى لهذا التناقض، يغدو السرد بحثًا عن الذات في مواضع انكسارها، لا تسجيلًا لخطواتها في طريق ظاهر. ولقد استوقفني في تقديمكم ذلك الفهم العميق لتحوّل الألم إلى جغرافيا؛ إذ لم تقرؤوا جبال الصمت وأنهار الكتمان وصحاري الوحشة بوصفها حُلِيًّا بلاغية، بل بوصفها تضاريس عالمٍ داخليٍّ أعياه أن يُرى. إن الوجع حين يعجز عن تحديد موضعه يستعير الأمكنة، وحين تضيق به الأسماء يستنجد بالصور. فكيف يشير المرء إلى ألمٍ لا يقيم في عضوٍ وحده، ولا ينتهي عند حدٍّ بعينه؟ وكيف يقول: «هنا يؤلمني»، إذا كان الـ«هنا» قد اتسع حتى صار حياته كلها؟ عندئذ تحمل الجبال ما لا يحتمله الحلق، وتجري الأنهار بما لا تجري به العين، وتتمدد الصحراء حيث كان ينبغي للقرب أن يورق، وللأنس أن يزهر. وفي هذا السياق تتردد عبارة «أنا» كطرقةٍ لا تكفّ على باب مغلق. يقول السارد: أنا المقبرة، أنا النعش، أنا الدموع؛ فيستبدل باسمه صورًا تزداد قسوة، كأن الألم يزاحمه على حق التعريف، حتى يستولي على لغته التي يقدّم بها نفسه. وتلك، في نظري، من أقسى مناطق القصة: أن يظل الإنسان قادرًا على النطق، ثم لا يجد لنفسه اسمًا خارج ما يعانيه. لقد أبرزتم هذا التآكل الوجودي واللغوي معًا، فأعدتم إلى الصور صلتها بمحنة صاحبها؛ إذ لا تنفصل قسوة العبارة هنا عن قسوة النظرة التي باتت الذات تنظر بها إلى ذاتها. أما حديثكم عن الصمت بوصفه «شخصية خفية»، فقد مسَّ من العنوان عصبَه، ومن القصة قلبَها. للصمت في هذا النص ثقلٌ وخطوٌ وظل؛ يقيم في الحلق، ويزاحم النفس، ويشارك الوحدة طعامها ومبيتها. وما أكثر ما نسميه صمتًا، وهو في الداخل ازدحام! ازدحام كلماتٍ لم تجد أمان القول، واعترافاتٍ أخافها سوء الفهم، ونداءاتٍ عادت من الطريق لأنها لم تثق بوجود من يسمعها. لذلك تبدو «الجهة الأخرى» حيّزًا مكتظًّا بما لم يظهر، لا فراغًا ينتظر أن نملأه. وقد اقتربتم من هذا الحيّز برهافةٍ أبقت له ستره، وبصيرةٍ كشفت أثره. ولعل الكاتب، حين يفتح منفذًا إلى ذلك الصمت، لا يطلب من قارئه أن يتقن جميع أسراره، وإنما يرجو منه ألّا يستخف بما يجهله منها. فبعض الحروف ترتجف لأن وراءها ما لا يقدر على العبور، وبعض المبالغة في الصورة تكشف مقدار العجز عن إيصال الشعور. وقد كانت قراءتكم رحيمةً بهذا العجز؛ لم تتعاملوا مع احتشاد الصور بوصفه فائضًا منفصلًا عن التجربة، بل رأيتم كيف تتوالد الاستعارات حين لا تكفي العبارة الأولى، وكيف تعود الذات إلى وصف وجعها لأن كل وصفٍ يترك منه بقيةً بلا اسم. وفي قراءتكم للزمن، رأيت الساعة تخرج من جدار الغرفة لتدخل جدار الروح. هناك لا تقيس العقارب المسافة بين لحظتين، بل تمشي فوق ما سمّاه السارد «جثث دقائقي»؛ وكلُّ ثانيةٍ جديدة تحمل شبه سابقتها، حتى يصير التعاقب تكرارًا، ويغدو الامتداد حصارًا. أما الغد، الذي تستند إليه النفس حين يثقل حاضرها، فقد فقد في هذا الصوت قدرته على الوعد؛ صار كلمةً تؤلم لأنها تشير إلى انتظارٍ لا يجد صاحبه في داخله قوةً له. وهكذا تنغلق جهات الزمن: ماضٍ لا يُستعاد، وحاضرٌ لا يُحتمل، وغدٌ لا يُصدَّق. وقد كشفتم هذا الإغلاق دون أن تطالبوا النص بأحداثٍ تُخرجه من طبيعته؛ فالحدث هنا يقع في الشعور، ويتبدى في تبدّل علاقة السارد بكل ما حوله. ثم تأتي المناجاة، فيلين من العبارة ما اشتدّ، وينكشف من الحيرة ما استتر: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». ما أرهف هذه المسافة بين السؤال وسوء تأويله، وبين الشكوى والخشية من أن تُحسب جحودًا! إن السارد يشرح نداءه قبل أن يتمّه، كأنما يريد أن يحفظ للتوجه صدقه، وللحيرة براءتها. وقد أحسنتم الوقوف في هذه المسافة، فلم تُلبسوا الصوت يقينًا لم يقله، ولا إنكارًا تبرأ منه. تركتموه في مقامه: قلبًا يتعجب من بقائه، وروحًا تسأل عن احتمالها، وإنسانًا يرفع إلى الله ما أعياه حمله بينه وبين نفسه. وهنا تتراءى الوردة في الزنزانة؛ صغيرةً في موضعها، واسعةً في دلالتها. يقف السارد أمامها ويسأل عن فائدتها، فينشأ بين الجمال والمحنة توترٌ لا تحسمه عبارةٌ سهلة. فالوردة لا تفتح القفل، ولا تمحو الجدار، ولا تبدّد خوف الفجر؛ لكنها تجعل المشهد أقلَّ طاعةً للعتمة، وتضع في صميمه حضورًا يستعصي على الانسجام التام مع الخراب. وربما كانت قوتها في هذا الإرباك ذاته: أن يراها المحكوم بالألم، فلا يستطيع أن يطمئن إليها، ولا يستطيع أن ينكر أنها أمامه. وأحبّ أن يبقى لهذا المشهد قلقه؛ إذ ليس من الإنصاف أن نجعل الوردة جوابًا جاهزًا لسؤالٍ لم ينتهِ، أو أن نحمّل رقتها ما لا تستطيع حمله. ومن هذا الموضع أتأمل المسافة بين السارد والكاتب، بين الصوت الذي تستغرقه محنته، والكتابة التي تمنح هذه المحنة هيئةً قابلةً للمشاركة. فما ينطق به السارد يخص عالمه وحدود رؤيته، ولا يستنفد موقف النص من الإنسان والحياة. إن تصوير الانطفاء لا يقتضي تمجيده، والاقتراب من اليأس لا يمنحه الكلمة الأخيرة. بل قد تكون الكتابة، وهي تنقل هذا الصوت، محاولةً لإنقاذه من التلاشي؛ تسجّل ما يقوله عن نفسه، وتترك للقارئ أن يرى فيه أكثر مما استطاع هو أن يرى. وحين ينتهي إلى تعريفه المرير: «شيء كان حيًا ثم صار هذا»، تبقى القراءة مدعوةً إلى استرداد الإنسان من كلمة «شيء»، وإلى تأمل تلك الهوية التي ضاقت حتى حسبت جرحها حدودها. وهذا مما جعل تقديمكم قريبًا إلى نفسي؛ فقد أنصتم إلى الصوت دون أن تختزلوا صاحبه في ظلامه، وقرأتم كثافة الألم دون أن تجعلوا من الألم زينةً للمعنى. ثمة رهافةٌ لازمة لمن يقارب مثل هذا النص: أن يرى جمال الصياغة، ويظل متذكرًا خشونة التجربة التي تصوغها؛ أن يتأمل براعة الصورة، ولا ينسى الكائن المرتجف في داخلها. وقد حفظتم هذا التوازن، فكان النقد في تقديمكم معرفةً تتأنّى، وذائقةً تتحرّى، ورفقةً لا تدّعي امتلاك الطريق. أما سؤالكم الأخير: «كم مرة يمكن للإنسان أن يموت في داخله، قبل أن يتوقف العالم عن سماع صوته؟»، فقد بقي في نفسي بعد فراغ القراءة، كأن انتهاء الكلام زاد صداه. إنه سؤالٌ يردّنا من النص إلى مسؤولية الإصغاء؛ يضع أمامنا حدود احتمال الإنسان، وحدود انتباه من حوله، والمسافة التي قد تتسع بين النداء واستجابته. ولعل أخطر ما فيه أن الصوت قد يستمر، بينما يعتاد العالم سماعه حتى لا يعود يسمعه حقًّا. عندئذ يحتاج القارئ إلى أن يجدّد انتباهه، وأن يمنح العبارة المألوفة فرصةً لتفاجئه بما تخبّئ، وألّا يجعل من تكرار الألم سببًا للتقليل من وطأته. لقد فعل تقديمكم شيئًا من هذا؛ أعاد الانتباه إلى صوت القصة، وأبطأ خطى القراءة عند مواضعها الأشدّ ارتعاشًا. وفي هذا الإبطاء فضيلةٌ أعتز بها؛ فالنص الذي يمشي مثقلًا بصوره لا تكفيه قراءةٌ تمرّ، بل يحتاج إلى قراءةٍ تقيم قليلًا: عند جملةٍ يختلط فيها الحيّ بظلّه، وعند جسدٍ تبكي أعضاؤه، وعند وردةٍ لم يفهم السارد سرّ وجودها، وعند اسمٍ كاد الوجع أن يمحوه. وقد أقمتم في هذه المواضع إقامةَ المتأمل، ومنحتم القارئ فسحةً ليراها معكم، دون أن تغلقوا عليه سبيل رؤيته الخاصة. فلكم، أستاذي الأديب عبد الرحمن بوطيب، شكرٌ يليق بما بذلتم من عناية، ومودةٌ تليق بما أظهرتم من رهافة. وأعتز بهذا الحضور لقصتي في الحلقة الثالثة من «أسابيع الرؤى الثقافية»، وبهذا اللقاء الذي عاد فيه النص إليّ وقد اكتسب من قراءتكم أفقًا آخر. لقد عرفتم كيف تقتربون من عتمته دون أن تزيدوها وحشة، وكيف تكشفون جرحه دون أن تسلبوه حرمته؛ فكان تقديمكم نافذةً في جدار التأويل، وكان اهتمامكم موضعَ ضوءٍ على حافة السؤال. أكتب إليكم، وفي نفسي صورةٌ أخيرة: النص جالسٌ في ليله، يصغي إلى وقع يدٍ على الباب. لا يتبدّل الليل كله، ولا تنقلب العتمة نهارًا؛ لكن شيئًا دقيقًا يحدث في الداخل حين يعرف صاحب الصوت أن طرقته لم تذهب سدى، وأن وراء الصمت من توقّف، وتفهّم، وانتظر حتى تتبين له الكلمات. ذلك هو الأثر الذي تركته قراءتكم في نفسي؛ أن للصمت جهةً أخرى يمكن بلوغها برفق، وأن الكلمة، مهما أثقلها ليلها، قد تجد من يحمل إليها مصباحًا، ويجلس. طه دخل الله عبد الرحمن Mohammed Mimouni الجهة الأخرى من الصمت قراءة نقدية في قصة الدكتور طه عبد الرحمن ليست «الجهة الأخرى من الصمت» قصة تقوم على الحدث بالمعنى المألوف. لا توجد فيها وقائع كثيرة تتطور أمامنا، ولا شخصيات تدخل في صراع خارجي واضح. إن الحدث الحقيقي يقع في الداخل: رجل يحاول أن يفهم علاقته بالحياة بعدما أصبح الألم جزءًا ثابتًا من وعيه. منذ البداية، يضعنا الكاتب أمام هذه المفارقة: «أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب». ومن هنا يتحدد المسار العام للنص: الحياة موجودة من الناحية البيولوجية، لكنها فقدت معناها بالنسبة إلى الشخصية. هذه الفكرة واضحة ومتماسكة، والكاتب ينجح في جعلها محورًا تتفرع منه معظم مقاطع القصة. غير أن قوة الفكرة نفسها تكشف المأخذ الأبرز على النص: الكاتب لا يكتفي أحيانًا بأن يجعلنا نكتشف الألم، بل يواصل تفسيره وتصويره حتى بعد أن يكون قد وصل إلينا. في البداية تكون الصور مؤثرة، مثل «أنا المقبرة التي تمشي» و«أنا النعش الذي يتنفس». لكن كثرة الصور المتقاربة في وظيفتها تجعل أثر بعضها يتراجع. فحين يتكرر المعنى نفسه من خلال المقبرة والنعش والدموع والجغرافيا والوحشة، يبدأ القارئ في استقبال الألم باعتباره فكرة ثابتة أكثر من كونه تجربة تتطور. وهنا أختلف قليلًا مع الطريقة التي اختار بها الكاتب بناء نصه. ليس لأن اللغة ضعيفة؛ بالعكس، اللغة هي إحدى نقاط قوة القصة. لكن اللغة القوية تحتاج أحيانًا إلى اقتصاد. الصورة الجيدة لا تحتاج بالضرورة إلى صورة أخرى تشرحها. وربما كان النص سيصبح أكثر تأثيرًا لو ترك بعض الفراغات للقارئ. فالإنسان المنهك لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول: أنا منهك. قد تكشف حالته حركة بسيطة، أو تصرفًا عابرًا، أو علاقة مع شخص آخر. وهذا ما افتقدته القصة إلى حد ما: التفاصيل اليومية التي تمنح الشخصية حياة خارج خطابها عن الألم. الشخصية هنا تتحدث عن نفسها من داخل أزمتها، ولذلك نعرف كثيرًا عن شعورها، لكننا نعرف قليلًا عن حياتها. وهذا فرق مهم. نعرف أنها وحيدة، لكننا لا نرى الوحدة في موقف يومي. نعرف أنها فقدت علاقتها بالمستقبل، لكننا لا نراها تتعامل مع موعد أو شخص أو مكان. نعرف أنها تشعر بأنها ميتة من الداخل، لكننا لا نرى أثر ذلك في علاقتها بالعالم المحيط. وهنا كان يمكن للقصة أن تمنحنا شيئًا من المشهد بدل أن تعتمد بصورة شبه كاملة على التأمل. مع ذلك، فإن اختيار المونولوج الداخلي يخدم النص بوضوح. السارد لا يريد أن يحكي لنا حياته بقدر ما يريد أن يكشف وعيه بنفسه. ولذلك تأتي الأسئلة المتكررة حول الموت والزمن والوحدة لتكشف حالة ذهنية أكثر مما تكشف أحداثًا. وأحسب أن عبارة: «كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟» تلخص جزءًا كبيرًا من المشروع. فالزمن في القصة ليس زمن الساعة، وإنما زمن الإحساس. الدقيقة لا تعني دقيقة، والغد لا يعني يومًا جديدًا، وإنما احتمالًا لم يعد السارد قادرًا على تصديقه. وهذا من أنجح جوانب القصة؛ لأن الكاتب استطاع أن يحوّل الزمن من عنصر خارجي إلى تجربة داخلية. لكن هنا أيضًا كان يمكن للاقتصاد أن يخدم النص. حين تكون الفكرة قوية، لا تحتاج إلى تكرارها كثيرًا. والكاتب يمتلك بالفعل جملة مركزية تستطيع حمل هذا المعنى دون الحاجة إلى أن تظل القصة تؤكده في صور متعددة. أما المقطع المتعلق بالله، فهو بالنسبة إليّ أهم أجزاء القصة من الناحية الفكرية. «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». هذه الجملة تنقل النص من وصف الألم إلى مساءلة معناه. فالشخصية لا تقدم نفسها باعتبارها رافضة للإيمان، بل باعتبارها إنسانًا لا يفهم لماذا يُطلب منه أن يحتمل ما لا يستطيع تفسيره. وهنا يصبح السؤال الديني امتدادًا للسؤال الوجودي. واللافت أن الكاتب لا يقدم إجابة جاهزة. وهذا جيد. لأن النص الأدبي يفقد جزءًا من قوته عندما يحول السؤال الكبير إلى درس جاهز. لكن حتى هنا، تعود المشكلة نفسها: الصورة تسبق أحيانًا التجربة. كان يكفي أن تبقى الحيرة واضحة، وربما كان ذلك سيجعل المقطع أكثر قوة. فالسؤال الموجه إلى الله لا يحتاج دائمًا إلى كثير من المجازات حتى يصل إلى القارئ. أما عنوان القصة، فهو من أجمل مفاتيحها. «الجهة الأخرى من الصمت» لا تشير بالضرورة إلى مكان آخر، وإنما إلى ما لا يظهر في الكلام. الصمت هنا ليس مجرد عدم الحديث. إنه أشياء لم تستطع الشخصية أن تقولها، وربما لم تجد من يستطيع سماعها. لكن العنوان يطرح سؤالًا آخر: هل الصمت هو المشكلة، أم أن المشكلة هي غياب من يصغي إليه؟ وهذا السؤال يجعل القصة تتجاوز تجربة الشخصية نفسها. فهي لا تعود قصة شخص متألم فقط، وإنما تصبح تذكيرًا بمشكلة إنسانية أوسع: أننا كثيرًا ما نرى الإنسان من خلال سلوكه الخارجي، ولا نعرف ما يحدث في داخله. ومع ذلك، تبقى لدي ملاحظة أساسية على بناء الشخصية. السارد يكاد يعرف نفسه من خلال ألمه وحده. هو الميت، والمنعزل، والمتعب، والذي فقد الغد. وهذا مفهوم داخل الحالة التي يكتب منها النص، لكنه يظل محدودًا من الناحية الفنية. فالإنسان، حتى في أشد أزماته، لا يتوقف عن امتلاك تفاصيل أخرى. كان يمكن لتفصيل صغير جدًا أن يغير كثيرًا في القصة: علاقة عابرة، ذكرى، موقف يومي، شخص لا يفهم ما يحدث له، أو حتى لحظة عادية تناقض هذا السواد المستمر. ليس المطلوب أن تدخل القصة في التفاؤل. المطلوب فقط أن نرى الإنسان إلى جانب معاناته. فحين يصبح الألم هو الشخصية كلها، يفقد القارئ شيئًا من القدرة على اكتشافها. وهنا أصل إلى ملاحظة ربما تكون الأكثر أهمية عندي. القصة تقول إن السارد «نعش يتنفس». لكن استمرار التنفس، واستمرار الكلام، واستمرار السؤال، يعني أن هناك شيئًا لم ينتهِ بعد. وهذه المفارقة هي ما يجعل النص أكثر تعقيدًا مما يبدو. فالسارد يعلن موته، لكنه يكتب. يعلن عجزه عن الانتظار، لكنه ينتظر. يقول إن الصمت أحاط به، لكنه يتكلم طوال القصة. وهذا التناقض ليس عيبًا بالضرورة؛ بل يمكن أن يكون أكثر عناصر النص إثارة. فالكتابة نفسها تصبح هنا دليلًا على أن الشخصية لم تستسلم تمامًا. وربما كان يمكن للكاتب أن يستثمر هذه المفارقة أكثر. لأن أجمل سؤال في القصة ليس: هل مات هذا الإنسان؟ بل: إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟ وهنا، قبل أن أختم، لا بد أن أقول إن نقد النص لا يعني محاكمة صاحبه. الدكتور طه عبد الرحمن يغامر في هذه القصة بالدخول إلى منطقة حساسة: الألم الداخلي، والوحدة، والموت الرمزي، والحيرة أمام معنى الاحتمال. وقد لا أتفق مع كل اختياراته الفنية، خصوصًا في كثافة الصور وتكرار بعض المعاني، لكن هذا الاختلاف نفسه دليل على أن النص يفتح مجالًا حقيقيًا للحوار. وأنا، في النهاية، لم أقرأ القصة بعين الناقد وحده. قرأتها أيضًا بعين الإنسان. لأننا جميعًا نعرف، أو قد نعرف يومًا، شخصًا يقول لنا: «أنا بخير»، ثم نكتشف بعد وقت طويل أن تلك العبارة لم تكن وصفًا لحاله، وإنما محاولة لإغلاق الحديث. ومن هنا تبدو لي القيمة الإنسانية الأهم في «الجهة الأخرى من الصمت»: أنها تذكّرنا بأن ما لا يقوله الإنسان قد يكون أهم مما يقوله. وهذا هو الموضع الذي أتوقف فيه عن محاكمة اللغة قليلًا. وأترك النص للدكتور طه عبد الرحمن، مع كامل التقدير والاحترام، وللقارئ الذي ربما يجد فيه شيئًا لم أجده أنا. فالنص الجيد لا ينتهي عندما يضع الكاتب نقطة في آخر السطر. أحيانًا يبدأ هناك. وربما كانت «الجهة الأخرى من الصمت» هي ببساطة: الإنسان الذي نراه أمامنا، ولا نعرف ماذا يحدث فيه. بقلم: د. محمد ميموني – مشاكس المعنى ردي على نقد الدكتور محمد ميموني ما لا يقوله الجرح، وما ينبغي أن تتركه اللغة الأخ والصديق الدكتور محمد ميموني أصعب ما يُطلب من الكاتب أن يضع مصباحًا بينه وبين نصه؛ فقد ألف أن يرى كلماته في ضوء اللحظة التي أنجبتها، وأن يتذكر ما حملته نفسه إليها قبل أن يسأل عما حملته هي إلى القارئ. وحين تأتي قراءة جادة، فإنها لا تكتفي بإضاءة الصفحة، بل تضيء تلك المسافة التي كثيرًا ما يغفل عنها صاحبها: المسافة بين حرارة الشعور ودقة التعبير، بين صدق ما عاناه الصوت ونجاح ما بناه النص. وقد جاءت قراءتكم لـ«الجهة الأخرى من الصمت» لتضعني في هذه المسافة؛ لا في موضع المتهم الذي يلتمس براءته، ولا في مقام صاحب الكلمة الذي يطلب التسليم له، وإنما في موضع الكاتب الذي يقبل أن يعود إلى ما كتب، وأن ينظر إليه بعين لا تدين له بشيء. لهذا أكتب إليكم من باب الإنصاف؛ إنصاف قراءتكم من ردٍّ يحوّلها إلى مناسبة للثناء وحده، وإنصاف قصتي من دفاع يحرمها حق المراجعة، وإنصاف اختلافي معكم من موافقة مهذبة لا تقول ما أراه حقًّا. فما أسهل أن أشكركم على الاهتمام، ثم أترك ملاحظاتكم حيث وجدتها؛ وما أصعب، وما أنفع، أن أدخل معها إلى صلب النص، وأختبر ما تستطيع عباراتي أن تجيب عنه، وما ينبغي لها أن تصمت أمامه قليلًا. لقد قرأتم القصة بعين لم تنكر على لغتها قوتها، لكنها سألت هذه القوة عما تصنعه؛ ولم تنكر على موضوعها حساسيته، لكنها لم تجعل الحساسية عذرًا فنيًّا. وهذه نقطة أقدّرها في نقدكم تقديرًا خاصًّا. فالكاتب قد يغريه وجع موضوعه بأن يطلب للعبارة حصانة من الوجع نفسه، كأن الاقتراب من منطقة إنسانية شديدة العتمة يكفي لضمان سلامة الطريق إليها. غير أن ما يستحق الرحمة في التجربة يستحق الدقة في تصويرها، وما يطلب من القارئ أن يتأثر به ينبغي أن يمنحه أسباب هذا التأثر داخل البناء، لا في النية التي سبقت البناء. وقد أضاء الأستاذ الأديب عبد الرحمن بوطيب في تقديمه ما رآه من اتصال الصور بالعالم النفسي للسارد، ثم جئتم أنتم لتسألوا عن مقدار ما يحتاج إليه هذا العالم من صور، وعن الموضع الذي تصبح فيه الكثافة عبئًا على أثرها. لا أرى في ذلك تناقضًا يستدعي ترجيح قارئ لإبطال آخر؛ فقد تكون للصورة وظيفة معتبرة، ويظل حضورها بحاجة إلى ضبط، وقد يصح تفسير التكرار ولا يصح، بالقدر نفسه، تقدير ضرورته في كل موضع. إن القراءة التي تكشف ما يفعله النص، والقراءة التي تسأل عما كان يمكن أن يفعله على نحو أفضل، تلتقيان عند مسؤولية واحدة: ألا يكتفي الكاتب بأن يكون مفهومًا، بل أن يسأل عن دقة الوسائل التي جعلته كذلك. وأبدأ من ملاحظتكم الأشد اتصالًا بصنعة القصة: أنني لا أكتفي أحيانًا بإيصال الألم، بل أواصل تصويره بعدما يكون قد وصل. هذه ملاحظة لا أريد أن أرد عليها بعبارة جاهزة عن «التكرار المقصود»؛ فليس كل مقصود ناجحًا، وليس في إعلان النية ما يعفي الأثر من الاختبار. نعم، أردت لهذا الصوت أن يبدو محاصرًا بما لا يستطيع تجاوزه، وأن يعود إلى وجعه لأنه لا يجد في داخله موضوعًا يزاحمه. لكن نجاح هذا الاختيار يظل مرهونًا بما تحدثه كل عودة: هل تكشف وجهًا لم نره، أم تعيد إلينا الوجه نفسه في مرآة أخرى؟ هنا أرى أن ملاحظتكم تصيب بعض مواضع النص، دون أن تستنفد وظيفة التكرار فيه كله. فثمة فرق بين أن يتكرر لفظ الألم، وأن يتغير موضعه في علاقة الإنسان بنفسه. حين يبدأ السارد بقوله: «أنا الحي الذي يجر موته خلفه كظل لا يغيب»، فإنه ما يزال يميز، على قسوة المفارقة، بين ذاته وما يجرّه وراءه. ثم تتوالى التعريفات: «أنا المقبرة»، «أنا النعش»، «أنا الفراغ»، حتى تنتهي إلى «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». أقرأ في هذا التدرج انتقالًا من مصاحبة الموت إلى استيلائه على الاسم؛ من إنسان يشعر أن فيه ما ينطفئ، إلى صوت يكاد يعجز عن رؤية نفسه خارج الانطفاء. وهذا انتقال أتمسك بقيمته في البناء، وإن كنت لا أزعم أن كل صورة بين طرفيه ضرورية لتحقيقه. فالصورتان: «المقبرة التي تمشي» و«النعش الذي يتنفس»، ليستا متماثلتين تمامًا؛ الأولى تحمل الموت إلى حركة السارد في العالم، والثانية تدخله في العلامة الأشد قربًا من بقاء الجسد. لكن اختلاف الدلالة لا يكفي وحده لإثبات ضرورة المجاورة. قد تكون لكل صورة جهة تخصها، ومع ذلك تتزاحمان على أثر واحد. ومهمة المراجعة هنا ألا تكتفي بالعثور على معنى لكل عبارة، بل أن تختبر ما إذا كان غيابها سينقص من التجربة، أو سيزيد ما بقي منها وضوحًا. وقد يحتاج الكاتب إلى شجاعة أكبر لحذف صورة أحبها مما احتاج إليه لكتابتها. وهذا هو الاقتصاد الذي أفهمه من دعوتكم: لا فقر اللغة، بل حسن تصرفها فيما تملك. ليس المطلوب أن تجف العبارة حتى تبدو منضبطة، وإنما أن تعرف أين تقف، وألا تستنفد انتباه القارئ في تأكيد ما استقر لديه. فالبلاغة لا تبلغ تمامها بكثرة ما تستطيع أن تضيفه، بل بمعرفتها ما ينبغي أن تتركه. ولعل في بعض مقاطع قصتي صورةً بلغت مقصدها، ثم لحقتها صور كانت تريد أن تعمقه، فإذا بها تنافسه على الصدارة. وحين تتساوى الجمل جميعًا في طلب الذروة، يصبح من العسير أن يشعر القارئ بارتفاع إحداها؛ لأن الارتفاع يحتاج إلى أرض يقاس بها. ومع ذلك، أختلف مع اختزال الكثافة في كونها شرحًا زائدًا. لقد حاولت أن أجعل اندفاع المجاز جزءًا من هيئة هذا الصوت: ساردًا لا يطمئن إلى اسم، ولا يستقر في وصف، كأن كل عبارة تترك خارجها بقية من وجعه فيلحقها بأخرى. ليست الصور، في هذا التصور، زينة معلقة على جدار المحنة، بل أثرًا من آثار العجز عن إحاطتها بالكلام. غير أن هذا الدفاع يضع على الكاتب تكليفًا أشد، ولا يمنحه رخصة أوسع؛ إذ ينبغي له أن يصوغ عجز الشخصية عن الضبط دون أن يعجز هو عن ضبط الصياغة. اضطراب الصوت مادة فنية، وليس معيارًا نهائيًّا لتنظيم النص. أما حديثكم عن التفاصيل اليومية، فهو عندي من أكثر ملاحظاتكم واقعية وأقلها قابلية للدفع بالنيات. قلتم إننا نعرف كثيرًا عن شعور السارد، وقليلًا عن حياته. وأرى أن هذا التمييز يضع يده على حد من حدود القصة: فالعالم يدخلها، لكنه لا يكاد يحتفظ بوجود مستقل عن تأويل الشخصية له. الصباح مدخل إلى القبر، والساعة طريق إلى موت الدقائق، والطعام مناسبة لحضور الوحدة، والجسد خريطة للبكاء. كل شيء يمر سريعًا من كونه شيئًا إلى كونه شاهدًا على الألم. لهذا لا يكفي أن أقول إن في القصة نومًا وأكلًا وساعةً وغرفةً، وإنها لم تخل من اليومي؛ فوجود مفردات الحياة غير بناء مشهد من الحياة. أن يذكر السارد لقمة لا يعني أننا رأيناه يأكل، وأن يتحدث عن اختناقه بين الناس لا يعني أننا شهدنا علاقة تكشف ذلك الاختناق. المشهد يحتاج إلى شيء يحدث، وإلى مقاومة صغيرة من الواقع، وإلى تفصيل لا يُستهلك معناه قبل أن تلمسه عين القارئ. وربما كان النص بحاجة إلى لحظة يتأخر فيها المجاز، ليتقدم الإنسان. كان يمكن، مثلًا، أن يظل أمام السارد كوب برد محتواه لأنه نسيه، أو أن يسأله شخص سؤالًا عاديًّا فيجيب عن شيء آخر، أو أن يتهيأ للخروج ثم يقف طويلًا عند الباب. لا أورد هذه الاحتمالات لأزعم أنها أحداث مضمرة في القصة، ولا لألحق بالنص شواهد لم يكتبها؛ وإنما لأبيّن مقدار ما قد ينجزه فعل صغير حين لا يشرح نفسه. فالقارئ الذي يرى التردد عند الباب قد يكتشف ثقل العالم، دون أن نقول له إن العالم ثقيل؛ والذي يرى جوابًا لا يصادف سؤاله قد يلمح انقطاع الصلة، دون أن تُعلن له الوحدة في اسمها المجرد. وهنا أجد دعوتكم إلى المشهد دعوة إلى الثقة بالقارئ أيضًا. فقد يكون الكاتب شديد الحرص على ألا يضيع شعوره، فيحوطه بالتفسير، ويعود إليه بالصور، ويغلق من حوله منافذ الاحتمال. لكنه، بهذا الحرص نفسه، قد يحرم القارئ متعة العثور، ويجعله متلقيًا لنتيجة اكتملت بدل أن يكون شريكًا في اكتشافها. في بعض مواضع قصتي تسبق الخلاصة شواهدها؛ يقول السارد من يكون، ثم تأتي العبارات لتؤكد قوله. وكان يمكن للشواهد أن تسبق، وأن يظل الاسم الأخير موضع تردد، لا موضع تسليم. غير أنني أتحفظ على أن يصبح نقص المشهد حكمًا بإخفاق الاختيار كله. فهذه القصة لم تتجه إلى تقديم الشخصية من خارجها، ولم تجعل تاريخها أو علاقاتها محورًا لها؛ اختارت أن تضع القارئ في مواجهة صوت يستولي عليه تأويله لذاته. وللمونولوج حقه في أن يبني حدثه من تبدل الوعي، لا من كثرة الوقائع. لكن حق الاختيار لا يلغي كلفة الاختيار. فإذا ضاق العالم إلى صوت واحد، وجب أن تظهر داخل هذا الصوت فروق وحركات وتصدعات تعوض غياب الخارج. وما ينبغي مساءلته هنا ليس غياب الحدث المألوف وحده، بل مقدار ما تحقق من حدث داخلي بدلًا منه. وأظن أن قراءتكم دفعتني إلى هذا السؤال بصيغته الأدق: هل تتحول الذات في أثناء كلامها، أم تظل تعرض نفسها من الموضع نفسه؟ في النص انتقال من جغرافية الألم إلى اضطراب الزمن، ومن الوحدة إلى المناجاة، ثم إلى انهيار التعريف. هذه حركة في موضوعات الوعي، لكنها لا تصبح بالضرورة حركة كافية في درجاته. فقد تتغير جهة النظر ويبقى الضوء واحدًا، وقد تتعدد الأبواب ونحن ندخل منها إلى الغرفة نفسها. لذلك أرى أن بعض المقاطع كان يحتاج إلى اختلاف في النبرة، أو لحظة تردد، أو جملة عادية تقطع الاندفاع، ليغدو الاحتدام محسوسًا بالمقارنة، لا مقررًا بالتتابع. وفي قراءتكم للزمن التقطتم وجهًا أعتز به من وجوه القصة: أن الدقيقة ليست وحدة قياس عند السارد، بل وحدة احتمال. غير أن العبارة التي تقول إن «الغد كذبة» يجب أن تبقى، في تقديري، داخل حدود الصوت الذي يقولها. إنها لا تقرر حقيقة الغد، بل تكشف عجز الشخصية عن تصديقه. وما يشغلني هنا هو أن النص، بكثافة موافقته الإيقاعية للسارد، قد لا يترك دائمًا مسافة واضحة بين العالم كما هو، والعالم كما يراه ذلك الصوت. هذه المسافة ليست ترفًا تأويليًّا؛ إنها من وسائل تعقيد الشخصية. فالساعة تمضي حتى حين يسمي السارد دقائقها جثثًا، والصباح يأتي حتى حين لا يرى فيه إلا عودة إلى السجن، والتنفس يستمر حتى حين يصف نفسه بالنعش. ليس في ذلك تفنيد لمعاناته، ولا دعوة إلى إقناعه بأن الحياة جميلة؛ بل إظهار للفارق بين حقيقة ما يشعر به، وشمول الحكم الذي يصدره على كل شيء. وكان يمكن للنص أن يجعل هذا الفارق أشد ظهورًا، من غير أن يضع واعظًا في مواجهة المتألم، أو جوابًا جاهزًا في مواجهة السؤال. وأصل إلى المناجاة التي رأيتم فيها أهم أجزاء القصة فكريًّا: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». ما أردته هنا ليس أن أستدعي سؤالًا كبيرًا ليمنح النص مهابةً إضافية، وإنما أن أضع السارد عند الحد الذي لا يعود فيه وصف الوجع كافيًا، فيسأل عن معنى البقاء فيه. وهو، قبل أن يطلق سؤاله، يحاول أن يصون جهة توجهه؛ يخشى أن تُقرأ حيرته بوصفها قطيعة، فيشرح أن النداء ما زال قائمًا، وإن اضطرب ما يرجوه منه. وقد أحسنتم حين لم تطلبوا من هذا المقطع جوابًا يبدد حيرته، وحين رأيتم أن تحويل السؤال إلى درس جاهز سيضعف أثره. لكن ملاحظتكم عن المجاز فيه تستحق عناية خاصة؛ لأن المناجاة قد تفقد شيئًا من قربها حين يشعر القارئ بأن الجملة منشغلة بجمالها أكثر مما هي منشغلة بندائها. لا أقول إن البيان يناقض الصدق، وإنما أقول إن للصنعة حدًّا ينبغي أن تتوارى عنده، كي لا يحول القارئ انتباهه من ارتجاف الصوت إلى إحكام صورته. وأتمسك، مع هذا، بصورة الوردة في الزنزانة، لا لأنها أبلغ صور المقطع، بل لأنها تقدم شيئًا يخالف قانون العالم الذي بناه السارد لنفسه. فالوردة ليست حلًّا، ولا وعدًا بالخلاص، ولا حجة على سهولة الاحتمال. إنها حضور صغير لا يعرف ماذا يفعل به؛ لا يستطيع أن ينكر وجوده، ولا يستطيع أن يرى له جدوى في مشهد ينتظر فيه النهاية. هنا أرى أن الصورة لا تعيد وصف الألم، بل تربك اكتمال تفسيره. وربما كانت حاجتها الأهم ألا تلحقها صور كثيرة؛ أن تبقى الوردة على صغرها، وأن يبقى السؤال أمامها دون أن تحيط به العبارة من كل جهة. ثم تأتي ملاحظتكم التي تتجاوز التقنية إلى جوهر بناء الشخصية: أن الإنسان لا يُستنفد في ألمه، وأن رؤية المعاناة وحدها لا تكفي لرؤية من يعاني. هذه عبارة لا أريد أن أزينها بالموافقة ثم أعطل أثرها. فقد أردت أن أصور استيلاء الألم على تعريف السارد لنفسه، لكن عليّ أن أسأل إن كنت قد أظهرت هذا الاستيلاء بوصفه محنته، أم أعدت إنتاجه بوصفه حقيقة النص النهائية. الفارق كبير. فأن تقول الشخصية: «أنا شيء»، يكشف قسوة نظرتها إلى نفسها؛ أما أن تخلو الكتابة من أي علامة تتيح لنا أن نرى فيها أكثر من ذلك «الشيء»، فقد يجعل القارئ محصورًا داخل حكمها. وليس المطلوب أن أقابل كل عتمة بومضة رجاء، أو أن أزرع ذكرى سعيدة لطمأنة النص؛ المطلوب أن أمنح هذا الإنسان خصوصية لا تختزل في البلاغة التي يصف بها وجعه. عادة صغيرة، نفور غير معلل، ارتباط بشيء تافه في ظاهره، رغبة لا تتفق مع إعلانه الانطفاء؛ أي تفصيل يجعلنا نرى شخصًا بعينه، لا ألمًا يبحث عن فم. ولعل أصدق ما ينبغي لي الاعتراف به أن صوت السارد أظهر ملامح معاناته أكثر مما أظهر ملامح فرادته. نحن نعرف كيف يتألم، لكننا لا نعرف بالقدر نفسه من هو حين لا يتكلم عن الألم. ويمكنني أن أفسر هذا الغياب بأن المحنة استولت على نظرته، لكن التفسير لا يمحو المأخذ. فالكاتب قادر على أن يترك في النص ما لا تنتبه إليه الشخصية، وأن يتيح للقارئ معرفتها من خلال ما تفعله أو تتجاهله، لا من خلال ما تقوله عن نفسها وحده. وهذه إمكانية كان يمكن أن تخدم قصتي دون أن تغير طبيعة اختيارها. أما سؤالكم: «إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟»، فقد وجدته أكثر من خاتمة موفقة لقراءة؛ وجدته بابًا إلى مفارقة لم أمنحها حقها الكافي. وللدقة، فإن السارد لا يخبرنا بأنه يكتب؛ نحن نتلقى كلامه في نص مكتوب. لكن هذا التمييز لا ينقص من قوة سؤالكم إذا نقلناه إلى أصل الفعل: إذا كان قد انتهى كما يقول، فمن الذي يواصل القول؟ ومن الذي يسأل الآخرين: «أتعرفون»؟ ومن الذي يطلب منهم: «لا تبحثوا عني» ثم يدلهم على الموضع الذي يمكن أن يجدوه فيه؟ إنه يعلن انقطاع الصلة، لكنه يخاطب. يعلن إفلاسه من الانتظار، لكنه يترك عبارته عند قارئ لم يصل بعد. وهذه ليست شهادة جاهزة على نجاته، ولا دليلًا على أن الكلام يكفي لإنقاذه؛ لكنها تمنعنا من التسليم بأن وصفه لنفسه قد أحاط بكل ما فيه. ثمة بقية لا تدخل في حسابه، تظهر لا فيما يقرره، بل فيما يفعله وهو يقرر. وهو، حين يطلب أن يُفهم، يفتح شقًّا في العزلة التي يصفها مطلقة. وكان يمكنني أن أستثمر هذه المفارقة من داخل البناء، لا أن أتركها كلها لاجتهاد القارئ. لا بإضافة خاتمة متفائلة، بل بإظهار تردد بين الرغبة في الانسحاب والرغبة في أن يلتفت أحد؛ بين رفض الغد والاستمرار في مخاطبة من سيقرأ غدًا. عندئذ يصبح الصوت أكثر تعقيدًا، لأن الفعل لا يطابق الإعلان تمامًا، وتصبح القصة أقل خضوعًا لسواد واحد، من غير أن تتنازل عن سواد تجربتها. فالعمق لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الظلمة؛ قد يحتاج إلى إظهار ما تعجز الظلمة عن ابتلاعه. وأقدّر في نقدكم أنكم لم تجعلوا الواقعية مطالبةً بإضافة أسماء وشوارع وأحداث، بل طلبًا لرؤية أثر الحالة في الحياة. وهذا فرق أراه مهمًّا. يمكن للقصة أن تزدحم بالتفاصيل وتظل بعيدة عن الإنسان، ويمكن لتفصيل واحد مضبوط أن يمنحه حضورًا لا تمنحه صفحة من التعريفات. الواقعية التي أحتاج إلى الإفادة منها هنا ليست تغيير جلد النص، وإنما اختبار صلته بما يعيشه صاحبه: كيف يمسك شيئًا، كيف يجيب، كيف يتردد، وكيف يواصل يومًا يقول إنه لا يستطيع مواصلته. ومن هذا الموضع أفهم أيضًا حدود اختلافي معكم. ما زلت أرى أن لبعض التكرار وظيفة في إنشاء الحصار، وأن لبعض المجاز قدرة لا يعوضها التقرير المباشر، وأن المونولوج ليس اختيارًا أقل سردية لمجرد أنه لا يخرج إلى وقائع كثيرة. لكنني لا أرى في شيء من ذلك سببًا لرفض ملاحظاتكم عن التشبع، وثبات النبرة، وقلة المشهد، وضيق التعريف. بل أرى أن الدفاع الحقيقي عن هذه الاختيارات يقتضي تهذيب ما يضعفها، لا الإصرار على كل ما جاء معها. لن أزعم، لذلك، أن نقدكم أعاد القصة إلى نقطة الصفر، كما لن أزعم أنه مر عليها ولم يغيّر موضع شيء. لقد أبقى لي ما أعتز به، وسحب من بعضه راحة الاطمئنان. جعلني أسأل عند الصورة: أهي تكشف أم تؤكد؟ وعند الجملة: أتقربني من الشخصية أم من براعة صياغتها؟ وعند الفراغ: هل أخشاه لأنه يضعف النص، أم لأنه يسلبني بعض السيطرة على فهم القارئ؟ وهذه أسئلة لا أعدها خصمًا من ثقتي بالكتابة، بل شرطًا لأن تكون تلك الثقة مستحقة. لكم، الدكتور محمد ميموني، تقديري على نقد حافظ على حقه في الصراحة، وعلى حق النص في الاختلاف معه. لم تمدوا إلى القصة يدًا تمحو، ولم تكتفوا بيد تربت؛ أشرتم إلى مواضع فيها وقلتم: هنا بلغت العبارة، وهنا ربما كان عليها أن تتراجع قليلًا. وهذا التراجع، حين يكون في موضعه، ليس هزيمة للغة؛ إنه ما يتيح للإنسان أن يظهر من خلفها. أعود بعد قراءتكم إلى السارد الذي يقف في آخر قصتي ويقول عن نفسه: «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». وأرى أن مسؤوليتي لا تنتهي عند نجاحي في صياغة هذه القسوة، بل تبدأ أيضًا من قدرتي على ترك ما يدعو القارئ إلى الاعتراض عليها. لا لأن السارد مخطئ في شعوره، بل لأن شعوره، مهما كان صادقًا، ليس كل ما يستحق أن نراه فيه. ولعل هذا هو الأثر الأعمق الذي تركه نقدكم في نفسي: أن أصغي إلى الجرح دون أن أجعل صوته الاسم الوحيد لصاحبه، وأن أثق باللغة دون أن أستعملها لسد كل فراغ. فليست كل مسافة متروكة نقصًا، ولا كل عبارة مضافة غنًى. وقد تحتاج القصة، كي تبلغ الجهة الأخرى من صمتها، إلى أن يقول الكاتب أقل، وأن يترك أمام القارئ إنسانًا لا تزال فيه بقية تقاوم آخر تعريف أطلقه على نفسه. طه دخل الله عبد الرحمن رد الدكتور محمد ميموني أخي وصديقي الدكتور طه عبد الرحمن بعض الردود لا تجيب عن النقد، بل تعيد وضع النص أمام مرآته. وهذا ما فعلته في ردك؛ لم تدافع عن قصتك بقدر ما واصلت كتابتها من جهة أخرى. استوقفتني عبارتك عن «المسافة بين حرارة الشعور ودقة التعبير». فالجرح حين يدخل اللغة لا يدخلها بريئًا؛ يتغير، ويتخذ صورة، وقد تتحول الصورة أحيانًا من وسيلة لكشف الألم إلى وسيلة لمنافسته. لذلك لم تكن ملاحظتي عن كثافة الصور اعتراضًا على جمالها، بل سؤالًا عن اللحظة التي تصبح فيها اللغة أكثر حضورًا من الجرح الذي جاءت لتقوله. وأنت أصبت حين لم تجعل «القصد» حصانة للنص. فالكاتب يعرف ما أراد، لكن القارئ لا يقرأ النية؛ يقرأ أثرها. وهنا تبدأ مسؤولية اللغة: ليس أن تقول كل ما تعرف، بل أن تعرف ما الذي يستحق أن يقال، وما الذي يكون أجمل حين يُترك للصمت. ومن هنا أعود إلى عنوان قصتك: «الجهة الأخرى من الصمت». ربما لا يكون الصمت هو ما عجز السارد عن قوله، بل ما عجزت اللغة نفسها عن الإحاطة به. وحينها يصبح الاقتصاد في التعبير ليس فقرًا في اللغة، بل ثقة بها وبذكاء القارئ. أما ملاحظتك حول التفاصيل اليومية، فأظنها تمس جوهر المسألة: نحن نعرف في القصة ألم الإنسان أكثر مما نعرف حياته. نعرف كيف يتألم، لكننا لا نراه كثيرًا وهو يعيش. وربما كان تفصيل صغير من يومه كافيًا لأن يجعل الجرح أقل تجريدًا وأكثر بشرية؛ فالإنسان لا يعيش ألمه وحده. وأقول لك شيئًا آخر: احترمت القصة وأنا أقرأها، لكنني احترمت الكاتب أكثر وأنا أقرأ ردك. فالدفاع عن النص سهل، أما أن يضع الكاتب مصباحًا بينه وبين كلماته، وأن يسمح للناقد بأن يرى ما لم يره هو لحظة الكتابة، فتلك شجاعة لا تتوافر لكل كاتب. فالكاتب يعرف أين يؤلمه الجرح، أما الناقد فيحاول أن يعرف أين أخطأت اللغة في إخفائه. وبين الاثنين يبقى النص حيًا؛ لا لأن أحدهما امتلك الحقيقة، بل لأن النص الجيد لا يكتفي بأن يُقرأ، وإنما يفتح للقراءة جهة أخرى. وربما تلك هي الجهة التي كنت أبحث عنها في قصتك: ما لا يقوله الجرح، وما ينبغي أن تتركه اللغة. Saloua Filaly في الجهة الأخرى من الصمت… حيث يصبح الألم لغةً هناك نصوص تُقرأ، ونصوص تُستقرأ، ونصوص ثالثة لا تكتفي بأن تمرّ في العين، بل تعبر إلى المنطقة القصيّة من الروح، ثم تترك فيها ندبةً من ضوء. وقصة الدكتور طه عبد الرحمن «الجهة الأخرى من الصمت» من هذا الطراز النادر؛ فهي ليست حكايةً عن الحزن، بقدر ما هي تشريحٌ شعريّ لميتافيزيقا الوجع، حين يتجاوز الألمُ كونه إحساسًا عابرًا ليصير هويةً وذاكرةً وجغرافيا داخلية. منذ الجملة الأولى: «أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلّ لا يغيب»، يضع الكاتب قارئه أمام مفارقة وجودية آسرة؛ فالحياة هنا ليست نقيض الموت، وإنما حافّته المؤجلة، والموت ليس خاتمةً، بل كائنٌ ظليّ يمشي بمحاذاة الذات. ومن هذه العتبة يبدأ النص في بناء عالمه الكابوسي بلغةٍ تتكاثف فيها الصورة حتى تكاد تصبح جسدًا آخر للسارد: المقبرة تمشي، والنعش يتنفس، والدموع بلا عيون، والوحدة تدخل الرئتين قبل الهواء. إنها استعارات لا تتزيّن بها العبارة، بل تتنفس من خلالها. وأحسب أن براعة النص الأشدّ لمعانًا تكمن في تجسيد المجرد؛ فالاكتئاب لا يبقى مفهومًا نفسيًا، بل يتحول إلى جغرافية، والوحدة تفلت من معناها المعنوي لتغدو ثقلًا جاذبيًا، والزمن نفسه ينقلب إلى مقصلة دقيقة: كل ثانية تولد لتُذبح، وكل نبضة تحمل معها جنازةً صغيرة. هنا لا يصف الكاتب الألم؛ إنه يمنحه حواسًا وأعضاءً وملامح، ثم يتركه يمشي في النص حافيًا. وفي عبارة «أنا الذرة المعلقة بين كان ولم يعد»، تبلغ اللغة منزلةً شديدة الكثافة؛ إذ تختصر في ومضة واحدة مأساة الكائن الذي فقد موقعه بين الوجود والغياب. وكذلك في قوله: «أنا الفراغ الذي إذا دخل غرفة ضاقت بالجالسين»، حيث ينقلب الغياب إلى حضور طاغٍ، ويصبح الصمت أكثر صخبًا من الكلام. أما المقطع المتوجه إلى الله، فهو من أكثر مواضع القصة حساسية وعمقًا؛ لأن السؤال هنا لا يصدر عن تمرّد، بل عن دهشة المكلوم أمام سرّ الاحتمال. «أنا لا أكفر، أنا فقط أتعجب» جملة تفتح في جدار العتمة كُوّةً روحية؛ فالإنسان المنهك لا ينازع السماء، وإنما يحاول أن يفهم لماذا تظل الروح قادرة على النهوض، وهي تحمل كل هذا الركام. واللافت كذلك أن العنوان «الجهة الأخرى من الصمت» ليس عنوانًا خارجيًا للنص، بل مفتاحه العميق؛ فثمة جهةٌ مرئية للصمت، وجهة أخرى تختزن ما لم يُقَل: الخوف، والخذلان، والأسئلة المؤجلة، والصرخات التي ماتت قبل أن تبلغ حنجرةً ما. وكأن الكاتب يقول لنا: إن أخطر الكلام ليس ما نسمعه، بل ما يتعفن في أعماق الإنسان لأنه لم يجد منفذًا إلى الضوء. لقد كتب الدكتور طه عبد الرحمن نصًا لا يطلب من القارئ أن يتعاطف مع الشخصية بقدر ما يدفعه إلى السكن مؤقتًا في عتمتها. وهذا هو الفارق بين نص يصف الألم ونص يجعل القارئ يسمع حفيفه تحت الجلد. «الجهة الأخرى من الصمت» ليست قصةً عن إنسان يموت؛ إنها قصة عن إنسان يواصل الحياة وهو يحمل في داخله مقبرةً كاملة. وحين يبلغ الأدب هذه المنطقة، لا تعود الكلمات حروفًا مصفوفة، بل تصبح مرايا سوداء يرى القارئ فيها شيئًا من هشاشته التي كان يخفيها حتى عن نفسه. كل التقدير للدكتور طه عبد الرحمن على هذه الكتابة التي جعلت للصمت جهةً أخرى، وللألم لسانًا، وللعتمة بلاغةً لا يضيئها إلا الأدب حين يبلغ تخومه القصوى سلوى الفيلالي طه عبد الرحمن Saloua Filaly حين تجد العتمةُ قارئًا لا يزيدها وحشة الأخت الدكتورة سلوى الفيلالي لم أكتب «الجهة الأخرى من الصمت» وأنا أتوقع أن ينقشع ليلها بالكلمات؛ كنت أبحث، على نحو أكثر تواضعًا وأشد مشقة، عن عبارة لا تخون ذلك الليل، ولا تجعل من كثافته ذريعةً لإغلاق النافذة. فالكتابة، في مثل هذا الموضع، لا تملك أن ترد إلى الإنسان ما فقده، ولا أن تعفيه من ثقل يومه، لكنها تستطيع أن تمنع تجربته من أن تبقى بلا شاهد. وحين قرأت كلماتكم، شعرت أن الشهادة قد وجدت من يتلقاها دون أن يتعجل الحكم عليها؛ أن الصوت الذي أرسلته من داخل العتمة لم يعد إليّ صدًى لصوتي وحده، بل عاد مصحوبًا ببصيرة قارئة رأت ما يحاول أن يقوله، وانتبهت إلى ما يعجز عن قوله. لهذا لا أستقبل قراءتكم بوصفها مديحًا أطمئن إليه، وإن أكرمتم النص بعبارات أعتز بها؛ أستقبلها بوصفها مسؤوليةً جديدة أمام ما كتبت. فحين يجد الكاتب من يمنح تجربته هذا القدر من العناية، يصبح مطالبًا بأن يكون أوفى لها، وأقل تسامحًا مع ما قد يحجبها من لغته. وليس أصدق ما أقدمه لكم أن أبادل جمال عبارتكم بجمال عبارة أخرى، بل أن أقف عند المواضع التي أضأتموها، وأن أقول أين ألتقي بقراءتكم، وما الذي جعلتني أراه في قصتي على نحو أوضح، وأي حدود أحرص على إبقائها مفتوحة حتى لا تتحول حرارة التقدير إلى يقين يغلق السؤال. استوقفتني منذ البداية عبارتكم عن النصوص التي تترك في الروح «ندبةً من ضوء». ففي هذه الصورة اجتماع دقيق بين أثر القراءة وما لا تستطيع القراءة محوه؛ الندبة تبقى، والضوء لا يدعي أنه يعيد الجلد إلى ما كان عليه. وأحسب أن هذا الاقتران قريب من الأثر الذي أرجوه لقصة كهذه: ألا يخرج القارئ منها حاملًا حلًّا جاهزًا، بل انتباهًا أعمق إلى ما كان يمر به دون أن يراه. لا أريد أن أضيف إلى العالم عتمةً ليعجب ببلاغتها، وإنما أن أجعل عتمةً قائمة قابلةً لأن تُرى، وأن أترك للإنسان الذي يسكنها حقه في أن يُفهم قبل أن يُفسَّر. وقد منحتم هذا الحق للسارد حين لم تقرؤوا كلماته باعتبارها وصفًا للحزن فحسب، بل محاولةً لتعيين وجوده بعد أن اختلّت صلته بنفسه. فالجملة الأولى، «أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍّ لا يغيب»، لا تعلن حقيقةً نهائية عن الحياة؛ إنها تكشف حقيقة شعوره بها في تلك اللحظة. وهو فارق أراه أساسيًّا: ما ينطقه السارد يصدق في محنته، لكنه لا يستنفد حقيقة العالم، ولا يختصر موقف الكاتب منه. أردت أن أضع القارئ أمام إنسان لم ينقطع نبضه، لكنه فقد القدرة على أن يتعرف إلى نفسه في هذا النبض؛ أمام بقاءٍ يراه من داخله عبئًا، لا أمام برهان على أن الحياة عبء في ذاتها. حين قرأتم الحياة بوصفها «حافّته المؤجلة»، والموت بوصفه «كائنًا ظليًّا يمشي بمحاذاة الذات»، اقتربتم من هذا الانقسام الذي يقوم عليه النص. فالموت هنا لا ينتظر عند نهاية الطريق وحدها؛ إنه يدخل في الطريقة التي يرى بها السارد الطريق، وفي تعبه من مواصلته، وفي الاسم الذي يمنحه لكل خطوة. غير أن بقاءه قادرًا على الكلام يترك في هذه الرؤية شرخًا لا أحب أن يختفي: هو يقول إن كل شيء قد انطفأ، لكنه يواصل الإفصاح؛ يقول إنه غائب، لكنه يطلب من الآخرين أن يبحثوا عنه. ثمة فعل يصدر عنه ولا يطابق حكمه على نفسه تمامًا، وفي هذا التفاوت يتسع الإنسان عما يقوله في أشد لحظاته ضيقًا. أما ما رأيتموه من تحوّل الألم إلى هوية وذاكرة وجغرافيا، فهو من أكثر جوانب قراءتكم اتصالًا بما حاولت بناءه. فالسارد لا يعود يقول: أنا أتألم، بل يمضي إلى القول: أنا الألم. يبدأ بوجع يصاحبه، وينتهي إلى وجع يستولي على تعريفه. تتكاثر «أنا» في كلامه، لكن كثرتها لا تمنحه ذاتًا أوضح؛ على العكس، يكاد كل تعريف جديد ينتزع منه شيئًا: المقبرة، النعش، الفراغ، ثم «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». إن ما أردت تصويره ليس ولادة هوية يطمئن إليها الإنسان، وإنما ضيق الاسم حتى يعجز عن احتواء صاحبه. ولهذا فإن تحويل الألم إلى هوية داخل القصة لا يعني عندي التسليم بأن الألم هو حقيقة هذا الإنسان كلها. إنه، بالأحرى، مأزق نظرته إلى نفسه. وقد يُحسن النص تصوير هذا المأزق، ثم يظل مطالبًا بألا يستسلم له. فالقارئ الذي يصل إلى التعريف الأخير مدعو إلى أن يسأل: هل صار الرجل فعلًا «شيئًا»، أم أنه لم يعد يستطيع رؤية الإنسان الذي ما زال فيه؟ أرجو أن تبقى هذه المسافة بين العبارة وصاحبها حاضرةً في القراءة؛ لأنها تمنعنا من تحويل قسوة صوته إلى حكم نهائي عليه. وأقدّر خصوصًا توقفكم عند تجسيد المجرّد. فالجبال في الحلق، والأنهار في الشرايين، والصحاري بين الأضلاع، ليست عندي رغبةً في توسيع الزينة حول معنى صغير؛ إنها محاولة لأن يجد ما لا موضع له موضعًا. حين يقول السارد إن الوحدة تدخل رئتيه قبل الهواء، فهو لا يقدّم معرفةً عن الجسد، بل يحاول أن يصف شعورًا سبقه إلى كل ما يفعله الجسد. لا يكفيه أن يقول إنه وحيد؛ يريد أن يبين كيف لم تعد الوحدة ظرفًا حوله، بل صارت طريقةً يتلقى بها نومه وطعامه وتنفسه. ومن هنا تتصل الصورة ببناء عالمه، لا بتجميل العبارة من خارجه. لكن عبارتكُم الجميلة: «إنها استعارات لا تتزيّن بها العبارة، بل تتنفس من خلالها»، تجعلني أشد انتباهًا إلى شرط هذه الاستعارات. فالصورة التي تصير نَفَسًا للنص ينبغي ألا تزاحم أنفاسه كلها. وليس كل مجاز أقدر على إيصال التجربة لمجرد أنه أكثر غرابة، ولا كل كثافة دليلًا على العمق. قد تبلغ الصورة مقصدها، ثم تلحقها صورة تؤكد ما بلغته بدل أن تضيف إليه؛ وقد ترتفع النبرة طويلًا حتى يفقد القارئ إحساسه بارتفاعها. لذلك يظل تقديركم للغة دعوةً إلى صون وظيفتها، لا رخصةً للإكثار منها. ولا أريد أن أستعمل تأويلكم ليبرر كل ما كتبت. فما أستطيع أن أشرحه بعد الكتابة لا يصبح، بهذا الشرح وحده، ضرورةً في النص. أعرف أن القصة، في بعض مقاطعها، تنزع إلى تسمية الألم مباشرة، ثم تحشد له صورًا متقاربة. وقد يكون في ذلك أثر من آثار الحصار الذي يعيشه السارد، لكنه يبقى أيضًا اختيارًا فنيًّا قابلًا للمساءلة. صدق التجربة لا يعفيني من الاقتصاد، بل يلزمني به حين يحفظ للتجربة وضوحها. وما أريد الاحتفاظ به هو كثافة تكشف، لا كثافة تستنفد؛ لغة تجعل القارئ أقرب إلى الإنسان، لا أشد انشغالًا بمهارة وصفه. وقد وجدتم في قول السارد: «أنا الفراغ الذي إذا دخل غرفة ضاقت بالجالسين»، مفارقةً ينقلب فيها الغياب حضورًا طاغيًا. وأنا أعتز بهذه القراءة لأنها لم تتوقف عند التناقض الظاهر، بل رأت اضطراب العلاقة بالآخرين الذي تحمله العبارة. السارد يشعر أنه لا يُرى، وفي الوقت نفسه يشعر أن وجوده ثقيل على من حوله؛ كأنه محروم من الاعتراف، ومتهم بالحضور معًا. غير أن علينا أن نترك احتمالًا آخر مفتوحًا: هذا إحساسه بموقعه بينهم، وليس وصفًا موثقًا لما يرونه فيه. فالقصة لا تمنحنا أصواتهم، ولا تبين لنا ما يدور في دواخلهم. إننا نسمع عالمًا مرّ عبر وعيه، وعلينا أن نتذكر هذا المرشح ونحن نقرأه. وهنا تكمن، أيضًا، إحدى حدود النص التي لا أرغب في إخفائها خلف ثناء القراءة. لقد منح المونولوج السارد فرصة واسعة لكشف شعوره، لكنه ضيّق ما نراه من حياته خارج هذا الشعور. نعرف وحدته من تعريفه لها، ونرى العالم في الصور التي يكسوه بها، لكننا لا نقيم طويلًا في موقف يوميّ مستقل يمكن أن يختبر هذه التعريفات. ربما كان لتفصيل عادي، لا يتحول فورًا إلى رمز، أن يمنح الشخصية ملامح أكثر خصوصية؛ أن يجعلنا نرى شخصًا بعينه، لا وجعًا واسعًا يبحث عن صوت. وهذه مراجعة لا تنقض اختيار المونولوج، بل تسأل عما يحتاج إليه كي يظل صوت إنسان، لا خطاب محنة وحدها. وأحب في قراءتكم للعبارة المعلقة بين «كان» و«لم يعد» أنكم ربطتموها بفقدان الموقع بين الوجود والغياب. فالسارد لا يقيم في ماضٍ يستطيع استعادته، ولا في حاضرٍ يستطيع تسميته بثقة؛ يعرف أنه كان، ويشعر أنه لم يعد، لكنه لا يعرف ماذا يكون الآن. ومن هذه المنطقة ينشأ اضطراب الزمن في القصة. «الغد» ليس يومًا يجيء فقط، بل قدرةٌ على أن يتخيل المرء نفسه فيه. وحين يقول السارد إنه مفلس من الانتظار، فهو يصف افتقاره إلى تلك القدرة، لا يستبق المستقبل بحقيقة يمتلكها. لهذا لا أجعل الزمن خصمًا في ذاته، وإن رآه السارد كذلك؛ أُظهر ما آل إليه الزمن في شعوره. الساعة تواصل حركتها، وهو يقرأ الحركة موتًا متكررًا. ثمة فرق بين مرور الدقيقة وبين العجز عن احتمالها، وبين مجيء صباح جديد وبين القدرة على تصديق أن فيه جديدًا. وقد لفتت قراءتكم النظر إلى هذا الزمن المحسوس من الداخل، حيث تتحدد قيمة اللحظة بما يستطيع الإنسان أن يحمله فيها، لا بما تسجله العقارب. وهذا ما يمنح سؤال «كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟» ثقله في القصة: إنه سؤال عن تكرر فقد المعنى، لا عن تعدد النهايات. ثم أصل إلى المناجاة التي قرأتموها بدهشة المكلوم أمام سرّ الاحتمال. أقدّر هذه الرهافة، وأحرص في الوقت نفسه على ألا أحولها إلى حكم أوسع مما تحتمله الجملة. فالسارد يقول: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب»؛ إنه يحدد جهة ندائه، ويحاول أن يحفظ لحيرته معناها. لا يطلب مني النص أن أفصل في إيمانه، ولا أن أقدّم تفسيرًا للألم نيابةً عنه، بل أن أصغي إلى إنسان يخشى أن يُساء فهم سؤاله قبل أن يجد من يسمعه. في هذه المناجاة يتغير المخاطَب، وتتغير معه مسؤولية الكلام. كان السارد يصف نفسه للآخرين، ثم صار يرفع ما عجز عن وصفه إلى الله. وليس في هذا التحول جواب يبدد المحنة، لكنه يبين أن الصوت لم يتخل عن النداء. حتى حين يقول إن الدعاء يعود إليه، فإنه يقوله في سياق دعاء جديد. وهذه مفارقة أراها جديرة بالبقاء دون شرح يستنفدها: يشعر بانسداد الطريق، ثم يضع كلماته فيه مرة أخرى. ليس لنا أن نعد هذا نجاةً اكتملت، ولا أن نعده عدمًا مكتملًا؛ إنه فعل علاقة يواصل صدوره من قلب يعلن شدة عزلته. وتبقى الوردة في الزنزانة، عندي، من المواضع التي يلمح فيها السارد شيئًا لا ينسجم تمامًا مع تفسيره للعالم. فهي لا تفتح القفل، ولا تلغي خوف الفجر، ولا تجعل السؤال سهلًا. لكنه يراها ويسأل عن فائدتها. مجرد أن تقف أمامه، وأن يستغرق لحظةً في مساءلتها، يترك في المشهد حضورًا لم يستطع أن يطرده. أحب أن تبقى الوردة صغيرة، وألا أحملها مهمة إنقاذ لا تدّعيها؛ قيمتها أنها تعطل اكتمال العتمة قليلًا، دون أن تتظاهر بأنها انتصرت عليها. أما حديثكم عن «السكن مؤقتًا في عتمة» الشخصية، فقد لامس طبيعة العلاقة التي حاولت أن أفتحها بين النص وقارئه. أردت أن يقترب القارئ بما يكفي ليشعر بثقل هذا الصوت، لا أن يقف بعيدًا ويصنفه في كلمة ثم يمضي. لكن السكن هنا ينبغي أن يبقى زيارةً واعية، لا ادعاءً بامتلاك التجربة. فالقراءة، مهما بلغت من التعاطف، لا تجعلنا أصحاب الألم الذي نقرأه، ولا تخولنا القول إننا فهمناه كله. وقد يكون أصدق ما تفعله أن تمنحنا حذرًا جديدًا أمام من نجهل ما يعيشونه؛ أن تعلمنا ألا نعامل ما لا نستطيع تفسيره على أنه غير موجود. ومن هنا أفهم قيمة الصمت التي وقفتم عندها. ليس كل صمت نداءً، وليس كل ما يُقال غطاءً لوجع مستتر؛ فلا أريد أن تتحول القصة إلى مفتاح نفسر به جميع الوجوه. لكنها تعرض وجهًا من وجوه الصمت: ذلك الذي يزدحم بما لا يجد عبارةً آمنة، أو لا يثق بأنه سيُفهم إذا نطق. والجهة الأخرى، في هذا المعنى، ليست سرًّا نستخرجه من الإنسان رغمًا عنه، بل مساحةً نقترب منها بقدر ما يسمح به، وبقدر ما نستطيع أن نصغي دون أن نفرض تفسيرنا على صوته. لقد أبقيتم لهذه المساحة حرمتها حين قرأتم الصور بوصفها علامات تجربة، لا مادةً لاستعراض الألم. وهذا أمر أعتز به، لأن الكتابة في هذه المنطقة معرضة لالتباس دقيق: أن يفتننا جمال التعبير حتى ننسى خشونة ما يعبر عنه. لا أريد للوجع أن يصير زينة، ولا للموت أن يصير وعدًا جماليًّا، ولا للإنسان أن يُختزل في الصورة المؤثرة التي يمنحها للنص. إذا كانت اللغة قد نجحت في أن تجعل الألم مرئيًّا، فغايتها لا تكتمل بإعجابنا بالصورة؛ تكتمل، في حدود ما يستطيع الأدب، حين تعيد انتباهنا إلى من تقف الصورة في موضعه. وحين قلتم إن القارئ قد يرى في تلك «المرايا السوداء» شيئًا من هشاشته، فهمت ذلك لا بوصفه دعوة إلى تشابه الآلام، بل إلى تواضع الأحكام. ليست تجربتنا واحدة، ولا ينبغي أن نمحو الفروق بينها كي نتعاطف؛ يكفي أن نعرف أن ما نظنه بعيدًا عن إمكاننا قد يكون أقرب مما نحسب، وأن الإنسان لا يُقاس بما يظهر منه في لحظة عابرة. وقد تفتح القصة هذا الباب دون أن تنطق بتوجيه مباشر: تجعلنا نتأنى في تسمية ضعف الآخر، لأننا لم نر الطريق الذي قطعه حتى وصل إلى عبارته. وأمام تقديركم الرفيع للنص، أجد أن الامتنان الأصدق ليس الاطمئنان إلى ما أنجز، بل الاستعداد لحماية ما رأيتموه فيه من قدرة. فالكلمة التي تنجح مرة لا تمنح صاحبها عهدًا بالنجاح، والقراءة التي تفتح أفقًا لا تعفيه من مراجعة الطريق. سأظل أسأل قصتي: أين جعلت الإنسان أوضح؟ وأين جعلت اللغة أكثر حضورًا منه؟ أين تركت للقارئ أن يكتشف، وأين أسرعت إلى تفسير ما كان ينبغي أن أمهله؟ إنني أطرح هذه الأسئلة من داخل اعتزازي بالنص، لا من خارجه؛ فالمراجعة ليست نقيض المحبة، بل إحدى صور الوفاء لما نحب. لكم، الدكتورة سلوى الفيلالي، شكري على قراءة لم تمر بالعتمة لتصف سوادها فحسب، بل حاولت أن تتبين ما يتحرك فيها. لقد أعدتم إليّ بعض عباراتي وقد اتسعت بما رأيتموه، وجعلتموني أكثر انتباهًا إلى ما توجبه تلك السعة من دقة. وأعتز بأنكم قرأتم «الجهة الأخرى من الصمت» من موضع يحفظ للغة قيمتها، وللإنسان الذي تتكلم عنه حقه في ألا يضيع وراءها. في نهاية القصة، يقول السارد إنه صار «شيئًا». أما قراءتكم فلم تتوقف عند هذا الاسم، بل واصلت النظر إلى من يقوله. وهنا، في تقديري، يكمن أعمق ما منحتموه للنص: لم تطلبوا من الرجل أن ينكر وجعه، ولم تجعلوا وجعه برهانًا على انتهاء إنسانيته. تركتم له أن يتكلم، واحتفظتم له بما عجز هو عن الاحتفاظ به في تعريفه الأخير. لذلك أخرج من قراءتكم بصورة بسيطة، أقل صخبًا من صور قصتي، وأشد قربًا مما أود قوله لكم: إنسان يتكلم من غرفة معتمة، وقارئة تتوقف عند الباب. لا تفتح نافذةً متخيلة لتقنعه بأن الليل قد انتهى، ولا تمضي لأنها لم تر شيئًا واضحًا؛ تبقى قدرًا من الوقت، حتى يصير الصوت مسموعًا، وحتى يعرف صاحبه أنه لم يكن يخاطب الفراغ وحده. لا يتبدل العالم كله في تلك اللحظة، لكن شيئًا واقعيًّا قد حدث: وصل الكلام إلى إنسان آخر. وهذا ما لا أستخف به، وما أشكركم عليه. طه دخل الله عبد الرحمن ********************* مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول منذ ١٧ دقيقة 8/10/2026 ١٧ د · [ أسابيع الرؤى الثقافية ] منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة الرابعة: الخميس 8 أكتوبر 2026 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. طه عبد الرحمن ناقدا النقد بين جمر الصراحة وظلّ المجاملة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تقديم في هذه الحلقة الرابعة من برنامج "أسابيع الرؤى الثقافية"، نقترب من تجربة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن من زاوية أخرى تكشف جانبا أساسيا من انشغاله الأدبي: الناقد الذي يقرأ النص، ويحاول أن يحمي فعل القراءة من أن يتحول إلى مجاملة، كما يحاول في الوقت نفسه أن ينقذ الصراحة النقدية من أن تنزلق إلى القسوة. ومن هنا يبدو عنوان "النقد بين جمر الصراحة وظل المجاملة" أكثر من مجرد عنوان دال على موضوع الحلقة؛ إنه مدخل إلى إشكال ثقافي يتجاوز الناقد والكاتب معا، ليمس طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الإبداع والنقد داخل المشهد الأدبي. فالنقد لا يكتسب قيمته من كثرة ما يقال فيه، وإنما من قدرته على أن يرى النص خارج شبكة العلاقات التي تحيط به، وأن يضع العمل أمام أسئلته الجمالية والفكرية، بعيدا عن حسابات الصداقة والخصومة والانتماء. ولعل واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في الحياة الأدبية أن الكاتب قد يعلن حاجته إلى النقد، لكنه لا يريد دائما أن يسمع منه إلا ما يوافق صورته عن ذاته. وهنا يتحول النقد من فعل مساءلة إلى طقس احتفالي، ويصبح الناقد مطالبا بأن يضيء مناطق الجمال وحدها، وأن يتجنب المناطق المعتمة في النص خشية أن يجرح صاحبه. لكن النص الأدبي، مهما كان صاحبه عزيزا، لا يحتاج إلى من يجامله بقدر حاجته إلى من يقرأه بجدية. في المقابل، لا تعني الصراحة النقدية أن يتحول الناقد إلى قاض يصدر أحكاما قاطعة، أو إلى صاحب سلطة يمارس قسوته باسم الحقيقة. فالنقد الحقيقي لا يكتفي بأن يقول: هذا جيد، وهذا ضعيف، بل يسأل: لماذا نجح النص هنا؟ ولماذا تعثر هناك؟ وكيف أنتج أثره؟ وأين تكمن قوته أو محدوديته؟ لذلك فإن الفرق كبير بين الحكم المجرد والتحليل، وبين القسوة والصراحة، وبين الملاحظة التي تفتح النص على إمكانات جديدة والملاحظة التي تغلقه بحكم نهائي. ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب تجربة طه عبد الرحمن النقدية أهميتها؛ فهو لا يتعامل مع النقد باعتباره موقفا خارجيا من النص، بل بوصفه محاولة للدخول إلى بنيته الداخلية، والإنصات إلى لغته وصوره ودلالاته ومساراته الإيحائية. فالناقد، في هذا التصور، لا يأتي إلى النص محملا بحكم سابق، وإنما يترك للنص فرصة أن يكشف منطقه الخاص، وأن يقوده إلى أسئلته ومواطن توتره. وتكشف بعض قراءاته للنصوص الشعرية والسردية عن هذا الانشغال بالقراءة من داخل العمل، كما في تناوله قصيدة "اجتمعت" لنافلة مرزوق العامر، وقراءته التأويلية لحكاية "من حيث توقفنا" للكاتبة عاتكة الياسري. كما اتسع مجال قراءاته ليشمل تجارب أدبية من الأردن والعراق والمغرب وتونس وسوريا ولبنان، إلى جانب كتاب الداخل، بما يجعل فعل القراءة عنده متصلا بفضاء عربي متنوع، لا محصورا في حدود المشهد المحلي. وهذا الاتساع في دائرة القراءة مهم؛ لأنه يضع النقد في فضائه الطبيعي: حوارا بين النصوص والتجارب، لا سجلا للعلاقات الشخصية. فالنقد لا يزدهر حين يقرأ الناقد من يعرفهم فقط، ولا حين تتحول المقالة إلى شهادة مجاملة تمنح للأصدقاء وتحجب عن المختلفين، وإنما يزدهر حين يصبح النص هو مركز الاهتمام، وحين تتقدم القيمة الأدبية على صلات الكاتب بالناقد. وفي هذا السياق تبرز أيضا تجربة نافلة مرزوق العامر في قراءة النص الشعري، بما تمثله من انفتاح على أصوات شعرية عربية متعددة، ومن عناية بما تصنعه القافية والإيقاع والحرف والصورة من أثر في المتلقي. وهي عناية تكشف أن النقد قد يبدأ من الذائقة والانفعال، لكنه لا ينبغي أن ينتهي عندهما؛ إذ إن الأثر الجمالي، لكي يتحول إلى معرفة نقدية، يحتاج إلى أن يسأل عن آلياته: كيف صنع النص هذا الأثر؟ وما الذي جعل الصورة مؤثرة؟ وكيف اشتغلت الموسيقى على إنتاج المعنى؟ وهنا تحديدا تتضح المسافة بين التذوق والنقد. فالتذوق هو الباب الأول الذي ندخل منه إلى النص، أما النقد فيبدأ حين نسأل عما وراء الأثر، وحين نحاول أن نكشف الوسائل التي أنتجته، وأن نختبر العلاقة بين ما يعد به النص وما يحققه فعلا. ومن أجمل ما تطرحه المادة التي تقدمها هذه الحلقة أن أزمة النقد ليست بالضرورة أزمة غياب النقاد، وإنما قد تكون أزمة مناخ نقدي. فالناقد المحلي لا يواجه النص وحده؛ كثيرا ما يواجه صاحبه وشبكة علاقاته ومحيطه، وما يمكن أن تثيره ملاحظته من سوء فهم أو خصومة أو تأويل شخصي. وهنا يصبح الصمت أحيانا أكثر سهولة من الكلام، وتغدو المجاملة وسيلة لتجنب الخسارة. لكن النقد الذي يخشى الخسارة يفقد شيئا من جوهره. فليس مطلوبا من الناقد أن يكون خصما للكاتب، كما ليس مطلوبا منه أن يكون صديقا للنص على حساب الحقيقة. المطلوب أن يكون وفيا للعمل الأدبي؛ يرى ما فيه من جمال، كما يرى ما يحتاج إلى مزيد من الصقل، ويجعل حكمه نتيجة لتحليل لا بديلا عنه. إن قيمة طه عبد الرحمن ناقدا لا تكمن فقط في عدد النصوص التي قرأها أو الأسماء التي تناولها، وإنما في هذا الوعي بدور النقد نفسه: أن يظل النقد مساحة للإنصات، وأن تكون مهمته إضاءة النص لا إطفاءه، ومساءلته لا محاكمته، ومنحه فرصة أن يقول أكثر مما تقوله القراءة السطحية عنه. ومن هنا فإن "جمر الصراحة" في عنوان هذه الحلقة ليس دعوة إلى القسوة، كما أن "ظل المجاملة" ليس مجرد وصف لسلوك فردي؛ إنهما استعارتان لوضع ثقافي كامل، تتصارع داخله رغبتان: رغبة في حماية العلاقات، ورغبة في حماية الحقيقة الأدبية. وبينهما يقف الناقد، مطالبا بأن يجد اللغة التي تقول الحقيقة من غير أن تتحول إلى عدوان، وأن تمارس النقد من غير أن تجعل من النقد مناسبة للخصومة. فالنقد الذي نحتاجه اليوم ليس سيفا، ولا باقة ورد؛ إنه ميزان. ميزان لا يميل بالصداقة، ولا ينحرف بالخصومة، ولا يساوي بين النصوص إرضاء لأصحابها. ميزان يعرف أن الإبداع نفسه لا يكتمل إلا بالأسئلة، وأن الكاتب لا يكرم حين نعفي نصه من المساءلة، بل حين نأخذه على محمل الجد. بهذا المعنى تأتي هذه الحلقة من "أسابيع الرؤى الثقافية" لتفتح حوارا يتجاوز تجربة طه عبد الرحمن الشخصية، نحو سؤال أوسع عن وظيفة النقد في حياتنا الأدبية: هل يستطيع الناقد أن يقول ما يرى؟ وهل يستطيع الكاتب أن يسمع ما لا يحب؟ وهل نستطيع أن نؤسس فضاء ثقافيا يكون فيه الاختلاف طريقا إلى المعرفة، لا سببا للخصومة؟ أسئلة تضع النقد أمام مسؤوليته، وتضع المبدع أمام مسؤوليته، وتضع المشهد الثقافي كله أمام مرآته. ولعل أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه هذا التقديم أن النقد، حين يستعيد استقلاله وأمانته، لا يكون جمر الحقيقة الذي يحرق، ولا ظل المجاملة الذي يحجب؛ بل يصبح نور الحقيقة الذي يساعد النص على أن يرى نفسه بصورة أوضح، ويساعد الأدب على أن يتقدم خطوة أخرى في طريق اكتماله. الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المقالة النقدية النقد بين جمر الصراحة وظلّ المجاملة د. طه عبد الرحمن ليس أخطر ما في القول: «يوجد نقّاد ولا يوجد نقد» أنه يصف جرحًا حقيقيًا في جسد الحركة الأدبية المحلية، بل أخطر ما فيه أنه قد يُغري بتعميمٍ يجعل الجرح جسدًا كاملًا، ويحوّل العارض المؤلم إلى قدرٍ لا استثناء فيه ولا فسحة لغيره. فالمشهد، مهما أثقلته المجاملات، ليس أرضًا يبابًا، والنقد، مهما ضاق مجراه، لم ينقطع تمامًا؛ غير أنه يمشي حذرًا بين ألغام العلاقة الاجتماعية، ويكتب أحيانًا في الظل، ويهاجر أحيانًا إلى منابر أبعد من بيئته، لأن القريب في الأدب ليس قريبًا من النص وحده، بل قريب من صاحبه وأصدقائه وحساسياته وتأويلاته. لقد أصاب المقال حين كشف تلك المفارقة القديمة الجديدة: كثيرٌ من الكتّاب يرفعون راية النقد البنّاء، لكنهم لا يريدون من الناقد إلا أن يكون مؤذنًا بفضائلهم، ومصفقًا لجمالهم، وحارسًا للصورة التي رسموها لأنفسهم. يقول أحدهم: دلّني على عيوبي، فإذا دللته ضاق بك وبعيوبك معًا؛ ويطلب الحقيقة، فإذا جاءت مجرّدة من زينة الثناء اتهم حاملها بالقسوة أو الحسد أو سوء النية. وما هذا إلا طبع إنساني يتجاوز الأدب، غير أنه في الأدب أكثر خطرًا، لأن الكاتب قد يخلط بين نقد النص وجرح الذات، وبين مساءلة العبارة ومصادرة الكرامة. غير أن هذا الواقع، على مرارته، لا يبرر للناقد أن يستسلم للمجاملة، ولا أن يحوّل مقاله إلى باقة ورد لا شوك فيها، ولا أن يبيع استقلاله في سوق العلاقات الوديعة. فالنقد الذي لا يوقظ النص من مواضع غفوته لا يؤدي وظيفته، والنقد الذي لا يرى إلا الحسن يصير نوعًا من المديح المؤجل، والنقد الذي يخشى أن يزعج أحدًا ينتهي، ولو كتب كثيرًا، إلى الصمت في ثوب الكلام. إن الصراحة ليست ترفًا في العمل النقدي، بل شرط من شروط أمانته؛ لأن النص لا ينمو بالتصفيق وحده، كما لا ينهض المبدع إذا أقنعه المحيطون به أن كل ما يكتبه مكتمل لا يحتاج إلى مراجعة أو تهذيب أو مساءلة. لكن الصراحة، في المقابل، ليست رخصةً للقسوة، وليست سيفًا يرفعه الناقد على رقبة الكاتب باسم الحقيقة. فما كل كلامٍ خشن شجاعًا، وما كل كلامٍ لطيف منافقًا. قد تبلغ الحقيقة غايتها في لغة رفيقة، وقد تأتي الإساءة في ثياب الجرأة فتظن نفسها نقدًا. الفارق واضح بين أن يقال للكاتب: «أنت ضعيف»، وبين أن يقال: ضعفت هذه الصورة لأنها جاءت مستهلكة؛ أو تعثر هذا المقطع لأن المعنى لم يكتمل قبل أن يُدفع إلى الإيقاع؛ أو انطفأ هذا المشهد لأن الفكرة سبقت التجربة. النقد لا يكتفي بالحكم، بل يدلّ على موضعه، ويكشف علته، ويقيم دليله، ويفتح أمام النص طريقًا ممكنًا إلى مزيد من النضج. ولعل المشكلة الأعمق ليست في غياب الناقد، بل في غياب الفضاء الذي يحمي النقد من أن يتحول إلى خصومة شخصية. فالناقد المحلي لا يقرأ نصًا مجردًا؛ إنه يقرأ نصًا وصاحبه وأصدقاء صاحبه، ويستبق ما قد تجرّه مقالته من زعلٍ وتأويلٍ ومواقف. لذلك قد يختار السلامة، والسلامة حين تكون على حساب الحقيقة ليست حكمةً دائمًا، بل تأجيلٌ موجع لواجبٍ ثقافي. إن كثيرًا من الأقلام قادرة على القراءة الجادة، وتشهد دراساتها في الأدب العربي الواسع على عُدّتها المعرفية والمنهجية، لكن قدرتها لا تجد دائمًا في المشهد المحلي مناخًا يتيح لها أن تقول ما ترى من غير أن تُحاكم في نياتها أو تُحمّل ما لم تقله. ومن الظلم، لذلك، أن تُرسم خريطة النقد المحلي كأنها لا تتسع إلا لاسم واحد مهما كانت مكانته رفيعة. وهذا لا يقتضي أن تُمحى التجارب الأخرى، أو أن يُختزل الحقل النقدي في فردٍ واحد. فالنقد لا تصنعه قامة منفردة، وإن كانت فارعة، بل تصنعه بيئة كاملة: نقادٌ يكتبون، وكتّابٌ يحتملون، وقراءٌ يميزون، ومنابرُ تحترم المقالة الجادة، وحوارٌ لا يحوّل الاختلاف إلى خصومة ولا الملاحظة إلى عدوان. وفي الساحة نماذج تمارس النقد أو تنخرط فيه من مواقع مختلفة، لا من موقع ادعاء المعرفة، بل من موقع الإنصات للنص ومحاولة كشف طبقاته. من هؤلاء طه دخل الله عبد الرحمن، الذي لا يقف عند الحديث عن النقد بوصفه فكرة مجردة، بل يمارس القراءة على نصوص شعرية وسردية معاصرة، من ذلك قراءته لقصيدة «اجتمعت» لنافلة مرزوق العامر، وقراءته التأويلية لحكاية «من حيث توقّفنا» للكاتبة عاتكة الياسري؛ وهي عناوين تكشف انشغاله ببنية النص، وبلاغته، ومسارات تلقيه، لا بالاكتفاء بأحكام عامة خارجة عنه. وقد امتدت كتاباته النقدية إلى شعراء وكتّاب من الأردن والعراق والمغرب وتونس وسوريا ولبنان، إضافة إلى كتاب الداخل؛ بما يجعل تجربته متصلة بفضاء أدبي عربي متنوع، لا محصورة في دائرة محلية ضيقة. وتُظهر بعض عناوين قراءاته المنشورة نزوعًا إلى المقاربة التأويلية التي تصل بين بلاغة النص وشعرية التلقي، كما في قراءته لحكاية عاتكة الياسري، وإلى قراءة النص الشعري من داخله، كما في قراءته لقصيدة «اجتمعت». وفي هذا النهج تكون وظيفة الناقد أن يظل وفيًا للنص: لا يخاصم كاتبه ولا يجامله، بل ينصت إلى لغته، ويتتبع صورته، ويختبر انسجام دلالاته، ويوازن بين ما يعد به العمل وما ينجزه. فالقراءة النقدية الحقّة لا تنتقص من الكاتب، بل تمنح نصه الجدية التي يستحقها؛ إذ لا يُكرَم الأدب بإعفائه من السؤال، ولا يُصان المبدع بتعطيل ميزان التقويم. كما أن حضور نافلة مرزوق العامر لا يقتصر على فضاء الإبداع الشعري، بل يمتد إلى قراءة النصوص قراءة تلتقط ما في اللغة من صوت ودلالة وصورة وإيحاء. وقد كتبت قراءات نقدية لشعراء من الأردن وسوريا واليمن والعراق، إلى جانب قراءاتها في فضاء الداخل، بما يكشف عن تفاعلها مع أصوات شعرية عربية متعددة وتجارب متباينة في اللغة والموضوع والرؤية. فقد نشرت قراءة في قصيدة «معشوقتي العربية» للشاعر عبد الناصر عليوي العبيدي، كما كتبت قراءةً لقصيدته «يا عازف الناي»، وظهرت لها كذلك قراءة وجدانية في قصيدة «شعلة المصباح» للشاعر عبد الناصر عليوي؛ بما يدل على انخراطها في تلقي النص الشعري من داخله، والالتفات إلى أبعاده الرومانسية والواقعية وتكويناته الجمالية. فالوقوف عند أثر القافية، وعند وظيفة الحرف في بناء الإحساس، وعند الصلة بين الموسيقى والمعنى، ليس عمل مجاملة عابرة، بل هو شكل من أشكال النقد المصغي إلى ما يقوله النص وكيف يقوله. غير أن هذا النوع من القراءة، مثل سواه، يزداد رسوخًا كلما اقترن بوضوح الشاهد ودقة التحليل وسلامة الانتقال من الملاحظة إلى الحكم؛ لأن البلاغة حين تسندها الحجة تكشف، أما إذا انفصلت عنها فقد تستر ما تزعم إضاءته. ولا عيب أن تبدأ القراءة من الأثر والانفعال، فكم من نص يطرق القلب قبل أن يفتح أبوابه للعقل؛ لكن العيب أن تقف عند الانفعال فلا تسأل: كيف صنع النص أثره؟ وأين موضع قوته؟ وبأي صورة أو إيقاع أو مفارقة بلغ هذا الأثر؟ إن التذوق بابُ النقد، لكنه ليس بيته كله. إن النقد الأدبي ليس مقالةً تستعرض فحولة الكاتب، ولا نصًا موازيًا ينسى النص الذي جاء لقراءته. الناقد قد يملك لغةً جميلة، وهذا من حقه ومن جمال عمله، لكنه يظل مربوطًا بحبل العمل الأدبي: يقتبس ويحلل ويقارن ويعلل ويستدل. لا يجعل القصيدة ذريعةً للحديث عن ذاته، ولا يجعل الرواية فرصةً لتصفية حساب، ولا يجعل المقالة شهادةَ حسن سلوك يمنحها للأصدقاء ويحجبها عن الخصوم. النقد الرفيع هو الذي يجمع بين حساسية اللغة وصبر الفكرة؛ يكتب أدبًا عن الأدب، من غير أن يستبدل الأدب بالزخرف أو يستبدل التحليل بالانطباع. ليس من العدل إذن أن نقول إن النقد غائب غيابًا مطلقًا، ولا من الحكمة أن نزعم أن وفرة الأسماء تعني بالضرورة وفرة الممارسة الجادة. الأدق أن نقول: يوجد نقاد، ويوجد نقد، لكن بينهما غبار من المجاملات، وحجاب من العلاقات، وخوف من الخسارات، وضيق في تقبل الرأي المختلف. وبهذا تصبح الأزمة قابلة للعلاج، لأن ما يحتاجه المشهد ليس اختراع الناقد من عدم، بل تحريره من الخوف، وتحسين شروط تلقيه، وإعادة الاعتبار إلى المقالة التي تزن النص بميزان الفن لا بميزان الصداقة. نحتاج إلى كاتب يرى في الملاحظة فرصةً لا إهانة، وإلى ناقد يقول ما يراه من غير تشهير ولا مواربة، وإلى قارئ لا يطلب من النقد معركةً مشتعلة بل معرفةً مضيئة. نحتاج إلى نقد يقول: أحسنت هنا لأن النص أصاب، وأخفقت هنا لأن النص لم يكتمل؛ لا لأنك صديقي فأجامل، ولا لأنك خصمي فأقسو. وعندئذ لا يعود القلم باقة وردٍ تخدع صاحبها، ولا سيفًا يجرح بلا ضرورة، بل يصبح ميزانًا للمعنى: لا يميل بالحب، ولا ينحرف بالغضب، ويحمل جمر الحقيقة كي يضيء للأدب طريقه، لا كي يحرق أصابع الذين يكتبون فيه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل — مع طه عبد الرحمن. ***************** التعليقات والردود: ردي على تقديم الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب: من جمر الصراحة إلى نور الإنصاف: إلى الاستاذ عبد الرحمن بوطيب في قراءةٍ أكرمت النصَّ بالسؤال للكلمة لحظتان من الميلاد: لحظةٌ يكتبها صاحبها، ولحظةٌ يقرؤها من يستطيع أن يُنصت إلى ما وراء حروفها. في الأولى تتشكل العبارة من قلق الكاتب ورجائه، وفي الثانية تستعيد العبارة قدرتها على أن تفاجئ صاحبها، إذ يرى فيها القارئ ما كان حاضرًا في نسيجها ولم يكن ظاهرًا بالقدر نفسه في وعيه. وليست القراءة التي نعتز بها تلك التي تعيد إلينا أصواتنا محمولةً على صدى الإعجاب، وإنما تلك التي تمنح أفكارنا فرصةً أخرى للفهم، وتردّها إلينا أكثر وضوحًا، وأشدّ اتصالًا بمسؤوليتها. بهذا المعنى تلقيتُ تقديم الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب لمقالتي «النقد بين جمر الصراحة وظلّ المجاملة»: قراءةً لم تقف عند عتبة النص، بل دخلت إلى موضع السؤال فيه، وأضاءت ما يصل بين همّه الأدبي وواجبه الأخلاقي.
أستاذي الكريم عبد الرحمن بوطيب، إن أجمل ما في تقديمكم أنه أكرم التجربة من غير أن يعزلها عن المساءلة، واحتفى بالمقالة من غير أن يحوّلها إلى مناسبةٍ للثناء وحده. لقد وجدتم في الحديث عن تجربتي النقدية سبيلًا إلى مناقشة وظيفة النقد، لا ذريعةً لإعلاء الاسم على حساب القضية. وهذا التوازن هو ما يمنح تقديركم قيمته عندي؛ لأن الكاتب لا يحتاج إلى من يوسّع صورته بقدر حاجته إلى من يوسّع فهمه لما يكتب. وما أشدّ الفرق بين تقديمٍ يقول للقارئ: انظر إلى صاحب النص، وتقديمٍ يدعوه إلى أن ينظر مع صاحبه في السؤال الذي استدعى النصّ إلى الوجود. لقد قرأتم عنوان المقالة بوصفه مفتاحًا لمأزقٍ ثقافي، لا مجرد مقابلةٍ بلاغية بين الجمر والظل. وهنا أصبتم موضع القلق الذي حاولتُ التعبير عنه؛ إذ لم تكن غايتي أن أنتصر للصراحة انتصارًا مطلقًا، ولا أن أُدين الرفق باعتباره قرينًا للمجاملة، وإنما أن أبحث عن الحدّ الذي يظل فيه القول صادقًا من غير أن يصير عدوانًا، وتظل فيه العلاقة الإنسانية محترمةً من غير أن تصبح قيدًا على المعرفة. إن ما أرجوه للنقد هو أن يتخلّى عن حاجته إلى استعراض الشجاعة، كما يتخلّى عن حاجته إلى استرضاء الجميع؛ ليكون شجاعًا في دليله، رفيقًا في عبارته، واضحًا في مقصده. وما أقدّره في تقديمكم، على نحوٍ خاص، أنكم لم تجعلوا الصراحة مرادفًا لغلظة الحكم. فالقسوة قد تستعير لغة الحقيقة من غير أن تؤدي واجبها، كما قد تحمل العبارة الهادئة اعتراضًا عميقًا لا يحتمل التهرب. لذلك لا أرى قوة الملاحظة النقدية في مقدار ما تتركه من ألم، وإنما في مقدار ما تكشفه من فهم. أن يقول الناقد إن صورةً ما تعثرت، ثم يبيّن موضع التعثر وصلته بالسياق، أجدى عندي من حكمٍ واسعٍ يختزل صاحبه في صفة. فالعمل الأدبي هو موضوع القراءة، وليس كرامة الكاتب؛ والحجة هي سند الحكم، لا ارتفاع صوت من يصدره. ومن هنا تأتي أهمية ما أكدتموه من أن النقد يسأل: لماذا نجح النص هنا، ولماذا تعثر هناك، وكيف أنتج أثره؟ إن هذه الأسئلة تنقل القراءة من إعلان الانطباع إلى تحمّل مسؤولية تفسيره. فليست المشكلة في أن يتأثر الناقد، بل في أن يجعل تأثره نهايةً للكلام. وليس العيب في أن يحب النص، بل في أن يعجز عن بيان ما أحبه فيه. وفي التصور الذي أحاول الالتزام به، ينبغي للمقالة النقدية أن تُظهر مسارها: من الشاهد إلى الملاحظة، ومن الملاحظة إلى التأويل، ومن التأويل إلى الحكم؛ بحيث يستطيع القارئ أن يناقش الطريق، لا أن يُطالَب بالتسليم للنتيجة. وحين وصفتم تجربتي بأنها محاولة للقراءة من داخل العمل، تلقيتُ هذا الوصف بامتنانٍ وبإحساسٍ مضاعف بالمسؤولية. فالإنصات إلى النص ليس عبارةً أطمئن إلى رفعها، بل ممارسةٌ ينبغي أن يُختبر تحققها في كل قراءة. وما أطمح إليه هو أن أبدأ مما يتيحه النص فعلًا: لغته، وصوره، وإيقاعه، وبناؤه، وعلاقات دلالاته؛ ثم أنظر في السياقات التي تُعين على فهمه، من غير أن أجعلها بديلًا من مواجهته. لا أريد للنص أن يكون شاهدًا صامتًا على براعة المنهج، وإنما شريكًا قادرًا على أن يصحح أسئلة قارئه، وأن يدفعه إلى تعديل ما ظنّه واضحًا قبل القراءة. وأعتزّ بما ذكرتموه من قراءاتي لقصيدة «اجتمعت» لنافلة مرزوق العامر، ولحكاية «من حيث توقفنا» للكاتبة عاتكة الياسري، وبما أشرتم إليه من انفتاح تجربتي على أصوات عربية متعددة. غير أن اعتزازي بهذه الإشارة لا يدفعني إلى اعتبار اتساع دائرة القراءة دليلًا كافيًا على عمقها. فالقيمة التي أرجوها لا تقاس بعدد الأسماء التي حضرت في مقالاتي، بل بما استطاعت كل قراءة أن توضحه، وبمقدار ما احترمت خصوصية العمل الذي تناولته. وأحسب أن الوفاء لتنوع التجارب يبدأ حين لا نطلب من النصوص المختلفة أن تتشابه كي تنسجم مع أدواتنا، بل نسمح لاختلافها بأن يوسّع تلك الأدوات. وفي التفاتكم إلى تجربة نافلة مرزوق العامر في قراءة الشعر، وإلى الصلة بين التذوق والتحليل، وجدتُ تأكيدًا لضرورة أن تبقى الحساسية الجمالية حاضرةً من غير أن تنفرد بإصدار الحكم. وما أجمل أن يصل النص إلى القلب، لكن ما أخصب أن نسأل بعد ذلك: بأي صورةٍ وصل، وبأي إيقاعٍ رسخ، وبأي علاقةٍ بين اللفظ والمعنى صنع أثره؟ هكذا أفهم اجتماع البلاغة بالمعرفة في الكتابة النقدية؛ فلا تتحول الدقة إلى جفاف، ولا يصبح جمال العبارة ستارًا يخفي غياب الاستدلال. وأرجو أن تظل لغتي، كلما كتبتُ عن الأدب، وسيلةً للكشف عنه، لا منافسًا له على انتباه القارئ. لقد وسّعتم سؤال المقالة حين نقلتم النظر من وجود الناقد إلى وجود المناخ الذي يسمح للنقد بأن يؤدي وظيفته. وهذا انتقالٌ أراه أمينًا لمقصدها؛ إذ لم أرد أن أنفي مظاهر الخلل، وإنما أن أقاوم تعميمًا يجعلها المشهد كله. فالقول بوجود نقد لا يعني الادعاء بأن أحواله مرضية، مثلما أن الاعتراف بالمجاملة والخوف لا يبيح محو الجهود الجادة. وبين النفي المطلق والاطمئنان المطلق، حاولتُ أن أبحث عن وصفٍ أكثر دقة، لأن تشخيص المشكلة جزءٌ من مسؤولية الكلام عنها، ولأن السؤال الذي يحدد موضع العائق أنفع من حكمٍ يساوي بين جميع التجارب. وأجد في أسئلتكم الختامية، عن قدرة الناقد على القول وقدرة الكاتب على السماع، دعوةً إلى مسؤولية مشتركة لا يصح أن يتحملها طرفٌ وحده. فلا أريد للكاتب أن يُطالَب بتقبّل النقد بينما يُعفى الناقد من مراجعة أدواته، ولا للناقد أن يُطالَب بالاستقلال بينما يُدان لمجرد أنه خالف الصورة التي يرغب الكاتب في تثبيتها عن نفسه. من حق المبدع أن يعترض على القراءة، ومن واجب القارئ أن يبيّن مستنده. وما أرجوه بينهما ليس اتفاقًا دائمًا، بل اختلافًا يمكن فهمه، لا تُستبدل فيه مناقشة الشاهد بمحاكمة النية. أما عبارتكُم: «النقد الذي نحتاجه اليوم ليس سيفًا، ولا باقة ورد؛ إنه ميزان»، فقد وجدتُ فيها تكثيفًا بليغًا لما كانت المقالة تحاول بسطه. غير أن هذا الميزان يضعنا جميعًا أمام سؤال المعيار: بماذا نزن، وكيف نبيّن عدل الوزن؟ فلا يكفي أن يعلن الناقد نزاهته، بل ينبغي أن تظهر في طريقة الاستدلال، وفي عدم انتقاء الشواهد لخدمة حكمٍ سابق، وفي الاستعداد لتصحيح ما يتبين خطؤه. ذلك هو الإنصاف الذي أطمح إليه: ليس حيادًا باردًا يلغي الموقف، وإنما موقفٌ مسؤول لا يسمح للمحبة بأن تحجب العثرة، ولا للخصومة بأن تحجب الجمال.
ومن الوفاء لما كتبتموه عني أن أقول إن تجربتي لا ينبغي أن تُستثنى من الأسئلة التي تدعو إليها. فإذا دعوتُ إلى وضوح الشاهد، فلقارئي أن يطالبني به؛ وإذا دعوتُ إلى الاعتدال في الحكم، فله أن يسائلني عن مقدار تحققه؛ وإذا انتقدتُ المجاملة، فعليّ ألّا أطمئن إلى تقدير الآخرين حتى أنسى احتمال التقصير. إن امتنان الكاتب للقراءة الجادة يكتمل حين يقبل ما تضعه عليه من التزام، لا حين يكتفي بما تمنحه له من مكانة. ولهذا أتلقى ثقتكم حافزًا إلى مزيد من التدقيق، لا شهادةً تعفيني منه. أستاذي عبد الرحمن بوطيب، شكرًا لتقديمٍ حفظ للمودة دفئها، وللفكرة استقلالها، وللنص حقه في أن يُقرأ قراءةً تتجاوز مناسبة الاحتفاء به. وشكرًا لأنكم جعلتم الحلقة الرابعة من «أسابيع الرؤى الثقافية»، في هذا التقديم، فضاءً لسؤالٍ يتجاوز تجربتي إلى العلاقة التي نرجوها بين الإبداع والنقد. لقد منحتم مقالتي قارئًا يحاورها، ومنحتموني سببًا إضافيًّا لأراجع المسافة بين ما أدعو إليه وما أحققه في الكتابة. وأجمل ما أستطيع أن أقابل به هذا التقدير أن أظلّ وفيًّا للسؤال الذي جمع تقديمكم بمقالتي: كيف نقول ما نراه من غير أن نظلم، وكيف نحفظ الودّ من غير أن نخون ما نراه؟ لا أزعم أنني أملك جوابًا مكتملًا، لكنني أرجو أن يظل هذا السؤال يقظًا في قلمي. فالنقد الذي أطمح إليه لا يحمل الجمر ليمتحن قدرة الآخرين على الاحتمال، ولا يطلب الظلّ لينجو من واجب الرؤية؛ إنما يتعلم كيف يصون في الكلمة نورها، بحيث تكشف ولا تتعالى، وتُراجع ولا تُهين، وتفتح أمام النص والقارئ معًا بابًا لم يكن ظاهرًا قبل الحوار. طه دخل الله عبد الرحمن Stella Ra Nch عندما يبدع الكاتب والناقد الفذ د.طه عبد الرحمن فهو يرسم خطوطا،ويبرز أعماقا،وينسج قواعدا وأركانا هنيهة وتصبح منارة ودليلا نقديا لغيره من النقاد،وأكثر فقد تشعل في وعيهم زوايا عن مناهج للنقد كانت خافية عنهم.باختصار شديد فإن النص أعلاه لا يقل عن كونه دستورا أو قل بنود دستور نقدي راق بكل موضوعية علمية .لأن فيه تأثير بل توجيه نقدي حتى لكبار النقاد.بوركت جهودكم الأدبية ودمتم في علياء العطاء. طه عبد الرحمن Stella Ra Nch حين تُضيء البصيرةُ ما وراء الحروف للكلمة حياةٌ في قلب كاتبها، وحياةٌ أخرى في بصيرة من يقرؤها؛ فإذا التقت صدقَ القصد بنبل التلقّي، لم تعد حروفًا تُسطَّر، بل غدت جسرًا بين ضميرين، ونورًا يتّسع كلما تقاسمته الأرواح. ومن أجمل ما يُهدى إلى الكاتب قراءةٌ لا تقف عند عتبة عبارته، بل تدخل إلى أسئلته، وتستبين ما وراء لغته من جهدٍ ورؤيةٍ ورجاء. الناقدة القديرة الأستاذة نافلة مرزوق العامر قرأتُ كلماتكِ بامتنانٍ يليق بكرمها، وبمسؤوليةٍ تليق بما حمّلتِها من ثقة. فما تفضّلتِ به ليس ثناءً يمرّ على القلب مرورًا عابرًا، بل قراءةٌ تمنح صاحب النص فرصةً لأن يرى محاولته من نافذةٍ أخرى؛ نافذةٍ يُحسن فيها الذوقُ الإصغاءَ إلى الفكرة، وتمنح فيها البصيرةُ المعنى أفقًا أرحب. ولئن رأيتِ في النص منارةً ودليلًا، فإنّ الناقد المنصف هو الذي يُبصر موضع الضوء، ويميّز بين بريق العبارة وعمق الدلالة. وفي كلماتكِ وجدتُ تقديرًا لما أرجو أن يكون جوهر كل جهدٍ نقدي: أن يُضيء ولا يُعمي، وأن يُحاور ولا يُصادر، وأن يفتح أمام القارئ بابًا للفهم، لا أن يُغلق عليه المعنى بحكمٍ أخير. أمّا وصفكِ النصَّ بأنّه «دستور نقدي»، فهو تشريفٌ أعتزّ به، وتكليفٌ أستشعر ثقله؛ إذ لا أريد لما أكتب أن يكون سلطةً على القراءات، بل عونًا لها، ولا سياجًا يُحاصر التأويل، بل أرضًا تلتقي عليها الأسئلة. فالنقد، فيما أطمح إليه، ليس امتلاكًا للحقيقة، وإنما أمانةُ البحث عنها، وليس إعلاءً لصوت الناقد، وإنما إفساحٌ لصوت النص كي يُسمَع في غناه واختلافه. لقد منحتِ هذه المحاولة ما هو أبعد من الإشادة: منحتِها قارئةً تُنصف مقصدها، وتُحسن الظنّ بسعيها، وتستخرج من خطوطها ما يستحقّ أن يُناقَش ويُستكمَل. وذلك فضلٌ يجعل الامتنان دافعًا إلى مزيدٍ من التأنّي والعمل، لا ذريعةً إلى الاكتفاء بما أُنجز. فشكرًا لكِ على قراءةٍ رفعت من قدر الحوار، وعلى كلماتٍ جمعت لطفَ العبارة إلى جدّية النظر. وبورك في قلمكِ الذي لم يكتفِ بأن يرى أثر الضوء، بل ردّ إلى صاحبه ضوءًا من صفاء قراءته. دمتِ بصيرةً تُنصف، وكلمةً تُضيء، وحضورًا يُذكّرنا بأنّ أجمل ما يصنعه الأدب ليس أن نتبادل المديح، بل أن نتبادل القدرة على رؤية ما لم نكن نراه. طه دخل الله عبد الرحمن **************** مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/2026 [ أسابيع الرؤى الثقافية ] منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة الخامسة: الجمعة 9 أكتوبر 2026 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قراءة نقدية في قصة "الجهة الأخرى من الصمت" للدكتور طه عبد الرحمن الناقد:الدكتور محمد ميموني/ الجزائر Mohammed Mimouni ليست «الجهة الأخرى من الصمت» قصة تقوم على الحدث بالمعنى المألوف. لا توجد فيها وقائع كثيرة تتطور أمامنا، ولا شخصيات تدخل في صراع خارجي واضح. إن الحدث الحقيقي يقع في الداخل: رجل يحاول أن يفهم علاقته بالحياة بعدما أصبح الألم جزءًا ثابتًا من وعيه. منذ البداية، يضعنا الكاتب أمام هذه المفارقة: «أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب». ومن هنا يتحدد المسار العام للنص: الحياة موجودة من الناحية البيولوجية، لكنها فقدت معناها بالنسبة إلى الشخصية. هذه الفكرة واضحة ومتماسكة، والكاتب ينجح في جعلها محورًا تتفرع منه معظم مقاطع القصة. غير أن قوة الفكرة نفسها تكشف المأخذ الأبرز على النص: الكاتب لا يكتفي أحيانًا بأن يجعلنا نكتشف الألم، بل يواصل تفسيره وتصويره حتى بعد أن يكون قد وصل إلينا. في البداية تكون الصور مؤثرة، مثل «أنا المقبرة التي تمشي» و«أنا النعش الذي يتنفس». لكن كثرة الصور المتقاربة في وظيفتها تجعل أثر بعضها يتراجع. فحين يتكرر المعنى نفسه من خلال المقبرة والنعش والدموع والجغرافيا والوحشة، يبدأ القارئ في استقبال الألم باعتباره فكرة ثابتة أكثر من كونه تجربة تتطور. وهنا أختلف قليلًا مع الطريقة التي اختار بها الكاتب بناء نصه. ليس لأن اللغة ضعيفة؛ بالعكس، اللغة هي إحدى نقاط قوة القصة. لكن اللغة القوية تحتاج أحيانًا إلى اقتصاد. الصورة الجيدة لا تحتاج بالضرورة إلى صورة أخرى تشرحها. وربما كان النص سيصبح أكثر تأثيرًا لو ترك بعض الفراغات للقارئ. فالإنسان المنهك لا يحتاج دائمًا إلى أن يقول: أنا منهك. قد تكشف حالته حركة بسيطة، أو تصرفًا عابرًا، أو علاقة مع شخص آخر. وهذا ما افتقدته القصة إلى حد ما: التفاصيل اليومية التي تمنح الشخصية حياة خارج خطابها عن الألم. الشخصية هنا تتحدث عن نفسها من داخل أزمتها، ولذلك نعرف كثيرًا عن شعورها، لكننا نعرف قليلًا عن حياتها. وهذا فرق مهم. نعرف أنها وحيدة، لكننا لا نرى الوحدة في موقف يومي. نعرف أنها فقدت علاقتها بالمستقبل، لكننا لا نراها تتعامل مع موعد أو شخص أو مكان. نعرف أنها تشعر بأنها ميتة من الداخل، لكننا لا نرى أثر ذلك في علاقتها بالعالم المحيط. وهنا كان يمكن للقصة أن تمنحنا شيئًا من المشهد بدل أن تعتمد بصورة شبه كاملة على التأمل. مع ذلك، فإن اختيار المونولوج الداخلي يخدم النص بوضوح. السارد لا يريد أن يحكي لنا حياته بقدر ما يريد أن يكشف وعيه بنفسه. ولذلك تأتي الأسئلة المتكررة حول الموت والزمن والوحدة لتكشف حالة ذهنية أكثر مما تكشف أحداثًا. وأحسب أن عبارة: «كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟» تلخص جزءًا كبيرًا من المشروع. فالزمن في القصة ليس زمن الساعة، وإنما زمن الإحساس. الدقيقة لا تعني دقيقة، والغد لا يعني يومًا جديدًا، وإنما احتمالًا لم يعد السارد قادرًا على تصديقه. وهذا من أنجح جوانب القصة؛ لأن الكاتب استطاع أن يحوّل الزمن من عنصر خارجي إلى تجربة داخلية. لكن هنا أيضًا كان يمكن للاقتصاد أن يخدم النص. حين تكون الفكرة قوية، لا تحتاج إلى تكرارها كثيرًا. والكاتب يمتلك بالفعل جملة مركزية تستطيع حمل هذا المعنى دون الحاجة إلى أن تظل القصة تؤكده في صور متعددة. أما المقطع المتعلق بالله، فهو بالنسبة إليّ أهم أجزاء القصة من الناحية الفكرية. «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». هذه الجملة تنقل النص من وصف الألم إلى مساءلة معناه. فالشخصية لا تقدم نفسها باعتبارها رافضة للإيمان، بل باعتبارها إنسانًا لا يفهم لماذا يُطلب منه أن يحتمل ما لا يستطيع تفسيره. وهنا يصبح السؤال الديني امتدادًا للسؤال الوجودي. واللافت أن الكاتب لا يقدم إجابة جاهزة. وهذا جيد. لأن النص الأدبي يفقد جزءًا من قوته عندما يحول السؤال الكبير إلى درس جاهز. لكن حتى هنا، تعود المشكلة نفسها: الصورة تسبق أحيانًا التجربة. كان يكفي أن تبقى الحيرة واضحة، وربما كان ذلك سيجعل المقطع أكثر قوة. فالسؤال الموجه إلى الله لا يحتاج دائمًا إلى كثير من المجازات حتى يصل إلى القارئ. أما عنوان القصة، فهو من أجمل مفاتيحها. «الجهة الأخرى من الصمت» لا تشير بالضرورة إلى مكان آخر، وإنما إلى ما لا يظهر في الكلام. الصمت هنا ليس مجرد عدم الحديث. إنه أشياء لم تستطع الشخصية أن تقولها، وربما لم تجد من يستطيع سماعها. لكن العنوان يطرح سؤالًا آخر: هل الصمت هو المشكلة، أم أن المشكلة هي غياب من يصغي إليه؟ وهذا السؤال يجعل القصة تتجاوز تجربة الشخصية نفسها. فهي لا تعود قصة شخص متألم فقط، وإنما تصبح تذكيرًا بمشكلة إنسانية أوسع: أننا كثيرًا ما نرى الإنسان من خلال سلوكه الخارجي، ولا نعرف ما يحدث في داخله. ومع ذلك، تبقى لدي ملاحظة أساسية على بناء الشخصية. السارد يكاد يعرف نفسه من خلال ألمه وحده. هو الميت، والمنعزل، والمتعب، والذي فقد الغد. وهذا مفهوم داخل الحالة التي يكتب منها النص، لكنه يظل محدودًا من الناحية الفنية. فالإنسان، حتى في أشد أزماته، لا يتوقف عن امتلاك تفاصيل أخرى. كان يمكن لتفصيل صغير جدًا أن يغير كثيرًا في القصة: علاقة عابرة، ذكرى، موقف يومي، شخص لا يفهم ما يحدث له، أو حتى لحظة عادية تناقض هذا السواد المستمر. ليس المطلوب أن تدخل القصة في التفاؤل. المطلوب فقط أن نرى الإنسان إلى جانب معاناته. فحين يصبح الألم هو الشخصية كلها، يفقد القارئ شيئًا من القدرة على اكتشافها. وهنا أصل إلى ملاحظة ربما تكون الأكثر أهمية عندي. القصة تقول إن السارد «نعش يتنفس». لكن استمرار التنفس، واستمرار الكلام، واستمرار السؤال، يعني أن هناك شيئًا لم ينتهِ بعد. وهذه المفارقة هي ما يجعل النص أكثر تعقيدًا مما يبدو. فالسارد يعلن موته، لكنه يكتب. يعلن عجزه عن الانتظار، لكنه ينتظر. يقول إن الصمت أحاط به، لكنه يتكلم طوال القصة. وهذا التناقض ليس عيبًا بالضرورة؛ بل يمكن أن يكون أكثر عناصر النص إثارة. فالكتابة نفسها تصبح هنا دليلًا على أن الشخصية لم تستسلم تمامًا. وربما كان يمكن للكاتب أن يستثمر هذه المفارقة أكثر. لأن أجمل سؤال في ال لأن أجمل سؤال في القصة ليس: هل مات هذا الإنسان؟ بل: إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟ وهنا، قبل أن أختم، لا بد أن أقول إن نقد النص لا يعني محاكمة صاحبه. الدكتور طه عبد الرحمن يغامر في هذه القصة بالدخول إلى منطقة حساسة: الألم الداخلي، والوحدة، والموت الرمزي، والحيرة أمام معنى الاحتمال. وقد لا أتفق مع كل اختياراته الفنية، خصوصًا في كثافة الصور وتكرار بعض المعاني، لكن هذا الاختلاف نفسه دليل على أن النص يفتح مجالًا حقيقيًا للحوار. وأنا، في النهاية، لم أقرأ القصة بعين الناقد وحده. قرأتها أيضًا بعين الإنسان. لأننا جميعًا نعرف، أو قد نعرف يومًا، شخصًا يقول لنا: «أنا بخير»، ثم نكتشف بعد وقت طويل أن تلك العبارة لم تكن وصفًا لحاله، وإنما محاولة لإغلاق الحديث. ومن هنا تبدو لي القيمة الإنسانية الأهم في «الجهة الأخرى من الصمت»: أنها تذكّرنا بأن ما لا يقوله الإنسان قد يكون أهم مما يقوله. وهذا هو الموضع الذي أتوقف فيه عن محاكمة اللغة قليلًا. وأترك النص للدكتور طه عبد الرحمن، مع كامل التقدير والاحترام، وللقارئ الذي ربما يجد فيه شيئًا لم أجده أنا. فالنص الجيد لا ينتهي عندما يضع الكاتب نقطة في آخر السطر. أحيانًا يبدأ هناك. وربما كانت «الجهة الأخرى من الصمت» هي ببساطة: الإنسان الذي نراه أمامنا، ولا نعرف ماذا يحدث فيه. د. محمد ميموني - مشاكس المعنى الجزائر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القصة الجهة الأخرى من الصمت د. طه عبد الرحمن أنا الحيّ الذي يجرّ موته خلفه كظلٍ لا يغيب، كل صباحٍ أتفقّد قبري بأصابع مرتجفة، أمسح الغبار عن اسمي المنحوت على رخامٍ لم يُرفع بعد. الموت ليس هديةً مؤجلة، بل هو الشيء الوحيد الذي أشعر أنه لي، حقي الوحيد الذي لا ينتزعه مني أحد، ومع ذلك أتأخر عنه كل يوم، لا حبًا في الحياة، بل لأن البؤس صار دينًا، وأنا مدينٌ حتى آخر قطرة عذاب. لستُ حزينًا، الحزن عاطفة، أما أنا فقد تحوّلت إلى جغرافية الألم ذاتها. جبالٌ من الصمت ترتجف في حلقي، أنهارٌ من الكتمان تجف في شراييني، صحاري من الوحشة تتمدد بين ضلعي وضلعي. الحزن شيء يشبه المطر، يأتي ثم يذهب، أما أنا فصرت الطين الذي لا يجف، صرت الوحل الذي يبتلع خطوات الفرح قبل أن تصل إليّ. أنا المقبرة التي تمشي، أنا النعش الذي يتنفس، أنا الدموع التي لا عين لها فظلّت حبيسة في لحم القلب تنخر فيه كنخر السوس في خشب التابوت. اكتئابي علّمني لغةً لا يتحدثها الأحياء، علّمني كيف أكون شبحًا بينهم، كيف أمرّ كالهواء المسموم، لا يراني أحد، ولكن الجميع يختنق بي. أتكلّم، فيظنون أن صوتي آتٍ من غرفة مجاورة، أتحرك، فيحسبون أن الريح حرّكت ستارة، أنا الغائب الذي يملأ المكان، أنا الفراغ الذي إذا دخل غرفة ضاقت بالجالسين. صرت الهباءة، صرت الذرة المعلقة بين "كان" و"لم يعد"، صرت زمنًا ماضيًا بلا فعلٍ ولا فاعل. الغد؟ لا تؤذوني بالغد. الغد كذبةٌ اخترعها من يملكون قوّة الانتظار، وأنا مفلسٌ حتى من الانتظار. أنظر إلى الساعة فأرى العقارب تمشي على جثث دقائقي، كل ثانية تموت وأنا أموت معها، ثم تولد ثانية جديدة لتموت هي الأخرى، وأنا أموت من جديد. كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟ أنا متُّ بعدد أنفاسي، متُّ بعدد نبضات قلبي، ومع ذلك ما زلتُ أجلس هنا، أتنفس، كأن الحياة تصرّ عليّ وأنا أصرّ على الرحيل، عشقٌ من طرفٍ واحد، أنا والحياة، عشقٌ بلا لغة، عناقٌ بلا ذراعين، قُبلة إسفلتية بطعم الدم والغبار. أتعرفون كيف يكون البكاء بلا عيون؟ أن تبكي برئتيك، أن تبكي بكبدك، أن تبكي بعظامك، أن تبكي بقلبك، أن يذوب نخاعك دموعًا لا ترى النور أبدًا. دموعي حبيسة في أقبية الجسد، تغرق أحشائي كل ليلة، أغرق فيّ ولا ينتشلني أحد. أبكي من أصابعي، من ركبتيّ، من ضلوعي التي تشبّكت كأغصان شجرةٍ في مهب الإعصار، أبكي من كل مسام جلدي، ومع ذلك أبدو جافًا كصحراء لم تسمع اسم المطر، كحجرٍ لم ترتطم به دمعة قط. الوحدة صارت أثقل من الجاذبية، تسحقني إلى مركز الأرض، إلى اللبّ، إلى النواة الملتهبة، ثم إلى ما بعد الالتهاب، إلى رماد الرماد. أنام فأصحو على صوت وحدتي، آكل فتشاركني وحدتي لقمتها، أتنفس فتدخل وحدتي إلى رئتيّ قبل الهواء. صرنا توأمين سياميين، لا يمكن فصلي عنها إلا بموتي، وربما حتى بموتي لا تفارقني، ربما تتبعني إلى قبري، ربما تكون هي الدود الذي يأكل جثتي، ربما تكون هي التراب الذي يثقل صدري إلى الأبد. يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب. أتعجب من قلبٍ هذا حظه من الدنيا وما زال ينبض، من روح هذا نصيبها من الألم وما زالت تصعد كل صباح، تعود إلى الجسد كمن يعود إلى سجنه بقدميه. أتعجب منك، لا غضبًا، بل استغراب المحكوم بالإعدام حين يجد في زنزانته وردة، يقول: "ما فائدة الوردة لمن سيُشنق فجرًا؟" أنا الوردة في زنزانة الانتظار، أنا السؤال بلا جواب، أنا الدعاء الذي يصعد فلا يخترق السقف، يعود إليّ كالطيور المهاجرة التي ضلّت طريقها، تسقط ميتةً عند عتبة فمي فأبتلعها وأتحول أنا إلى مقبرة الدعوات. لا تبحثوا عني في وجوه الأحياء، ابحثوا عني في الوجوه التي ماتت قبل أصحابها، في العيون التي صارت حدقتاها قبرين، في الابتسامات التي تشبه الشقوق في جدارٍ قديم. أنا هناك، حيث الحياة ذاكرةٌ منسيّة، حيث الألم طبيعةٌ لا حدث، حيث البؤس ليس حالةً بل هوية. أنا الهوية، أنا التعريف، أنا الإنسان الذي صار تعريفه: "شيء كان حيًا ثم صار هذا". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طه دخل الله عبد الرحمن فلسطين — مع Mohammed Mimouni وطه عبد الرحمن. Mohammed Mimouni Message الدكتور الفاضل، لك مني خالص الشكر وعميق الامتنان على نشرك لأعمالي النقدية في الجريدة، وعلى هذا الاهتمام الذي أعتزّ به كثيرًا. لقد منحتَ كتاباتي فرصةً أوسع للوصول إلى القارئ، وأثبتَّ بمبادرتك أن المثقف الحقيقي لا يكتفي بقراءة الإبداع، بل يسهم في إيصاله إلى فضاء الحوار الثقافي، إيمانًا منه بأن الكلمة حين تجد من ينصفها، تتجاوز حدود صاحبها لتصبح شأنًا معرفيًا وإنسانيًا مشتركًا. أقدّر لك هذه الخطوة النبيلة، وأثمّن فيك حرصك على الاحتفاء بالفكر النقدي وفتح المنابر أمام الأقلام التي تسعى إلى مساءلة المعنى، لا الاكتفاء بترديده. شكرًا لك دكتور، لأنك لم تمنح أعمالي مساحةً للنشر فحسب، بل منحتها فرصةً أخرى للحياة في عقول القرّاء. وهذا، في تقديري، هو جوهر الفعل الثقافي النبيل. لك مني كل التقدير والاحترام، ودام عطاؤك منبرًا للكلمة الجادة، ودام بيننا هذا الود الذي يجعل من الثقافة مساحةً للتلاقي، لا مجرد مناسبة لتبادل المجاملات. أخوك الدكتور محمد ميموني ***************** التعليقات والردود: ما كتبه الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب على القصة وقراءة الدكتور محمد ميموني: Abdou Bout بين جغرافية الألم وأفق الصمت: الكتابة بحثا عن الإنسان تجمع قصة "الجهة الأخرى من الصمت" للدكتور طه عبد الرحمن، والقراءة التي أنجزها الدكتور محمد ميموني، بين تجربتين تتكاملان في استكشاف عوالم الإنسان الداخلية؛ تجربة إبداعية تحاول أن تمنح الألم لغة وصورا، وتجربة قرائية تنصت إلى هذه اللغة، وتتأمل ما تفتحه من أسئلة حول الحياة والوحدة ومعنى الوجود. ومن هذا التلاقي، تنبثق مساحة للحوار بين النص وما يستثيره من تأمل، وبين الكاتب والقارئ في رحلتهما المشتركة نحو المعنى. منذ عبارته الأولى، "أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب"، يضعنا طه عبد الرحمن أمام ذات تعيش على تخوم الحياة والموت، حيث يستمر الجسد في التنفس، بينما تتراجع قدرة الروح على مصالحة العالم. ومن هذه المفارقة تتشكل جغرافية الألم التي ترسمها القصة، وتتوالد صور المقبرة التي تمشي، والنعش الذي يتنفس، والدموع التي لا تجد عيونا تفيض منها. هكذا يغادر الألم حدود الشعور العابر ليصبح فضاء داخليا تقيم فيه الشخصية، وتعيد من خلاله النظر إلى نفسها وإلى الأشياء المحيطة بها. وتنساب القصة عبر مونولوج داخلي تتعاقب فيه الخواطر والأسئلة، ويصبح الزمن تجربة نفسية أكثر منه حركة منتظمة نحو المستقبل. فالغد، الذي يفترض أن يحمل وعدا بالتجدد، يغدو عبئا على ذات فقدت الثقة بالانتظار، فيما تختزل عبارة "كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟" ذلك الإحساس بالانطفاء المتكرر، الذي يجعل الحياة امتدادا لمعاناة لا تعرف الشخصية كيف تضع لها نهاية. غير أن النص لا ينغلق على الألم وحده، بل يفتح نافذة على حيرة الإنسان أمام ما يعجز عن تفسيره، حين يناجي السارد ربه قائلا: "يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب". في هذه العبارة تتجاور هشاشة الإنسان وحاجته إلى المعنى، ويصبح السؤال الديني وجها من وجوه السؤال الوجودي، لا بحثا عن إجابة جاهزة، بل محاولة للإمساك بما يظل عصيا على الفهم. ومن خلال هذا البعد، تتجاوز التجربة حدود الذات الفردية لتلامس أسئلة الإنسان في علاقته بالحياة والإيمان والمصير. أما العنوان، "الجهة الأخرى من الصمت"، فيحملنا إلى تلك المنطقة الخفية التي لا تكشفها المظاهر، ولا تستوعبها الكلمات دائما. فالصمت هنا ليس فراغا خاليا من المعنى، وإنما عالم مكتظ بما لم يجد طريقه إلى الإفصاح، وربما بما لم يجد من يصغي إليه. ومن ثم تكتسب القصة بعدها الإنساني الأوسع، إذ تذكرنا بأن ما يعيشه الإنسان في أعماقه قد يكون أبعد بكثير مما يظهره للآخرين، وأن الإصغاء الحقيقي يبدأ حين نتجاوز حدود الكلام الظاهر إلى ما يختبئ وراءه. وفي هذا الأفق تأتي قراءة الدكتور محمد ميموني، لترافق النص في رحلته بين اللغة والتجربة، وتلتقط ما تنطوي عليه صوره من طاقة تعبيرية، وما يتيحه بناؤه التأملي من إمكانات للقراءة. ويتوقف الناقد عند كثافة المجاز وتوالي الصور التي تتردد حول الألم والوحدة والموت، مستحضرا أهمية المسافة التي ينبغي أن تتركها الكتابة للقارئ كي يشارك في اكتشاف المعنى. فالصورة لا تؤدي وظيفتها في ما تقوله فحسب، بل أيضا في ما توحي به وتتركه مفتوحا أمام المخيلة. ومن هنا تتصل القراءة بمسألة التفاصيل الإنسانية التي يمكن أن تمنح الشخصية مزيدا من الحضور في العالم. فخلف هذا الصوت المثقل بالمعاناة، ثمة إنسان له يومه وذكرياته وعلاقاته، وربما كانت بعض اللحظات العابرة كفيلة بأن تكشف جوانب أخرى من تجربته، وأن تجعل الألم أكثر قربا من الحس المشترك. وليس في ذلك ما ينتقص من الطبيعة التأملية للقصة، بل ما يضيء إمكانات إضافية لتفاعل الوجدان مع المشهد، واللغة مع تفاصيل الحياة. ولعل أكثر ما يستوقفنا في هذا العمل أن السارد، وهو يعلن موته الداخلي، يظل قادرا على الكلام والكتابة والسؤال. ففي استمرار صوته ما يوحي بأن شيئا منه لا يزال يقاوم العتمة، وأن الكتابة، مهما اشتد حضور اليأس في عباراتها، تظل محاولة للخروج من العزلة نحو الآخر. إنها المفارقة التي تمنح النص عمقه الإنساني؛ فالكلام عن الصمت يصبح شكلا من أشكال كسره، والإفصاح عن الألم يفتح أمامه إمكان المشاركة، بعد أن ظل حبيس الذات. وهكذا تلتقي قصة طه عبد الرحمن وقراءة محمد ميموني في فضاء تتجاور فيه التجربة الإبداعية والتأمل النقدي، من غير أن تفقد كل منهما خصوصيتها. فالكاتب يمنح الألم صوته وصوره، والناقد يوسع مجال الإصغاء إلى هذا الصوت، مستكشفا ما يفتحه النص من أسئلة حول اللغة والإنسان والقدرة على التعبير. وفي هذا التفاعل تتجلى قيمة الحوار الأدبي الذي لا يسعى إلى إغلاق المعنى، بل إلى إثرائه وتعدد زوايا النظر إليه. إن "الجهة الأخرى من الصمت" تذكرنا بأن وراء كل إنسان حكاية قد لا تجد كلماتها، وأن الأدب يستطيع أن يجعلنا أقرب إلى تلك الحكايات، فيما يمنحها النقد أفقا أوسع للفهم والتأمل. وبين الكتابة التي تبوح والقراءة التي تصغي، تظل إنسانية الأدب في قدرته على أن يفتح نافذة في جدار العزلة، وأن يجعل ما يبدو صامتا قابلا لأن يُرى ويُحَسّ ويُشارك فيه الآخر. Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن Abdou Bout بين جغرافية الألم وأفق الصمت: الكتابة بحثا عن الإنسان تجمع قصة "الجهة الأخرى من الصمت" للدكتور طه عبد الرحمن، والقراءة التي أنجزها الدكتور محمد ميموني، بين تجربتين تتكاملان في استكشاف عوالم الإنسان الداخلية؛ تجربة إبداعية تحاول أن تمنح الألم لغة وصورا، وتجربة قرائية تنصت إلى هذه اللغة، وتتأمل ما تفتحه من أسئلة حول الحياة والوحدة ومعنى الوجود. ومن هذا التلاقي، تنبثق مساحة للحوار بين النص وما يستثيره من تأمل، وبين الكاتب والقارئ في رحلتهما المشتركة نحو المعنى. منذ عبارته الأولى، "أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب"، يضعنا طه عبد الرحمن أمام ذات تعيش على تخوم الحياة والموت، حيث يستمر الجسد في التنفس، بينما تتراجع قدرة الروح على مصالحة العالم. ومن هذه المفارقة تتشكل جغرافية الألم التي ترسمها القصة، وتتوالد صور المقبرة التي تمشي، والنعش الذي يتنفس، والدموع التي لا تجد عيونا تفيض منها. هكذا يغادر الألم حدود الشعور العابر ليصبح فضاء داخليا تقيم فيه الشخصية، وتعيد من خلاله النظر إلى نفسها وإلى الأشياء المحيطة بها. وتنساب القصة عبر مونولوج داخلي تتعاقب فيه الخواطر والأسئلة، ويصبح الزمن تجربة نفسية أكثر منه حركة منتظمة نحو المستقبل. فالغد، الذي يفترض أن يحمل وعدا بالتجدد، يغدو عبئا على ذات فقدت الثقة بالانتظار، فيما تختزل عبارة "كم مرة يموت المرء قبل أن يموت؟" ذلك الإحساس بالانطفاء المتكرر، الذي يجعل الحياة امتدادا لمعاناة لا تعرف الشخصية كيف تضع لها نهاية. غير أن النص لا ينغلق على الألم وحده، بل يفتح نافذة على حيرة الإنسان أمام ما يعجز عن تفسيره، حين يناجي السارد ربه قائلا: "يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب". في هذه العبارة تتجاور هشاشة الإنسان وحاجته إلى المعنى، ويصبح السؤال الديني وجها من وجوه السؤال الوجودي، لا بحثا عن إجابة جاهزة، بل محاولة للإمساك بما يظل عصيا على الفهم. ومن خلال هذا البعد، تتجاوز التجربة حدود الذات الفردية لتلامس أسئلة الإنسان في علاقته بالحياة والإيمان والمصير. أما العنوان، "الجهة الأخرى من الصمت"، فيحملنا إلى تلك المنطقة الخفية التي لا تكشفها المظاهر، ولا تستوعبها الكلمات دائما. فالصمت هنا ليس فراغا خاليا من المعنى، وإنما عالم مكتظ بما لم يجد طريقه إلى الإفصاح، وربما بما لم يجد من يصغي إليه. ومن ثم تكتسب القصة بعدها الإنساني الأوسع، إذ تذكرنا بأن ما يعيشه الإنسان في أعماقه قد يكون أبعد بكثير مما يظهره للآخرين، وأن الإصغاء الحقيقي يبدأ حين نتجاوز حدود الكلام الظاهر إلى ما يختبئ وراءه. وفي هذا الأفق تأتي قراءة الدكتور محمد ميموني، لترافق النص في رحلته بين اللغة والتجربة، وتلتقط ما تنطوي عليه صوره من طاقة تعبيرية، وما يتيحه بناؤه التأملي من إمكانات للقراءة. ويتوقف الناقد عند كثافة المجاز وتوالي الصور التي تتردد حول الألم والوحدة والموت، مستحضرا أهمية المسافة التي ينبغي أن تتركها الكتابة للقارئ كي يشارك في اكتشاف المعنى. فالصورة لا تؤدي وظيفتها في ما تقوله فحسب، بل أيضا في ما توحي به وتتركه مفتوحا أمام المخيلة. ومن هنا تتصل القراءة بمسألة التفاصيل الإنسانية التي يمكن أن تمنح الشخصية مزيدا من الحضور في العالم. فخلف هذا الصوت المثقل بالمعاناة، ثمة إنسان له يومه وذكرياته وعلاقاته، وربما كانت بعض اللحظات العابرة كفيلة بأن تكشف جوانب أخرى من تجربته، وأن تجعل الألم أكثر قربا من الحس المشترك. وليس في ذلك ما ينتقص من الطبيعة التأملية للقصة، بل ما يضيء إمكانات إضافية لتفاعل الوجدان مع المشهد، واللغة مع تفاصيل الحياة. ولعل أكثر ما يستوقفنا في هذا العمل أن السارد، وهو يعلن موته الداخلي، يظل قادرا على الكلام والكتابة والسؤال. ففي استمرار صوته ما يوحي بأن شيئا منه لا يزال يقاوم العتمة، وأن الكتابة، مهما اشتد حضور اليأس في عباراتها، تظل محاولة للخروج من العزلة نحو الآخر. إنها المفارقة التي تمنح النص عمقه الإنساني؛ فالكلام عن الصمت يصبح شكلا من أشكال كسره، والإفصاح عن الألم يفتح أمامه إمكان المشاركة، بعد أن ظل حبيس الذات. وهكذا تلتقي قصة طه عبد الرحمن وقراءة محمد ميموني في فضاء تتجاور فيه التجربة الإبداعية والتأمل النقدي، من غير أن تفقد كل منهما خصوصيتها. فالكاتب يمنح الألم صوته وصوره، والناقد يوسع مجال الإصغاء إلى هذا الصوت، مستكشفا ما يفتحه النص من أسئلة حول اللغة والإنسان والقدرة على التعبير. وفي هذا التفاعل تتجلى قيمة الحوار الأدبي الذي لا يسعى إلى إغلاق المعنى، بل إلى إثرائه وتعدد زوايا النظر إليه. إن "الجهة الأخرى من الصمت" تذكرنا بأن وراء كل إنسان حكاية قد لا تجد كلماتها، وأن الأدب يستطيع أن يجعلنا أقرب إلى تلك الحكايات، فيما يمنحها النقد أفقا أوسع للفهم والتأمل. وبين الكتابة التي تبوح والقراءة التي تصغي، تظل إنسانية الأدب في قدرته على أن يفتح نافذة في جدار العزلة، وأن يجعل ما يبدو صامتا قابلا لأن يُرى ويُحَسّ ويُشارك فيه الآخر. Mohammed Mimouni طه عبد الرحمن Mohammed Mimouni Abdou Bout الأستاذ الفاضل عبد الرحمن بوطيب، قرأتُ كلماتك بامتنان يليق بقلم لم يكتفِ بقراءة النص، بل حاول الإصغاء إلى ما يتوارى خلفه من أسئلة الإنسان وقلقه، وما تتركه الكتابة فينا بعد أن تنتهي الكلمات. لقد أنصفتَ تجربة الدكتور طه عبد الرحمن، ومنحتَ قراءتي مساحةً للحوار داخل هذا التلاقي الجميل بين الإبداع والنقد. وما أقدّره في مقاربتك أنك لم تتعامل مع النقد بوصفه شرحًا للنص أو إعادة صياغة لما يقوله، بل بوصفه فعل إنصات وتأويل، يكشف بعض المعاني ويترك لغيرها حق الاختباء. وأقول هنا: أجمل ما يفعله النقد أنه لا يكتفي بقراءة النص، بل يجعلنا نرى فيه ما لم نكن نعرف أننا نبحث عنه؛ وأجمل ما فعلته قراءتك أنك لم تفصل بين وجع الكتابة ووعي القراءة، بل جعلت منهما طريقًا واحدًا نحو الإنسان. أما إشارتك إلى التفاصيل الإنسانية التي قد تمنح الشخصية مزيدًا من الحضور، فقد لامست جانبًا مهمًا من مشاغلي النقدية؛ فليس السؤال دائمًا عمّا يقوله النص، بل عمّا كان يمكن أن يقوله، وما تركه خارج لغته، وما يدعونا إلى اكتشافه دون أن يقدّمه لنا جاهزًا. وهنا تبدأ مشاكسة المعنى: حين لا نعامل النص بوصفه حقيقة مكتملة، بل بوصفه أفقًا تتعدد داخله إمكانات الفهم والتأويل. شكرًا لك أستاذ عبد الرحمن، لأنك لم تجعل قراءتك شهادة مجاملة، بل أضفتَ إليها رؤيةً تستحق الحوار. فالنقد الذي أعتز به ليس الذي يوافقني فحسب، وإنما الذي يمنح أفكاري فرصةً أخرى للتفكير، ويجعلني أعود إلى ما كتبتُ بعين مختلفة. ولعل أجمل ما يمكن أن ينتهي إليه حوارنا أن نكتشف أن النص لا يسكن صاحبه وحده، ولا يظل ملكًا لقراءته الأولى؛ إنه يبدأ حياةً أخرى كلما عبر إلى قارئ يمتلك شجاعة التأويل ونبل الاختلاف. لك مودتي وتقديري، وللدكتور طه عبد الرحمن خالص الاحترام، وللكلمة التي تظل، مهما ضاق بها الصمت، تبحث عن إنسانٍ يصغي إليها. الدكتور محمد ميموني طه عبد الرحمن Abdou Bout حين يصير الإصغاء وطناً للكلمة: إلى الاستاذ عبد الرحمن بوطيب، على الضفة التي يلتقي فيها الألم بالمعنى ثمة كلمات تمر على النص كما يمر الضوء على زجاج نافذة، وثمة كلمات تدخل إليه كما يدخل الصديق إلى بيت أرهقه الغياب؛ لا يسأل أولاً عن ترتيب الأشياء، بل عن القلب الذي تركها على حالها، وعن التعب الذي أقام بين الجدران. ومن هذا الصنف النبيل جاءت كلمتكم، أستاذنا الدكتور عبد الرحمن بوطيب؛ لم تقف عند عتبة «الجهة الأخرى من الصمت»، ولم تكتفِ بأن تصف ما علق بلغتها من ظلال، وإنما أصغت إلى الإنسان الذي يحاول، من داخلها، أن يدل على موضع وجعه، وأن يجد لصوته مكاناً في سمع العالم. قرأت كلمتكم فشعرت أن النص الذي كتبته لم يعد واقفاً وحده أمام عتمته؛ وأن القراءة التي أنجزها الدكتور محمد ميموني وجدت في تأملكم امتداداً لحوار لا يتنازع فيه الكاتب والناقد على المعنى، بل يتقاسمان مسؤولية الاقتراب منه. ولهذا لا أكتب إليكم شكراً على حفاوة فحسب، وإن كانت الحفاوة مما يحفظه القلب؛ أكتب اعترافاً بقيمة ذلك الإصغاء الذي منحتموه لنا، حين جعلتم من التقاء القصة وقراءتها مناسبة لاستعادة السؤال عن الإنسان، لا مناسبة للاكتفاء بتبادل الثناء. لقد استوقفني في كلمتكم أنكم لم تعاملوا الألم بوصفه زينة لغوية، ولا بوصفه موضوعاً يصلح لاستعراض المجاز، بل بوصفه تجربة تستحق أن تُفهم في هشاشتها وتعقيدها. وهذه، في تقديري، أعمق وجوه الإنصاف التي يمكن أن تُمنح لنص يتخذ من الداخل الإنساني مجالاً له؛ أن يُرى وراء عباراته كائن يحاول أن يتكلم، لا مجرد قلم يحاول أن يبرع. فما أشد حاجة الكتابة، حين تقترب من مناطق الانكسار، إلى قارئ لا يفتنه بريق العبارة عن الندبة التي استدعتها، ولا يحجبه الحكم على الصورة عن السؤال الذي يسكنها. وحين وقفتم عند عبارة «أنا الحي الذي يجرّ موته خلفه كظل لا يغيب»، أعدتم إليّ السؤال الذي يثقل هذه المفارقة: كيف يحيا الإنسان حين يشعر أن شيئاً فيه قد انطفأ؟ ليست قسوة هذا السؤال في اقترابه من الموت وحده، بل في اضطراره إلى النظر في حياة تستمر، على الرغم مما فقدته من قدرتها على الفرح والانتظار. وقد لمست في قراءتكم وعياً بهذه المسافة الموجعة بين استمرار الجسد وتعثر الروح؛ فلم تختزلوا الصوت في يأسه، ولم تسارعوا إلى إخراجه منه بعزاء جاهز، وإنما تركتم له حقه في أن يكون حائراً، مثقلاً، وغير قادر بعد على تسمية خلاصه. وأحسب أن من أجمل ما منحتموه للقصة انتباهكم إلى أن الكلام، مهما حمل من علامات الانطفاء، يظل فعلاً يناقض الصمت الكامل. لقد رأيتم في استمرار السارد في السؤال والكتابة بقية مقاومة، وهذه ملاحظة تجعلني أعود إلى النص بعين أخرى. فربما لم تكن الشخصية تعرف أنها تقاوم؛ وربما كانت تظن أنها لا تفعل أكثر من وصف هزيمتها. غير أن وصول صوتها إلى قارئ ينصت إليه يفتح في تلك الهزيمة احتمالاً لم يكن منظوراً: أن يتحول ما عاشته منفردة إلى تجربة يستطيع آخر أن يقترب منها، وأن يخف، ولو قليلاً، ذلك العبء الذي يضاعفه انعدام الشاهد. وفي وقوفكم عند المناجاة: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب»، لمست رهافة تحفظ للعبارة ارتجافها الإنساني. فليس كل سؤال رغبة في الجواب السريع، وليس كل حيرة خروجاً من المعنى؛ قد تكون الحيرة نفسها محاولة للبقاء قريباً منه، حين تعجز النفس عن فهم ما يقع بها. لقد تركتم للمناجاة مساحتها بين الوجع والرجاء، من غير أن تحملوها ما لم تقله، أو تغلقوا بابها بتفسير واحد. وفي ذلك احترام لصوت الشخصية، واحترام أيضاً لما يظل في التجربة الإنسانية عصياً على البيان مهما اتسعت اللغة. أما الدكتور محمد ميموني، فإنني أجد في كلمتكم ما يدعوني إلى تجديد التقدير لقراءته، لا باعتبارها مرآة أرغب أن تعيد إليّ صورة أطمئن إليها، بل باعتبارها نظراً آخر يوقظ في النص أسئلة قد لا ينتبه إليها صاحبه. فالكاتب قريب من عبارته قرباً قد يحجب عنه بعض آثارها؛ يسمع فيها ما أراد، وربما احتاج إلى الناقد كي يسمع ما وصل بالفعل، وما ظل بعيداً، وما كان يمكن أن يجد طريقاً أوضح إلى القارئ. ومن هنا تصبح الملاحظة النقدية فرصة، لا خصومة؛ ويصبح الاختلاف في النظر باباً إلى العمل، لا جداراً بين من يكتب ومن يقرأ. ولذلك أتلقى باهتمام ما أبرزتموه من ضرورة المسافة التي تتركها الكتابة للقارئ، وما أشرتم إليه من إمكان منح الشخصية حضوراً أوسع من خلال تفاصيل يومها وذكرياتها وعلاقاتها. إن هذه الملاحظة تستحق أن تبقى إلى جوار الكاتب وهو يراجع خياراته: متى تحمل الصورة التجربة، ومتى تزاحمها؟ ومتى يكون الصمت أبلغ من إضافة مجاز جديد؟ وهل يكفي أن نسمع وجع الشخصية، أم نحتاج أيضاً إلى أن نراها وهي تعبر يوماً عادياً، تمد يدها إلى شيء مألوف، أو تتوقف أمام ذكرى لم تعد تعرف كيف تستعيدها؟ لا أرى في هذه الأسئلة انتقاصاً من حرارة النص، بل عناية بالطريق الذي تسلكه تلك الحرارة حتى تصل. وقد أعجبني أنكم أفسحتم لهذه الملاحظات مكاناً من غير أن تنزعوا عن القصة طبيعتها التأملية. ففي كلمتكم إنصاف لا يخلط بين احترام الاختيار الفني وإعفائه من السؤال، ولا يجعل من إمكان تطويره حكماً بإلغاء ما تحقق فيه. ذلك توازن أقدره؛ لأنه يسمح لي أن أعتز بما كتبت، وأن أظل مستعداً لتعلم ما لم أبلغه. وما أفقر الكتابة حين لا تسمع إلا التصفيق، وما أقسى النقد حين لا يرى إلا النقص. وبين الفقر والقسوة تأتي قراءة تعرف أن النص جهد إنساني، فيه ما يضيء وفيه ما ينتظر مزيداً من الضوء. لقد جعلتم لقاءنا، أنا والدكتور محمد ميموني، أوسع من حدود قصة وقراءة. منحتموه صورة حوار يحتفظ فيه كل صوت بخصوصيته: فلا يُطلب من الناقد أن يصير صدى للكاتب، ولا من الكاتب أن يتخلى عن تجربته كي يرضي القراءة، ولا من القارئ أن يقف موقف المتفرج. لكل واحد مكانه، ولكل واحد ما يضيفه. وربما كانت هذه من أنبل الثمار التي يمكن أن تنشأ حول نص: أن يدفعنا إلى الكلام بعضنا مع بعض، في زمن يسهل فيه أن يتكلم كل واحد إلى صورته وحدها. أستاذنا العزيز الدكتور عبد الرحمن بوطيب، إن شكري لكم يتصل بهذا المعنى قبل كل شيء. أشكركم لأنكم منحتم القصة وقتاً من تأملكم، ولأنكم قرأتم قراءة الدكتور محمد ميموني بما يحفظ جهدها ويكشف صلتها بالتجربة الإبداعية، ولأنكم جمعتم بين التقدير والسؤال من غير افتعال معركة بينهما. وأشكركم، على نحو أخص، لأن الإنسان لم يغب عن كلمتكم؛ ظل حاضراً وراء الحديث عن الصورة والمونولوج والزمن والعنوان، كأنه الغاية التي ينبغي ألا تنساها أدوات القراءة وهي تؤدي عملها. وإن كان لي أن أجيب عن كلمتكم بما هو أبعد من الامتنان، فإن جوابي هو أن أحمل أسئلتها معي. أن أعود إلى اللغة وأسألها عن ضرورتها، وإلى الصورة وأسألها عما تكشف وما تحجب، وإلى الشخصية وأسألها عما لم أتح لها أن تعيشه أمام القارئ. فالتقدير الذي يثمر في الكاتب ليس ما يجعله يستريح إلى نصه، وإنما ما يمنحه الشجاعة ليقترب منه مرة أخرى، محباً له، وغير غافل عن حدوده. لكم مني، وللدكتور محمد ميموني، تقدير لا تستنفده عبارة شكر. لقد كتب كل منا من جهته، ثم جاءت كلمتكم لتفتح بين الجهات ممراً: من التجربة إلى تأملها، ومن تأملها إلى سؤال أوسع عن الحياة واللغة والوحدة. وهناك، عند ذلك الممر، لم يعد عنوان «الجهة الأخرى من الصمت» يشير إلى البعيد وحده؛ صار يشير أيضاً إلى قارئ حاضر، يقترب على مهل، ويترك للصوت المرتجف فسحة كي يتم عبارته. وحين يصل النص إلى هذه الفسحة، لا يعود مطالباً بأن يدعي النجاة، ولا بأن يتبرأ من ألمه. يكفيه، في تلك اللحظة، أن يعرف أن أحداً قد سمعه. وقد كان في كلمتكم، أستاذنا الجليل، ما يقول له بهدوء بالغ: لقد سمعناك؛ والإنسان الذي بحثت عنه في العتمة، لم يغب عنا. طه دخل الله عبد الرحمن ************ ردي على نقد الدكتور محمد ميموني ما لا يقوله الجرح، وما ينبغي أن تتركه اللغة الأخ والصديق الدكتور محمد ميموني أصعب ما يُطلب من الكاتب أن يضع مصباحًا بينه وبين نصه؛ فقد ألف أن يرى كلماته في ضوء اللحظة التي أنجبتها، وأن يتذكر ما حملته نفسه إليها قبل أن يسأل عما حملته هي إلى القارئ. وحين تأتي قراءة جادة، فإنها لا تكتفي بإضاءة الصفحة، بل تضيء تلك المسافة التي كثيرًا ما يغفل عنها صاحبها: المسافة بين حرارة الشعور ودقة التعبير، بين صدق ما عاناه الصوت ونجاح ما بناه النص. وقد جاءت قراءتكم لـ«الجهة الأخرى من الصمت» لتضعني في هذه المسافة؛ لا في موضع المتهم الذي يلتمس براءته، ولا في مقام صاحب الكلمة الذي يطلب التسليم له، وإنما في موضع الكاتب الذي يقبل أن يعود إلى ما كتب، وأن ينظر إليه بعين لا تدين له بشيء. لهذا أكتب إليكم من باب الإنصاف؛ إنصاف قراءتكم من ردٍّ يحوّلها إلى مناسبة للثناء وحده، وإنصاف قصتي من دفاع يحرمها حق المراجعة، وإنصاف اختلافي معكم من موافقة مهذبة لا تقول ما أراه حقًّا. فما أسهل أن أشكركم على الاهتمام، ثم أترك ملاحظاتكم حيث وجدتها؛ وما أصعب، وما أنفع، أن أدخل معها إلى صلب النص، وأختبر ما تستطيع عباراتي أن تجيب عنه، وما ينبغي لها أن تصمت أمامه قليلًا. لقد قرأتم القصة بعين لم تنكر على لغتها قوتها، لكنها سألت هذه القوة عما تصنعه؛ ولم تنكر على موضوعها حساسيته، لكنها لم تجعل الحساسية عذرًا فنيًّا. وهذه نقطة أقدّرها في نقدكم تقديرًا خاصًّا. فالكاتب قد يغريه وجع موضوعه بأن يطلب للعبارة حصانة من الوجع نفسه، كأن الاقتراب من منطقة إنسانية شديدة العتمة يكفي لضمان سلامة الطريق إليها. غير أن ما يستحق الرحمة في التجربة يستحق الدقة في تصويرها، وما يطلب من القارئ أن يتأثر به ينبغي أن يمنحه أسباب هذا التأثر داخل البناء، لا في النية التي سبقت البناء. وقد أضاء الأستاذ الأديب عبد الرحمن بوطيب في تقديمه ما رآه من اتصال الصور بالعالم النفسي للسارد، ثم جئتم أنتم لتسألوا عن مقدار ما يحتاج إليه هذا العالم من صور، وعن الموضع الذي تصبح فيه الكثافة عبئًا على أثرها. لا أرى في ذلك تناقضًا يستدعي ترجيح قارئ لإبطال آخر؛ فقد تكون للصورة وظيفة معتبرة، ويظل حضورها بحاجة إلى ضبط، وقد يصح تفسير التكرار ولا يصح، بالقدر نفسه، تقدير ضرورته في كل موضع. إن القراءة التي تكشف ما يفعله النص، والقراءة التي تسأل عما كان يمكن أن يفعله على نحو أفضل، تلتقيان عند مسؤولية واحدة: ألا يكتفي الكاتب بأن يكون مفهومًا، بل أن يسأل عن دقة الوسائل التي جعلته كذلك. وأبدأ من ملاحظتكم الأشد اتصالًا بصنعة القصة: أنني لا أكتفي أحيانًا بإيصال الألم، بل أواصل تصويره بعدما يكون قد وصل. هذه ملاحظة لا أريد أن أرد عليها بعبارة جاهزة عن «التكرار المقصود»؛ فليس كل مقصود ناجحًا، وليس في إعلان النية ما يعفي الأثر من الاختبار. نعم، أردت لهذا الصوت أن يبدو محاصرًا بما لا يستطيع تجاوزه، وأن يعود إلى وجعه لأنه لا يجد في داخله موضوعًا يزاحمه. لكن نجاح هذا الاختيار يظل مرهونًا بما تحدثه كل عودة: هل تكشف وجهًا لم نره، أم تعيد إلينا الوجه نفسه في مرآة أخرى؟ هنا أرى أن ملاحظتكم تصيب بعض مواضع النص، دون أن تستنفد وظيفة التكرار فيه كله. فثمة فرق بين أن يتكرر لفظ الألم، وأن يتغير موضعه في علاقة الإنسان بنفسه. حين يبدأ السارد بقوله: «أنا الحي الذي يجر موته خلفه كظل لا يغيب»، فإنه ما يزال يميز، على قسوة المفارقة، بين ذاته وما يجرّه وراءه. ثم تتوالى التعريفات: «أنا المقبرة»، «أنا النعش»، «أنا الفراغ»، حتى تنتهي إلى «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». أقرأ في هذا التدرج انتقالًا من مصاحبة الموت إلى استيلائه على الاسم؛ من إنسان يشعر أن فيه ما ينطفئ، إلى صوت يكاد يعجز عن رؤية نفسه خارج الانطفاء. وهذا انتقال أتمسك بقيمته في البناء، وإن كنت لا أزعم أن كل صورة بين طرفيه ضرورية لتحقيقه. فالصورتان: «المقبرة التي تمشي» و«النعش الذي يتنفس»، ليستا متماثلتين تمامًا؛ الأولى تحمل الموت إلى حركة السارد في العالم، والثانية تدخله في العلامة الأشد قربًا من بقاء الجسد. لكن اختلاف الدلالة لا يكفي وحده لإثبات ضرورة المجاورة. قد تكون لكل صورة جهة تخصها، ومع ذلك تتزاحمان على أثر واحد. ومهمة المراجعة هنا ألا تكتفي بالعثور على معنى لكل عبارة، بل أن تختبر ما إذا كان غيابها سينقص من التجربة، أو سيزيد ما بقي منها وضوحًا. وقد يحتاج الكاتب إلى شجاعة أكبر لحذف صورة أحبها مما احتاج إليه لكتابتها. وهذا هو الاقتصاد الذي أفهمه من دعوتكم: لا فقر اللغة، بل حسن تصرفها فيما تملك. ليس المطلوب أن تجف العبارة حتى تبدو منضبطة، وإنما أن تعرف أين تقف، وألا تستنفد انتباه القارئ في تأكيد ما استقر لديه. فالبلاغة لا تبلغ تمامها بكثرة ما تستطيع أن تضيفه، بل بمعرفتها ما ينبغي أن تتركه. ولعل في بعض مقاطع قصتي صورةً بلغت مقصدها، ثم لحقتها صور كانت تريد أن تعمقه، فإذا بها تنافسه على الصدارة. وحين تتساوى الجمل جميعًا في طلب الذروة، يصبح من العسير أن يشعر القارئ بارتفاع إحداها؛ لأن الارتفاع يحتاج إلى أرض يقاس بها. ومع ذلك، أختلف مع اختزال الكثافة في كونها شرحًا زائدًا. لقد حاولت أن أجعل اندفاع المجاز جزءًا من هيئة هذا الصوت: ساردًا لا يطمئن إلى اسم، ولا يستقر في وصف، كأن كل عبارة تترك خارجها بقية من وجعه فيلحقها بأخرى. ليست الصور، في هذا التصور، زينة معلقة على جدار المحنة، بل أثرًا من آثار العجز عن إحاطتها بالكلام. غير أن هذا الدفاع يضع على الكاتب تكليفًا أشد، ولا يمنحه رخصة أوسع؛ إذ ينبغي له أن يصوغ عجز الشخصية عن الضبط دون أن يعجز هو عن ضبط الصياغة. اضطراب الصوت مادة فنية، وليس معيارًا نهائيًّا لتنظيم النص. أما حديثكم عن التفاصيل اليومية، فهو عندي من أكثر ملاحظاتكم واقعية وأقلها قابلية للدفع بالنيات. قلتم إننا نعرف كثيرًا عن شعور السارد، وقليلًا عن حياته. وأرى أن هذا التمييز يضع يده على حد من حدود القصة: فالعالم يدخلها، لكنه لا يكاد يحتفظ بوجود مستقل عن تأويل الشخصية له. الصباح مدخل إلى القبر، والساعة طريق إلى موت الدقائق، والطعام مناسبة لحضور الوحدة، والجسد خريطة للبكاء. كل شيء يمر سريعًا من كونه شيئًا إلى كونه شاهدًا على الألم. لهذا لا يكفي أن أقول إن في القصة نومًا وأكلًا وساعةً وغرفةً، وإنها لم تخل من اليومي؛ فوجود مفردات الحياة غير بناء مشهد من الحياة. أن يذكر السارد لقمة لا يعني أننا رأيناه يأكل، وأن يتحدث عن اختناقه بين الناس لا يعني أننا شهدنا علاقة تكشف ذلك الاختناق. المشهد يحتاج إلى شيء يحدث، وإلى مقاومة صغيرة من الواقع، وإلى تفصيل لا يُستهلك معناه قبل أن تلمسه عين القارئ. وربما كان النص بحاجة إلى لحظة يتأخر فيها المجاز، ليتقدم الإنسان. كان يمكن، مثلًا، أن يظل أمام السارد كوب برد محتواه لأنه نسيه، أو أن يسأله شخص سؤالًا عاديًّا فيجيب عن شيء آخر، أو أن يتهيأ للخروج ثم يقف طويلًا عند الباب. لا أورد هذه الاحتمالات لأزعم أنها أحداث مضمرة في القصة، ولا لألحق بالنص شواهد لم يكتبها؛ وإنما لأبيّن مقدار ما قد ينجزه فعل صغير حين لا يشرح نفسه. فالقارئ الذي يرى التردد عند الباب قد يكتشف ثقل العالم، دون أن نقول له إن العالم ثقيل؛ والذي يرى جوابًا لا يصادف سؤاله قد يلمح انقطاع الصلة، دون أن تُعلن له الوحدة في اسمها المجرد. وهنا أجد دعوتكم إلى المشهد دعوة إلى الثقة بالقارئ أيضًا. فقد يكون الكاتب شديد الحرص على ألا يضيع شعوره، فيحوطه بالتفسير، ويعود إليه بالصور، ويغلق من حوله منافذ الاحتمال. لكنه، بهذا الحرص نفسه، قد يحرم القارئ متعة العثور، ويجعله متلقيًا لنتيجة اكتملت بدل أن يكون شريكًا في اكتشافها. في بعض مواضع قصتي تسبق الخلاصة شواهدها؛ يقول السارد من يكون، ثم تأتي العبارات لتؤكد قوله. وكان يمكن للشواهد أن تسبق، وأن يظل الاسم الأخير موضع تردد، لا موضع تسليم. غير أنني أتحفظ على أن يصبح نقص المشهد حكمًا بإخفاق الاختيار كله. فهذه القصة لم تتجه إلى تقديم الشخصية من خارجها، ولم تجعل تاريخها أو علاقاتها محورًا لها؛ اختارت أن تضع القارئ في مواجهة صوت يستولي عليه تأويله لذاته. وللمونولوج حقه في أن يبني حدثه من تبدل الوعي، لا من كثرة الوقائع. لكن حق الاختيار لا يلغي كلفة الاختيار. فإذا ضاق العالم إلى صوت واحد، وجب أن تظهر داخل هذا الصوت فروق وحركات وتصدعات تعوض غياب الخارج. وما ينبغي مساءلته هنا ليس غياب الحدث المألوف وحده، بل مقدار ما تحقق من حدث داخلي بدلًا منه. وأظن أن قراءتكم دفعتني إلى هذا السؤال بصيغته الأدق: هل تتحول الذات في أثناء كلامها، أم تظل تعرض نفسها من الموضع نفسه؟ في النص انتقال من جغرافية الألم إلى اضطراب الزمن، ومن الوحدة إلى المناجاة، ثم إلى انهيار التعريف. هذه حركة في موضوعات الوعي، لكنها لا تصبح بالضرورة حركة كافية في درجاته. فقد تتغير جهة النظر ويبقى الضوء واحدًا، وقد تتعدد الأبواب ونحن ندخل منها إلى الغرفة نفسها. لذلك أرى أن بعض المقاطع كان يحتاج إلى اختلاف في النبرة، أو لحظة تردد، أو جملة عادية تقطع الاندفاع، ليغدو الاحتدام محسوسًا بالمقارنة، لا مقررًا بالتتابع. وفي قراءتكم للزمن التقطتم وجهًا أعتز به من وجوه القصة: أن الدقيقة ليست وحدة قياس عند السارد، بل وحدة احتمال. غير أن العبارة التي تقول إن «الغد كذبة» يجب أن تبقى، في تقديري، داخل حدود الصوت الذي يقولها. إنها لا تقرر حقيقة الغد، بل تكشف عجز الشخصية عن تصديقه. وما يشغلني هنا هو أن النص، بكثافة موافقته الإيقاعية للسارد، قد لا يترك دائمًا مسافة واضحة بين العالم كما هو، والعالم كما يراه ذلك الصوت. هذه المسافة ليست ترفًا تأويليًّا؛ إنها من وسائل تعقيد الشخصية. فالساعة تمضي حتى حين يسمي السارد دقائقها جثثًا، والصباح يأتي حتى حين لا يرى فيه إلا عودة إلى السجن، والتنفس يستمر حتى حين يصف نفسه بالنعش. ليس في ذلك تفنيد لمعاناته، ولا دعوة إلى إقناعه بأن الحياة جميلة؛ بل إظهار للفارق بين حقيقة ما يشعر به، وشمول الحكم الذي يصدره على كل شيء. وكان يمكن للنص أن يجعل هذا الفارق أشد ظهورًا، من غير أن يضع واعظًا في مواجهة المتألم، أو جوابًا جاهزًا في مواجهة السؤال. وأصل إلى المناجاة التي رأيتم فيها أهم أجزاء القصة فكريًّا: «يا رب، أنت تعلم أنني لا أكفر، أنا فقط أتعجب». ما أردته هنا ليس أن أستدعي سؤالًا كبيرًا ليمنح النص مهابةً إضافية، وإنما أن أضع السارد عند الحد الذي لا يعود فيه وصف الوجع كافيًا، فيسأل عن معنى البقاء فيه. وهو، قبل أن يطلق سؤاله، يحاول أن يصون جهة توجهه؛ يخشى أن تُقرأ حيرته بوصفها قطيعة، فيشرح أن النداء ما زال قائمًا، وإن اضطرب ما يرجوه منه. وقد أحسنتم حين لم تطلبوا من هذا المقطع جوابًا يبدد حيرته، وحين رأيتم أن تحويل السؤال إلى درس جاهز سيضعف أثره. لكن ملاحظتكم عن المجاز فيه تستحق عناية خاصة؛ لأن المناجاة قد تفقد شيئًا من قربها حين يشعر القارئ بأن الجملة منشغلة بجمالها أكثر مما هي منشغلة بندائها. لا أقول إن البيان يناقض الصدق، وإنما أقول إن للصنعة حدًّا ينبغي أن تتوارى عنده، كي لا يحول القارئ انتباهه من ارتجاف الصوت إلى إحكام صورته. وأتمسك، مع هذا، بصورة الوردة في الزنزانة، لا لأنها أبلغ صور المقطع، بل لأنها تقدم شيئًا يخالف قانون العالم الذي بناه السارد لنفسه. فالوردة ليست حلًّا، ولا وعدًا بالخلاص، ولا حجة على سهولة الاحتمال. إنها حضور صغير لا يعرف ماذا يفعل به؛ لا يستطيع أن ينكر وجوده، ولا يستطيع أن يرى له جدوى في مشهد ينتظر فيه النهاية. هنا أرى أن الصورة لا تعيد وصف الألم، بل تربك اكتمال تفسيره. وربما كانت حاجتها الأهم ألا تلحقها صور كثيرة؛ أن تبقى الوردة على صغرها، وأن يبقى السؤال أمامها دون أن تحيط به العبارة من كل جهة. ثم تأتي ملاحظتكم التي تتجاوز التقنية إلى جوهر بناء الشخصية: أن الإنسان لا يُستنفد في ألمه، وأن رؤية المعاناة وحدها لا تكفي لرؤية من يعاني. هذه عبارة لا أريد أن أزينها بالموافقة ثم أعطل أثرها. فقد أردت أن أصور استيلاء الألم على تعريف السارد لنفسه، لكن عليّ أن أسأل إن كنت قد أظهرت هذا الاستيلاء بوصفه محنته، أم أعدت إنتاجه بوصفه حقيقة النص النهائية. الفارق كبير. فأن تقول الشخصية: «أنا شيء»، يكشف قسوة نظرتها إلى نفسها؛ أما أن تخلو الكتابة من أي علامة تتيح لنا أن نرى فيها أكثر من ذلك «الشيء»، فقد يجعل القارئ محصورًا داخل حكمها. وليس المطلوب أن أقابل كل عتمة بومضة رجاء، أو أن أزرع ذكرى سعيدة لطمأنة النص؛ المطلوب أن أمنح هذا الإنسان خصوصية لا تختزل في البلاغة التي يصف بها وجعه. عادة صغيرة، نفور غير معلل، ارتباط بشيء تافه في ظاهره، رغبة لا تتفق مع إعلانه الانطفاء؛ أي تفصيل يجعلنا نرى شخصًا بعينه، لا ألمًا يبحث عن فم. ولعل أصدق ما ينبغي لي الاعتراف به أن صوت السارد أظهر ملامح معاناته أكثر مما أظهر ملامح فرادته. نحن نعرف كيف يتألم، لكننا لا نعرف بالقدر نفسه من هو حين لا يتكلم عن الألم. ويمكنني أن أفسر هذا الغياب بأن المحنة استولت على نظرته، لكن التفسير لا يمحو المأخذ. فالكاتب قادر على أن يترك في النص ما لا تنتبه إليه الشخصية، وأن يتيح للقارئ معرفتها من خلال ما تفعله أو تتجاهله، لا من خلال ما تقوله عن نفسها وحده. وهذه إمكانية كان يمكن أن تخدم قصتي دون أن تغير طبيعة اختيارها. أما سؤالكم: «إذا كان قد مات من الداخل، فمن الذي ما زال يكتب؟»، فقد وجدته أكثر من خاتمة موفقة لقراءة؛ وجدته بابًا إلى مفارقة لم أمنحها حقها الكافي. وللدقة، فإن السارد لا يخبرنا بأنه يكتب؛ نحن نتلقى كلامه في نص مكتوب. لكن هذا التمييز لا ينقص من قوة سؤالكم إذا نقلناه إلى أصل الفعل: إذا كان قد انتهى كما يقول، فمن الذي يواصل القول؟ ومن الذي يسأل الآخرين: «أتعرفون»؟ ومن الذي يطلب منهم: «لا تبحثوا عني» ثم يدلهم على الموضع الذي يمكن أن يجدوه فيه؟ إنه يعلن انقطاع الصلة، لكنه يخاطب. يعلن إفلاسه من الانتظار، لكنه يترك عبارته عند قارئ لم يصل بعد. وهذه ليست شهادة جاهزة على نجاته، ولا دليلًا على أن الكلام يكفي لإنقاذه؛ لكنها تمنعنا من التسليم بأن وصفه لنفسه قد أحاط بكل ما فيه. ثمة بقية لا تدخل في حسابه، تظهر لا فيما يقرره، بل فيما يفعله وهو يقرر. وهو، حين يطلب أن يُفهم، يفتح شقًّا في العزلة التي يصفها مطلقة. وكان يمكنني أن أستثمر هذه المفارقة من داخل البناء، لا أن أتركها كلها لاجتهاد القارئ. لا بإضافة خاتمة متفائلة، بل بإظهار تردد بين الرغبة في الانسحاب والرغبة في أن يلتفت أحد؛ بين رفض الغد والاستمرار في مخاطبة من سيقرأ غدًا. عندئذ يصبح الصوت أكثر تعقيدًا، لأن الفعل لا يطابق الإعلان تمامًا، وتصبح القصة أقل خضوعًا لسواد واحد، من غير أن تتنازل عن سواد تجربتها. فالعمق لا يحتاج دائمًا إلى مزيد من الظلمة؛ قد يحتاج إلى إظهار ما تعجز الظلمة عن ابتلاعه. وأقدّر في نقدكم أنكم لم تجعلوا الواقعية مطالبةً بإضافة أسماء وشوارع وأحداث، بل طلبًا لرؤية أثر الحالة في الحياة. وهذا فرق أراه مهمًّا. يمكن للقصة أن تزدحم بالتفاصيل وتظل بعيدة عن الإنسان، ويمكن لتفصيل واحد مضبوط أن يمنحه حضورًا لا تمنحه صفحة من التعريفات. الواقعية التي أحتاج إلى الإفادة منها هنا ليست تغيير جلد النص، وإنما اختبار صلته بما يعيشه صاحبه: كيف يمسك شيئًا، كيف يجيب، كيف يتردد، وكيف يواصل يومًا يقول إنه لا يستطيع مواصلته. ومن هذا الموضع أفهم أيضًا حدود اختلافي معكم. ما زلت أرى أن لبعض التكرار وظيفة في إنشاء الحصار، وأن لبعض المجاز قدرة لا يعوضها التقرير المباشر، وأن المونولوج ليس اختيارًا أقل سردية لمجرد أنه لا يخرج إلى وقائع كثيرة. لكنني لا أرى في شيء من ذلك سببًا لرفض ملاحظاتكم عن التشبع، وثبات النبرة، وقلة المشهد، وضيق التعريف. بل أرى أن الدفاع الحقيقي عن هذه الاختيارات يقتضي تهذيب ما يضعفها، لا الإصرار على كل ما جاء معها. لن أزعم، لذلك، أن نقدكم أعاد القصة إلى نقطة الصفر، كما لن أزعم أنه مر عليها ولم يغيّر موضع شيء. لقد أبقى لي ما أعتز به، وسحب من بعضه راحة الاطمئنان. جعلني أسأل عند الصورة: أهي تكشف أم تؤكد؟ وعند الجملة: أتقربني من الشخصية أم من براعة صياغتها؟ وعند الفراغ: هل أخشاه لأنه يضعف النص، أم لأنه يسلبني بعض السيطرة على فهم القارئ؟ وهذه أسئلة لا أعدها خصمًا من ثقتي بالكتابة، بل شرطًا لأن تكون تلك الثقة مستحقة. لكم، الدكتور محمد ميموني، تقديري على نقد حافظ على حقه في الصراحة، وعلى حق النص في الاختلاف معه. لم تمدوا إلى القصة يدًا تمحو، ولم تكتفوا بيد تربت؛ أشرتم إلى مواضع فيها وقلتم: هنا بلغت العبارة، وهنا ربما كان عليها أن تتراجع قليلًا. وهذا التراجع، حين يكون في موضعه، ليس هزيمة للغة؛ إنه ما يتيح للإنسان أن يظهر من خلفها. أعود بعد قراءتكم إلى السارد الذي يقف في آخر قصتي ويقول عن نفسه: «شيء كان حيًّا ثم صار هذا». وأرى أن مسؤوليتي لا تنتهي عند نجاحي في صياغة هذه القسوة، بل تبدأ أيضًا من قدرتي على ترك ما يدعو القارئ إلى الاعتراض عليها. لا لأن السارد مخطئ في شعوره، بل لأن شعوره، مهما كان صادقًا، ليس كل ما يستحق أن نراه فيه. ولعل هذا هو الأثر الأعمق الذي تركه نقدكم في نفسي: أن أصغي إلى الجرح دون أن أجعل صوته الاسم الوحيد لصاحبه، وأن أثق باللغة دون أن أستعملها لسد كل فراغ. فليست كل مسافة متروكة نقصًا، ولا كل عبارة مضافة غنًى. وقد تحتاج القصة، كي تبلغ الجهة الأخرى من صمتها، إلى أن يقول الكاتب أقل، وأن يترك أمام القارئ إنسانًا لا تزال فيه بقية تقاوم آخر تعريف أطلقه على نفسه. طه دخل الله عبد الرحمن ********************* مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول ٢٢ د · 10/10/2026 س: 13:26 [ أسابيع الرؤى الثقافية ] منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السادسة: السبت 10 أكتوبر 2026 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قراءة نقدية في قصة "طقوسُ الشاي المُقدَّسة" للدكتور طه عبد الرحمن الناقدة السورية: د. منى السيد حمود ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القصة طقوسُ الشاي المُقدَّسة في المساءِ، حينَ يرتدُّ الضوءُ إلى عتمتِهِ الأولى، وتنسحبُ المدينةُ من نوافذنا كضيفٍ أثقلَهُ الانتظار، كنّا نجلسُ على تلكَ الطاولةِ الخشبيةِ الصغيرة، حيثُ للشاي طقوسٌ لا تشبهُ شيئًا مما عرفَهُ البشر. لم يكنِ الشايُ عندنا مشروبًا، بل كانَ لغةً أخرى للحب، لغةً تصعدُ مع البخار، وتتكثفُ على زجاجِ النافذة، فتصيرُ قصائدَ ماءٍ لا يقرؤها إلا قلبانِ اتسعا للكونِ ثم ضاقا ببعضهما حتى التصقا. كنتُ أراقبُ يدَها وهي تمسكُ الإبريقَ كأنها تمسكُ بمصيرِ المساء، تسكبُ الشايَ ببطءٍ متعمد، كأنها توقظُ في الكأسِ ذاكرةً غافية، فينهضُ البخارُ متكاسلًا كعاشقٍ يستفيقُ من حلمٍ ثقيل، ويتلوى في الهواءِ كأفعى من عطر، ثم يتلاشى، تاركًا في صدري أثرَ صعودِهِ المحموم. كانتِ الرشفةُ الأولى عندها كالقبلةِ الأولى؛ تذوقٌ خائفٌ، وترددٌ لذيذ، ثم انحدارٌ بطيءٌ إلى قرارِ الروح. أما أنا فكنتُ أؤجلُ رشفتي، لا بخلاً، بل لأني كنتُ أجدُ في الانتظارِ متعةً أعمق، متعةَ أن أرى شفتيها تلمسانِ حافةَ الفنجان، فأشعرَ أن للفنجانِ حظًّا لا أناله، وأن للشايِ سرًّا لا أفهمه، وأن ثمةَ غيرةً حلوةً تسكنُ صدري كقطٍّ صغيرٍ يخمشُ بلطف. كان السكرُ يذوبُ في كأسِها على مهل، كأنه يتعلمُ منها فنَّ الاختفاء، بينما يظلُّ شاييَ مرًّا كحنينٍ قديم، لأني كنتُ أومنُ أن المرارةَ وحدها تليقُ بمن عرفوا أن الفرحَ لا يكتملُ إلا إذا شابَهُ شيءٌ من الخوف. وكنّا نتبادلُ الكؤوسَ أحيانًا، فتشربُ من كأسي وتتركُ حلاوتَها على شفتي، فأذوقُ في مرارتي عسلًا ما أنزلَ اللهُ به من سلطان، عسلًا مصنوعًا من ريقِ المحبوبةِ وسكرِ الروح. أتدري ما الشاي؟ إنه ذريعةُ العاشقينَ للصمتِ المشترك، ذاكَ الصمتُ الذي يقولُ فيه القلبُ للقلبِ ما لا تطيقُه اللغة، صمتٌ مملوءٌ حتى الحوافِ بالمعاني، ككأسٍ ممتلئةٍ لا تفيض. كنّا نصمتُ طويلًا، فلا يقطعُ السكينةَ إلا صوتُ الملعقةِ وهي تدورُ في الفنجان، ذلكَ الصوتُ الرتيبُ الذي يشبهُ دقاتِ ساعةٍ تدورُ عقاربُها إلى الوراء، إلى زمنٍ لا يشبهُ زمنَنا، زمنٍ لا يفنى فيه العشاقُ ولا يبردُ فيه الشاي. ثم جاءتِ اللحظةُ التي يتنفسُ فيها الشايُ أنفاسَهُ الأخيرة، حينَ يرسبُ آخرُ ما في الكأسِ من أوراق، فتصمتُ الملعقةُ كأنها أتمتْ صلاتَها. هناكَ، عندَ القاع، كنّا نقرأُ طالعَنا في الورقِ المتناثر، فترى هي غدًا مشرقًا، وأرى أنا يدَها تمتدُّ نحوي، فتمحو بالتفسيرِ ما خطّتْهُ الأيام. وكنتُ أصدقُها، لا لأنها تُحسنُ قراءةَ الغيب، بل لأنها حينَ تبتسمُ وأصابعُها تلمسُ كفي، يتحولُ الغدُ كله إلى كأسِ شايٍ دافئٍ نشربُه معًا. يا لأناقةِ الحبِّ حينَ يلبسُ ثوبَ التفاصيل! فالشايُ عندنا لم يكن شايًا، بل كانَ موعدًا متجددًا للبوح، ومرآةً نرى فيها وجوهَنا أكثرَ وضوحًا، ومذبحًا صغيرًا نقدمُ فيه القرابينَ من سكينةٍ ودفء، ونغتسلُ فيه من برودةِ الخارج، من قسوةِ الطرقات، من وحشةِ الناس. كانَ طقسًا مقدسًا، وكنّا كاهنينِ صغيرينِ في معبدٍ من زجاجٍ وخزفٍ ودخان، نتعبدُ فيه لإلهٍ واحدٍ اسمُه التفاصيل. واليومَ، وقد مرّتِ السنون، ما زلتُ كلَّ مساءٍ أجلسُ وحدي أمامَ كأسٍ من شايٍ بارد، أرفعُه إلى شفتي فلا أذوقُ شيئًا، لأني أدركتُ متأخرًا أنني لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها، وأتنفسُ قربَها، وأرتشفُ من عينيها ما لا يرتشفُه الظمأُ من ماء. فحينَ رحلت، رحلَ معها طعمُ كلِّ شيء، وبقيَ الشايُ مرًّا كعمرٍ لا حبيبَ فيه، ينتظرُ يدًا لن تعودَ لتسكبَ فيه من جديد. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ القراءة النقدية د. منى السيد حمود - سورية حين قرأتُ "طقوس الشاي المقدسة" للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، شعرتُ أنني أمام نصٍّ لا يحكي عن الشاي بقدر ما يخفي داخله مرثية حب. فالكاتب لم يجعل الشاي موضوعا للنص، بل جعله ستارا شفافا يروي من خلاله قصة الحضور والغياب، والحب والزمن، والذاكرة والفقد. الشاي هنا ليس مشروبا؛ إنه لغة أخرى للحب. اليد التي تمسك الإبريق، الشفاه التي تلامس الفنجان، الأصابع التي تلمس الكف، السكر والمرارة، البخار والرائحة، صوت الملعقة، دفء الكأس... كل هذه التفاصيل تجعل النص تجربةً حسية كاملة. وكأن الكاتب لا يريد أن نتذكر المرأة بعقلنا فقط، بل أن نراها ونلمسها ونشم حضورها ونذوق أثرها. وهنا تكمن عبقرية التفاصيل: المرأة لا تبقى في النص بوصفها شخصية، بل تتحول إلى آثار موزعة في الأشياء. يدها في الإبريق، حلاوتها في السكر، صوتها في الصمت، قربها في الكأس، وغيابها في الشاي البارد. حتى الملعقة ليست مجرد أداة؛ إنها ساعة صغيرة للزمن. تدور، فيدور معها الوقت، ثم تصمت، فيبدو كأن الزمن نفسه قد انتهى. وأوراق الشاي في القاع ليست مجرد بقايا؛ إنها أشبه برواسب العمر، وكأن الماضي بعد أن عاش كاملًا لا يبقى منه إلا ما يترسب في قاع الذاكرة. ومن هنا يصبح الشاي رمزا للزمن نفسه: يُسكب، يدفأ، يتصاعد بخاره، يُرتشف، يترسب، ثم يبرد. وهي الرحلة نفسها التي قطعها الحب في النص: بداية، ودفء، وامتلاء، ثم غياب. والأجمل أن المرثية لا تبدأ عند كلمة "رحلت"، إنها موجودة منذ البداية؛ لأن الراوي لا يعيش اللحظة، بل يستعيدها. والاستعادة دليل على أن اللحظة أصبحت ماضيا، لذلك فإن كل هذا الدفء الذي نقرأه في البداية مشبع سرا بالحزن. ثم تأتي الجملة التي تفتح النص كله: "لم أكن أشربُ الشايَ يوما، بل كنتُ أشربُ وجودَها". هنا يتحول النص من الرومانسية إلى الفلسفة. فنحن لا نحب الأشياء لذاتها، بل نحب المعاني التي وضعناها فيها. وحين يرحل الإنسان، لا تتغير الأشياء، لكن المعنى الذي كان يمنحها الحياة يرحل معه. ولهذا كان الشاي في الماضي دافئا، وفي الحاضر باردا، لم تبرد الكأس وحدها؛ برد المستقبل، فقد كان الغد عندهما "كأس شاي دافئا"، ثم أصبح بعد رحيلها شيئا لا يستطيع الراوي أن يتذوقه. حتى قراءة أوراق الشاي تحمل مفارقة مؤلمة: كانا يقرآن المستقبل في قاع الكأس، بينما نحن، بعد الرحيل، نقرأ الماضي. كانا يبحثان عن الغد، والكاتب يعرف أن الغد الذي تخيلاه لم يأتِ. وهنا يصبح النص نفسه شبيها بفنجان الشاي: يبدأ ممتلئا بالحياة، بالبخار والحركة واللمس والصوت، ثم يهبط شيئا فشيئا إلى القاع، حيث لا يبقى إلا رجل وكأس وغياب. حتى بناء النص يحاكي رحلة الفقد. وربما أعمق ما فيه أن الراوي لا يفقد المرأة وحدها؛ إنه يفقد نسخته من نفسه معها، فالإنسان حين يحب لا يحب شخصا حاضرا فقط، بل يحب مستقبلا يتخيله معه. لذلك فالرحيل لا يأخذ حبيبًا فحسب، بل يأخذ أحيانا مستقبلا كاملا لم يولد. ومن هنا يصبح الشاي البارد أكثر من صورة حزينة؛ إنه زمنٌ فقد حرارته. ومع ذلك، يبقى سؤال صغير ومثير: من هي "هي"؟ النص لا يحسم ذلك. قد تكون حبيبة، وقد تكون امرأةً ارتبط بها الراوي بذاكرة عميقة، وربما - كتأويل لا كحقيقة - تكون أم الكاتب، فدفء الطقس، واليد التي تسكب، والطاولة، والإحساس بالبيت والأمان، كلها تسمح بأن نقرأ المرأة بوصفها صورةً للأم أيضا. وربما جمال النص أنه تركها بلا اسم. لأن "هي" في النهاية ليست مجرد امرأة؛ إنها كل امرأة جعلت للحياة طعما، ثم غابت، فبقيت الأشياء تحمل رائحتها وصوتها ودفئها. لهذا لا أرى "طقوس الشاي المقدسة" نصا عن الشاي، بل نصا عن الإنسان وهو يحاول أن يهزم الفقد بالتفاصيل. فالكاتب لم ينقذ المرأة من الرحيل، لكنه أنقذ أثرها من النسيان. وهنا تكمن العبرة الأجمل: نحن لا ندرك قيمة التفاصيل الصغيرة إلا حين يصبح أصحابها جزءا من الماضي؛ عندها نكتشف أن فنجانا، أو يدا، أو صوت ملعقة، قد يحمل عمرا كاملا من الحب. وفي النهاية، ربما كان الدكتور طه لا يروي لنا حكاية شاي، بل يضع أمامنا قبرا شفافا للزمن: فيه بخار لحظةٍ مضت، وسكر حبٍّ كان، ومرارة غيابٍ صار، وأوراق مستقبلٍ سقطت في القاع. ثم يبقى الرجل وحده، يرفع الكأس إلى شفتيه... فلا يذوق شيئا. لأنه اكتشف متأخرا أنه لم يكن يشرب الشاي؛ كان يشرب وجودها. وربما كانت "هي" حبيبته... وربما كانت أمّه... لكن المؤكد أن الشاي، بعد رحيلها، لم يعد شايا. أصبح مرثية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منى السيد حمود سورية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب في إطار الاحتفاء بالتجارب الإبداعية والنقدية العربية، تتيح لنا هذه الحلقة من «أسابيع الرؤى الثقافية» فرصة للتأمل في قصة «طقوس الشاي المقدسة» للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، وقراءتها النقدية للدكتورة منى السيد حمود، بما تثيرانه من أسئلة جمالية وإنسانية حول الحب والذاكرة والزمن والفقد. منذ عنوانها، تقترح القصة نقل الشاي من وظيفته اليومية المألوفة إلى فضاء رمزي تتداخل فيه طقوس الألفة مع طقوس الحب، وتتحول فيه التفاصيل الصغيرة إلى لغة وجدانية موازية للكلام. فاليد التي تمسك الإبريق، والبخار المتصاعد، والشفاه التي تلامس الفنجان، والسكر والمرارة، وصوت الملعقة، ليست مجرد عناصر وصفية، بل علامات تستحضر حضور المحبوبة وتكشف عمق العلاقة التي تجمعها بالراوي. وتكمن جمالية النص في قدرته على جعل المحسوس منفذا إلى المجرد، واليومي العابر حاملا لمعنى إنساني عميق. فالشاي ليس موضوع القصة بقدر ما هو وسيط للتعبير عن علاقة يتشكل معناها عبر المشاركة والصمت والانتظار وتبادل الكؤوس. ومن خلال هذه التفاصيل، يمنح الكاتب الأشياء العادية قيمة استثنائية، حتى تصبح الطاولة الصغيرة فضاء حميميا، ويغدو الطقس المتكرر احتفالا بالحضور والألفة والأمان. وتتجلى براعة الكاتب كذلك في توظيف ثنائية الحلاوة والمرارة، والدفء والبرودة، والحضور والغياب. فالمرارة التي تتحول إلى عسل بفعل مشاركة المحبوبة، والشاي الذي يفقد مذاقه بعد رحيلها، يكشفان أن قيمة الأشياء لا تكمن في مادتها وحدها، وإنما في المعاني والعلاقات التي نودعها فيها. ومن هنا تكتسب العبارة المركزية في النص دلالتها العميقة: «لم أكن أشرب الشاي يوما، بل كنت أشرب وجودها». إنها خلاصة التجربة الوجدانية والفلسفية للقصة؛ فالراوي لم يفقد امرأة فحسب، بل فقد العالم الذي تشكل حول حضورها، والمستقبل الذي تخيله معها، والنسخة من ذاته التي كانت تجد اكتمالها في القرب منها. وهكذا يصبح الشاي البارد أكثر من صورة للحزن؛ إنه استعارة لزمن فقد حرارته، ولأشياء احتفظت بأشكالها بعد أن فقدت معانيها. كما تتحول أوراق الشاي المترسبة في قاع الكأس إلى صورة لذاكرة لا تحتفظ بالتجربة كاملة، وإنما بما تبقى منها بعد انقضاء لحظاتها. أما وصف الطقس بأنه مقدس، فلا يحيل إلى قداسة دينية مباشرة، بل إلى القيمة الاستثنائية التي يمنحها الحب للتفاصيل اليومية. فالمقدس هنا هو ما يصبح جديرا بالحفظ، لأن الروح ارتبطت به، ولأن لحظات الألفة البسيطة قد تحمل من المعنى ما لا تحمله الأحداث الكبرى. في القراءة النقدية للدكتورة منى السيد حمود تقدم الدكتورة منى السيد حمود قراءة تأويلية موفقة حين ترى في القصة مرثية حب تتخفى وراء حكاية الشاي. وتنجح في الكشف عن شبكة الرموز التي تربط التفاصيل الحسية بالذاكرة، وتربط حركة الملعقة بحركة الزمن، وأوراق الشاي برواسب العمر، وبرودة الكأس بانطفاء المعنى بعد الرحيل. ومن أهم ملاحظاتها أن الحزن لا يبدأ عند التصريح بالغياب، بل يتسرب إلى النص منذ بدايته، لأن الحضور الدافئ الذي نستعيده سرديا أصبح ماضيا. كما تلتقط الناقدة البعد الوجودي للفقد، حين تشير إلى أن الإنسان لا يفقد المحبوب وحده، وإنما يفقد معه مستقبلا متخيلا وجزءا من صورته عن ذاته. وتثير القراءة أيضا سؤال هوية المرأة الغائبة، فاتحة المجال لاحتمال أن تكون حبيبة أو أما، دون أن يحسم النص ذلك. وهو احتمال يثري أفق التلقي ما دام يظل تأويلا ممكنا، لا حقيقة ثابتة؛ فالنص لا يقدم قرائن قاطعة تسمح بتحديد هويتها على وجه اليقين. ومع قيمة هذه القراءة وحساسيتها الجمالية، كان من الممكن تعزيزها بمزيد من الوقوف عند الأدوات الفنية، مثل طبيعة الراوي، وإيقاع السرد، وتكثيف الصور والاستعارات، ومدى التوازن بين كثافة المجاز ووضوح العبارة. فالنقد لا يكتفي بالكشف عن الدلالات، بل يسائل أيضا الوسائل الفنية التي أنتجتها، ويستكشف حدود نجاحها في بناء التجربة. وبذلك تقدم الناقدة قراءة غنية في التقاط المحور الوجداني والرمزي للقصة، وتفتح أمام القارئ مسارات إضافية لفهمها، دون أن تستنفد إمكاناتها التأويلية. الإبداع والنقد.. حوار يوسع المعنى تكشف هذه الحلقة عن أهمية الحوار بين النص الإبداعي والقراءة النقدية؛ فالكاتب يبني عالما سرديا تتداخل فيه الحواس والذاكرة والرمز، بينما تعيد الناقدة تنظيم عناصره، وتضيء الروابط التي تصل بين تفاصيله ودلالاته. وبينهما يجد القارئ فرصة للانتقال من التذوق المباشر إلى الفهم الأعمق. وهنا تتجلى رسالة «أسابيع الرؤى الثقافية»: الاحتفاء بالمنجز الإبداعي، وإتاحة المجال للقراءات النقدية الجادة، وترسيخ حوار ثقافي عربي يجعل الاختلاف في زوايا النظر مصدر إثراء وتطوير. خاتمة إن «طقوس الشاي المقدسة» ليست قصة عن مشروب، بل تأمل أدبي في الحب الذي يمنح الأشياء معناها، وفي الفقد الذي يسلبها دفأها، وفي الذاكرة التي تحاول إنقاذ آثار الحضور من التلاشي. وقد نجح الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن في تحويل تفصيل يومي بسيط إلى استعارة إنسانية واسعة، فيما أضاءت الدكتورة منى السيد حمود جوانب مهمة من بنيته الرمزية والوجدانية. إن الأدب لا يعيد الغائب إلى الحياة، لكنه يحفظ أثره من النسيان، ولا يمنع الفقد، لكنه يمنحنا لغة لفهمه. ولعل أعمق ما نتعلمه من هذه التجربة أن التفاصيل التي تبدو عادية في لحظتها قد تختزن عمرا كاملا من الحب، وأن تقديرها ينبغي أن يبدأ وهي حاضرة، لا بعد أن تصبح ذكرى. تحية تقدير للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن على إبداعه، وللدكتورة منى السيد حمود على جهدها النقدي، ولكل المبادرات التي تجعل من الحوار بين الإبداع والنقد رافعة للحياة الثقافية العربية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبد الرحمن بوطيب المدير العام لمجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية إعداد وإدارة «أسابيع الرؤى الثقافية» — مع طه عبد الرحمن ومنى السيد حمود. ********************* الردود والتعليقات: طه عبد الرحمن ردي للأستاذة منى السيد حمود على قراءتها لطقوس الشاي المقدسة حينَ يفيضُ الفنجانُ شكرًا لمن أضاءتْ سرَّه يا سيّدتي، يا من غمستِ قلمَكِ في ماءِ الروحِ وكتبتِ عن «طقوسِ الشايِ المقدسةِ» قراءةً لا تُشبهُ القراءات، بل تُشبهُ أن تفتحي نوافذَ النصِّ كلَّها دفعةً واحدة، فيدخلُ الضوءُ من كلِّ جهة، وتصحو الحروفُ من سُباتِها، وتنهضُ المعاني من قبورِها، ويمتلئُ المكانُ بعطرِ الفهمِ الذي لا يُشترى، وبريقِ البصيرةِ التي لا تُعلَّم. أيتها الأستاذةُ منى، لقد قرأتُ كلماتِكِ فخُيِّلَ إليَّ أنَّني لم أكتبِ النصَّ أنا، بل أنتِ من كتبتِه أوّلًا، ثمّ جئتُ أنا بعدكِ لأرصفَ الحروفَ على غيرِ هدى، فما أعمقَ أن تكتشفي أنَّ الشايَ لم يكن شايًا، بل كان ستارًا شفّافًا تُلقى خلفَه مرثيةُ حبٍّ لا تنتهي، وما أصدقَ أن تقولي إنَّ المرأةَ في النصِّ لا تبقى شخصيةً، بل تتحوّلُ إلى آثارٍ موزّعةٍ في الأشياء، فكأنَّكِ دخلتِ إلى مطبخِ الروحِ حيثُ تُطبَخُ الذكرياتُ على نارٍ هادئة، ورأيتِ ما لم يرَه غيرُك. لقد أمسكتِ بالخيطِ الرفيعِ الذي يصلُ بينَ البخارِ والدعاء، وبينَ المعلّقةِ وعقاربِ الساعة، وبينَ السكرِ وحلاوةِ الماضي، وبينَ برودةِ الكأسِ وبرودةِ الغدِ الذي ماتَ قبلَ أن يولد، فصرتِ كمن يقلّبُ جمرَ النصِّ بأصابعَ من نور، فلا يحترقُ القلبُ إلا من فرطِ الجمال، ولا تدمعُ العينُ إلا من فرطِ الصدق. وما أعمقَ تلكَ اللحظةَ التي وقفتِ فيها عندَ قولي: «لم أكن أشربُ الشايَ يومًا، بل كنتُ أشربُ وجودَها»، فجعلتِ منها مفتاحًا للفلسفةِ كلِّها، وكأنَّكِ قلبتِ الفنجانَ فانسكبتْ منهُ المعاني كلُّها، وفاضَ على الطاولةِ عمرٌ كاملٌ من الحبِّ والفقدِ والتأويل، فمن ذا الذي قالَ إنَّ الشايَ مشروبٌ بعدَ اليوم؟ لقد صارَ بفضلِكِ مرآةً للوجود، وصرنا بفضلِكِ نرى في قاعِه ما لم نكن نراه. ولقد أدهشَني حدسُكِ حينَ لمستِ احتمالَ أن تكونَ «هي» أمًّا، فما أبعدَ هذا العمقَ وما ألطفَه، وما أجملَ أن يُتركَ البابُ مواربًا لتدخلَ منهُ كلُّ الذكريات، فالحبُّ الأولُ في هذهِ الحياةِ قد يكونُ وجهَ أمٍّ تنحني فوقَ كأسٍ لتسكبَ دفئًا لا يُضاهى، واليدُ التي تُمسكُ الإبريقَ قد تكونُ يدَ امرأةٍ أو يدَ أمٍّ أو يدَ وطن، والأثرُ الذي يبقى بعدَ الغيابِ قد يكونُ كلَّ هذا مجتمعًا، فالحنينُ لا يُفرّقُ بينَ من أحببنا، بل يجمعُهم في مجرى دمٍ واحدٍ يسري في شرايينِ الذاكرة. يا سيّدتي، لقد كتبتِ عنّي أكثرَ مما كتبتُ عن نفسي، ورأيتِ في النصِّ ما لم أكن أراه، فكأنَّ النصَّ كان ليلًا، وأنتِ كنتِ قمرَه، وكأنَّ النصَّ كانَ صمتًا، وأنتِ كنتِ صداه، وكأنَّ النصَّ كانَ فنجانًا فارغًا، وأنتِ ملأتِه ببخارِ روحِكِ حتى فاض، فما أكرمَ القرّاءَ حينَ يكونونَ كالشمسِ لا تقرأُ الأرضَ بل تمنحُها الدفءَ حتى تُزهر. إنَّ الكاتبَ يكتبُ ليُفهَم، لكنّه نادرًا ما يجدُ من يفهمُه كما فهمتِ، فكأنَّكِ جلستِ أمامي في مقهى قديم، وطلبتِ شايًا مثلَ شايي، وارتشفنا معًا الصمتَ والحكاية، ثمَّ نظرتِ إليَّ بعينينِ تعرفانِ السرَّ وقلتِ: أعرفُ لماذا كانَ الشايُ باردًا، أعرفُ لماذا كانتِ الملعقةُ تدور، أعرفُ لماذا كانَ البخارُ يتصاعدُ كدعاءٍ لا يصل، أعرفُ لماذا بقيتَ وحدَك ترفعُ الكأسَ إلى شفتيكَ ولا تذوقُ شيئًا... لأنَّكَ لم تكن تشربُ الشاي، بل كنتَ تشربُ الوجود، والوجودُ بعدَها صارَ عدمًا يرتدي ثوبَ بخار. فيا أستاذةَ الحرفِ، ويا من حوّلتِ قراءتَها إلى نصٍّ موازٍ يضيءُ الأصلَ ويعلو عليه، لكِ منّي كلُّ الشكرِ معطّرًا بأوراقِ الشايِ التي سقطتْ في القاعِ وما ماتت، بل نامتْ لتشهدَ أنَّ الحبَّ لا يتبخّر، وأنَّ الحضورَ لا يغيب، وأنَّ الكأسَ إذا امتلأتْ بالمعنى صارتْ وطنًا، وإذا فرغتْ منهُ صارتْ قبرًا، وبينَ الوطنِ والقبرِ رشفةٌ واحدةٌ هيَ العمر. دمتِ للكلمةِ روحًا وللحرفِ ألقًا وللقراءةِ ذوقًا لا يُضاهى، ودمتُ أنا مدينًا لكِ بفنجانٍ لا يبرد. طه دخل الله عبد الرحمن منى السيد حمود تعقيب الأستاذة منى على تعليقي طه عبد الرحمن حين يلتقي النصُّ ببصيرة قارئه الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ما أجمل أن يجد النصُّ في قارئه مرآةً لا تكتفي بعكس ملامحه، بل تنفذ إلى ما وراءها، فتُضيء زوايا ربما تركها الكاتب في عهدة الصمت، لتأتي القراءة وتمنحها صوتًا آخر. أشكركم على هذا الردّ الذي تجاوز حدود الامتنان إلى حوارٍ أدبيّ تتلاقح فيه الرؤى، وتتّسع فيه المعاني. ولعلّ أجمل ما في الكتابة أن الكاتب، حين يهب نصّه للناس، لا يعود المعنى ملكًا له وحده؛ إذ تبدأ الكلمات حياةً أخرى في قلوب القرّاء، ويغدو لكلّ قلبٍ طريقته في اكتشاف ما تخبّئه الحروف. لم أقرأ «طقوس الشاي المقدسة» بوصفها حكاية فنجان، بل بوصفها حكاية الإنسان حين يُخبّئ عمرًا كاملًا في تفصيلٍ صغير؛ فثمة أشياء نشربها بأيدينا، لكننا في الحقيقة نرتشف معها وجوهًا غابت، وأزمنةً لن تعود، ودفئًا ما زالت أرواحنا تبحث عنه في الأشياء. وربما لهذا بدا لي الشاي أبعد من مشروب؛ لقد كان ذاكرةً تتصاعد أبخرتها، كلما ظنّ القلب أنّه نجا من الحنين. أما احتمال الأمومة الذي توقّفتُ عنده، فلم يكن محاولةً لفرض معنى على النصّ، بل إيمانًا بأنّ النصوص العميقة تترك أبوابها مواربةً أمام التأويل؛ فالأمّ قد تكون الوجه الأول للحبّ، وقد يكون الحبّ نفسه أمًّا لكلّ ذكرى لا ترضى أن تموت. وهنا تكمن روعة الأدب: أن يكتب أحدنا عن امرأة، فيرى فيها قارئٌ أمّه، ويرى آخر وطنه، ويجد ثالثٌ فيها حكاية قلبه. ولعلّ أجمل ما بين الكاتب والقارئ أن يلتقيا عند المعنى، ثم يختلفا في اتّساعه؛ فالكاتب يضع بذرة الحكاية، والقارئ يمنحها من روحه ما يجعلها تُزهر في أرضٍ أخرى. وليس في ذلك أن تتقدّم القراءة على النصّ أو تعلو عليه، بل أن يضيء أحدهما الآخر، فيصبح الأدب لقاءً بين روحين، لا مسابقةً بين قلمَين. شكرًا لكم، دكتور طه، لأنكم استقبلتم قراءتي بهذا النبل، ولأنكم جعلتم من ردّكم نصًّا يستحقّ أن يُقرأ بتأنٍّ. وأرجو أن تبقى بيننا هذه المساحة الجميلة التي تتّسع للكلمة الصادقة، وتحترم اختلاف التأويل، وتؤمن بأنّ المعنى كلّما لامس قلبًا جديدًا، اكتشف من الحياة وجهًا آخر. فليس أجمل من كاتبٍ يُحسن الإصغاء إلى قرّائه، ولا من قارئٍ يردّ إلى النصّ بعضًا من روحه؛ وحين يحدث ذلك، لا يعود الفنجان مجرّد فنجان، بل يصبح مساحةً صغيرةً تتّسع لذاكرة الإنسان كلّها. منى السيد حمود.سورية ردي على قراءة الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب القراءة النقدية لقراءة الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب في قصة «طقوس الشاي المقدسة» والقراءة النقدية للأستاذة منى السيد محمود كتب الأستاذ عبد الرحمن بوطيب «من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب» وتأتي قراءة طه دخل الله عبد الرحمن لتقول: «تأويل الأثر: جدلية الحضور المستعاد والغياب المقيم» حين يتوضّأ الغياب ببخار الذاكرة: محاورة في قداسة التفاصيل وبلاغة الفقد للغياب يدٌ لا تُرى، لكنها تعيد ترتيب كل شيء؛ تترك الكأس في مكانه، وتخلع عن المكان طمأنينته، وتُبقي النافذة مفتوحة، وتغلق الأفق الذي كان يطلّ منها. وللذاكرة نارٌ لا تُمسّ، لكنها تسخّن ما برد من الأيام، وتستدعي من الأشياء أرواحًا مضت، حتى يخيل إلينا أن الذين رحلوا لم يغادروا العالم، وإنما انتقلوا من اتساع الحياة إلى ضيق التفاصيل. هناك، في رنّة ملعقة، أو انحناءة إبريق، أو بخارٍ يصعد ثم يتبدّد، يقيم أحبّتنا إقامةً أخرى؛ لا نملك لقاءهم، ولا نطيق إخلاء الأشياء منهم. وهكذا يصبح الفنجان أوسع من فنجان، وتغدو المائدة أعمق من سطح، ويصير الشاي، حين تعبره المحبة، وقتًا يُرتشف، وعمرًا يُستعاد، وعهدًا لا ينقضي بانقضاء أصحابه. في هذا الأفق تتنزّل قصة «طقوس الشاي المقدسة» للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، كما تتبدّى في قراءة الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب «من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب»، وفيما يعرضه من تأويل الدكتورة منى السيد حمود. ولسنا بإزاء ثلاثة أصوات متجاورة فحسب، بل أمام ثلاث حركات متداخلة: كتابةٌ تمنح التجربة صورتها، وقراءةٌ تستنطق الصورة، ومحاورةٌ تسائل طرائق الاستنطاق. ولأن المعروض أمامنا هو مقال الأستاذ بوطيب، بما يحمله من اقتباسٍ وعرضٍ وتأويل، فإن الوفاء لهذه المحاورة يقتضي ألّا ننسب إلى القصة الكاملة ما لم تكشفه الشواهد، وألّا نجعل عرض قراءة الدكتورة منى بديلًا عن نصها الأصلي؛ فالتواضع أمام حدود المتاح ليس نقصًا في النقد، وإنما شرطٌ لعدالته، والبلاغة التي لا تضبطها الأمانة قد تُحسن القول وتُسيء النظر. وأول ما يلفت في قراءة الأستاذ بوطيب أنها أدركت أن الشاي ليس موضوعًا مغلقًا على نفسه، بل معبرٌ إلى العلاقة؛ ليس ما يُشرب، بل ما يُعاش من خلال الشرب. وهنا تتجلى قيمة التفصيل اليومي: إنه لا يستمد جلاله من غرابة مادته، بل من خصوصية الصلة التي أُودعت فيه. فما يجعل الكأس استثنائيًّا ليس زجاجه، وإنما اليد التي ناولته؛ وما يجعل الطاولة حميمية ليس موضعها في الغرفة، وإنما المسافة التي اختصرتها بين روحين. بهذا المعنى، لا تنقل الكتابة الأشياء من الهامش إلى المركز وحسب، بل تكشف أن ما حسبناه هامشًا كان، في غفلةٍ منا، مركز الحياة. غير أن استبصار هذه الرمزية يزداد عمقًا حين لا يتحول إلى استبدالٍ سريع للشيء بمعناه. فليس البخار غيابًا في كل موضع، ولا السكر حبًّا بالضرورة، ولا الرواسب ذاكرةً لمجرد أنها تستقر في القاع. إن الدلالة لا تُمنح للأشياء بقرارٍ من الناقد، وإنما تُستخرج من انتظامها في التجربة، ومن صلاتها بما قبلها وما بعدها. ولذلك فإن القراءة الأشد إنصافًا ليست التي تنزع عن الكأس مادته لتُلبسه فكرة، بل التي ترى كيف تعمل مادته نفسها في إنتاج الفكرة: كيف يؤسس الدفء معنى القرب، وكيف يمنح المذاق العلاقة جسدًا، وكيف تجعل المشاركة من فعلٍ فرديٍّ عادةً مشتركة. ليست الأشياء أقنعةً تخفي المعاني؛ إنها مواضع تتجسد فيها المعاني، وتكتسب ملمسها ورائحتها وحرارتها. ومن هنا يحسن الالتفات إلى أن عنوان القصة، «طقوس الشاي المقدسة»، لا يجمع مفردات متجاورة بقدر ما يعقد بينها توترًا منتجًا. فالشاي يَعِد بالمألوف، والطقوس تستدعي التكرار المنظّم، والمقدس يرفع هذا التكرار إلى مرتبةٍ لا تُقاس بنفعه وحده. كأن العنوان يسأل، قبل أن تبدأ الحكاية: متى يصبح ما نفعله كل يوم جديرًا بأن نحفظه من الابتذال؟ وليس الجواب، في الأفق الذي ترسمه القراءة، أن الحب يجمّل الحياة فحسب؛ بل إنه يمنح بعض أفعالها منزلةً لا تقبل التعويض. يمكن إعداد شايٍ آخر، لكن لا يمكن استعادة الجلسة نفسها؛ ويمكن ملء الكأس، لكن لا يمكن ملء المقعد الغائب ببديلٍ يمحو الغياب. وهنا يتجاوز معنى الطقس مجرد العادة. فالعادة قد تقع من غير انتباه، أما الطقس، في هذا التأويل، فيحتفظ بانتباهٍ إلى العلاقة، ولو ظلّ ذلك الانتباه صامتًا. إنه صيغةٌ صغيرة لتجديد العهد: أن نحضر في الوقت نفسه، وأن نتقاسم ما يبدو بسيطًا، وأن نمنح الآخر مكانًا لا ينازعه فيه أحد. لذلك لا يكون انقطاع الطقس نقصان فعلٍ من جدول النهار، وإنما اختلالًا في هيئة النهار كله. يتوقف إعداد العالم على الصورة التي عرفناها؛ ويغدو السؤال الموجع ليس: أين مَن كانت تشرب معي؟ بل: مَن أكون حين لا يعود ثمة مَن أشرب معها؟ عند هذه العتبة تستوقفنا العبارة المركزية التي أوردها الأستاذ بوطيب: «لم أكن أشرب الشاي يومًا، بل كنت أشرب وجودها». إنها عبارة لا تبدّل مفعول الفعل وحده، بل تبدّل فهم التجربة بأكملها؛ فما ظنّه الراوي تناولًا كان اتصالًا، وما حسبه مذاقًا كان حضورًا. ومع ذلك، فإن أعمق ما فيها قد لا يكون إعلان الامتزاج بالمحبوبة، وإنما لحظة اكتشافه. فصيغة «لم أكن… بل كنت…» تحمل مراجعةً للوعي، وتصحيحًا لما اعتقده المتكلم عن ماضيه. كأن الذات لا تستعيد ما وقع فحسب، بل تعيد تسمية ما وقع؛ وكأن الفقد لم يسلبها المحبوبة وحدها، بل منحها معرفةً متأخرة بقيمة ما كان بين يديها. وفي هذه المعرفة مفارقةٌ مريرة: أن يصبح الإنسان أوضح نظرًا حين يصبح أقل قدرة، وأن يدرك حقيقة ما عاشه بعد أن تنقضي إمكانات عيشه. ليس الحزن هنا انفعالًا لاحقًا بالحدث وحسب، بل قوةً تعيد تأويل الماضي؛ ترفع لحظةً عادية إلى مقام الاستثناء، وتكشف في الصمت كلامًا لم يُفهم، وفي المشاركة عهدًا لم يُقرأ. وهذا لا يعني أن الذاكرة تكذب، وإنما يعني أنها ليست مرآةً محايدة؛ فهي تتذكر من موضعٍ جديد، وتنتقي تحت ضغط الحاجة، وتعيد ترتيب الأمس على ضوء ما افتقده اليوم. ومن ثمّ يغدو من الأسئلة الخصبة: هل كانت قداسة التفاصيل معلومةً زمن الحضور، أم أن الغياب هو الذي أضاءها بهذا الجلال؟ بهذا السؤال يمكن محاورة عنوان الأستاذ بوطيب «من قداسة التفاصيل إلى مرثية الغياب» محاورةَ استكمالٍ لا محاورةَ نقض. فالعنوان يرسم مسارًا من حالةٍ إلى أخرى، لكن المادة التي يعرضها تسمح بالنظر إلى حركةٍ أكثر التفافًا: قد يكون الغياب هو الذي يعيدنا إلى التفاصيل، وقد تكون المرثية هي التي تكشف قداستها. ليست العلاقة إذن طريقًا مستقيمًا يبدأ بالألفة وينتهي بالحزن، بل حركةً يعود فيها الحاضر المكسور إلى الماضي، فيستخرج منه ما لم يكن قد وعاه. يصير الدفء أكثر دفئًا لأنه مستعاد من البرد، ويغدو القرب أكثر قربًا لأنه يُرى من شرفة البعد. وهنا لا تتعاقب القداسة والمرثية فقط؛ بل تتجاوران في الصورة الواحدة، وتتقاسمان الكأس نفسه. وتتبدّى حساسية قراءة الدكتورة منى السيد حمود، بحسب عرض الأستاذ بوطيب، في التقاطها هذا الحزن المتسرّب إلى مشاهد الألفة قبل التصريح بالرحيل. غير أن استكمال هذا الالتقاط يقتضي التمييز بين حزن التجربة وحزن روايتها. فقد تكون اللحظة الماضية سعيدةً في وقوعها، رثائيةً في استعادتها؛ وقد لا يسكن الأسى الفنجان الذي شُرب آنذاك، بل الصوت الذي يصفه الآن. عندئذ تصبح دراسة موقع الراوي من حكايته ضرورةً جمالية، لا إجراءً تقنيًّا زائدًا؛ لأننا لا نعرف معنى المشهد من عناصره وحدها، وإنما من المسافة التي يقف عندها مَن يرويه، ومن الزمن الذي ينظر منه إليه. وهذه المسافة تفتح سؤالًا عن البناء: كيف ينتقل النص من المشهد إلى التأمل، ومن المحسوس إلى المجرد، ومن حركة اليد إلى حركة الوعي؟ إن المعنى لا يكفيه أن يكون عميقًا؛ عليه أن يبلغنا عبر تشكيلٍ يتيح لنا اختباره. ولذلك فإن تنبيه الأستاذ بوطيب إلى ضرورة مساءلة الراوي والإيقاع وكثافة المجاز جدير بأن يُمنح مساحةً أوسع. لا يكفي أن نقول إن برودة الشاي تمثل انطفاء المعنى؛ ينبغي أن نتأمل كيف حضرت هذه البرودة، وهل سبقتها حرارةٌ عشناها سرديًّا، وهل جاء التحول مباغتًا أم متدرجًا، وهل ترك النص للقارئ فسحة الاكتشاف أم تولّى شرح الصورة بعد رسمها. فليست البلاغة أن نقول عن الألم إنه عميق، بل أن نبني له هيئةً يشعر القارئ بعمقها. وفي هذا السياق تستحق العبارة «كنت أشرب وجودها» أن تُقرأ بوصفها إنجازًا محتملًا وسؤالًا فنيًّا في آن. فقد تكون ذروةً تختصر ما تراكم من المشاهد، وقد تصبح، بحسب موضعها وما يحيط بها، تصريحًا يضيّق ما وسّعته الإيحاءات. ولا يحسم الاقتباس وحده ذلك. إنما الحاسم هو وظيفتها في النسيج: أتفتح بابًا جديدًا في الوعي، أم تضع لافتةً على بابٍ سبق أن دخلناه؟ إن النقد الذي يحتفي بالجملة من غير أن يمتحن ضرورتها يمنحها جمالًا معزولًا؛ أما النقد الذي ينظر في موقعها فيسأل عن جمالها العامل، عن قدرتها على تحريك البناء لا تزيينه فحسب. كذلك فإن ثنائيات الحلاوة والمرارة، والدفء والبرودة، والحضور والغياب، لا تستنفد طاقتها حين تُعرض بوصفها مقابلاتٍ متوازنة. الأعمق هو تأمل ما يُفسد هذا التوازن ويعقّده: كيف يحمل الدفء المستعاد لسعة البرد الحاضر، وكيف يصبح مذاق الماضي الحلو مصدرًا لمرارة الآن، وكيف يحضر الغائب بقوةٍ لا يملكها بعض الحاضرين. ليست الذاكرة دائمًا نقيض الفقد؛ قد تكون هي الموضع الذي يتجدد فيه الفقد. وليست الذكرى شفاءً خالصًا؛ إنها تحفظ ما يؤلم، ويؤلمنا أنها تحفظه. هكذا لا يعود الكأس شاهدًا على ثنائيةٍ بسيطة، بل يصبح ملتقى تناقضاتٍ لا يُبطل أحدها الآخر: عزاءً وجرحًا، قربًا ومسافة، بقاءً وانقضاء. وعند سؤال هوية المرأة الغائبة، تُحمد لقراءة الأستاذ بوطيب محافظتها على الفرق بين الإمكان والحقيقة، حين تعرض احتمال الحبيبة أو الأم دون حسم. لكن هذا الانفتاح لا يقتضي أن نفاضل بين الهويات من خارج الشواهد، ولا أن نجعل الإبهام فضيلةً تلقائية. السؤال الأجدى هو: ما الذي يفعله عدم التعيين في التجربة؟ فإن كان مقصودًا في القصة، فقد يفتح مجالًا لخبراتٍ متعددة من المحبة والفقد؛ وإن كانت القصة الكاملة تحمل قرائنَ لم ينقلها المقال، فإن الحكم يتغير بتغيّر المعرفة. وفي الحالتين، ينبغي ألّا نحمّل الصمت اعترافًا لم ينطق به، وألّا نجعل رغبة القارئ في المعنى بديلًا عن حق النص في تحديد مساره. وثمة سؤال آخر لا يقل إنسانيةً عن سؤال الهوية: كيف تُرى الغائبة؟ هل نلتقي بها في فرادتها، أم لا نعرف منها إلا ما منحته للراوي؟ إن عبارة «أشرب وجودها» تضيء شدة الاحتياج إليها، لكنها تدعونا أيضًا إلى البحث عن وجودها خارج هذا الاحتياج: عن صوتها، واختيارها، وحركتها الخاصة في المشهد. وليس هذا اعتراضًا على حميمية التذكر، بل محاولةٌ لتعميقها؛ فالمحبة لا تبلغ تمام إنصافها حين تقول: كنتِ عالمي، وإنما حين تتذكر أن مَن صار عالمًا لنا كان له عالمٌ أيضًا. ولعل من أدق امتحانات الرثاء أن يحفظ للمفقود وجهه، لا أن يحوّله إلى صورةٍ جميلة لجرح مَن فقده. وبالمثل، فإن الرحيل لا ينبغي أن يُختزل، من غير قرائن، في الموت؛ فقد تتعدد صور الغياب، وتختلف آثارها، ويظل المشترك بينها انقطاع المشاركة وتعذّر الاستعادة على صورتها الأولى. إن دقة النقد تبدأ من هذه الفروق الصغيرة، لأن الفراق الذي يبقى معه احتمال اللقاء ليس كالغياب الذي يُغلقه، والذاكرة التي تنتظر ليست كالذاكرة التي ترثي. وحين نُبقي التأويل على مقدار ما تسمح به الشواهد، لا نفقد اتساع المعنى، بل نمنع اتساعه من أن يصير تشويشًا. من هنا تبدو قيمة هذا اللقاء بين الإبداع والنقد في قدرته على نقل الاحتفاء من الثناء إلى الإصغاء. فالكاتب، كما يقدمه المقال، يجعل التفصيل مستودعًا للتجربة؛ والدكتورة منى تلتقط خيوطه الوجدانية والرمزية؛ والأستاذ بوطيب يعيد تنظيم هذا الالتقاط ويقترح له امتدادًا فنيًّا. وما تضيفه المحاورة ليس حكمًا يعلو هذه الأصوات، بل أسئلةً تسير بينها: كيف ينتج النص أثره؟ أين يترك المعنى مفتوحًا؟ متى ينجح المجاز في حمل التجربة، ومتى يحتاج إلى صمتٍ يخفّف عنه عبء القول؟ فالنقد ليس مجلسَ تصفيق، ولا محكمةَ إدانة؛ إنه صحبةٌ دقيقة للكتابة، تحفظ لها شرف المحاولة وتمنحها شرف المساءلة. تحيةٌ للدكتور طه دخل الله عبد الرحمن على التجربة الإبداعية التي أضاءها هذا المقال، وللدكتورة منى السيد حمود على الحساسية التأويلية التي ينقلها عنها، وللأستاذ عبد الرحمن بوطيب على قراءةٍ جمعت محبة الأدب إلى الرغبة في توسيع النظر إليه. ولعل أجمل الوفاء لهم جميعًا ألّا نكتفي بما قالوا، بل أن ننطلق منه إلى ما يتيحه من أسئلة؛ فالنص الذي يحتمل الحوار أبقى من النص الذي يستنفده المديح. وفي آخر هذا التأمل، لا يبقى الشاي مشروبًا ارتبط بذكرى، بل يصير اختبارًا لقدرتنا على احتمال أثرها: أن نرى الأشياء كما هي، وكما صارت بعد الذين أحببناهم؛ أن نلمس الكأس فلا نجد اليد، وأن نستعيد الصوت فلا نجد صاحبه، وأن نعرف أن بقاء الأثر لا يلغي الغياب، لكنه يمنع الغياب من أن يكون محوًا كاملًا. هناك تكمن قداسة التفاصيل: لا في أنها تعيد الراحلين، بل في أنها ترفض أن يمرّ رحيلهم بلا علامة. وهناك تتجلّى بلاغة الأدب: لا يردّ الزمن إلى الوراء، لكنه يمنح ما انقضى مستقبلًا في اللغة؛ لا يملأ المقعد الخالي، لكنه يحفظ للفراغ اسم مَن كان يجلس فيه. وما بين فنجانٍ برد، وذكرى لم تبرد، تظل الروح تتعلّم حقيقتها الأشد رهافة: أننا لا نحب الأشياء لذاتها دائمًا، بل لأن أحدًا مرّ بها، فترك فيها من حضوره ما جعل غيابه، بعد ذلك، مرئيًّا. طه دخل الله عبد الرحمن رد منى السيد حمود على الأستاذ عبد الرجمن وتعليقي طه عبد الرحمن حين تفقد الأشياء لغتها ليست مأساة الغياب أن يرحل الذين نحبهم فحسب، بل أن ترحل معهم لغةٌ كاملة لم يكن يفهمها سوانا. ثمة تفاصيل تبدو عاديةً في أعين الآخرين، لكنها بين قلبين تتحوّل إلى معجمٍ خاص؛ فنجان شاي، وموعد يتكرّر، وصمت لا يحتاج إلى تفسير. ومع الزمن، لا تعود هذه الأشياء مجرد عادات، بل تصبح لغةً خفيّة تصنعها الألفة، ويمنحها الحب معناها. وحين يغيب أحد القلبين، تبقى الأشياء في أماكنها؛ الفنجان هو الفنجان، والمكان هو المكان، والوقت يمضي كأن شيئًا لم يحدث. لكن شيئًا جوهريًا يكون قد انكسر: المعنى الذي لم يكن في الأشياء ذاتها، بل في المسافة الحيّة التي كانت تجمع روحين من خلالها. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل نقدّس التفاصيل لأنها جميلة في ذاتها، أم لأن الذين شاركونا إياها منحونا لغةً لا نستطيع تعلّمها من جديد مع أحد آخر؟ لعلّ أعمق ما يفعله الغياب أنه لا يسلبنا الأشخاص وحدهم، بل يكشف لنا أن بعض المعاني لا تسكن الأشياء، وإنما تولد بيننا وبين من نحب. وحين تنقطع تلك الصلة، تبقى الأشياء شاهدةً على لغةٍ كانت حيّة، ولم يعد في وسع أحد أن يتحدّث بها كما كان. فبعض الغياب لا يُفرغ المكان من أصحابه، بل يُبقي المكان كما هو، وينزع عنه المعنى الذي كان يجعله وطنًا. تتمة الرد منى السيد حمود طه عبد الرحمن حين لا يكون الغياب نقيض الحضور ثمّة فكرة تستوقفني في هذه المحاورة النقدية: لعلّ قداسة التفاصيل لا تنبع من قدرتها على استعادة الراحلين، بل من عجزها الجميل عن محو أثرهم؛ فالأشياء تبقى كما هي، غير أنّ علاقتنا بها تتبدّل حين يغيب من منحها معناها. وهنا يلوح لي سؤال آخر: هل نستعيد الغائبين من خلال الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ لعلّ الفنجان لا يحمل ذكرى الراحل وحده، بل يحمل أيضًا صورةً من ذواتنا، تلك التي كانت تجلس إلى جواره دون أن تعرف أنّ الأيام العادية التي نعيشها باطمئنان قد تصبح يومًا أثمن ما نملك. من هنا، لا أرى الطقس مجرّد عادة تتكرّر، ولا الذاكرة مجرّد مخزنٍ للماضي؛ إنّهما مساحةٌ يتداخل فيها الزمنان: ما انقضى في الواقع، وما لا يزال حيًّا في الوجدان. وربما لهذا لا يعوّض امتلاء الفنجان فراغ المقعد؛ لأنّ ما نفتقده ليس الشخص وحده، بل المعنى الذي كان يتشكّل بحضوره، في تفاصيل لم نكن نعرف أنّها تصنع ذاكرتنا. فهل الغياب هو ما يمنح التفاصيل قداستها، أم أنّه يكشف لنا القداسة التي كانت تسكنها منذ البداية، لكنّ اعتيادنا عليها حجبها عن أعيننا؟ لعلّ هذا السؤال هو المساحة التي تستحق أن نواصل منها التأويل؛ فبعض النصوص لا تنتهي عند المعنى الذي نكتشفه فيها، بل تبدأ حين نكتشف السؤال الذي لم ننتبه إليه من قبل.حين لا يكون الغياب نقيض الحضور ثمّة فكرة تستوقفني في هذه المحاورة النقدية: لعلّ قداسة التفاصيل لا تنبع من قدرتها على استعادة الراحلين، بل من عجزها الجميل عن محو أثرهم؛ فالأشياء تبقى كما هي، غير أنّ علاقتنا بها تتبدّل حين يغيب من منحها معناها. وهنا يلوح لي سؤال آخر: هل نستعيد الغائبين من خلال الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ لعلّ الفنجان لا يحمل ذكرى الراحل وحده، بل يحمل أيضًا صورةً من ذواتنا، تلك التي كانت تجلس إلى جواره دون أن تعرف أنّ الأيام العادية التي نعيشها باطمئنان قد تصبح يومًا أثمن ما نملك. من هنا، لا أرى الطقس مجرّد عادة تتكرّر، ولا الذاكرة مجرّد مخزنٍ للماضي؛ إنّهما مساحةٌ يتداخل فيها الزمنان: ما انقضى في الواقع، وما لا يزال حيًّا في الوجدان. وربما لهذا لا يعوّض امتلاء الفنجان فراغ المقعد؛ لأنّ ما نفتقده ليس الشخص وحده، بل المعنى الذي كان يتشكّل بحضوره، في تفاصيل لم نكن نعرف أنّها تصنع ذاكرتنا. فهل الغياب هو ما يمنح التفاصيل قداستها، أم أنّه يكشف لنا القداسة التي كانت تسكنها منذ البداية، لكنّ اعتيادنا عليها حجبها عن أعيننا؟ لعلّ هذا السؤال هو المساحة التي تستحق أن نواصل منها التأويل؛ فبعض النصوص لا تنتهي عند المعنى الذي نكتشفه فيها، بل تبدأ حين نكتشف السؤال الذي لم ننتبه إليه من قبل. شكر وامتنان من السيدة الاستاذة منى السيد حمود بكل تقدير وامتنان، أتوجّه بالشكر إلى مجلة «رؤى»، وإلى الدكتور طه عبد الرحمن، على اختيارهما نقدي المتواضع، ومنحي هذه المساحة التي أعتز بها؛ فالثقة بالكلمة مسؤولية قبل أن تكون تكريمًا، والحوار الثقافي الحقيقي هو الذي يفتح أمام الفكر آفاقًا جديدة للتأمل. كما أحيّي المبدع الدكتور طه، صاحب النص العميق، الذي يستحق القراءة المتأنية والوقوف عند أبعاده الفكرية والإنسانية؛ فالنصوص التي تحمل أسئلة حقيقية لا تنتهي دلالاتها عند حدود عباراتها، بل تترك للقارئ مجالًا ليضيف إليها من وعيه وتجربته. ومن زاوية أخرى، أرى أن قيمة الكلمة لا تكمن في قدرتها على التعبير عن الفكرة فحسب، بل في قدرتها على إيقاظ المسؤولية في داخل الإنسان. فليس كل من امتلك المعرفة أحسن توظيفها، وليس كل من أحسن التعبير أدرك أثر ما يقول؛ إذ تكتمل قيمة الفكر حين يتحوّل إلى وعيٍ يحترم الإنسان، ويمنح الاختلاف مساحة للحوار، ويجعل من المعرفة جسرًا للتفاهم لا وسيلةً للتعالي. ولعلّ أعمق ما يمكن أن تتركه الثقافة فينا هو أن تعلّمنا كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نناقش الفكرة دون أن ننتقص من صاحبها، وكيف نجعل من النقد بابًا للفهم، لا جدارًا يفصل بين العقول. فالنضج الثقافي لا يُقاس بكثرة ما نقول، بل بما نضيفه إلى وعي الآخرين، وبما نتركه في نفوسهم من احترامٍ ورغبةٍ في التفكير. أؤمن أن الكلمة الصادقة لا تحتاج إلى لقبٍ يرفعها، بقدر ما تحتاج إلى معنى يثبتها وأثرٍ يشهد لها؛ فالألقاب قد تعرّف بأصحابها، أما الأثر فهو الذي يمنح حضورهم قيمته. شكرًا لمجلة «رؤى»، وللدكتور طه عبد الرحمن، على هذا التقدير الذي أعتز به، مع خالص الاحترام للمبدع الدكتور طه، ولجهود كل من يجعل من الثقافة مساحةً للوعي، ومن النقد حوارًا يرتقي بالإنسان. منى السيد حمود – سورية ردي على كلمة التقدير والامتنان للاستاذة منى السيد حمود إلى الأستاذة منى السيد حمود… امتنانٌ لكلمةٍ جعلت من الفكر ضميرًا، ومن الحوار لقاءً ثمة كلماتٌ تنتهي حين نفرغ من قراءتها، وأخرى تبدأ فينا بعد آخر سطرٍ منها؛ تترك في الوجدان ضوءًا، وفي العقل سؤالًا، وفي علاقتنا بالآخر فسحةً أرحب للفهم. وكلمتكم، أستاذتنا الفاضلة منى السيد حمود، من ذلك الكلام الذي لا يطلب الإعجاب بزخرفه، بل يستحق التقدير بصدق معناه؛ إذ حملت امتنانًا لا يتكلّف، وتواضعًا لا ينتقص من قيمة صاحبه، ووعيًا يجعل من الثقافة عهدًا أخلاقيًّا قبل أن يجعل منها حضورًا أدبيًّا. لكم منا خالص الشكر وعميق الامتنان؛ لا على جميل إشادتكم بمجلة «رؤى» وبالدكتور طه عبد الرحمن فحسب، بل على ما أودعتم هذه الإشادة من رؤيةٍ تسمو بالتقدير عن حدود المجاملة، وتمنحه معنى المشاركة والمسؤولية. فقد جعلتم من مناسبة الشكر بابًا للتأمل في أمانة الكلمة، ومن الاعتزاز بالثقة تذكيرًا بما تستوجبه تلك الثقة من صدقٍ وتبصّرٍ واحترامٍ للإنسان. وفي رحاب هذا الامتنان، نتوجّه كذلك بخالص التقدير إلى الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، مُعِدّ ومدير «أسابيع الرؤى الثقافية»؛ فله في هذا اللقاء الثقافي تحيةٌ تحفظ مقامه، وتستحضر قيمة الإعداد والإدارة في إتاحة المساحة التي تلتقي فيها النصوص بقرّائها، والإبداع بالنقد، والسؤال بالحوار. وإن تقدير الكلمة يكتمل بتقدير من يهيّئون لها مجال الحضور والتفاعل؛ إذ لا يزدهر اللقاء الثقافي بالنصوص وحدها، بل بالعناية التي تجمع أصحابها، وتفسح لتجاربهم سبيلًا إلى الإنصات المتبادل. لقد قلتم: «فالثقة بالكلمة مسؤولية قبل أن تكون تكريمًا»، وفي هذه العبارة من عمق الوعي ما يستحق الوقوف عنده طويلًا. فالتكريم، في ضوء ما كتبتم، ليس نهاية الطريق، ولا مقعدًا نستريح إليه مطمئنين إلى ما أنجزنا؛ إنه دعوةٌ إلى مزيدٍ من الإخلاص، وإلى أن نسأل أنفسنا عمّا نضيفه، لا عمّا نحظى به. وما أكرم هذا الفهم حين يجعل الاعتزاز بالتقدير قرينًا للحرص على استحقاقه، ويصل فرحة الكاتب بالثقة بمسؤوليته تجاه من يقرأون له. ومن أجمل ما حملته كلمتكم أنكم لم تجعلوا من القراءة وقوفًا أمام النص من خارجه، بل لقاءً حيًّا معه؛ لقاءً تتجاور فيه أسئلة الكاتب مع وعي القارئ وتجربته. ففي تحيتكم للنص العميق، وإشارتكم إلى ما تتيحه أسئلته من تأملٍ وإضافة، تجلّى فهمٌ للنقد بوصفه مشاركةً في الكشف عن المعنى، لا مسابقةً لإثبات التفوق على صاحبه. وهنا تكمن أناقة رؤيتكم: أن يقترب الناقد من النص بعينٍ يقظة وقلبٍ منصف، فلا يذوب فيه حتى يفقد استقلاله، ولا يتعالى عليه حتى يفقد القدرة على الإنصات. أما حديثكم عن المعرفة حين تصبح جسرًا للتفاهم لا وسيلةً للتعالي، فقد منح كلمتكم مركزها الإنساني الأصفى. إنها دعوةٌ لأن يظل الإنسان حاضرًا في قلب الفكرة، وألّا تنسينا براعة التعبير أثر ما نعبّر عنه. وفي هذا المعنى ترتقي الكتابة من مهارةٍ نُحسن أداءها إلى أمانةٍ نحرص على صونها؛ فلا يكون السؤال: هل قلنا كلامًا جميلًا؟ بل: هل كان جماله وفيًّا للحقيقة، رحيمًا بالإنسان، فاتحًا أمامه طريقًا إلى الفهم؟ ولقد لامست كلماتكم جوهر الحوار حين دعوتم إلى أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نناقش الفكرة دون أن ننتقص من صاحبها. ما أحوج كل لقاءٍ ثقافي إلى هذا الميزان؛ ميزانٍ لا يطلب من العقول أن تتشابه، وإنما يطلب منها أن تتعارف، ولا يلغي حق الاعتراض، بل يصونه من أن يتحوّل إلى تجريح. وبذلك يصبح الاحترام قوةً تضبط الاختلاف، لا مجاملةً تخفيه، ويغدو النقد بابًا يدخل منه المعنى إلى مزيدٍ من الوضوح، بدل أن يكون جدارًا ينقطع عنده التواصل. وفي قولكم إن الكلمة الصادقة تحتاج إلى معنى يثبتها وأثرٍ يشهد لها أكثر مما تحتاج إلى لقبٍ يرفعها، وضعتم معيارًا رفيعًا لقيمة الحضور الثقافي. فاللقب يعرّف، لكن المعنى يقنع؛ والمكانة تلفت النظر، لكن الأثر يستبقي الاحترام. وقد جاءت كلمتكم نفسها وفيّةً لهذا المعيار؛ لم تتكئ على ادعاء، ولم تستدعِ مديحًا لنفسها، بل تركت لرؤيتها الهادئة وإنصافها ووضوح مقصدها أن تتحدث عنها. أستاذتنا الكريمة منى السيد حمود، إن تواضعكم في وصف نقدكم لا يحجب ما تكشفه كلمتكم من عنايةٍ بالفكر، وحساسيةٍ تجاه الإنسان، وحرصٍ على أن يظل الاختلاف جديرًا بأخلاق الحوار. وليس أجمل ما في هذا التواضع أنه يخفض الصوت، بل أنه يفسح المجال للمعنى؛ فلا تزاحمه الذات، ولا تضيق به الرغبة في الظهور. ولهذا نقرأ امتنانكم فنشعر أن التقدير لم يمضِ في اتجاهٍ واحد، بل عاد إلى أصحابه محمّلًا بما هو أعمق: دعوةٍ إلى أن نكون أوفى للكلمة، وأكثر إنصافًا لمن نلتقي بهم في رحابها. شكرًا لكم على كلمةٍ احترمت قارئها، فلم تكتفِ بأن تستميله، بل دعته إلى التفكير. وشكرًا على رؤيةٍ جعلت من النقد صحبةً واعية للنص، ومن المعرفة فرصةً للتقارب، ومن الاختلاف امتحانًا لنبلنا قبل أن يكون امتحانًا لحجتنا. وشكرًا على امتنانٍ لم يقف عند أسماء من قدّرتم جهودهم، بل اتّسع ليشمل كل من يمنح الثقافة بُعدها الإنساني، ويصون الحوار من قسوة التعالي وضيق الخصومة. ولكم من التقدير ما يليق بصدق هذه الروح، ومن الاحترام ما يوازي نبل هذا المقصد. لقد شكرتم من منحوا كلمتكم مساحةً للحضور، ومن حق كلمتكم علينا أن نشكركم على ما منحته لتلك المساحة من معنى. فما أبهى اللقاء حين لا يتبادل فيه أصحابه عبارات الثناء وحدها، بل يتبادلون أسباب الثقة، ويتقاسمون أمانة الفكر، ويخرجون منه أوسع وعيًا وأصفى مودة. وفي هذا اللقاء تتكامل تحيتنا لكم مع تقديرنا لمجلة «رؤى»، وللدكتور طه عبد الرحمن، وللأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، مُعِدّ ومدير «أسابيع الرؤى الثقافية»؛ تقديرًا يصل بين قيمة الإبداع، ووعي القراءة، والعناية التي تتيح لهما أن يلتقيا. دمتِ، أستاذة منى السيد حمود، وفيّةً للكلمة التي توقظ ولا تجرح، وللنقد الذي يكشف ولا ينتقص، وللثقافة التي تُقرّب الإنسان من الإنسان. ويبقى أجمل ما نقوله في شكركم أن كلمتكم لم تكتفِ بالحديث عن أدب الحوار؛ لقد مارسته، ولم تكتفِ بالدعوة إلى احترام الإنسان؛ لقد جعلته حاضرًا في نبرتها ومعناها. وتلك منزلةٌ لا يمنحها المديح، بل يشهد لها النص نفسه. طه دخل الله عبد الرحمن منى السيد حمود طه عبد الرحمن حين لا يكون الغياب نقيض الحضور ثمّة فكرة تستوقفني في هذه المحاورة النقدية: لعلّ قداسة التفاصيل لا تنبع من قدرتها على استعادة الراحلين، بل من عجزها الجميل عن محو أثرهم؛ فالأشياء تبقى كما هي، غير أنّ علاقتنا بها تتبدّل حين يغيب من منحها معناها. وهنا يلوح لي سؤال آخر: هل نستعيد الغائبين من خلال الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ لعلّ الفنجان لا يحمل ذكرى الراحل وحده، بل يحمل أيضًا صورةً من ذواتنا، تلك التي كانت تجلس إلى جواره دون أن تعرف أنّ الأيام العادية التي نعيشها باطمئنان قد تصبح يومًا أثمن ما نملك. من هنا، لا أرى الطقس مجرّد عادة تتكرّر، ولا الذاكرة مجرّد مخزنٍ للماضي؛ إنّهما مساحةٌ يتداخل فيها الزمنان: ما انقضى في الواقع، وما لا يزال حيًّا في الوجدان. وربما لهذا لا يعوّض امتلاء الفنجان فراغ المقعد؛ لأنّ ما نفتقده ليس الشخص وحده، بل المعنى الذي كان يتشكّل بحضوره، في تفاصيل لم نكن نعرف أنّها تصنع ذاكرتنا. فهل الغياب هو ما يمنح التفاصيل قداستها، أم أنّه يكشف لنا القداسة التي كانت تسكنها منذ البداية، لكنّ اعتيادنا عليها حجبها عن أعيننا؟ لعلّ هذا السؤال هو المساحة التي تستحق أن نواصل منها التأويل؛ فبعض النصوص لا تنتهي عند المعنى الذي نكتشفه فيها، بل تبدأ حين نكتشف السؤال الذي لم ننتبه إليه من قبل.حين لا يكون الغياب نقيض الحضور ثمّة فكرة تستوقفني في هذه المحاورة النقدية: لعلّ قداسة التفاصيل لا تنبع من قدرتها على استعادة الراحلين، بل من عجزها الجميل عن محو أثرهم؛ فالأشياء تبقى كما هي، غير أنّ علاقتنا بها تتبدّل حين يغيب من منحها معناها. وهنا يلوح لي سؤال آخر: هل نستعيد الغائبين من خلال الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ لعلّ الفنجان لا يحمل ذكرى الراحل وحده، بل يحمل أيضًا صورةً من ذواتنا، تلك التي كانت تجلس إلى جواره دون أن تعرف أنّ الأيام العادية التي نعيشها باطمئنان قد تصبح يومًا أثمن ما نملك. من هنا، لا أرى الطقس مجرّد عادة تتكرّر، ولا الذاكرة مجرّد مخزنٍ للماضي؛ إنّهما مساحةٌ يتداخل فيها الزمنان: ما انقضى في الواقع، وما لا يزال حيًّا في الوجدان. وربما لهذا لا يعوّض امتلاء الفنجان فراغ المقعد؛ لأنّ ما نفتقده ليس الشخص وحده، بل المعنى الذي كان يتشكّل بحضوره، في تفاصيل لم نكن نعرف أنّها تصنع ذاكرتنا. فهل الغياب هو ما يمنح التفاصيل قداستها، أم أنّه يكشف لنا القداسة التي كانت تسكنها منذ البداية، لكنّ اعتيادنا عليها حجبها عن أعيننا؟ لعلّ هذا السؤال هو المساحة التي تستحق أن نواصل منها التأويل؛ فبعض النصوص لا تنتهي عند المعنى الذي نكتشفه فيها، بل تبدأ حين نكتشف السؤال الذي لم ننتبه إليه من قبل. طه عبد الرحمن منى السيد حمود ايتها الاستاذة منى السيد حمود ما أرهف هذا التأمّل الذي لا يقف عند عتبة الفقد، بل يدخل إلى ما يتركه الفقد فينا من غرفٍ لم نكن نعرف أنها تسكننا. لقد منحتِ السؤال عمقًا يتجاوز استعادة الراحلين، إلى استعادة تلك النسخة من أرواحنا التي لم تكن تعرف، وهي تعيش قربهم، أنها تُؤلّف أجمل ما ستفتقده يومًا. ولعلّ الغياب لا يكون نقيض الحضور حين يصبح الحضور أعمق من أن يُختَصر في وجود الجسد؛ فثمّة من يغادر المكان، ولا يغادر الطريقة التي نرى بها المكان. يبقى في التفاتةٍ تسبق وعينا، وفي كلمةٍ نستعير نبرتها منه، وفي فرحٍ نهمّ أن نخبره به، ثم نتذكّر أن الطريق إلى صوته لم يعد مفتوحًا كما كان. عندئذٍ لا يعود الغائب ذكرى نذهب إليها، بل يصبح شيئًا فينا يرافق ذهابنا إلى العالم. أما سؤالكِ: هل نستعيدهم في الأشياء، أم نستعيد أنفسنا كما كنّا معهم؟ فأحسب أن جماله يكمن في أن الإجابتين لا تتنافيان؛ إذ لم يكن حضورهم خارجنا حتى نستعيده منفصلًا عنّا. نحن نشتاق إليهم، ونشتاق أيضًا إلى الطمأنينة التي كانت تجعلنا أقلّ حذرًا من الحياة؛ إلى حديثٍ لم نكن نزن كلماته، وإلى صمتٍ لم نكن نخشى أن يُساء فهمه. نفتقدهم، ونفتقد تلك القدرة على أن نكون أنفسنا دون أن نبذل جهدًا لشرحها. لهذا يبدو الفنجان في قراءتكِ أبعد من كونه وعاءً للذكرى؛ إنه شاهدٌ على علاقةٍ كانت تمنح الأشياء بساطتها، ثم جعلها الفقد عصيّةً على الاحتمال. وليس موجعًا أن يبقى المقعد فارغًا فحسب، بل أن تبقى فينا حركةُ إفساح المكان لمن لن يجلس. فما أشدّ أن يعرف العقل حقيقة الرحيل، وتظلّ اليد تتصرّف على رجاء اللقاء. وأميل، في امتداد سؤالكِ الأخير، إلى أن الغياب يكشف قداسة التفاصيل أكثر مما يصنعها. كانت المحبّة هناك منذ البداية، لكنها كانت ترتدي ثياب اليوم العادي: سؤالًا عن التعب، وفنجانًا يُقرَّب إلى اليد، وانتظارًا عند الباب. لم تكن قليلة القيمة؛ كنّا فقط نعيشها بثقة من يظنّ أن الغد سيعيدها. وحين انقطع تكرارها، أدركنا أن ما حسبناه عابرًا كان يحمل حياتنا في هدوء. غير أنّ للفقد مفارقته القاسية: إنه يعلّمنا قراءة النعمة بعد أن يغيب بعض حروفها. ولعلّ الوفاء الأجمل للراحلين ألّا نحفظ آثارهم وحدها، بل أن نحمل ما كشفه رحيلهم إلى من لا يزالون معنا؛ أن نصغي قبل أن يصير الصوت ذكرى، وأن نقول المحبّة قبل أن تصبح الكلمات حديثًا طويلًا مع مقعدٍ فارغ. لقد تركتِ لنا، أستاذتي، سؤالًا لا يطلب جوابًا ينهيه، بل بصيرةً تجعلنا نعود إلى حياتنا أكثر انتباهًا. وبعد هذا التأمّل، لا يعود السؤال: كيف نحفظ الذين غابوا في تفاصيلنا؟ بل يصبح أيضًا: كيف نمنح الذين يحضرون الآن حقّهم من القلب، قبل أن نكتشف، متأخّرين، أنهم كانوا معنى المكان، لا مجرّد عابرين فيه؟ منى السيد حمود حين تفقد الأشياءُ قدرتها على إعادتنا إلى أنفسنا ثمة ما لم أتوقف عنده في قصة «طقوس الشاي المقدسة»؛ وهو أن الإنسان لا يترك ذكرياته في الأشياء فحسب، بل يترك فيها، دون أن يدري، صورةً من نفسه. فالطاولة التي شهدت ألف مساء لا تحفظ تفاصيل اللقاء وحدها، بل تحفظ أيضًا إنسانًا كان يجلس إليها بقلب مختلف، يرى الغد بعينين، ويجد في أبسط الأشياء سببًا للطمأنينة. وحين يرحل من نحب، لا تتغير الأشياء بالضرورة، ولا تفقد ملامحها؛ الذي يتغير هو قدرتنا على العبور من خلالها إلى المعنى الذي عرفناه يومًا. يبقى الفنجان فنجانًا، وتبقى الملعقة قادرة على الدوران، لكن الإنسان الذي كان يمنح هذه الحركة روحها لم يعد حاضرًا. وهنا يلوح لي سؤال يتجاوز الحنين: هل نحزن لأن الذين نحبهم غابوا، أم لأن غيابهم يكشف لنا أننا كنا نعيش، من خلالهم، نسخةً من أنفسنا لم نكن نعرفها إلا بقربهم؟ لعل الفقد لا يأخذ منا شخصًا فقط؛ إنه يضعنا أمام ذواتنا بعد أن تُسحب منها المعاني التي ألفتها. فنعود إلى الأماكن ذاتها، ونلمس الأشياء ذاتها، لكننا نكتشف أن التشابه بين الأمس واليوم لا يعني أن شيئًا لم يتغير. إن أعمق ما تفعله الذاكرة أنها لا تعيد إلينا الماضي كما كان، بل تجعلنا نرى المسافة بين من كنّا ومن أصبحنا. ولهذا، ليست كل عودة إلى التفاصيل عودةً إلى أصحابها؛ فقد نبلغ المكان نفسه، ولا نبلغ القلب الذي تركناه فيه. وربما تكمن قسوة الغياب الحقيقية في هذه المفارقة: أن تبقى الحياة محتفظةً بأشيائها، بينما نحتاج نحن إلى أن نتعلم من جديد كيف نسكنها. فليست كل الأشياء التي تبقى قادرةً على أن تعيد إلينا ما فقدناه؛ بعضها يكشف لنا، بصمت، مقدار ما تغيّر فينا. طه عبد الرحمن منى السيد حمود الاستاذة منى السيد حمود، كأنكِ في هذا التأمّل قد أصغيتِ إلى الصمت الذي يأتي بعد ارتطام الملعقة بحافّة الفنجان؛ ذلك الصمت الذي لا تسكته حركةٌ مألوفة، لأن اليد تستطيع أن تعيد الطقس، ولا تستطيع أن تعيد الحياة التي كانت تجري فيه. لقد نقلتِ القراءة من سؤال: «أين الذين رحلوا؟» إلى سؤال أشدّ مساسًا بالروح: «أين نحن الذين كنّا في حضورهم؟». وهنا تبلغ كلماتكِ موضعها الأعمق؛ فالذين نحبّهم لا يشغلون أماكن في حياتنا فحسب، بل يفتحون فينا أماكن لا نبلغها وحدنا. مع أحدهم نصير أكثر بساطة، ومع آخر أكثر شجاعة، وبقرب ثالث نطمئن إلى أن ضعفنا لن يُساء فهمه. فإذا غابوا، افتقدنا وجوههم، وافتقدنا معها تلك المساحات التي كانت تستيقظ فينا حين ينادون أسماءنا. كأن الاسم يبقى اسمنا، لكنّ نبرةً واحدةً كانت تمنحه بيتًا لم تعد تصل إليه. ولذلك لا أرى سؤالكِ مفاضلةً بين الحزن عليهم والحزن على أنفسنا؛ فالمحبّة أعمق من أن تفصل بين طرفيها بهذه السهولة. نحن لا نحزن على ذواتنا بدلًا منهم، بل نحزن على الصلة التي كان كلٌّ منّا يجد فيها الآخر ويجد نفسه أيضًا. وما نفتقده ليس وجهًا يقابلنا وحسب، وإنما عالمٌ كان يتكوّن بين وجهين؛ عالمٌ لا يستطيع أحدهما، مهما أخلص للذكرى، أن يعيد بناءه وحده. أما الأشياء، فما أقسى براءتها حين تبقى على حالها! الطاولة لا تعرف أن المساء فقد صوته، والملعقة لا تتردّد قبل أن تدور، والفنجان لا يعتذر عن قدرته على الامتلاء. وحدنا نقف أمام هذا الانتظام البسيط، مستغربين كيف يمكن لكلّ شيء أن يؤدي وظيفته، فيما المعنى الذي جمع الأشياء قد انكسر. ولعلّ هذا هو الوجع الذي التقطتِه بدقّة: أن يستمرّ المشهد، ولا تستمرّ قدرتنا على الانتماء إليه. وأكاد أقرأ في قولكِ: «فقد نبلغ المكان نفسه، ولا نبلغ القلب الذي تركناه فيه» مأساة العودة كلّها؛ فنحن نعرف الطريق إلى البيت، وموضع الطاولة، وكيف يدخل الضوء من النافذة، لكننا لا نعرف الطريق إلى تلك الطمأنينة التي كانت تستقبلنا هناك. نصل إلى العنوان، ولا نصل إلى الوصول. وما أبعد المسافة حين لا تكون بين مكانين، بل بين قلبٍ كان يأمن الغد، وقلبٍ تعلّم أن الأشياء الجميلة ليست مضمونة البقاء. غير أنّ نصّكِ يترك، في عبارة «نتعلّم من جديد كيف نسكنها»، منفذًا رفيقًا للحياة. فالتعلّم هنا لا يعني أن نستبدل الراحلين، ولا أن نُكره أنفسنا على الطمأنينة القديمة؛ ربما يعني أن نقبل بأننا لن نعود كما كنّا، وأن هذا لا يسلبنا حقّ أن نحيا بما أصبحنا عليه. أن نجلس إلى الطاولة دون أن نطالبها بإعادة الأمس، وأن نعدّ الشاي دون أن نجعل كلّ رشفة امتحانًا لقدرتنا على النسيان. للذكرى مكانها، وللحياة التي لم تنتهِ مكانها أيضًا؛ وليس الوفاء أن نحرم الثانية من أجل الأولى. وهكذا تصبح الذاكرة في قراءتكِ أبعد من حراسة ما مضى؛ إنها مواجهةٌ رقيقةٌ ومؤلمةٌ مع ما تركه الماضي فينا. تكشف ما انطفأ، نعم، لكنها قد تكشف أيضًا ما انتقل إلينا: لفتةً تعلّمناها من الراحل، ورحمةً وسّع بها قلوبنا، وطريقةً في الإصغاء ما زلنا نهبها للآخرين. فلا يعود بقاؤه محصورًا في الأشياء التي لمسها، بل يمتدّ إلى ما صرنا نفعله لأنّه مرّ بحياتنا. ما أجمل ما فتحتِه، أستاذتي، وما أشدّ صدقه: ليست كلّ عودةٍ استعادة، وليس كلّ بقاءٍ عزاءً. وربما لا تعيدنا الأشياء إلى أنفسنا القديمة، لكنها تمنحنا لحظةً نرى فيها أنفسنا الجديدة دون مواربة؛ فنحزن عليها، ونرفق بها، ونتعلّم ألّا نتركها وحيدةً هي الأخرى. لعلّ الوفاء، في آخر الأمر، أن نُبقي لمن رحل موضعًا في القلب، من غير أن نجعل القلب كلّه مقعدًا فارغًا. منى السيد حمود طه عبد الرحمن حين يكتشف النقد ما لم يقصده النص الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن، والأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، لعلّ ما يستحق التأمل، وراء تعدّد القراءات وتباين التأويلات، هو هذا السؤال: هل يقول النصّ كلَّ ما يعرفه صاحبه، أم أن في الكلمات حياةً تتجاوز وعي كاتبها، فلا تنكشف بعض معانيها إلا حين يمرّ بها قارئٌ يحمل تجربةً مختلفة؟ قد يكتب المبدع نصّه من نافذة تجربته، ثم يأتي الناقد فيفتح فيه نوافذ لم يكن المبدع قد التفت إليها؛ لا لأن أحدهما أعمق من الآخر بالضرورة، بل لأن المعنى لا يعيش في الكلمات وحدها، وإنما يتشكّل أيضًا في المسافة بين ما أراده الكاتب، وما احتمله النص، وما أيقظه في وعي القارئ. وهنا تكمن المفارقة الجميلة: قد يكون النصّ ملكًا لصاحبه لحظة الكتابة، لكنه يصبح، لحظة القراءة، مساحةً يلتقي فيها وعيان، وربما تتولّد فيها فكرة ثالثة لم يمتلكها أيٌّ منهما منفردًا. لكن السؤال الأعمق يظلّ قائمًا: متى يكون التأويل كشفًا عن أعماق النص، ومتى يصبح إسقاطًا لأفكارنا عليه؟ أظنّ أن المسافة بين الأمرين هي الامتحان الحقيقي للناقد؛ أن يُنصت إلى النص حتى لا يظلمه، وأن يُنصت إلى وعيه حتى لا يخلط بين ما يقوله النصّ وما يرغب هو في أن يقوله. فالنقد الذي يكتفي بشرح ما نعرفه لا يضيف كثيرًا، والنقد الذي يحمّل النصّ ما لا يحتمل يبتعد عنه؛ أما النقد الخلّاق، فهو الذي يجعلنا نعود إلى النصّ نفسه، لكن بعيونٍ لم نكن نملكها قبل القراءة. وربما لا تكون عظمة النصّ في أن يمنحنا إجابةً نهائية، بل في أن يوقظ فينا سؤالًا لم نكن نعرف أننا بحاجةٍ إلى طرحه. منى السيد حمود. سورية
منى السيد حمود طه عبد الرحمن حين تفقد الأشياء لغتها ليست مأساة الغياب أن يرحل الذين نحبهم فحسب، بل أن ترحل معهم لغةٌ كاملة لم يكن يفهمها سوانا. ثمة تفاصيل تبدو عاديةً في أعين الآخرين، لكنها بين قلبين تتحوّل إلى معجمٍ خاص؛ فنجان شاي، وموعد يتكرّر، وصمت لا يحتاج إلى تفسير. ومع الزمن، لا تعود هذه الأشياء مجرد عادات، بل تصبح لغةً خفيّة تصنعها الألفة، ويمنحها الحب معناها. وحين يغيب أحد القلبين، تبقى الأشياء في أماكنها؛ الفنجان هو الفنجان، والمكان هو المكان، والوقت يمضي كأن شيئًا لم يحدث. لكن شيئًا جوهريًا يكون قد انكسر: المعنى الذي لم يكن في الأشياء ذاتها، بل في المسافة الحيّة التي كانت تجمع روحين من خلالها. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل نقدّس التفاصيل لأنها جميلة في ذاتها، أم لأن الذين شاركونا إياها منحونا لغةً لا نستطيع تعلّمها من جديد مع أحد آخر؟ لعلّ أعمق ما يفعله الغياب أنه لا يسلبنا الأشخاص وحدهم، بل يكشف لنا أن بعض المعاني لا تسكن الأشياء، وإنما تولد بيننا وبين من نحب. وحين تنقطع تلك الصلة، تبقى الأشياء شاهدةً على لغةٍ كانت حيّة، ولم يعد في وسع أحد أن يتحدّث بها كما كان. فبعض الغياب لا يُفرغ المكان من أصحابه، بل يُبقي المكان كما هو، وينزع عنه المعنى الذي كان يجعله وطنًا. منى السيد حمود طه عبد الرحمن حين يلتقي النصُّ ببصيرة قارئه الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، ما أجمل أن يجد النصُّ في قارئه مرآةً لا تكتفي بعكس ملامحه، بل تنفذ إلى ما وراءها، فتُضيء زوايا ربما تركها الكاتب في عهدة الصمت، لتأتي القراءة وتمنحها صوتًا آخر. أشكركم على هذا الردّ الذي تجاوز حدود الامتنان إلى حوارٍ أدبيّ تتلاقح فيه الرؤى، وتتّسع فيه المعاني. ولعلّ أجمل ما في الكتابة أن الكاتب، حين يهب نصّه للناس، لا يعود المعنى ملكًا له وحده؛ إذ تبدأ الكلمات حياةً أخرى في قلوب القرّاء، ويغدو لكلّ قلبٍ طريقته في اكتشاف ما تخبّئه الحروف. لم أقرأ «طقوس الشاي المقدسة» بوصفها حكاية فنجان، بل بوصفها حكاية الإنسان حين يُخبّئ عمرًا كاملًا في تفصيلٍ صغير؛ فثمة أشياء نشربها بأيدينا، لكننا في الحقيقة نرتشف معها وجوهًا غابت، وأزمنةً لن تعود، ودفئًا ما زالت أرواحنا تبحث عنه في الأشياء. وربما لهذا بدا لي الشاي أبعد من مشروب؛ لقد كان ذاكرةً تتصاعد أبخرتها، كلما ظنّ القلب أنّه نجا من الحنين. أما احتمال الأمومة الذي توقّفتُ عنده، فلم يكن محاولةً لفرض معنى على النصّ، بل إيمانًا بأنّ النصوص العميقة تترك أبوابها مواربةً أمام التأويل؛ فالأمّ قد تكون الوجه الأول للحبّ، وقد يكون الحبّ نفسه أمًّا لكلّ ذكرى لا ترضى أن تموت. وهنا تكمن روعة الأدب: أن يكتب أحدنا عن امرأة، فيرى فيها قارئٌ أمّه، ويرى آخر وطنه، ويجد ثالثٌ فيها حكاية قلبه. ولعلّ أجمل ما بين الكاتب والقارئ أن يلتقيا عند المعنى، ثم يختلفا في اتّساعه؛ فالكاتب يضع بذرة الحكاية، والقارئ يمنحها من روحه ما يجعلها تُزهر في أرضٍ أخرى. وليس في ذلك أن تتقدّم القراءة على النصّ أو تعلو عليه، بل أن يضيء أحدهما الآخر، فيصبح الأدب لقاءً بين روحين، لا مسابقةً بين قلمَين. شكرًا لكم، دكتور طه، لأنكم استقبلتم قراءتي بهذا النبل، ولأنكم جعلتم من ردّكم نصًّا يستحقّ أن يُقرأ بتأنٍّ. وأرجو أن تبقى بيننا هذه المساحة الجميلة التي تتّسع للكلمة الصادقة، وتحترم اختلاف التأويل، وتؤمن بأنّ المعنى كلّما لامس قلبًا جديدًا، اكتشف من الحياة وجهًا آخر. فليس أجمل من كاتبٍ يُحسن الإصغاء إلى قرّائه، ولا من قارئٍ يردّ إلى النصّ بعضًا من روحه؛ وحين يحدث ذلك، لا يعود الفنجان مجرّد فنجان، بل يصبح مساحةً صغيرةً تتّسع لذاكرة الإنسان كلّها. منى السيد حمود.سورية منى السيد حمود طه عبد الرحمن ما الذي يغيب فينا حين يغيب الآخر؟ ثمة وجهٌ آخر للفقد لا تلتقطه الذاكرة وحدها؛ فنحن لا نفتقد الذين رحلوا فحسب، بل نفتقد أحيانًا الإنسان الذي كنّاه في حضرتهم. غير أنّ السؤال الأعمق ليس: كيف يستمرّ الغائب فينا؟ بل: ماذا فعل حضوره بنا حتى أصبح جزءًا من تكويننا؟ لعلّ بعض العلاقات لا تمرّ في حياتنا كما تمرّ الأحداث؛ إنها تعيد تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا، وتمنحنا لغةً جديدة للشعور، ومساحةً آمنة نكون فيها على سجيتنا، من غير خوفٍ من سوء الفهم أو حاجةٍ إلى تبرير ما في أعماقنا. وحين يغيب أصحابها، لا يخلو المكان وحده؛ بل تنكشف المسافة بين ما كنّاه معهم وما أصبحنا عليه بعدهم. وهنا تكمن مفارقة الفقد: أننا نبحث عن الغائب في الأشياء التي تركها، بينما قد يكون أعمق حضوره فيما تركه فينا. في طريقةٍ تغيّرت بها قلوبنا، وفي معنىً لم نكن نراه قبل أن نعرفه، وفي جزءٍ من أرواحنا لم يكن ليأخذ شكله لولا مروره في حياتنا. لكن هل الوفاء أن نبقى أسرى الصورة التي جمعتنا بالراحلين، أم أن نحمل أثرهم إلى الحياة من دون أن نتجمّد عند لحظة رحيلهم؟ أميل إلى أن الأثر الحقيقي لا يطلب منّا أن نعيش داخل الغياب، بل أن نفهم ما كشفه لنا الحضور. فالذين أحببناهم بصدق لا يتركون فينا فراغًا فحسب؛ قد يتركون قدرةً أوسع على الحب، وبصيرةً أعمق في فهم الآخرين، ووعيًا بأن بعض العلاقات لا تنتهي تمامًا، لأنها تتحوّل من حضورٍ نراه إلى معنىً نعيشه. وربما لا يكون السؤال الأخير: كيف نستعيد أنفسنا التي فقدناها برحيلهم؟ بل: كيف نصالح أنفسنا الجديدة مع ذلك الجزء القديم الذي ما زال يناديهم؟ فليس كل ما يبقى بعد الغياب ذكرى، وليس كل ما يتغيّر فينا خسارة؛ أحيانًا يكون الأثر هو الطريقة التي يواصل بها الحبّ تشكيلنا، حتى بعد أن يتوقّف اللقاء. منى السيد حمود.سوريه ********************* مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · 11/10/2026 مسؤول خبير بالمجموعة [ أسابيع الرؤى الثقافية] منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب الثقافية الإبداعية والنقدية، لنخبة المثقفات والمثقفين العرب. إعداد وإدارة الناقد عبد الرحمن بوطيب الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطين العدد الخامس الحلقة السابعة: الأحد 11 أكتوبر 2026 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "فوضى النشر المعاصر: حين تتسع فضاءات الكتابة وتكبر الحاجة إلى الجودة" قراءة تفاعلية في مقالة طه دخل الله عبد الرحمن الموسومة بعنوان "فوضى النشر المعاصر" الناقد عبد الرحمن بوطيب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1/ مقالة "فوضى النشر المعاصر" / د. طه عبد الرحمن
أيها القارئ الكريم، إن المتأمل في حال النشر في هذا العصر لَيُصابُ بالذهول والدهشة، فقد انقلبت الموازين، وتغيرت المفاهيم، وغدا كل صاحب قلم، بل كل مُمسك بهاتف، ناشرا ومؤلفا، لقد زالت الحواجز التي كانت تحمي ساحة الثقافة من الدخلاء، فانهارت بذلك قيم الجودة والتحرير والانتقاء، وسادت فوضى عارمة طالت الكلمة والمضمون والشكل. في الماضي، كان النشر حلما يراود الأدباء، وغايةً يسعون إليها بشوق، وكانت دور النشر بمثابة حراس للبيت الثقافي، ينتقون الأفضل، ويصقلون المواهب، ويحمون اللغة من اللحن، والفكر من السطحية. أما اليوم، فقد أصبح النشر متاحا لكل من هبَّ ودبَّ، فانهالت علينا سيول من الكتب والمقالات التي تخلو من العمق، وتفقد عناصر الجمال، وتنضح بالضعف والركاكة. لقد أفسحت منصات النشر الإلكتروني المجالَ لكل صوت، فاختلط الحابل بالنابل، وضاع الجوهر في زحام الكم. لم يعد القارئ يملك ميزانا يميز به بين الغث والسمين، ولا مرشدا يهديه إلى طريق الجودة، وأصبح الكاتب الجديد يتيه في بحر من التنافس غير الشريف، حيث لا معاييرَ للتمييز، ولا ضوابطَ للجودة. ولعل أخطر ما في هذه الفوضى هو ما أصاب اللغة العربية من وهن، فقد غزت العاميةُ والفصحى المكسورةُ صفحات الكتب، واعتادت العيون على الخطأ، فصار الصواب غريبا، والبلاغةُ طرفةً بين الناس. لقد أضحت الأخطاء اللغوية سمة من سمات النشر المعاصر، حتى إن القارئ ليظن أن هذه الهنات من صلب اللغة وجزءا من كينونتها. ولا يقل خطرا عن ذلك ما تعانيه الساحة من غياب للتحرير الأدبي. فما عاد هناك من يصحح الأخطاء، أو يقدم النصح للكاتب، أو يرتب الأفكار ويصقل العبارات. فأصبحت الكتب تظهر إلى النور وهي حبلى بالأخطاء، مشوشة في مضامينها، مضطربة في ترتيبها. إن هذه الفوضى لتؤدي بالضرورة إلى إهمال الكتب الجيدة، وإلى تشتيت انتباه القارئ، وإلى خلق جيل من القراء لا يميز بين الأدب الرفيع والكتابة المتواضعة، وقد يصل الأمر إلى انحدار الذوق العام، وموت الحس النقدي، وغياب المعايير التي على أساسها تُقيم الأعمال الأدبية. غير أن الأمل لا يزال موجودا، ففي خضم هذه العاصفة، تبقى هناك أصوات شجاعة تحاول أن تعلو فوق الضجيج، وأن تقدم للأدب حقه من الجودة والعمق والجمال. وإن على دور النشر الأصيلة أن تعيد النظر في سياساتها، وأن تتحمل مسؤوليتها في الحفاظ على مكانة الكلمة، وأن تقدم للقارئ ما يستحقه من أدب رفيع. وإن على القارئ أيضا أن يتحمل جزءا من المسؤولية، بأن ينتقي ما يقرأ، وأن يبحث عن الجودة في خضم هذه الفوضى، وأن يدعم الكتّاب الجادين الذين يحترمون الكلمة والقارئ. فيا أصحاب الأقلام، إن الكلمة أمانة، والأدب مسؤولية، فلا تُسوِّدوا الصحائف بما لا يليق، وليكن نُشركم عبرة وفائدة، لا ضياعا وعبثا، واعلموا أن الكلمة الخالدة هي التي تصمد أمام النقد، وتستحق البقاء، لا التي تذهب مع الريح في عصر الفوضى. طه دخل الله عبد الرحمن / فلسطين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 2/ القراءة التفاعلية النقدية / أ. عبد الرحمن بوطيب "فوضى النشر المعاصر: حين تتسع فضاءات الكتابة وتكبر الحاجة إلى الجودة" تفتح مقالة “فوضى النشر المعاصر” للناقد الفلسطيني د. طه دخل الله عبد الرحمن نافذة على انشغال ثقافي مشروع، يتصل بما آلت إليه علاقة الكاتب بالنشر، وبما أتاحته الوسائط الرقمية من فرص واسعة لتداول الكلمة، وما رافق ذلك من أسئلة حول الجودة والتحرير واللغة وذائقة القارئ، ومن خلال نبرة يطبعها القلق على مكانة الأدب، يستحضر د. طه دخل الله عبد الرحمن تحولات المشهد الراهن، متوقفا عند ما يراه من تراجع في شروط الانتقاء والمراجعة، وتزايد في الأعمال التي لا تستوفي، في تقديره، ما ينبغي أن يتوافر في الكتاب من عمق وجمال وإحكام، ويبدو أن ما يحرك هذه الكتابة، في جوهره، ليس مجرد الاعتراض على كثرة المنشورات، وإنما الخوف على الكلمة من أن تفقد شيئا من قيمتها في زحام التداول، وعلى القارئ من أن تضيق أمامه فرص الاهتداء إلى ما يستحق القراءة والتأمل. هو انشغال نتفهم دوافعه، بل نجد فيه دعوة صريحة إلى إعادة الاعتبار لعدد من القيم التي تحتاج إليها الحياة الثقافية في كل زمان: العناية باللغة، واحترام القارئ، والإخلاص للعمل الإبداعي، والإيمان بأن الكتابة ليست مجرد رغبة في الظهور، وإنما تجربة تتطلب الصبر والتعلم والمراجعة، فالكلمة، حين تغادر صاحبها إلى الناس، تصبح جزءا من فضاء مشترك، وتغدو العناية بها شكلا من أشكال احترام الذات والآخر معا. ومن هذه الزاوية، تكتسب ملاحظات الكاتب المحترم أهميتها، لأنها تذكرنا بأن سهولة النشر، مهما كانت مكاسبها، لا تغني عن العمل الجاد، وأن الوصول إلى القارئ لا يعفي النص من استحقاقات الكتابة. لقد تغيرت شروط النشر بالفعل، ولم يعد الطريق إلى القارئ محصورا في المؤسسات التقليدية، أو خاضعا بالضرورة لموافقتها، فقد أتاحت المنصات الرقمية لكثير من الأصوات أن تعبر عن نفسها، ومنحت التجارب الشابة فرصة الظهور والتواصل، وفتحت أمام الكتاب فضاءات جديدة للتجريب وتبادل الخبرات. وربما كان في هذا التحول ما يستحق الاحتفاء، بقدر ما يستحق التأمل؛، إذ لم تعد المسافة بين النص وقارئه طويلة كما كانت، ولم يعد تعثر النشر الورقي حكما نهائيا على تجربة إبداعية أو مشروعا ثقافيا. لكن هذه الوفرة تضعنا، في المقابل، أمام مسؤولية ثقافية جديدة: كيف نساعد النصوص على أن تجد قراءها، وكيف نمنح التجارب الجادة فرصتها في الظهور، وكيف نميز بين مجرد إتاحة الكتابة وبين تحقق القيمة الأدبية فيها؟
هنا تلتقي مخاوف المقالة مع سؤال أوسع، لا يتعلق بكثرة ما ينشر فحسب، وإنما بمدى تطور ثقافة القراءة والنقد والتحرير بما يواكب هذه الكثرة، فالمشكلة ليست في أن تتعدد الأصوات، بل في أن تظل حاجتنا قائمة إلى الإصغاء الجيد إليها، وإلى امتلاك الأدوات التي تساعدنا على اكتشاف ما تحمله من إضافة، وما قد يعتريها من قصور. ولعل صورة دور النشر بوصفها حارسة للبيت الثقافي تستدعي، في هذا السياق، استحضار وظيفتها النبيلة، حين تتولى مرافقة الكاتب في رحلته نحو الكتاب، وتمنح النص ما يحتاج إليه من مراجعة وتدقيق وتنسيق، وتساعده على بلوغ قارئه في صورة تليق بجهده، غير أن هذه الوظيفة لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة مغلقة على الأذواق والتجارب، بل الأجمل أن تكون جسرا بين حرية الإبداع ومتطلبات الجودة، وبين حق الكاتب في التجريب وحق القارئ في نص يحترم وقته ووعيه، فالتجارب الأدبية الجديدة تحتاج إلى من يرافقها ويصغي إلى أسئلتها، مثلما تحتاج إلى من ينبهها، برفق وخبرة، إلى ما يمكن أن تطوره في لغتها وبنائها ورؤيتها. ومن هنا، فإن استعادة دور التحرير الأدبي تبدو ضرورة ثقافية لا خلاف حولها، فالتحرير ليس مجرد تصحيح للأخطاء، ولا تدخلا ينتقص من حرية الكاتب، بل هو في صورته الأجمل حوار بين صاحب النص ومن يمتلك الخبرة في قراءته ومراجعته، فقد تكون ملاحظة صغيرة كفيلة بإضاءة موضع غامض، أو إعادة ترتيب فكرة بما يمنحها مزيدا من الوضوح، أو تنبيه الكاتب إلى تكرار أضعف إيقاع عبارته، غير أن هذا العمل يظل أكثر قيمة حين يحترم خصوصية التجربة، ويدرك أن لكل كاتب صوته، ولكل نص منطقه الداخلي، وأن ما يبدو مألوفا في كتابة قد يكون جزءا من فرادة كتابة أخرى. أما اللغة العربية، التي يخصها الكاتب بنصيب وافر من القلق، فهي تستحق بالفعل عناية تتجاوز التصحيح العابر إلى ترسيخ ثقافة لغوية تجعل من سلامة التعبير جزءا من التكوين الأدبي، فالأخطاء المتكررة، حين تمر من دون مراجعة، قد تحجب جمال الفكرة، وتضعف ثقة القارئ بالنص، وتكشف عن حاجة إلى مزيد من التعلم والعناية... ومع ذلك، فإن صون اللغة لا يعني إغلاقها أمام حيوية الاستعمال وتنوعه، فاللغة فضاء حي يتسع لمستويات متعددة من التعبير، وقد تجد العامية مكانها الطبيعي في نص سردي أو حواري، كما قد تتخذ الكتابة الفصيحة من الانزياح والتجريب سبيلا إلى بناء جماليتها الخاصة، والفارق المهم هنا هو أن يكون الاختيار اللغوي واعيا بوظيفته، وأن يصدر عن حاجة فنية أو دلالية، لا عن عجز يمكن تداركه بالمراجعة والتعلم. ولعل ما نحتاج إليه، في هذا الباب، هو أن ننظر إلى الخطأ بوصفه فرصة للتعلم، لا سببا كافيا لإقصاء الكاتب أو التقليل من تجربته، فكم من موهبة بدأت بخطوات مرتبكة، ثم وجدت في القراءة والتوجيه والممارسة ما ساعدها على النضج. ولا يعني ذلك التساهلَ مع ضعف الكتابة، وإنما يعني أن نربط الحرص على الجودة بإمكانية التطور، وأن نجعل من النقد قوة مرافقة للإبداع، لا مجرد أداة لإصدار الأحكام عليه، فالثقافة التي تحسن اكتشاف العثرات، ثم تساعد على تجاوزها، أكثر قدرة على تجديد نفسها من ثقافة تكتفي بتسجيلها. وتتصل بذلك مخاوف المقالة من ضياع الكتب الجيدة وسط وفرة المنشورات، ومن تراجع قدرة القارئ على التمييز بين الأعمال، وهي مخاوف جديرة بالاهتمام، خصوصا في زمن تتزاحم فيه المواد المقروءة، وتتداخل فيه القيمة الأدبية مع مقاييس الانتشار وسرعة التداول، لكن القارئ، في المقابل، ليس مجرد متلق سلبي تفرض عليه كثرة الكتب ذائقة بعينها، إنه قادر على التعلم والاختيار، متى توفرت له فرص القراءة المتأنية، والنقد الجاد، والتوصيات المسؤولة. وقد تكون الوفرة نفسها مدخلا إلى اكتشاف أصوات لم تكن لتصل إليه في ظروف أخرى، شريطة أن تصاحبها مبادرات ثقافية تساعد على التوجيه، وتفتح المجال أمام النقاش، وتعيد إلى القراءة معناها بوصفها تجربة للمعرفة والمتعة واكتشاف الذات والآخر. ولذلك، فإن تطوير الذائقة لا يقع على عاتق الكاتب وحده، ولا يمكن تحميل الناشر أو القارئ وحده مسؤولية ما يعتري المشهد من اختلالات، إنها مسؤولية مشتركة تتوزع بين التعليم، والمؤسسات الثقافية، ودور النشر، والنقاد، والكتاب، ومنصات التداول، والقراء أنفسهم... وكلما تعزز التعاون بين هذه الأطراف، أمكن تحويل وفرة النشر من مصدر للتشتت إلى فرصة لتوسيع المشاركة الثقافية، فالنقد الذي يرشد القارئ إلى مكامن الجمال، ويشرح له أسباب التعثر، ويضع الأعمال في سياقاتها، لا يقل أهمية عن التحرير الذي يهيئ النص للنشر، أو عن الكاتب الذي يمنحه من وقته ووجدانه ما يجعله جديرا بالمشاركة. ومن هنا، يمكن أن نقرأ خاتمة المقالة، بما تتضمنه من دعوة إلى احترام الكلمة ومسؤولية الأدب، بوصفها نداء إلى الضمير الثقافي المشترك، فالكاتب مطالب بأن يمنح نصه ما يستحقه من عناية، والناشر بأن يوازن بين متطلبات العمل المهني وحرية الإبداع، والناقد بأن يبتعد عن المجاملة والأحكام الجاهزة، والقارئ بأن يمنح الكتاب فرصة القراءة قبل إصدار الحكم عليه، وهي مسؤوليات لا تتعارض، بل يكمل بعضها بعضا، وكلما نهض كل طرف بنصيبه منها، ازدادت فرص الأدب في أن يحافظ على حضوره، وأن يجد في تعدد المنابر ما يغذي حيويته بدل أن ينتقص منها. إن مقالة د. طه دخل الله عبد الرحمن تذكرنا، في النهاية، بأن القلق على جودة النشر هو وجه من وجوه القلق على مستقبل الثقافة، وأن هذا القلق يمكن أن يكون بداية حوار مثمر، متى اقترن بالإنصات إلى التحولات الجديدة، والاعتراف بما تتيحه من إمكانات، والبحث عن سبل عملية لتجاوز ما يرافقها من صعوبات، فليس مطلوبا أن نختار بين النشر الواسع والجودة، ولا بين حرية التعبير والمسؤولية، ولا بين احترام اللغة والانفتاح على التجريب، بل أن نبحث عن الصيغ التي تجعل هذه القيم متكاملة، وتمنح كل واحدة منها مكانها المناسب في الحياة الأدبية. ولعل الكلمة التي تستحق البقاء هي تلك التي تجد طريقها إلى القارئ بما تحمله من صدق التعبير، وخصوصية الرؤية، وجمال البناء، وعمق الأسئلة، غير أن الطريق إلى هذا البقاء لا ترسمه مؤسسة واحدة، ولا تحسمه لحظة النشر، بل تشارك في بنائه القراءة والنقد والحوار ومرور الزمن، فالأدب لا يزدهر حين نضيق المجال أمام الكلمة، وإنما حين نهيئ لها فضاء حرا ومسؤولا، ونرافق التجارب في نموها، ونحتفي بما يضيف الجمال إلى حياتنا، من غير أن نتخلى عن حقنا في السؤال والتمييز. بهذا المعنى، لا تبدو مواجهة ما يسمى فوضى النشر دعوة إلى تقليص أصوات الكتابة، بقدر ما تبدو حاجة إلى تعميق الإصغاء إليها، ولا تكون حماية الأدب بإغلاق الأبواب، وإنما بفتحها على معرفة أوسع، وقراءة أكثر وعيا، ونقد أكثر إنصافا. ولعل أجمل ما يمكن أن يجمعنا حول هذه القضية هو الإيمان بأن الكلمة، مهما تعددت مسالكها، تظل أمانة مشتركة، وأن العناية بها لا تبدأ من إدانة من يكتبون، بل من بناء ثقافة تساعدهم على أن يكتبوا أفضل، وتعين القراء على أن يكتشفوا الأجمل، وتمنح الأدب فرصة متجددة ليظل فضاء للحرية والمعرفة والجمال. عبد الرحمن بوطيب / المغرب — مع طه عبد الرحمن. ****************** الردود والتعليقات: ردي على قراءة الأستاذ عبد الرحمن بوطيب بين حراسة الكلمة وحرية الضوء: رسالة إلى عبد الرحمن بوطيب في المعنى الذي ينجو بالحوار للكلمة حياتان: حياةٌ تستمدها من وجدان كاتبها، وأخرى يمنحها إياها قارئ يعرف كيف يصغي إلى ما وراء العبارة. وفي حياتها الأولى تكون أشبه بنبع يحمل حرارة الأرض التي خرج منها؛ فإذا لقيت قراءة بصيرة، اتسع مجراها، وانكشفت لها ضفاف لم تكن تراها. وليس فضل الناقد أن يرد إلى الكاتب صورته كما أحب أن يراها، بل أن يضع أمامه مرآة لا تجامل ملامحه ولا تشوهها، فيتبين فيها ما أحكمه وما استعجل فيه، وما قاله وما حجبه عنه اندفاع القول. من هذا الباب دخلت قراءتكم إلى مقالتي، أستاذي عبد الرحمن بوطيب؛ فلم تقف عند ظاهر احتجاجها، ولم تستسلم لحرارة نبرتها، وإنما أصغت إلى الخوف الذي أنطقها، ثم سألت ذلك الخوف، في رفق وحزم، عما قد يغيب عنه وهو يدافع عما يحب. لقد وجدت في قراءتكم أدبًا مع النص لا يقل قيمة عن الأدب الذي نطلبه في النص؛ أدبًا يجعل الاختلاف سبيلًا إلى المعرفة، لا مناسبة لاستعراض الغلبة. قرأتم «فوضى النشر المعاصر» بعين تحفظ للكاتب شرف قصده، ولا تعفي عبارته من مسؤولية دلالتها. وتلك دقة أقدرها؛ إذ ليس حسن المقصد برهانًا على سلامة الحكم، كما أن المبالغة في الحكم لا تبطل بالضرورة صدق المقصد. وبين هذين الطرفين أقمتم ميزانكم، فأبقيتم على مشروعية القلق، وفتحتم أحكامه على المراجعة، كأنكم تقولون: إن ما يستحق الدفاع عنه، يستحق أيضًا أن نراجع الطريقة التي ندافع بها عنه. وأحسب أن الإنصاف هنا ليس زينةً أخلاقية تضاف إلى النقد بعد اكتماله، بل هو شرط من شروط بصيرته. فالقراءة التي تدخل النص وفي يدها حكم جاهز لا تكتشفه؛ إنها تبحث فيه عما يؤيدها. أما قراءتكم فقد بدأت من التعرف إلى الدافع، ثم مضت إلى مساءلة ما ترتب عليه من تصورات. لم تطلبوا مني أن أتخلى عن غيرتي على الكلمة، بل دعوتموني إلى أن أخلص لهذه الغيرة على نحو أدق؛ وألا يصبح حرصي على جودة الكتابة سببًا في الاشتباه بحق الآخرين في أن يجربوا الكتابة، ويتعلموا، ويخطئوا، ثم ينضجوا. وحين أعود إلى مقالتي في ضوء هذا الحوار، أرى أن حرارة الاحتجاج قد جمعت أحيانًا في حكم واحد أمورًا تحتاج إلى التمييز. فإتاحة النشر ليست هي الاستسهال، وتعدد الأصوات ليس هو اختلاط القيم، وسقوط بعض الحواجز لا يعني سقوط كل معيار. وقد تتجاور هذه الظواهر في المشهد الذي أقلقني، لكن تجاورها لا يمنحني الحق في جعلها شيئًا واحدًا. هنا أدرك قيمة استدراككم: لقد نقلتم السؤال من إدانة السعة إلى البحث عن الشروط التي تجعل هذه السعة منتجة للمعنى؛ من الخوف من كثرة ما يقال، إلى العناية بما يجعل القول جديرًا بأن يُقرأ. وإذا كنت قد استعنت بصورة البيت الثقافي وحراسه، فإن قراءتكم أعادتني إلى سؤال سابق على الحراسة نفسها: لمن هذا البيت؟ وهل نحميه لكي تظل الحياة ممكنة فيه، أم لكي تبقى غرفه على الهيئة التي ألفناها؟ إن الحراسة تفقد معناها حين يصبح الباب أهم من الداخل، وحين يتحول الاطمئنان إلى المألوف إلى معيار وحيد للقبول. وما أريده لدور النشر ليس أن تستعيد سلطة المنع، وإنما أن تنهض بمسؤولية التكوين؛ أن ترى في النص مشروعًا يستحق الاختبار والعمل، لا طلبًا يُقبل أو يُرد ثم ينتهي الأمر. فالفارق كبير بين من يحرس العتبة، ومن يهيئ داخل البيت مكانًا صالحًا لنمو التجربة. غير أن هذا الاستدراك لا يدعوني إلى التخلي عن المعيار، بل إلى تحريره من الالتباس. فالمعيار الذي أدافع عنه ينبغي أن يكون قادرًا على تفسير حكمه: أين اختل البناء؟ وأين ضعفت اللغة؟ وأي معنى أفسده التكرار؟ وما الذي جعل الاختيار الفني مقنعًا أو مفتعلًا؟ أما الحكم الذي لا يملك إلا نفوره أو إعجابه، فهو ذوق يطلب من الآخرين أن يطيعوه. ولعلنا نتفق هنا على أن حماية الأدب لا تكون بتقديس الذائقة الموروثة، ولا بإعلان براءة كل جديد، وإنما بإخضاع النص لقراءة تبين كيف يعمل، وما الذي يحققه، وما الذي يعجز عنه. وفي هذا الموضع يكتسب تصوركم للتحرير الأدبي عمقًا خاصًا. فليس التحرير تجميلًا لسطح اللغة بينما يبقى اضطراب المعنى في داخلها، وليس اقتطاعًا لكل ما يخالف عادة المحرر. إنه، كما أفهمه في أفق قراءتكم، اختبار للعلاقة بين ما يريد النص قوله وما استطاع أن يقوله بالفعل. قد تكون العبارة سليمة وتظل عاجزة، وقد تكون الفكرة ثمينة ويبددها ترتيب مضطرب، وقد تكون الزيادة فصيحة لكنها تحجب موضع القوة. والمحرر الأمين لا يطارد العثرات وحدها؛ إنه يبحث أيضًا عن الطاقة المهدرة، عن الجملة التي لم تجد مكانها، وعن الصمت الذي كان ينبغي أن يحل محل شرح أثقل النص وأضعف أثره. وأرى أن أصعب ما في هذه المهمة هو التمييز بين عيب ينبغي إصلاحه وخصوصية ينبغي حمايتها. فقد يخطئ المحرر إذا سوّى نتوءات النص كلها، لأن بعضها قد يكون موضع شخصيته. وليس كل وضوح عمقًا، كما ليس كل غموض عجزًا؛ والحكم بينهما يحتاج إلى النظر في وظيفة العبارة داخل بنائها، لا إلى محاكمتها منفردة. من هنا تبدو المراجعة لقاءً بين خبرتين: معرفة الكاتب بما أراد، ومعرفة القارئ بما وصل إليه. وفي المسافة بين الإرادة والوصول يبدأ العمل الحقيقي على النص. أما اللغة العربية، التي حملتها مقالتي إلى قلب القلق، فقد منحها تأملكم مساحة أرحب من الخوف عليها وحده. وأنا، إذ أراجع عباراتي، أريد أن أفرق بين صون اللغة وصون صورة واحدة لاستعمالها. فليس الذي يقلقني أن تتلون العبارة بحياة المتكلمين، أو أن يبحث الكاتب عن إيقاع لم يألفه؛ وإنما يقلقني أن يُترك الخلل بلا سؤال، وأن تُسوَّغ العثرة باسم الحرية قبل التحقق من كونها اختيارًا أصلًا. ولا تكفي تسمية الانحراف تجريبًا لكي يصبح كذلك، كما لا يكفي خروجه عن المألوف للحكم عليه بالفساد. إنما يحسم الأمر ما يؤديه في النص، وما يضيفه إلى الرؤية، وما يكشفه من وعي صاحبه بأداته. لقد نبهتم، في حديثكم عن العامية والانزياح، إلى فرق جوهري بين اللغة التي يختارها الكاتب واللغة التي تضطره إليها قلة التمكن. وأجد في هذا الفرق ما يصون حق التجريب وحق النقد معًا. فالحرية الفنية ليست إعفاءً من البيان، بل بحث عن بيان يلائم التجربة؛ وقد يقتضي هذا البحث تنوعًا في الأصوات والمستويات، لكنه يظل مطالبًا بأن يقنعنا بضرورته. إنني لا أطلب من كل شخصية أن تتكلم كما يكتب صاحب المقالة، ولا من كل نص أن يسير في طريق لغوي واحد؛ أطلب أن أشعر بأن الكاتب يعرف لماذا اختار هذا الطريق، وأن اختياره خدم الحياة التي أراد للنص أن يحملها. وما قلتموه عن الخطأ بوصفه فرصة للتعلم وضع أمامي تمييزًا آخر لا يقل أهمية: أن ضعف النص لا يساوي انعدام قابلية صاحبه للنمو. يجوز لنا أن نكون صارمين في تقويم عمل منشور، ولكن ليس من حقنا أن نجعل ذلك التقويم حكمًا أبديًا على صاحبه. فالنص حاضر بين أيدينا، أما إمكان الكاتب فما يزال يتشكل. وهنا ينبغي أن تكون دقة النقد أكبر من قسوته؛ يقول ما لم يتحقق، ويوضح سبيل العمل عليه، ولا يدعي معرفة النهاية. بذلك لا نخفض معيار الجودة، بل نجعل الوصول إليه ممكنًا لمن يملك الاستعداد للمراجعة وبذل الجهد. وفي قراءتكم للقارئ وجدت تصحيحًا يمس جوهر مقالتي. لقد دفعني الخوف عليه إلى تصويره أحيانًا كأنه واقف بلا حيلة أمام طوفان المنشورات، بينما رددتم إليه حقه في الفعل والتعلم والاختيار. وأرى أن الدفاع عن القارئ يظل ناقصًا إذا جعله وصاية عليه. فلا يكفي أن نقول له إن هذا جيد وذاك رديء؛ الأجدر أن نكشف له أسباب الحكم، ونتيح له أن يفحصها ويختلف معها. عندئذ لا يصبح النقد بديلًا من قراءته، بل معينًا عليها، ولا تكون التوصية أمرًا بالقبول، بل دعوة إلى تجربة يملك أن يختبرها بنفسه. ومن هذا المنظور يتغير معنى العلاقة بين الوفرة والجودة. فالوفرة، في ذاتها، لا تمنح النص قيمة ولا تسلبه إياها؛ إنها توسع مجال ظهوره، وتزيد الحاجة إلى قراءة قادرة على التمييز. وما أخشاه ليس وجود نصوص متفاوتة، وإنما أن تُستبدل أسئلة القيمة بمظاهر الحضور، وأن يصبح مقدار الالتفات إلى العمل حجة على جودته. لكن معالجة هذا الخلل لا تكون بإغلاق منافذ الظهور، بل بإعادة الاعتبار إلى السؤال عن النص نفسه: ماذا رأى؟ وكيف بنى رؤيته؟ وماذا يبقى منه بعد أن تهدأ الضجة المحيطة به؟ ولذلك استوقفتني إشارتكم إلى أن البقاء لا تحسمه لحظة النشر، ولا تمنحه مؤسسة واحدة. ففيها دعوة إلى تواضع ضروري، للكاتب والناشر والناقد جميعًا. قد يعتني الكاتب بنصه ولا يضمن له الخلود، وقد يقدمه الناشر في أحسن صورة ولا يملك أن يفرض قيمته، وقد يصدر الناقد حكمه ولا يغلق به باب القراءة. ليست هذه حدودًا تحط من شأن أدوارهم، بل حدود تجعلها أصدق؛ إذ يعمل كل منهم بما يملك، من غير أن يدعي امتلاك المصير كله. وأحب أن أفهم أمانة الكلمة على هذا النحو: وفاء للعمل الممكن، لا ادعاء لسلطة لا يملكها أحد. هنا، أستاذي عبد الرحمن بوطيب، يتبين لي أن قراءتكم لم تعارض الغاية التي كتبت من أجلها، وإنما راجعت الطريق الذي سلكته إليها. كنت أريد استعادة الهيبة للكلمة، فنبهتم إلى أن الهيبة لا ينبغي أن تُبنى على تخويف الأصوات الجديدة. وكنت أطالب بالمسؤولية، فأضفتم إليها المرافقة التي تجعل المسؤولية قابلة للتعلم. وكنت أحذر من الاستسهال، فذكرتم بأن إدانته لا تستلزم إدانة السهولة التي أتاحت الوصول. وهذه فروق لا تجمّل الحوار فحسب؛ إنها تمنعه من أن ينتهي إلى خيارات زائفة، كأن علينا أن نختار بين حرية بلا عناية، وجودة لا تتحقق إلا بالتضييق. ولست أقرأ هذا كله بوصفه دعوة إلى الاعتدال اللفظي وحده، بل إلى تعميق الحكم. فالمسألة ليست أن نستبدل عبارة لينة بأخرى حادة، وإنما أن نجعل العبارة أدق اتصالًا بما تصفه. قد يكون الرفض واجبًا، لكنه يحتاج إلى حجة؛ وقد يكون التشجيع جميلًا، لكنه يحتاج إلى صدق؛ وقد تكون المراجعة مؤلمة، لكنها تصبح نافعة حين تعرف موضع الألم وغاية إحداثه. وما أرجوه من النقد الذي أدافع عنه أن يجمع هذه القدرة: ألا يهادن الخلل، وألا يحول كشفه إلى إهانة، وألا يخلط بين احترام الإنسان ومنح نصه قيمة لم يحققها. إن أجمل ما خرجت به من قراءتكم هو أن الحوار لا يقتضي أن يغادر المرء موقفه خالي اليدين، بل أن يعود إليه وقد عرف حدوده بصورة أوضح. ما زلت أخشى على الكلمة من أن تُنشر قبل أن تنضج، ومن أن تُستعمل سبيلًا إلى الظهور بدل أن يكون ظهورها ثمرة للعناية بها. لكنني أصبحت، في ضوء ما كتبتم، أكثر انتباهًا إلى أن مواجهة هذا الخوف ينبغي أن تفتح طريقًا للعمل، لا أن تكتفي بإعلان الخطر. فليس من الوفاء للكلمة أن نصف ما يؤذيها ثم نتركها في الموضع نفسه؛ الوفاء أن نسأل عما نستطيع فعله كي تصبح أوضح، وأعمق، وأقدر على لقاء قارئها. وشكري لكم، لذلك، يتجاوز الامتنان إلى حسن القراءة؛ إنه امتنان لما جعلته القراءة ممكنًا في نفسي من مراجعة. لقد عاملتم مقالتي باعتبارها قولًا يستحق الحوار، لا موقفًا ينبغي الانتصار عليه، ومنحتم صاحبها فرصة أن يرى أن التراجع عن التعميم ليس تراجعًا عن المبدأ، وأن تصحيح الصورة لا ينقض صدق الغيرة التي رسمتها. وفي هذا من كرم النقد ما يجعله شريكًا في بناء الكتابة، لا صوتًا يأتي بعد اكتمالها ليعلن حكمه ويمضي. وأعود الآن إلى مكتبي وفي معنى الحراسة شيء قد تغير: لم تعد في خاطري وقوفًا طويلًا عند الأبواب، بل عملًا دؤوبًا على ما يدخل منها؛ قراءةً تميز، ومراجعةً تصلح، ومرافقةً لا تتعجل الثمرة، وشجاعةً تقول للنص أين أخفق دون أن تقول لصاحبه إن الطريق انتهى. تلك هي المساحة التي أرى مقالتي وقراءتكم تلتقيان فيها، وإن وصلتا إليها من جهتين مختلفتين. لقد كتبتُ من خوفي أن تفقد الكلمة قيمتها في الزحام، وقرأتم من حرصكم على ألا تفقد حريتها في سبيل استعادة تلك القيمة. وبين الخوف والحرص اتضح لي وجه آخر للأمانة: أن نصون حق الكلمة في أن تظهر، وحق القارئ في أن يسائلها، وحق الكاتب في أن يتعلم من السؤال. فما نرجوه ليس صمتًا تختفي فيه العثرات لأن أحدًا لم يحاول الكلام، ولا ضجيجًا تُعفى فيه الأقوال من المحاسبة؛ ما نرجوه فضاء يستطيع فيه النص أن يخرج إلى النور، ثم يجد من يمنحه قراءة لا تكتفي برؤيته، بل تساعده على أن يرى نفسه. طه دخل الله عبد الرحمن مايكل حمدان دكتور طه دخل الله عبد الرحمن سلام الله لك ولكل فرد من أفراد الرؤى اجمعين مقالتك أظهرت الحقيقة كاملة حقيقة الواقع المذري الذي تتخبط فيه معظم وسائل التواصل الاجتماعي ...! فهذا العالم الذي يسمونه افتراضيا" .. ليس سوى نسخة طبق الأصل عن عالمنا الواقعي ... والسؤال هنا أحصره في لب المقالة : من المسؤول عن هذا التدهور المين الذي أصاب الثقافة؟ والجواب : وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت متاحة للجميع ( متعلمين وأميين ؛ عقلاء وجهلة؛ و.......إلخ ! ) . وهذا لا يمكن الاعتراض عليه .. لأن الاعتراض لن يفضي إلى نتيجة . قد يقع اللوم في الدرجة الأولى على من يدعون أنهم أدباء .. أو فلاسفة .. أو علماء .. أو مثقفون ...؛ وفي نفس الوقت ، يعملون على نشر نصوص فلسفية عمياء ؛ ومقالات علمية لا شان للعامة بها ؛ أو منشورات يعتبرونها ثقافية علما" بأنها بمعظمها أفسدت المجتمعات ؛ أو مقالات لا طعم لها ولا لون ؛ أو قصائد غير مبنية على أسس الشعر ؛ أو قراءات نقدية لاذعة وغير منطقية تشوه العلاقات الأدبية. وأكثر ما يشوه الصورة العامة للنشر هو أن العديد من الصفحات الإلكترونية تغدق بالتكريمات ( شهادات دكتوراة وسفير وأوسمة وغيرها ) على كل من صال وجال في صفحاتهم .. وحتي للذين لا ينشرون ولا يعلقون بهدف زيادة عدد المنتسبين للصفحة . أكتفي بهذا القدر تحياتي للجميع الخادم : مايكل حمدان طه عبد الرحمن مايكل حمدان حين تتزيّن الألقاب… وتتعَرّى المعاني إلى الأستاذ مايكل حمدان، صاحب الكلمة التي لا تكتفي بوصف العطب، بل تسأل عن موضعه، ولا تقف عند ضجيج المشهد، بل تنصت إلى ما وراءه من وجع. سلام الله عليك، وعلى أهل «الرؤى» جميعًا؛ سلامًا يليق بحوارٍ نريد له أن يكون نافذةً للفهم، لا ساحةً للخصومة، وجسرًا بين العقول، لا جدارًا بين أصحابها. قرأت تعقيبك الكريم، فوجدت فيه غيرةً على الكلمة أن تُبتذل، وعلى الثقافة أن تُختزل في زينة الأسماء، وعلى الأدب أن يتحوّل من رسالةٍ تُهذّب الوجدان إلى واجهةٍ تستجدي التصفيق. وأثمّن لك أنك لم تكتفِ بالإشارة إلى قبح الصورة، بل سألت السؤال الذي ينبغي ألّا يغيب خلف ازدحام التفاصيل: من المسؤول؟ وأرى، يا صديقي، أن مفتاح الجواب هو المسؤولية؛ تلك التي تتوزّع بين من يكتب، ومن ينشر، ومن يقرأ، ومن يمنح الاعتراف. فلا يحمل طرفٌ وحده أوزار المشهد، ولا يجوز لطرفٍ أن يتّخذ من أخطاء الآخرين صكّ براءةٍ لنفسه. إن إتاحة المنابر للجميع ليست، في ذاتها، خطيئة؛ فليس من العدل أن نجعل الثقافة حديقةً مسوّرة، لا يدخلها إلا من يحمل شهادةً أو لقبًا. قد يأتي المعنى النبيل في عبارةٍ بسيطة، وقد تتعثّر الحقيقة في نصٍّ شديد التأنّق. وليست المشكلة أن يتكلّم من لم نتعوّد سماعه؛ المشكلة أن نكفّ عن التمييز بين حقّ الإنسان في الكلام، وقيمة الكلام الذي يقوله. من حقّ الجميع أن يكتبوا؛ وليس من حقّ أيّ نصٍّ أن يطالبنا بالإعجاب قبل أن يمنحنا ما يستحقّه. ولهذا ألتقي معك في رفض الادّعاء، وأختلف قليلًا مع اتّساع بعض أحكامك: فليس كلّ نصٍّ فلسفيٍّ عسير نصًّا أعمى، ولا كلّ مقالٍ علميٍّ بعيد عن اهتمام العامة عبثًا، ولا كلّ تجربةٍ شعريةٍ مغايرة خروجًا على الشعر. للمعرفة مستوياتها، وللتجريب ضرورته، وللجديد حقّه في أن يُختبر قبل أن يُدان. إنما يبدأ الخلل حين يصبح الغموض ستارًا للفراغ، والتخصّص ذريعةً للتعالي، والتجريب اسمًا مهذّبًا للعجز. فالعمق لا يُقاس بما يعجز القارئ عن فهمه، بل بما يستطيع النصّ أن يوقظه فيه؛ والتبسيط لا يعني تسطيح الفكرة، كما أن التعقيد لا يضمن جلالها. أما حديثك عن التكريمات والألقاب، فقد أصبت به موضعًا حساسًا. وما أجد أجمل من تكريمٍ صادقٍ يعرف قدر صاحبه، وما أجد أشدّ إيلامًا من تكريمٍ يُستعمل لاستمالة الناس بدل إنصاف أعمالهم. وأحسب أن الواجب هنا ليس احتقار كلّ شهادة تقدير، بل التمييز بين تقديرٍ رمزيٍّ واضح، وتأهيلٍ علميٍّ له مقتضياته؛ كيلا يلبس الامتنان ثوب الاختصاص، ولا تتحوّل المجاملة إلى ادّعاء. لا يصنع الوسام صدرًا جديرًا به؛ إنما يمنح الصدر الجديرُ الوسامَ معناه. ولا يزيد اللقب صاحبه علمًا، إن لم يكن وراءه جهدٌ يشهد له، وأثرٌ يدلّ عليه. وأما النقد، الذي أشرتَ إلى ما قد يفسده من العلاقات الأدبية، فحقّه أن يكون صارمًا في الحجة، رحيمًا بالإنسان. نريد ناقدًا يكشف موطن الضعف، لا من يبحث عن موطن الإهانة؛ ونريد كاتبًا يحتمل مراجعة نصّه، لا من يرى كلّ اعتراضٍ اعتداءً على كرامته. فالنقد ليس خنجرًا في يد خصم، ولا مبخرةً في يد صديق؛ إنه ضوء، وقيمة الضوء أن يكشف، لا أن يحرق. ولعلّ الإصلاح يبدأ من أمورٍ أقلّ صخبًا من الشكوى، وأكثر أثرًا منها: أن نقرأ قبل أن نحكم، وأن نسأل قبل أن نشارك، وأن نتأنّى قبل أن نمنح لقبًا، وأن نقول للنصّ الجميل: أحسنت، وللنصّ المتعثّر: هنا ما يحتاج إلى مراجعة؛ دون أن نبيع الصدق للمجاملة، أو نضحّي بالإنسان من أجل إثبات صوابنا. أستاذ مايكل، لقد فتحتَ بسؤالك بابًا يستحقّ أن يبقى مفتوحًا. وأرجو أن تكون غيرتنا على الثقافة دعوةً إلى الارتقاء، لا ذريعةً إلى الإقصاء؛ وأن نحرس قيمة الكلمة دون أن نصادر حقّ الناس في تعلّمها. فالمبتدئ ليس مدّعيًا بالضرورة، والخطأ ليس فسادًا دائمًا، ولكن الإصرار على الزيف، وطلب المكانة دون استحقاقها، هما ما ينبغي أن نواجهه بوضوحٍ لا يخلو من عدل. شكرًا لك على هذا التعقيب الذي منح الحوار وجهًا آخر؛ وجهًا يسأل عن واجبنا، لا عن عيوب الآخرين وحدهم. ولك ولأهل «الرؤى» خالص المحبة والتقدير؛ لنجعل من هذا المنبر موضعًا تتقدّم فيه النصوص على الألقاب، والحجج على الأصوات، ويكون التكريم ثمرةً للأثر، لا بديلًا عنه.
منى السيد حمود طه عبد الرحمن ثمة لقاءاتٌ لا تبدأ من الفكرة، بل من فنجانٍ يهيّئ لها مكانًا؛ وما إن تتلاقى الأيدي حول الشاي حتى تتجاوز الكلمات حدود المجاملة، ويصبح الحديث رحلةً في المعنى، ويغدو الاختلاف فرصةً لاكتشاف ما لم نكن نراه. في النقاش الذي أثارته مقالة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن «فوضى النشر المعاصر»، والقراءة التفاعلية للناقد الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، استوقفني سؤالٌ يتجاوز حدود النشر والجودة: متى تصبح الكلمة ذات قيمة حقيقية؛ حين يفرغ الكاتب من كتابتها، أم حين تبدأ في عقول الآخرين حياةً جديدة؟ لعلّنا اعتدنا أن نقيس الكتابة بما تحمله من لغةٍ وجمال، والنقد بما يكشفه من مواطن القوة والضعف، والقراءة بما تمنحه للنص من فهم؛ لكن ثمة مساحةً أخرى لا تقل أهمية، هي تلك التي تتشكّل بين الكاتب والناقد والقارئ، حين لا يعود النص ملكًا لصاحبه وحده، ولا يصبح النقد حكمًا أخيرًا عليه، بل يتحوّل كلاهما إلى بداية حوارٍ تتسع فيه الرؤية، وتتجدد فيه الأسئلة. وهنا أرى أن أخطر ما قد يصيب الثقافة ليس كثرة ما يُنشر وحدها، ولا تفاوت مستويات الكتابة فحسب، بل أن تتحوّل العلاقة بين أطرافها إلى أحكامٍ متبادلة، فينشغل الكاتب بالدفاع عن نصه، والناقد بإثبات حكمه، والقارئ بالبحث عمّن يفكر نيابةً عنه؛ بينما جوهر الثقافة أن يظل الجميع قادرين على الإصغاء، والمراجعة، والتعلّم. فالجودة ليست بابًا نغلقه في وجه من لم يبلغها بعد، بل أفقٌ نساعد الكتابة على بلوغه. والنقد ليس حارسًا يقف على عتبة النص ليسمح لهذا ويمنع ذاك، بل وعيٌ يميّز، ويعلّل، ويقترح، ويمنح التجربة فرصةً كي ترى نفسها بعيونٍ أخرى. أما حرية النشر، فلا تكتمل بمجرد أن يستطيع الإنسان إيصال كلمته إلى الناس، بل حين يجد ثقافةً تحترم حقه في المحاولة، وحق القارئ في الاختيار، وحق الحقيقة في ألّا تُستبدل بالمجاملة. ولعلّ هذا ما جعلني أرى في حوارنا حول فنجان الشاي صورةً مصغّرة لما نرجوه من الحياة الثقافية: أن نجلس مختلفين في الرأي، متفقين على كرامة الحوار؛ أن نناقش الفكرة من غير أن ننتقص من صاحبها، وأن نبحث عن موضع الخلل من غير أن ننسى إمكانية النضج، وأن نحتفي بالكلمة الجميلة من غير أن نعفيها من السؤال. فالفنجان لا يصنع عمق الحوار، كما أن الكتاب لا يصنع عمق الثقافة بمجرد صدوره؛ إنما تصنع القيمةَ العقولُ التي تعرف كيف تحوّل اللقاء إلى معرفة، والاختلاف إلى اكتشاف، والكلمة إلى أثر. وربما كانت أجمل المفارقات أن فنجان الشاي، الذي ينتهي مذاقه في دقائق، قد يكون مناسبةً لفكرةٍ تبقى في الذاكرة أعوامًا. فكم من مجالس انفضّت ولم يبقَ منها شيء، وكم من حوارٍ قصير أعاد ترتيب سؤالٍ في داخلنا، فظلّ أثره ممتدًّا بعد أن غادر أصحابه المكان! من هنا، لا أرى أن نجاح الكاتب أن يُنشر نصه فحسب، ولا أن يظفر الناقد بالإقناع وحده، ولا أن ينتهي القارئ إلى حكمٍ نهائي؛ بل أن يخرج الثلاثة من الحوار وقد أصبحوا أكثر قدرةً على الرؤية. عندها لا يكون النقد خصومةً مع الإبداع، ولا النشر سباقًا إلى الظهور، ولا القراءة استهلاكًا للكلمات؛ بل تصبح الثقافة فعلًا إنسانيًّا مشتركًا، ينمو فيه المعنى كلما تعددت زوايا النظر إليه. وبهذه الروح، أتقدّم بخالص الشكر إلى مجلة «رؤى» الثقافية، وإلى الناقد الأستاذ عبد الرحمن بوطيب، على هذه المساحة التي احتضنت الحوار وفتحت أبواب التأمل، كما أشكر الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن على مقالته التي أطلقت هذا النقاش، وأتاحت لنا فرصة الانتقال من سؤال النشر إلى سؤال أعمق يتصل بمسؤولية الكلمة وأخلاق الاختلاف. لقد كان فنجان الشاي ضيافةً كريمة، وكان الحوار ضيافةً أخرى للعقل؛ وبينهما أدركنا أن أجمل ما يمكن أن تقدمه الثقافة للإنسان ليس أن تمنحه رأيًا يردده، بل أن توقظ فيه سؤالًا يواصل التفكير فيه. فحين برد الشاي، لم تكن الحكاية قد انتهت؛ لأن بعض المجالس تنتهي بانتهاء الضيافة، أما المجالس التي تتلاقح فيها الأفكار، فإنها تغادر المكان لتبدأ فينا. بقلم منى السيد حمود سورية طه عبد الرحمن منى السيد حمود حين يبرد الشاي… وتظلّ المعاني دافئة الأستاذة منى السيد حمود بعض الكلمات ضيافةٌ لا تنتهي عند آخر السطر؛ نقرأها، فإذا بها تُفسح في داخلنا مقعدًا لفكرةٍ لم ننتبه إليها، وتفتح نافذةً لسؤالٍ حسبناه قد استقرّ على جواب. وهكذا جاء نصّكِ: لم يكن تعقيبًا يمرّ على الحوار، بل امتدادًا لروحه؛ ولم يكتفِ بوصف مجلسٍ اجتمعنا فيه، بل كشف عمّا يمكن أن يظلّ مجتمعًا فينا بعد انفضاضه. لكِ سلامٌ يليق بهذا الحضور، وشكرٌ على قراءةٍ أنصتت إلى ما وراء المقالة، ثم أعادت إلينا سؤالها في أفقٍ أرحب. لقد استوقفتني عبارتكِ عن اللحظة التي تبدأ فيها الكلمة حياةً جديدة في عقول الآخرين؛ لأنها تضع يدها على المعنى الذي أرجو للكتابة أن تبلغه: أن تكون مكتملةً بما يكفي لتقول شيئًا، ومفتوحةً بما يكفي لتوقظ أشياء أخرى. فالكاتب يختار كلماته، ولكنه لا يختار وحده جميع الآفاق التي ستطلّ منها؛ يكتب من تجربته، ثم يأتي القارئ بتجربةٍ أخرى، فيلتقيان عند النصّ، وقد يرى أحدهما ما غاب عن الآخر. ولعلّ الكلمة لا تحتاج إلى أن تنتظر قارئها كي تستحقّ الوجود، لكنها تحتاج إلى اللقاء به كي نكتشف بعض ما تستطيع أن تمنحه. ثمة صدقٌ يولد معها في لحظة الكتابة، وثمة أثرٌ يتشكّل حين تجد عقلًا يسائلها، وقلبًا يتلقّاها، وتجربةً تختبرها. وبين الصدق والأثر تتّسع حياة النصّ، دون أن يفقد جذوره أو يُحبس فيها. وما أجمل أن تجعلينا نلتفت إلى تلك المساحة بين الكاتب والناقد والقارئ؛ فهي ليست فراغًا تفصل فيه المسافات بينهم، بل موضع الحوار الذي يستطيع أن يقرّبهم، من غير أن يطالبهم بالتشابه. هناك يستطيع الكاتب أن يقول: هذا ما أردتُه، ويستطيع القارئ أن يقول: وهذا ما وصل إليّ؛ ويأتي النقد ليتأمّل المسافة بين القصد والتلقّي، لا ليلغي أحدهما لمصلحة الآخر. وما أخصب هذه المسافة حين نسكنها بالسؤال، بدل أن نملأها بالتهمة! فقد يكون فيها غموضٌ يحتاج إلى إضاءة، أو معنى لم يستنفد صاحبه احتمالاته، أو قراءةٌ تحتاج بدورها إلى مراجعة. وأصبتِ حين جعلتِ الإصغاء والمراجعة والتعلّم في صميم العلاقة الثقافية. فما أقسى أن يدخل المرء نقاشًا وقد أعدّ دفاعه قبل أن يسمع الاعتراض، أو هيّأ حكمه قبل أن يتبيّن الحجة! عندئذٍ تتجاور الأصوات، ولكنها لا تلتقي؛ ويكثر الكلام، بينما تظلّ الفكرة وحيدةً بين المتكلمين. أما الإصغاء الذي تشيرين إليه، فليس سكوتًا ينتظر دوره في الكلام، بل استعدادٌ لأن يترك كلام الآخر أثرًا في السؤال الذي نحمله. وليس من ضرورته أن نقتنع بكلّ ما نسمع، وإنما أن نفهمه قبل أن نرفضه، وأن نردّ عليه بما يستحقّه من تعليل، لا بما يسهل علينا من تصنيف. وتوقّفتُ طويلًا عند قولكِ إن الجودة أفقٌ نساعد الكتابة على بلوغه. في هذه العبارة عدلٌ للمبتدئ، ووفاءٌ للأدب معًا؛ فهي تمنح المحاولة حقّها في النموّ، دون أن تمنحها حصانةً من النقد. فالرفق بالكاتب لا يستلزم المجاملة في تقويم نصّه، كما أن الصرامة في التقويم لا تستلزم القسوة على صاحبه. ما أجمل أن نقول للتجربة المتعثّرة: هنا خطوةٌ لم تستقم بعد، بدل أن نقول لصاحبها: ليس لك مكانٌ في الطريق. وما أنفع أن نبيّن موضع الخلل، ونكشف أثره، ونقترح سبيلًا لتجاوزه؛ فذلك أكرم للكاتب من ثناءٍ لا يعلّمه شيئًا، وأصدق مع القارئ من احتفاءٍ يحجب عنه الفروق. وفي حديثكِ عن حرية النشر، أعجبني أنكِ لم تقفي عند حقّ الصوت في الوصول، بل مددتِ النظر إلى حقوقٍ تلتقي معه ولا ينبغي أن يطغى عليها: حقّ المحاولة، وحقّ الاختيار، وحقّ الحقيقة في ألّا تستبدل بها المجاملة. بهذه الموازنة يصبح الاختلاف قابلًا لأن يُثمر؛ إذ لا يطلب الكاتب إعجابًا واجبًا، ولا يتّخذ القارئ ذائقته قانونًا ملزمًا، ولا يجعل الناقد حكمه نهايةً لكلّ احتمال. ويبقى فنجان الشاي في نصّكِ صورةً قريبةً من القلب؛ لا لأنه منح الأفكار عمقها، كما نبّهتِ، بل لأنه أتاح لها هيئة اللقاء الإنساني: وجوهًا تتقابل، ووقتًا يُمنح، وحديثًا يجد فسحةً ليتأنّى. أحببتُ أنكِ أبقيتِ الفنجان على بساطته، ثم أريتِنا كيف تتجاوز الذكرى حدود الشيء الذي بدأت منه. الشاي يبرد، نعم؛ لكن سؤالًا وُلد في أثناء الحديث قد يعود إلينا ونحن نكتب، أو نقرأ، أو نراجع رأيًا كنّا ندافع عنه بالأمس. عندها ندرك أن المجلس لم يترك فينا صورة أصحابه وحدها، بل ترك شيئًا من قدرتهم على النظر؛ وأن الضيافة بلغت غايتها حين وجد الآخر مكانًا في تفكيرنا، لا في مجلسنا فحسب. أما شكركِ لي على المقالة، فأبادلكِ إياه على هذه القراءة التي نقلت النقاش من الانشغال بما يعتري النشر إلى التأمّل فيما ينبغي أن يجمع أهله. وأضمّ صوتي إلى صوتكِ في تقدير مجلة «رؤى» الثقافية، والأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، وكلّ من أسهم في هذا الحوار بسؤالٍ صادق أو اعتراضٍ معلّل؛ فالمساحة التي تسمح للفكرة أن تُختبر تمنحها فرصةً للنضج لا يمنحها التصفيق وحده. لكِ خالص التقدير، أستاذة منى، على نصٍّ جمع رهافة العبارة إلى إنصاف الرؤية، وجعل من مشهدٍ بسيط مدخلًا إلى سؤالٍ يستحقّ البقاء. لقد انتهيتُ من قراءة كلماتكِ، لكنني بقيتُ عند ذلك المجلس الذي رسمتِه: الفناجين ساكنة، والأصوات قد هدأت، وفي داخل كلّ واحدٍ منّا سؤالٌ يستعدّ لأن يواصل الحديث. Abdeslam Jellabi يبقى النقد الحاد و المحايد ؤسيلة لصينة الإنتاح الأدبي و من خلاله يتم الاستماع الى تبض الإبداع و تصحيح ما يعتريه من ضعف فكري أو لغوي مع كثرة النشر و تعدد الأقلام ثم على المواقع و المجموعات أن تقوم بما كانت تقوم به دور النشر في غربة المنتوج الجيد و الكلمة المسؤولة اولا في السماح بالنشر و ثانيا في مواكبة مل من ابدع و توجيهه الى النسار الصحيح منى السيد حمود حين يبرد الشاي… توقظنا الذاكرة الدكتور طه، لعلّ للشاي حكايةً أقدم من فناجيننا، وأوسع من مجالسنا؛ فقد حملته الأغاني الشعبية، وردّدته أصوات الناس في أفراحهم وحنينهم، حتى غدا في ذاكرتنا أكثر من شراب: صار ألفةً تجمع القلوب، ووقتًا تتصالح فيه الأرواح، وذريعةً جميلة كي نقول ما لا يتّسع له العابر من الكلام. ما إن عدتُ إلى صورة الشاي في ردّكم الكريم، حتى عادت إليّ أصداء الأغاني التي رافقت مجالسنا، وتذكّرتُ كيف تستطيع تفصيلةٌ صغيرة أن تفتح في الذاكرة أبوابًا واسعة. فكم من فنجانٍ جمع أحبةً فرّقتهم الأيام، وكم من مجلسٍ انتهى، لكن كلمةً قيلت فيه بقيت حيّةً في القلب! ولعلّ أجمل ما في حوارنا أن الشاي لم يعد مجرّد صورةٍ أدبية، بل صار سؤالًا عن الأثر: هل تنتهي الأشياء حين تنقضي لحظتها، أم تبدأ حياتها الأخرى حين تسكن الذاكرة؟ شكرًا لكم، دكتور طه، لأنكم أعدتم إلى ذلك المجلس صوته الهادئ، وأثبتّم أن بعض الضيافات لا تُقاس بما يُقدَّم على المائدة، بل بما يبقى في النفس بعد انفضاض أصحابها. فالفنجان يفرغ، والشاي يبرد، لكنّ المعنى إذا وجد قلبًا يصغي إليه، لا تنتهي ضيافته. منى السيد حمود – سورية طه عبد الرحمن منى السيد حمود حين يبرد الشاي… تبقى للروح ضيافتها الأديبة الراقية منى السيد حمود، بعض الكلمات تمرّ بنا كما يمرّ العابرون، وبعضها يدخل القلب دخولَ ضيفٍ يعرف موضعه، فلا يحتاج إلى استئذان. وكلماتكِ من هذا الصنف النبيل؛ لم تقف عند صورة الشاي، بل جلست إلى جوار معناها، وأصغت إلى ما تركه الغائبون في صمت الفناجين. لقد أعدتِ إلى المجلس ما لا تستطيع المائدة أن تحتفظ به: نبرةَ صوتٍ نحبّه، والتفاتةَ وجهٍ نفتقده، وتلك الطمأنينة التي تجعل المكان أوسع من جدرانه. وكأنّكِ، وأنتِ تكتبين، لم ترفعي فنجانًا، بل فتحتِ نافذةً على زمنٍ كانت فيه القلوب تجد متّسعًا للحديث، وكان الإصغاء ضربًا من المحبّة، لا مجرّد انتظارٍ للدور في الكلام. ما أجمل أن تلتقطي من الشاي حكايته الخفيّة! فنحن، في بعض مجالسنا، لا نشربه طلبًا لدفئه وحده، بل لنمنح اللقاء وقتًا إضافيًّا؛ لنؤخّر كلمة الوداع قليلًا، ولنقول لمن نحبّ، من غير تصريح: ابقَ، فما زال في الفنجان شيء، وما زال في القلب أكثر. وحين حضرت الأغاني في كلماتكِ، بدا كأنّ للمجلس ذاكرةً تسمع؛ لحنٌ بعيد يعيد إلى مقعدٍ خالٍ صاحبه، ومقطعٌ صغير يردّ إلينا ضحكةً ظننّا أنّ الأيام أخذتها. عندها لا يعود الشاي موضوع الحكاية، بل يصبح شاهدها الهادئ: كان هنا أناسٌ أحببناهم، وكنّا، في حضرتهم، أقلَّ وحشةً وأكثرَ قدرةً على الفرح. أمّا سؤالكِ العميق: «هل تنتهي الأشياء حين تنقضي لحظتها، أم تبدأ حياتها الأخرى حين تسكن الذاكرة؟»، فقد أبقى في نفسي حديثًا لم ينتهِ بانتهاء القراءة. لعلّ ما نحبّه يعيش مرّتين: مرّةً حين يحدث، ومرّةً حين ندرك ما تركه فينا. وقد تكون حياته الثانية أشدَّ قربًا، لا لأنّ الذاكرة تحفظ كلّ شيء، بل لأنّها تختار، من ازدحام التفاصيل، ما مسَّ الروح حقًّا. ومع ذلك، لا تعيد الذاكرة المجلس كما كان؛ إنّها تترك للغياب مقعده. نستحضر الصوت، ونعرف أنّ صاحبه ليس هنا؛ نبتسم للكلمة، ثم نشعر بما يفصلنا عن لحظتها. وفي هذا الامتزاج بين الأنس والافتقاد تنشأ رقّة الحنين: نُسرّ بما كان، ونحزن لأنّه كان. لهذا أحببتُ في خاتمتكِ أنّكِ جعلتِ الضيافة أثرًا، لا مائدةً. فالكرم الأعمق أن يخرج الإنسان من مجلسنا وفي نفسه شيءٌ من السكينة؛ أن يشعر بأنّ كلامه قد سُمع، وصمته قد فُهم، وأنّ حضوره لم يكن زائدًا على المكان. تلك ضيافةٌ قد تستمرّ طويلًا بعد أن تُرفع الفناجين وتُطفأ الأنوار. شكرًا لكِ، أستاذة منى، على هذا الإصغاء الذي منح الصورة امتدادها، وعلى كلماتٍ لم تكتفِ بردّ التحية، بل أحسنت استقبال المعنى. لقد قلتِ إنّ الفنجان يفرغ، والشاي يبرد؛ وها أنتِ تملئين فراغه بما لا يُسكب، وتردّين إلى برودته دفئًا لا يحتاج إلى نار. ويبقى الأثر: أن نرى فنجانًا عاديًّا في يومٍ عاديّ، فتعود إلينا، على غفلة، وجوهٌ جعلت الحياة أحنَّ ممّا هي عليه؛ فنمدّ أيدينا إليه، ونكاد نقول لها: لم ينفضّ المجلس بعد. Faw Ben Houria ان ما تعرض اليه الناقد الفذ طه دخل الله عبد الرحمن من خوفه على اللغة العربية وعلى طريقة السرد الضعيفة وعلى الذاءقة وعلى القارء وعلى كثرة المنصات الادبية والمواقع الادبية والنشر دون الفرز بين الغث والسمين وهذا راجع الى ان اصحاب المواقع يخشون علق مواقعهم اذا لم يتردد عليها اصدقاء الموقع ولا يتفاعلون اما بالتعليق او بالنشر. لذا ينشرون كلما يرسل اليهم... لقد تدهزرت اللغة العربية بصفة غريبة حتى ان بعض الكتاب الكبار اصبحوا لا يجدون مرادفات بعض الكلمان الفرنسية مثلا كلمة طبيعي يكتبها بالحروف العربية "نرمال" وهو فخور ومذلك مستحيل "امبسيبل" وسيدتي "مدام" وهذا من رايي اراه سعيا لتهميش اللغة العربية خدمة للغة الاستعمارية ان صح التعبير... للاسف هذا النوع من السرد الذي يتخذه الكاتب في هذه الايام في كتابة الرواية او القصة او اي جنس ادبي اخذ ينتشر كثيرا بين الكتاب خاصة بعد نجاح بعض الكتاب وانتشار كتبهم وربح المال الوفير دون ان ننسى الشهرة والفوز بالجاءزات المعتبرة... لقد كتبت مقالا في هذا... مع هذا التيار الجارف للمصطلحات العربية الى بحور النسيان وتعويضها بكلمات ومصطلحات اجنبية معربة يجعلنا نطلق صيحة فزع وزيادة على ذلك سعي بعض الاطراف لتجميد القريحة البشرية واخماد جذوة الابداع الانساني وذلك بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي والاستغناء عن اعمال الفكر والخيال والمخيال والاحساس والشعور... في ظرف بعض ثواني تكون الرواية جاهزة والقصة كذلك والمسرحية جاهزة... فيجري بها صاحبها الى احدى دور النشر... هذا نلمسه حين نطلع على الرواية او اي نص ادبي... ان السرد الادبي اصبح في خطر من الناحية اللغوية والنحوية حتى ان بعض الكتاب طالب بعدم الالتزام بقوانين اللغة والنحو حتى تكون الكتابة ميسرة وسلسة بالنسبة له... من كثىة تداول نصوص الذكاء الاصطناعي صرت اخشى تبلد العقول وموت القريحة الابداعية. الاديبة والكاتبة المسرحية والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية تونس. Mohammed Mimouni وفرةُ النشر وفقرُ المعنى: حين تتكاثر الألقاب وتضيع المعايير ليس أخطر ما يحدث للكلمة أن تُنشر وهي ضعيفة، بل أن تجد من يمنحها قيمةً لمجرد أنها نُشرت، ثم تجد من يدافع عن تلك القيمة كأن الدفاع عنها دفاعٌ عن حرية الإبداع. ففي المسافة بين حقّ الإنسان في التعبير وحقّ النص في أن يُناقَش، تتسلّل التفاهة أحيانًا لا بوصفها نقيضًا للثقافة، بل بوصفها أحد المتنكرين في ثيابها. قرأتُ مقالة الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن «فوضى النشر المعاصر»، والقراءة النقدية الموازية التي أنجزها الناقد عبد الرحمن بوطيب، ثم ردود الدكتور طه المتعاقبة، وما أضافه الأستاذ مايكل حمدان والأستاذة منى السيد حمود إلى هذا الحوار. ولم أجد أمامي قضيةً تتعلق بالنشر وحده، بل مشهدًا ثقافيًّا يختبر قدرته على التمييز بين حرية القول وقيمة المقول، وبين الاحتفاء بالكاتب والاحتفاء بما يكتبه، وبين النقد الذي يفتح النص على احتمالاته، وذلك الذي يكتفي بتوزيع شهادات الإعجاب على أصحابه. ولعلّ أول ما يستحق التوقف عنده أن المقالة الأصلية انطلقت من خوف مشروع على اللغة وجودة الكتابة، لكنها قاربت المشهد، في بعض مواضعها، من زاوية اتساع النشر أكثر مما قاربت الأسباب التي تجعل بعض المنشورات فقيرة القيمة. وهنا جاءت قراءة عبد الرحمن بوطيب لتعيد ترتيب السؤال: ليست المشكلة في أن الأبواب فُتحت، بل في أن الثقافة لم تطوّر دائمًا أدواتها بالقدر الذي يسمح لها بالتعامل مع هذا الاتساع. وهذا فرق جوهري؛ لأن الباب المغلق لا يصنع أدبًا جيدًا، كما أن الباب المفتوح لا يصنع أدبًا رديئًا بالضرورة. إنما الذي يصنع الفارق هو ما يحدث بعد العبور: هل يراجع الكاتب نصّه؟ هل يقرأ الناقد قبل أن يحكم؟ هل يملك القارئ أدوات الاختيار؟ وهل تستطيع المنصة أن تميّز بين تشجيع الموهبة وتسويق الوهم؟ لقد أصاب بوطيب حين رفض أن تتحول دور النشر إلى سلطة مغلقة تحتكر الاعتراف، وحين نظر إلى التحرير الأدبي بوصفه مرافقةً للنص لا مصادرةً لصوته. غير أن المسألة، في تقديري، تحتاج إلى خطوة أخرى: ماذا لو لم تكن الأزمة في ضعف النصوص وحده، بل في الطريقة التي نوزّع بها الاعتراف عليها؟ هنا تبدأ حكاية التفاهة. ولست أستخدم الكلمة شتيمةً جاهزة، ولا أبحث بها عن أسماء أعلّق عليها أحكامي؛ فالتفاهة، في معناها الثقافي الذي أقصده، ليست صفةً ثابتةً في إنسان، ولا مرادفًا للبساطة أو الكتابة الشعبية أو التجربة المبتدئة. إنها حالةٌ يصبح فيها الحضور أهم من القيمة، والتصفيق أهم من القراءة، واللقب أهم من العمل، ويغدو السؤال عن جودة النص تصرّفًا غير مرغوب فيه، بينما يُستقبل الثناء الفوري بوصفه دليلًا على الذوق الرفيع. قد يكتب المرء نصًّا عاديًّا، وهذا حقه الكامل؛ فليس مطلوبًا من كل كتابة أن تغيّر تاريخ الأدب. لكن المشكلة تبدأ حين يُقدَّم النص العادي بوصفه فتحًا إبداعيًّا، وتُحاط محاولته بهالة من المبالغة، ثم يُطلب من القارئ أن يصدّق الهالة بدل أن يختبر النص. عندئذ لا نكون أمام حرية النشر، بل أمام تضخّم الاعتراف حتى يفقد معناه. والمفارقة أن التفاهة لا تحتاج دائمًا إلى كتابة رديئة كي تنتعش؛ يكفيها أحيانًا نصٌّ مقبول تحمله شبكةٌ من المجاملات، وتمنحه الألقاب حجمًا أكبر من حجمه، وتعيد تداوله جماعةٌ تتعامل مع النقد باعتباره تهديدًا للعلاقات لا فرصةً لتطوير التجربة. وهكذا قد يتحول النص من موضوع للقراءة إلى مناسبة لتبادل الولاءات، ويصبح السؤال عن بنائه اللغوي والفكري أقل أهمية من السؤال عن صاحبه ومكانته داخل المجموعة. لكن هل يعني هذا أن نُدين التكريمات؟ قطعًا لا. فالتكريم قد يكون لفتةً إنسانية نبيلة، وقد يشجع كاتبًا في بداية طريقه، وقد يعبّر عن امتنان جماعة ثقافية لجهد صادق. إنما الخلل يقع حين تختلط شهادة التقدير بالتأهيل العلمي، أو يُقدَّم اللقب الرمزي باعتباره رتبةً أكاديمية، أو تتحول الأوسمة إلى عملةٍ متداولة لشراء الرضا واستقطاب الأعضاء. الشهادة لا تُدين صاحبها، واللقب لا يمنح صاحبه قيمةً تلقائية؛ لكنهما لا يعفيانه أيضًا من السؤال عن أثره وعمله. فالاعتراف الثقافي الحقيقي لا يُقاس بعدد ما يعلّقه الكاتب إلى جانب اسمه، بل بما يستطيع أن يضعه أمام قارئ لا يعرفه، ولا تربطه به صداقة، ولا ينتظر منه ردًّا بالمثل. وهنا أجد في تعقيب مايكل حمدان نقطةً تستحق المناقشة، خصوصًا في حديثه عن تضخم الألقاب والتكريمات. غير أن الاعتراض على المدّعين ينبغي ألا ينتهي بنا إلى الاشتباه في كل من يُكرَّم، كما أن كشف الزيف لا يمنح الناقد حصانةً من التعميم. فالمدّعي ليس هو المبتدئ، والمتعثر ليس هو المحتال، وصاحب النص الضعيف ليس بالضرورة صاحب مشروع زائف. إن العدالة النقدية تبدأ حين نفصل بين العمل وصاحبه، وبين الخطأ والادعاء، وبين الحاجة إلى التشجيع والحاجة إلى التقييم. أما ردود الدكتور طه، فقد كشفت جانبًا مهمًّا من أخلاق الحوار؛ إذ لم يتعامل مع الملاحظات باعتبارها اعتداءً على مقالته، بل سمح لها بأن تعيد ترتيب بعض أحكامه. وهذه فضيلة فكرية لا تتحقق بمجرد استعمال لغة مهذبة، وإنما تظهر حين يقبل الكاتب أن يراجع المسافة بين ما أراد قوله وما انتهت إليه عبارته. ولعل أجمل ما في الحوار أن صورة الحارس أخذت تتغير تدريجيًّا: لم تعد المسألة أن نمنع النصوص الضعيفة من دخول البيت الثقافي، بل أن نهيئ داخل هذا البيت شروطًا تسمح لها بأن تتعلم، وتمنح النصوص الجيدة فرصةً كي لا تضيع وسط الضجيج. غير أن هذا التحول يظل محتاجًا إلى اختبار عملي؛ فالحوار الجميل لا يصلح وحده خلل المؤسسات، ولا تكفي بلاغة الاعتراف بالمشكلة لتغيير العادات التي تنتجها. وأما الأستاذة منى السيد حمود، فقد اختارت فنجان الشاي مدخلًا إنسانيًّا إلى العلاقة بين الكاتب والناقد والقارئ. وفي هذا الاختيار جمالٌ واضح؛ إذ نقلت القضية من التجريد إلى صورةٍ مألوفة تسمح لنا برؤية الحوار باعتباره لقاءً تتبادل فيه العقول أثرها. لكنني أرى أن الفنجان، على جمال رمزيته، لا ينبغي أن يحجب السؤال الأصعب: ماذا يحدث حين ينتهي المجلس ويعود كل طرف إلى عاداته القديمة؟ هل نخرج من الحوار أكثر استعدادًا لمراجعة أحكامنا، أم نكتفي بالاحتفاء بجمال الحوار نفسه؟ قد يكون الشاي دافئًا، وقد تكون العبارات رقيقة، وقد يتبادل المشاركون الامتنان بصدق؛ لكن الثقافة لا تُقاس بدفء المجلس وحده، بل بما يتركه من أثر في طرائق القراءة والكتابة والتحكيم. فليس كل حوار جميل منتجًا بالضرورة، مثلما أن الاختلاف الحاد ليس فشلًا ما دام قائمًا على الحجة والاحترام. وهنا أصل إلى المسألة التي أراها في قلب هذا المشهد: نحن لا نحتاج إلى نقدٍ أكثر قسوة، بل إلى نقدٍ أكثر تفسيرًا. أن نقول عن نصٍّ إنه ضعيف لا يكفي؛ ينبغي أن نوضح أين ضعف، وكيف أثّر هذا الضعف في المعنى، وما الذي كان يمكن أن يجعله أكثر إحكامًا. وأن نقول عن نصٍّ إنه جميل لا يكفي كذلك؛ ينبغي أن نبيّن أين تكمن جمالياته، وما الذي أضافه، وكيف تجاوز المألوف دون أن يسقط في الغموض المجاني أو الزخرفة الفارغة. فالتفاهة لا تُهزم بالازدراء، وإنما تُحاصر حين نفكك آليات إنتاجها وتضخيمها: حين نرفض أن يكون عدد التفاعلات دليلًا على القيمة، وأن تكون الصداقة معيارًا للحكم، وأن يكون اللقب بديلًا عن المعرفة، وأن تتحول المجاملة إلى واجب اجتماعي يمنعنا من قول الحقيقة. ولا ينبغي أن ننسى أن المنصات الثقافية ليست مؤسسات نشر بالمعنى المهني الدقيق، وأن مطالبتها بالتحرير والمراجعة ينبغي أن تراعي إمكاناتها وطبيعة عملها. لكنها تستطيع، مع ذلك، أن تعلن معاييرها، وأن تفرّق بين النشر والتحكيم، وبين مساحة التشجيع ومساحة التقييم، وأن تتيح الملاحظات النقدية دون أن تجعلها سببًا للخصومة أو الإقصاء. أما الكاتب، فعليه أن يتصالح مع حقيقة بسيطة: نشر النص لا يعني اكتماله، والإعجاب به لا يثبت جودته، والاعتراض عليه لا ينتقص من كرامته. والناقد مطالب بأن يدرك أن كشف العيب ليس إنجازًا إذا لم يصاحبه فهم، وأن القسوة ليست دليل شجاعة، كما أن اللطف ليس دليل ضعف. والقارئ مدعو إلى ألا يستعير ذائقته من صاحب لقب، أو من جماعة تصفق بصوت واحد؛ فمسؤوليته الأولى أن يمنح النص فرصةً عادلة، ثم يصدر حكمه بما استطاع من معرفة وإنصاف. ولعلنا هنا نحتاج إلى تمييز أخير: ليس كل ما لا يعجبنا تافهًا، وليس كل ما يصعب علينا فهمه عميقًا، وليس كل ما يلقى رواجًا فارغًا، ولا كل ما يمرّ بصمت عظيمًا. هذه الأحكام السريعة، على اختلاف اتجاهاتها، تنتمي إلى المشكلة نفسها؛ لأنها تستبدل فحص العمل بموقف مسبق منه. إن الثقافة التي تخشى التفاهة إلى حدّ إغلاق أبوابها قد تخسر مواهب لم تنضج بعد، والثقافة التي تتسامح معها إلى حدّ منحها كل ألقاب الاستحقاق قد تفقد قدرتها على التمييز. وبين الإقصاء والتساهل توجد مساحة أصعب، لكنها أجدى: أن نفتح الباب، ونُبقي المعيار حاضرًا؛ أن نشجع الكاتب دون أن نكذب عليه، وأن ننقد نصه دون أن نصادر مستقبله، وأن نمنح التكريم لمن يستحقه دون أن نجعله بديلًا عن العمل. وفي النهاية، لا أظن أن أزمة النشر المعاصر تُختصر في كثرة الأقلام، ولا في ضعف اللغة، ولا في غياب المحرر وحده. إنها، في أحد وجوهها، أزمة علاقة بالقيمة؛ حين نريد الاعتراف قبل الإنجاز، والانتشار قبل النضج، والمكانة قبل العمل، ثم نتساءل لماذا صار الضجيج أعلى من صوت الأدب. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد هذا الحوار ليس: مَن الذي أفسد الثقافة؟ بل: ما العادات التي نمارسها جميعًا، بحسن نية أحيانًا، فتجعل الثقافة أقل قدرةً على تصحيح نفسها؟ فربما لا تكون التفاهة هي أن نكتب ما لا يدهش العالم، بل أن نصرّ على أن العالم قد أُدهش لمجرد أننا كتبنا. وربما لا تكون أزمة الثقافة في أن نجد نصًّا لا يستحق البقاء، فذلك جزء من طبيعة الكتابة، وإنما في أن نفقد الشجاعة على التمييز بين ما يستحق التشجيع وما يستحق الاحتفاء، وبين ما يحتاج إلى مراجعة وما لا يجوز أن يتحول ضعفه إلى جريمة. إن الكلمة لا تحتاج إلى حراسٍ يطردون الداخلين، ولا إلى مروّجين يصفقون لكل عابر؛ إنها تحتاج إلى قراء لا يخافون السؤال، ونقاد لا يستعيرون أحكامهم من صداقاتهم، وكتّاب لا يرون في المراجعة إهانة، ومؤسسات تعرف أن احترام الإنسان لا يعني تزكية كل ما ينتجه. فحين تصبح المجاملة أعلى صوتًا من الحقيقة، لا تموت الكلمة؛ بل يحدث ما هو أدقّ وأخطر: تظل الكلمات كثيرة، وتظل الألقاب لامعة، وتظل المجالس عامرة، لكننا قد نحتاج طويلًا كي نعثر على جملة واحدة تقول شيئًا يستحق أن نتوقف عنده. وهنا، بالضبط، ينبغي أن يبدأ عمل النقد. الدكتور محمد مبموني. منى السيد حمود حين ننصف الإنسان، ونترك للنص حقَّه في السؤال في هذا الحوار الثقافي، بين رؤية الدكتور طه عبد الرحمن، وقراءة الناقد عبد الرحمن بوطيب، وملاحظات الأستاذ مايكل حمدان، وما أضافه الدكتور محمد مبموني، وجدتني أتوقف عند سؤال يتجاوز خلاف الآراء إلى جوهر الثقافة نفسها: كيف نحفظ للإنسان كرامته، من دون أن نحجب عن أعماله حقَّ النقد؟ لعلّ ما تحتاج إليه ثقافتنا اليوم ليس مزيدًا من الأحكام، بل مزيدًا من الإنصاف؛ فالإنسان أكبر من نصٍّ أخفق فيه، والنص أكبر من اسم صاحبه حين يوضع أمام ميزان القراءة. لا ينبغي أن يتحول ضعف المحاولة إلى إدانة لصاحبها، كما لا ينبغي أن تتحول مكانة الكاتب أو محبة الناس له إلى حصانة تمنع مساءلة عمله. وليس التكريم خطأً في ذاته، ولا اللقب دليلًا كافيًا على القيمة؛ فلكل تقدير معناه الإنساني حين يصدر عن صدق، ولكل عمل استحقاقه الذي لا يثبته إلا ما يحمله من فكر وإتقان وأثر. إنما تبدأ المشكلة حين نخلط بين تقدير الإنسان والحكم على إنتاجه، فنظن أن احترام صاحبه يلزمنا بالموافقة عليه، أو أن نقده ينتقص من كرامته. وأحسب أن الاختبار الحقيقي لأي حوار ثقافي لا يكمن في جمال العبارات التي نتبادلها، ولا في مقدار الاتفاق الذي نبلغه، بل في قدرتنا على الخروج منه بأحكام أكثر عدلًا، وأسئلة أكثر دقة، واستعداد أكبر لمراجعة أنفسنا. فالحوار الذي لا يغيّر شيئًا في طريقة تفكيرنا قد يبقى جميلًا في الذاكرة، لكنه لم يبلغ بعد أقصى ما يستطيع أن يمنحه للثقافة. إننا لا نحتاج إلى أبواب تُغلق في وجه المحاولات، ولا إلى تصفيق يمنح كل محاولة منزلة الإنجاز؛ نحتاج إلى مساحة تتسع للتعلّم، ويظل فيها المعيار حاضرًا، ويُقال فيها الحق بلا تجريح، ويُمنح فيها التشجيع بلا تضليل. فالثقافة الناضجة لا تختار بين المحبة والحقيقة، بل تتعلم كيف تجمعهما: نُكرم الإنسان لأنه إنسان، ونقيّم النص لأنه نص، ونترك للزمن والقراءة الجادة أن يكشفا ما في العمل من قيمة. فليس من الإنصاف أن نجرح الإنسان باسم الحقيقة، ولا من الأمانة أن نحجب الحقيقة باسم المحبة؛ وبينهما تقف مسؤولية الكلمة، حين تكون رحيمةً من دون أن تتنازل عن معيارها. مع التقدير لكل قلم شارك في هذا الحوار، ولكل اختلاف أضاف إلى السؤال عمقًا جديدًا؛ فالثقافة لا تتقدم حين ينتصر أحدنا على الآخر، بل حين ينتصر فينا جميعًا حقُّ الفكرة في أن تُفهم، وتُناقَش، وتُراجَع بإنصاف. بقلم. منى السيد حمود سورية ردي على قراءة الدكتور محمد ميموني حين يستردّ المعيار روحه: إلى الدكتور محمد ميموني في شجاعة القراءة وأمانة الاعتراف ليس أجمل ما تمنحه القراءة للنص أن تردّ إليه صدى صوته، بل أن تكشف له ما لم يسمعه في نفسه؛ أن تدخل إليه من باب الفهم، ثم تفتح في جدرانه نوافذ لم يكن صاحبُه يعلم أنها ممكنة. فبعض القراءات تُطمئن الكاتب إلى ما كتب، وبعضها تُقلقه عليه، وأرفعها شأنًا تلك التي تمنحه طمأنينة الإنصاف وقلق المعرفة معًا؛ فلا يخرج منها مزهوًّا بسلامة موقفه، ولا منكسرًا تحت وطأة الاعتراض، وإنما أكثر استعدادًا لأن يسأل، وأقدر على أن يرى. ومن هذا المقام أقرأ قراءتكم، دكتور محمد ميموني: لا بوصفها خاتمةً لحوارنا حول «فوضى النشر المعاصر»، بل بوصفها اللحظة التي صار فيها الحوار مطالبًا بأن ينظر إلى نفسه، وأن يسأل عمّا أنجزه وراء جمال عباراته ونبل مقاصده. لقد جمعتم خيوط النقاش، ولكنكم لم تكتفوا بجمعها؛ رددتم كل خيط إلى موضعه، ثم كشفتم عن العقدة التي تتصل بها خيوط كثيرة: ليست القضية في وفرة المنشور وحدها، وإنما في اضطراب العلاقة بين المنشور وما نمنحه من اعتراف. وهنا تكمن الإضافة التي أقدّرها في مقالتكم «وفرة النشر وفقر المعنى: حين تتكاثر الألقاب وتضيع المعايير»؛ فقد نقلتم النظر من سؤال ما يدخل إلى الفضاء الثقافي، إلى سؤال ما يحدث له بعد دخوله، ومن مسؤولية إنتاج النص إلى مسؤولية إنتاج المكانة التي تُحيط به. كنتُ قد كتبت من خشية أن تستسهل الكلمة خروجها إلى الناس قبل أن تستوفي حقها من العناية، فجاءت قراءة الأستاذ عبد الرحمن بوطيب لتذكّرني بأن اتساع الباب ليس هو العطب، وأن المرافقة أجدى من الوقوف على العتبة. ثم جاءت قراءتكم لتضيف سؤالًا أشدّ نفاذًا: ماذا لو فتحنا الباب، وأعلنّا احترام المعيار، ثم تركنا المجاملة في الداخل تؤدي عملها القديم؟ ماذا لو انتقلنا من حراسة الدخول إلى التساهل في منح الاستحقاق، فصرنا نسمح لكل محاولة بأن تظهر، ثم نخلط بين حقها في الظهور وحقها في التتويج؟ بذلك لم تنقضوا ما انتهى إليه الحوار، وإنما منعتموه من أن يستريح إلى نفسه قبل أن يختبر نتائجه. وأحسب أن من أدقّ ما أنجزتموه تحرير لفظ «التفاهة» من سهولة الإهانة. لم تجعلوه حكمًا على إنسان، ولا وصمةً تلحق بالبدايات، ولا اسمًا آخر للبساطة؛ وإنما وصفتم به اختلالًا تتقدّم فيه علامات الحضور على أسباب القيمة، ويصبح فيه التصفيق بديلًا من القراءة، واللقب بديلًا من العمل. وهذا التحديد مهم؛ لأن الكلمة الحادة إن لم تُحكم دلالتها قد تهدم ما جاءت لتصلحه. أما حين تُردّ إلى آلياتها، فإنها تتحول من أداة تجريح إلى أداة فهم، ويغدو السؤال: كيف يُصنع هذا الوهم؟ لا: مَن نختار لنحمّله عارَه؟ هنا ألتقي معكم في أن النص العادي ليس فضيحة، وأن المحاولة المتعثرة ليست خيانة للأدب. ليس واجب كل كاتب أن يأتي بما لم يأتِ به أحد، ولا أن يجعل كل صفحة حدثًا في تاريخ الكتابة. إنما الأمانة أن نمنح العمل وصفًا يليق بما حققه؛ فلا نحمّله مجدًا لا يحتمله، ولا نسلبه حقًا لأنه لم يبلغ مرتبة استثنائية. قد تكون في المحاولة بذرة تستحق الرعاية، من غير أن تكون فيها ثمرة تستحق الاحتفال. وما أشدّ حاجتنا إلى هذا الفرق؛ فالتشجيع يقول للكاتب: واصل، أمامك إمكانٌ يستحق العمل؛ أما التقييم فيقول له: هذا ما تحقق في نصك حتى الآن. وحين نخلط القولين، نحرمه المعرفة باسم المحبة. ولعل المجاملة تصبح أشدّ خطرًا حين تُقدَّم في هيئة نقد. فالثناء الودّي مفهومٌ في موضعه، والتقدير الإنساني كريمٌ حين يعلن غايته، لكن القراءة التي تزعم تقويم العمل مطالبة بأن تبيّن أسباب حكمها. ليس من العدل أن نطالب الاعتراض بالحجة، ثم نُعفي الإعجاب منها؛ فالمديح الذي لا يشرح جمالًا قد يضلّل بقدر ما يظلم الذم الذي لا يشرح عيبًا. وما أصدق تنبيهكم إلى أننا لا نحتاج إلى نقد أكثر قسوة، بل إلى نقد أكثر تفسيرًا؛ لأن ارتفاع الصوت لا يعوّض غياب الدليل، ورقة العبارة لا تُغني عن دقة النظر. وأحب أن أقف هنا عند حدّ لا ينبغي أن يضيع ونحن ندافع عن المعيار: ليس تفسير الحكم وعدًا بإلغاء الاختلاف. قد نقرأ النص بعناية، ونصف بناءه وصفًا أمينًا، ثم نختلف في تقدير أثره؛ لأن القراءة لقاء بين عمل وتجربة، وليست إجراءً يُنتج نتيجة واحدة بالضرورة. لكن الفرق بين الاختلاف المسؤول والهوى المقنّع أن الأول يكشف طريقه إلى الحكم، ويقبل مساءلة ذلك الطريق، بينما يطلب الثاني التصديق دون بيان. المعيار الذي أرجوه، إذن، ليس عصًا تتشابه تحتها النصوص، بل معرفة تساعدنا على تمييزها؛ وليس سلطة تُنهي السؤال، بل لغة تجعل السؤال أدقّ. وفي حديثكم عن الألقاب والتكريمات وجدت وفاءً لهذا التمييز. لم تُدينوا التقدير لأنه تقدير، ولم تجعلوا كل وسام قرينة ادّعاء، وإنما وضعتم الإصبع على لحظة الالتباس: حين يرتدي الامتنان ثوب التأهيل، وحين تُستعمل الإشارة الرمزية كما لو كانت برهانًا على اختصاص أو إنجاز. والتكريم الصادق لا يحتاج إلى أن يكذب كي يكون كريمًا؛ يكفيه أن يسمّي ما يقدّره بوضوح. قد نشكر إنسانًا على حضوره، أو على تطوعه، أو على جهده في جمع الآخرين حول الكلمة، دون أن نحول شكرنا إلى شهادة في جودة كل ما يكتب. فلكل فضل اسمه، ولكل استحقاق بابه، والخلط بين الأبواب لا يوسّع البيت، بل يربك ساكنيه. أما توقفكم عند فنجان الشاي الذي جعلته الأستاذة منى السيد حمود صورةً لألفة الحوار، فقد وجدته سؤالًا في محلّه، لا انتقاصًا من جمال الصورة. فالفنجان منح النقاش وجهًا إنسانيًا، وأنتم سألتم عن مصير الفكرة بعد انفضاض المجلس. ونحن نحتاج إلى الاثنين: إلى الألفة التي تجعل الإصغاء ممكنًا، وإلى الصدق الذي يمنع الألفة من أن تصير اتفاقًا على تجنّب المسائل الصعبة. دفء المجلس ليس نقيضًا لجدية النقد، لكنه لا يكفي وحده للدلالة عليها. وقد نختلف في مجلس اختلافًا موجعًا، ثم نخرج منه أكثر احترامًا للحقيقة؛ وقد نتبادل أجمل كلمات الامتنان، ثم نعود إلى أحكامنا دون أن يتحرك فيها شيء. ومن هنا أخذتُ تنبيهكم إلى حدود الحوار مأخذ الالتزام، لا مأخذ التحفّظ العابر. فليس كافيًا أن أقول إنني راجعت تعميمًا في مقالتي؛ ينبغي أن يظهر أثر المراجعة حين أكتب حكمًا جديدًا. وليس كافيًا أن أمتدح الفصل بين الإنسان ونصه؛ ينبغي أن أحتمله عندما يُطبَّق على نصّي أنا. تلك، في تقديري، أصعب لحظات الأمانة: أن نقبل على أنفسنا ما استحسنّا الدعوة إليه عند الآخرين، وأن نترك للحجة حقها حتى حين لا تمنحنا الصورة التي نحب. ولهذا لا أريد لشكري لكم أن يكون مثالًا آخر على تضخّم الاعتراف الذي حذّرتم منه. إنني أقدّر في قراءتكم أمورًا محددة: إحكام الفروق بين الحرية والقيمة، وبين التعثر والادّعاء، وبين التشجيع والتقييم؛ ثم انتقالكم من نقد النصوص إلى مساءلة العادات التي تمنحها مكانتها؛ وأخيرًا، إخضاعكم الحوار نفسه للاختبار الذي يطلبه من سواه. بهذه الإضافات تستحق القراءة تقديرها، لا لمجرد أنها وافقتني في مواضع، ولا لأنها أحسنت مخاطبتي، بل لأنها جعلت المسألة التي شغلتني أوسع وأدق مما كانت عليه في عبارتي الأولى. وأرى أن أجمل استجابة لقراءتكم أن تتحول هذه الفروق إلى ممارسة: أن تُعلن المنصة طبيعة ما تتيحه، فلا يُفهم النشر فيها بوصفه تحكيمًا؛ وأن يبيّن الناقد شواهد حكمه بدل الاكتفاء ببلاغته؛ وأن يعرف الكاتب أن الاعتراض على عمله ليس خصومة مع وجوده؛ وأن نمنح المبتدئ ملاحظة يستطيع العمل بها، لا لقبًا يعجز عن معرفة الطريق إليه. لا تحتاج هذه البداية إلى ادعاء إصلاح المشهد كله؛ يكفي أن يتوقف كل واحد منا عند الجزء الذي يصنعه بيده، ويسأل: هل أزيد وضوح القيمة، أم أزيد الضباب المحيط بها؟ دكتور محمد ميموني، لقد قرأتم حوارنا قراءةً تحفظ له فضله ولا تمنحه براءةً مجانية من نواقصه. وهذا، عندي، من كرم النقد الحقيقي؛ أن يأخذ الكلام مأخذ الجد، فيسائله عما يعد به، ولا يكتفي بما يتزيّن به. وما زلت أؤمن أن للكلمة أمانة ينبغي صونها، لكن قراءتكم تجعلني أشد انتباهًا إلى أن هذه الأمانة لا تنتهي عند إحكام النص؛ إنها تمتد إلى إحكام القول فيه، وإلى صدق المكانة التي نمنحها له. فلكم الشكر على قراءة لم تجعل الاختلاف جدارًا، ولم تجعل الاحترام ستارًا. لقد تركتم للكاتب كرامته، وللنص حقه في السؤال، وللقارئ حريته في أن يفهم قبل أن يصدّق. وأرجو أن يكون وفاؤنا لهذا اللقاء فيما نكتبه بعده: أن يقلّ في أحكامنا ما لا نستطيع تعليله، وأن يزداد في تشجيعنا ما يعين على النمو، وأن تصبح محبتنا للكلمة سببًا للعناية بها، لا ذريعةً لإعفائها من العمل. فعندئذ لا نكون قد أحسنّا الحديث عن المعيار فحسب؛ نكون قد منحناه مكانًا حيًّا في ضمائرنا، حيث يبدأ صدق القراءة، وحيث تُختبر أمانة الكتابة. طه دخل الله عبد الرحمن *********************
كلمة شكر وامتنان، محبة ووفاء لكم في عنق الحرف عهدٌ، وفي شغاف القلب وردٌ إلى الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب، وإلى إدارة برنامج «أسابيع الرؤى الثقافية»، والمجلس الإداري لمجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية للمعنى رجالٌ يُجلّون مقامه، ويستجلون مرامه؛ إذا قرؤوا أبانوا، وإذا حاوروا أعانوا، وإذا اختلفوا أنصفوا، وإذا اقتربوا من النصّ كشفوا ولم يتكلّفوا. لا يطرقون أبواب الحروف طلبًا لصداها، بل ابتغاءً لما استتر في ثناياها؛ ولا يزنون القول بجرس ألفاظه وحده، بل بما يحمل من صدق التجربة، وحرارة الروح، ونفاذ الرؤية. وفي طليعة من عرفتُ فضلهم في هذه الصحبة الأدبية، الأستاذ الناقد عبد الرحمن بوطيب؛ صاحب الحضور الذي آنس، والنظر الذي أضاء، والحوار الذي أغنى. وجدتُ في قراءته عنايةً لا تستعجل الحكم، وبصيرةً لا تكتفي بالرسم؛ فإذا العبارة تبوح بما ادّخرت، وإذا الدلالة تُظهر ما أضمرت، وإذا النصّ، وقد ألفتُ وجهه، يُقبل عليّ بوجهٍ لم أعرفه، ومعنى لم أستشفّه. وإلى جواره، قامت إدارة برنامج «أسابيع الرؤى الثقافية»، والمجلس الإداري لمجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية، مقامَ أهل الدار من ضيفهم: رحابةً في الاستقبال، وعنايةً بالمقال، وكرمًا في الإصغاء، وحرصًا على أن يكون اللقاء لقاءَ فكرٍ بفكر، ووجدانٍ بوجدان؛ لا احتفاءً ينقضي بانقضاء ساعته، بل أثرًا يمتدّ بعد ختام ضيافته. إليكم أرفع كلمة وفاء؛ غير أنّ الكلمة، مهما اتّسع مداها، أضيق من جميلكم، والعبارة، مهما ارتفع سناها، دون فضلكم. فكيف أجمع أسبوعًا من الأنس في سطور، وأردّ في رسالةٍ ما غمرتموني به من شعور؟ وكيف أُحيط بالشكر، وقد أحطتموني بالعناية؛ وأبلغ بالثناء غايته، وقد تجاوز لطفكم كلّ غاية؟ لقد استضفتموني أسبوعًا كاملًا، فكان في حساب الزمن أيامًا معدودات، وفي حساب القلب عطايا ممدودات. وكان لي في كلّ قراءةٍ نافذة، وفي كلّ حوارٍ معرفة، وفي كلّ سؤالٍ دعوةٌ إلى تأمّلٍ أعمق، وإنصاتٍ أصدق. مضت أيّامه، ولم يمضِ أثره؛ وانفضّ مجلسه، ولم تنفضّ عن الروح أنواره. ما كنتُ خلاله أعرض نصوصي فحسب؛ كنتُ أتعرّف إليها من جديد. أراها وقد عبرت من عيني إلى أعينكم، ومن صوتي إلى أصواتكم، فإذا بها تستردّ من تعدّد القراءات حياةً أخرى، وتتّسع بما دار حولها من حوارٍ وفكرة. وكم من عبارةٍ حسبتُ أنّني استوفيتُ معناها، فإذا قراءتكم تفتح لي خفاياها؛ وكم من صورةٍ ظننتُ أنّني أحطتُ بأبعادها، فإذا تأمّلكم يدلّني على امتدادها! كانت قراءاتكم النقدية أكثر من مميّزة؛ فيها من نفاذ النظر ما يوقظ، ومن دقّة التأمّل ما يلفت، ومن حسن المحاورة ما يجعل المراجعة رغبةً لا رهبة، والاختلاف سعةً لا وحشة. لم يكن أثرها زينةً على هامش تجربتي، بل حركةً في صميمها؛ أعادت إليّ أسئلة الكتابة، وعمّقت في نفسي مسؤوليّة العبارة، وجعلتني أتمهّل حيث كنتُ أعبر، وأتأمّل حيث كنتُ أكتفي بالنظر. أستاذي العزيز عبد الرحمن بوطيب لك في نفسي منزلةٌ يثبتها الأثر، ولا يستنفذها الشكر؛ ولك من محبّتي ما لا تُمليه مناسبة، ومن تقديري ما لا تطويه مسافة. أشكرك على وقتٍ وهبتَه، وفكرٍ بذلتَه، وحوارٍ أحسنتَ إدارته؛ وعلى قراءةٍ شعرتُ معها أنّ للنصّ حرمةً تُرعى، ولصاحبه صوتًا يُسمع، وللسؤال حقًّا في أن يُطرح ويُتبع. لقد أنصتُّ إليك، فوجدتُ في الإنصات متّسعًا لنفسي؛ وعدتُ إلى ما كتبتُ، فوجدتُ في العودة ما يستحقّ التأنّي. وتلك من أجمل عطايا النقد: أن يردّ الكاتب إلى نصّه لا ليقيم فيه مطمئنًّا إلى كلّ ما صنع، بل ليُبصر مواضع قوّته، ويتأمّل وجوه احتماله، ويُحسن الإصغاء إلى ما يزال فيه ينتظر الاكتمال. فلك الشكر على ما أبنتَ، ولك التقدير على ما أنرتَ، ولك المودّة على ما منحتَ من قربٍ كريمٍ جعل للحوار دفأه، وللمعرفة صفاءها. ستبقى لهذه الصحبة في ذاكرتي علامة، ولهذا الأسبوع في تجربتي إقامة؛ أستعيده كلّما احتجتُ إلى عينٍ أخرى ترى معي، وإلى سؤالٍ صادقٍ يمضي بي أبعد ممّا اعتدتُ أن أمضي. وإلى إدارة برنامج «أسابيع الرؤى الثقافية»، وإلى المجلس الإداري لمجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية، يا من هيّأتم للكلمة مجلسها، وللقراءة فرصتها، وللحوار رحابته؛ لكم جميلٌ أحفظه، وصنيعٌ أشكره، وودٌّ أحمله. لقد أحسنتم الضيافة حين منحتموني وقتًا تتنفّس فيه النصوص، وتتلاقى فيه الآراء، وتتوالد فيه الأسئلة. وكان من كرمكم أن اتّسع المجلس للقول وجوابه، وللرؤية وما يقابلها، وللتأمّل وما يفتحه من أبواب. لقد شعرْتُ بينكم بأنّ للحرف أهلًا؛ يكرمون صاحبه بإكرام تجربته، ويقدّرون حضوره بصدق التفاعل معه. وإنّي لأعتزّ بهذا الاحتفاء، وأعتزّ أكثر بما صاحبه من جديّة القراءة وثراء المحاورة؛ ففيهما ما يبقى حين يخفت صدى الثناء، وما يُثمر حين تنقضي بهجة اللقاء. ولكلّ من قرأ، وحاور، وسأل، وتأمّل، وأصغى: تحيّةٌ على قدر محبّتي، وإن لم تبلغ قدر عطائكم. ما من ملاحظةٍ صادقةٍ إلّا تركت في نفسي موضعًا للتفكير، ولا سؤالٍ جادٍّ إلّا فتح في تجربتي مجالًا للتقدير. لقد تعدّدت أصواتكم، واجتمعت آثارها في قلبي؛ فأغنيتم الأسبوع حضورًا، وأغنيتم نصوصي عبورًا من رؤيتي إلى رؤاكم، ومن تجربتي إلى آفاق قراءتكم. أيّها الأعزّاء قد تُختتم الاستضافة في موعدها، لكنّ الامتنان لا يعرف موعدًا لختامه؛ وقد تُطوى صفحات البرنامج، لكنّ ما كُتب في الوجدان لا يُطوى بانطواء صفحاته. سأحمل من هذا الأسبوع دفءَ الصحبة، وخصب السؤال، وجمال الاختلاف حين يحرسه الاحترام؛ وسأحمل، قبل ذلك وبعده، أسماءكم مقرونةً بجميلٍ لا أملك له وفاءً أصدق من أن أحفظه، وأثرٍ لا أملك له شكرًا أبلغ من أن أعيه. فإن قصرت كلمتي عن مقامكم، فالمحبّة تبلغ حيث يقصر البيان؛ وإن ضاقت سطوري بما أكنّه لكم، ففي القلب للجميل متّسعٌ لا تضيق به الأزمان. وما هذه الرسالة إلّا بعض ما أشعر، وبعض ما أذكر؛ أمّا تمام الشكر، ففي وفاءٍ تصدّقه الأيام، ومودّةٍ لا تحتاج كلّ حينٍ إلى كلام. دمتم للكلمة أهلًا، وللقراءة بصيرةً، وللحوار فضيلةً؛ ودامت «الرؤى» ملتقىً يتّسع فيه الفكر، ويأتلف فيه الودّ، ويجد فيه الحرف من يُصغي إلى نبضه ويحتفي بصدقه. لكم في عنق الحرف عهدٌ لا يُنقض، وفي شغاف القلب وردٌ لا يذبل؛ ولكم منّي محبّةٌ تحفظ الجميل، ووفاءٌ يصون الودّ، وامتنانٌ كلّما حاولتُ أن أختمه، ابتدأ. بكلّ المحبّة والوفاء، التقدير والامتنان طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 12/10/2026 ********************* كلمة الأسابيع برنامج أسابيع الرؤى الثقافية / رسالة شكر ووفاء واحتفاء] السلسلة الثانية – الموسم الثقافي 2026 / 2027 العدد الخامس: أكتوبر 2026 رسالة شكر ووفاء واحتفاء إلى الأديب المتعدد والناقد والكاتب الفلسطيني الفاضل الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، بكل محبة وتقدير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن الفاضل، حين تكون الكلمة وفاءً للتجربة، ويكون اللقاء احتفاءً بالإنسان المبدع، يصبح الشكر أكبر من عبارة، والتقدير أعمق من رسالة. من هذا المعنى، وباسم المجلس الإداري لمجموعة مجلات الرؤى الثقافية، وباسم إدارة برنامج "أسابيع الرؤى الثقافية"، نتوجه إليكم، أستاذنا الكريم، بأصدق عبارات الشكر والامتنان، على حضوركم المضيء ضيفا للعدد الخامس، من السلسلة الثانية للموسم الثقافي 2026 / 2027. لقد كان حضوركم أكثر من مشاركة في لقاء ثقافي؛ كان عبورا بتجربة أدبية وإنسانية غنية، تتعدد فيها وجوه الإبداع، من الشعر إلى القصة، ومن النقد إلى الكتابة الفكرية، ومن الكتابة إلى الفعل الثقافي... تجربةٌ جعلت من الأدب فضاءً للسؤال، ومن الكتابة فعلا واعيا بالإنسان والزمن، وبما للكلمة من قدرة على مساءلة السائد، واستنهاض الوعي، وفتح مسالك جديدة للرؤية. لقد منحتم هذا اللقاء قبسا من وهج تجربتكم، وأتحتم لنا أن نقترب من عالمكم الأدبي، لا من خلال ما كتبتم فحسب، بل من خلال ما راكمتموه من أسئلة، وما اختزنته مسيرتكم من رؤى ومواقف وذاكرة إبداعية. وإن فعاليات برنامج "أسابيع الرؤى الثقافية، وهي تغني سلسلتها الثانية بالاحتفاء بتجربتكم، إنما تؤكد رهانها على أن الاحتفاء بالمبدع ليس احتفاءً بمنجزه وحده، وإنما هو احتفاء بالرحلة التي صنعت هذا المنجز، وبالأسئلة التي رافقته، وبالإنسان الذي ظل يسكن خلف النص. لذلك، نعدّ حضوركم في مسيرة هذه السلسلة إضافةً نوعية، وذكرى ثقافية ستظل شاهدةً على لقاء جمع بين الرؤية والتجربة، وبين الكلمة وصاحبها، وبين الأدب والحياة. فلكم، دكتور طه، كل الشكر على حضوركم، وكل التقدير لتجربتكم، وكل الوفاء لهذه الكلمة التي اخترتم أن تجعلوا منها جسرا إلى الإنسان والحياة. مع خالص الاعتزاز بكم، وبمسيرتكم الأدبية والثقافية، ومع أصدق الأمنيات لكم بمزيد من العطاء والتألق،
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
-
النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي
...
-
استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع
...
-
قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة
...
-
رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة
...
-
قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد
...
-
ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان
...
-
إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه
...
-
رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ
...
-
دراسة نقدية أكاديمية موسعة في المجموعة القصصية «كنتُ هناك...
...
-
شكر وامتنان لمرفأ الابداع والأستاذ سعيد محتال – جليس الشهر ف
...
-
القراءة النقدية الكاملة لنص – طقوس الشاي المقدسة – للأستاذة
...
-
قراءة لقصيدة - الأربعينية باللون الأسود – الأستاذ الشاعر عون
...
-
الأثر
المزيد.....
-
من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين
...
-
بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق
...
-
فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
-
-الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش
...
-
اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
-
أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و
...
-
باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس
...
-
فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي
...
-
تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف-
...
-
فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|