طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 00:33
المحور:
الادب والفن
قراءة نقدية في مادة "الورقة الإبداعية الذاتية" للدكتورة آمال بن الطاهر، ضيفة برنامج "أسابيع الرؤى الثقافية" - العدد الثامن
الناقد الفلسطيني د. طه عبد الرحمن، يكتب:
د. آمال بن الطاهر: حين تصير الذاتُ أفقا، واللغةُ سؤالا، والكتابةُ وطنا لا تحدّه الخرائط
——————————————————
1/ القراءة النقدية - د. طه عبد الرحمن
ثمّة تجاربُ نقرأها فنزداد معرفةً بأصحابها، وثمّة تجاربُ نقرأها فنزداد انتباهًا إلى أنفسنا؛ لأنها لا تمنحنا حكايةَ ذاتٍ اكتمل تكوينها، بل تفتح أمامنا مشهدَ التكوّن نفسه، حيث تتعانق هشاشةُ الإنسان مع اقتدار اللغة، وتتجاور وحشةُ السؤال مع أُنس المعرفة، ويغدو الحرفُ أثرًا لرحلةٍ لا تستمدّ قيمتها من بلوغ نهايتها، بل من قدرتها على تجديد البدايات. ومن هذا الأفق تتبدّى الدكتورة آمال بن الطاهر في ورقتها الذاتية الشعرية «خرائط لا تُقرأ»: حضورًا ثقافيًا لا يختزل تعدّده في تعداد منجزاته، وصوتًا إبداعيًا لا يكتفي بأن يُسمع، بل يدعونا إلى مساءلة الكيفية التي نصغي بها، والمعايير التي نفهم بها، والحدود التي نرسمها بين المعرفة والحياة.
ليس الاحتفاء بهذه التجربة، في سياق «أسابيع الرؤى الثقافية»، مجرّد تحيةٍ إلى اسمٍ يجمع بين البحث والنقد والشعر والزجل؛ إنّه، في معناه الأعمق، احتفاءٌ بإمكان أن تتآزر هذه المسالك من غير أن تتطابق، وأن تتجاور من غير أن يفقد كلٌّ منها خصوصيته. فالباحثة لا تُلزم القصيدةَ أن تكون تقريرًا لمقولاتها، والشاعرة لا تعفي النظرَ النقدي من مقتضيات الدقّة، والمشتغلة بتعليم العربية لا تفصل سؤالَ اللغة عن سؤال الإنسان الذي يتعلّمها. بذلك لا يعود التعدّد تكاثرًا في الصفات، بل يغدو امتحانًا لوحدة الرؤية: كيف تتنوّع الأدوات ويبقى الإصغاء إلى الإنسان خيطًا ناظمًا بينها؟
وقد أصاب تقديم الأستاذ عبد الرحمن بوطيب حين جعل الاقتراب من هذه التجربة اقترابًا من أسئلتها، لا وقوفًا عند عناوينها؛ ذلك أنّ التكريم الذي يليق بالكتابة ليس إغراقها في المديح، وإنّما إنصافها بقراءةٍ تستجيب لما فيها من تركيب، وتردّ على جدّيتها بجدّيةٍ مماثلة. فالنصّ لا يبلغ منزلته بما نعلّق حوله من نعوت، بل بما يوقظه فينا من نظر، وما يتيحه لنا من مراجعة. ومن هنا تكتسب هذه الورقة أهميتها: إنّها لا تضع بين أيدينا سيرةً نكتفي بتلقّيها، بل تقترح علينا ميثاقًا للقراءة، نكون فيه شركاء في بناء الدلالة، لا شهودًا على اكتمالها.
تقول آمال بن الطاهر: «لم أدخلِ الكلمات... بل الكلمات دخلَتْني». وفي هذا الاستهلال تنعكس العلاقة المألوفة بين الكاتب ولغته؛ إذ لا تعود الذاتُ فاعلًا مطلقًا، ولا الكلماتُ مادةً ساكنة تنتظر التشكيل. إنّنا أمام ذاتٍ تتلقّى بقدر ما تُنشئ، وتتكوّن باللغة في اللحظة التي تتوهّم فيها أنّها تتصرّف بها. وهذه الإزاحة تمنح القول قوّته: ففعل الكتابة ليس ممارسةَ سيادةٍ خالصة على العبارة، بل دخولٌ في علاقةٍ تترك أثرها في الطرفين؛ نغيّر الكلمات بما نضع فيها من خبرتنا، وتغيّرنا الكلمات بما تكشفه من خبرةٍ لم نكن نملك تسميتها.
وتأتي صورة الليل الداخل بيتًا نسي أن يغلق نوافذه لتمنح هذا التصوّر كثافته الوجدانية. فالبيت ليس حصنًا مكتمل المنعة، والليل ليس مجرّد ظلام؛ إنّهما، في اقتصاد الصورة، طرفا لقاءٍ بين ذاتٍ قابلة للانكشاف وعالمٍ يتسلّل إلى أعماقها. ومن هذا الانكشاف ينبثق «جرح يفتّش عن اسمه». هنا تتجاوز التسميةُ وظيفةَ التعريف إلى محاولة الفهم؛ فما لم يجد لغته يظلّ مبعثرًا في الإحساس، وما يُكتب لا يزول بالضرورة، لكنه ينتقل من وطأة الالتباس إلى إمكان المحاورة. ولذلك لا تبدو الكتابة في هذه الورقة ترفًا يضاف إلى الحياة، بل جهدًا تبذله الحياة كي تصير قابلةً للقراءة.
وحين تقول: «الثقافة ليست أن تعرف»، فإنّ بلاغة العبارة لا تستقيم بردّها إلى معناها الحرفي المعزول، بل بالنظر إلى ما تستدركه عليه: «أن تتّسع للجهل». والمقصود، في سياق الورقة، ليس تمجيد الجهل، وإنّما تأسيس ضربٍ من التواضع المعرفي؛ أي أن يدرك المرء أنّ ما يعرفه لا يستنفد ما يمكن معرفته، وأنّ السؤال ليس عارضًا ينبغي التخلّص منه، بل شرطٌ من شروط يقظة الفكر. هكذا تستبدل الكاتبة صورةَ الثقافة بوصفها حيازةً بصورة الثقافة بوصفها اتّساعًا؛ والفرق بينهما أنّ الحيازة قد تكتفي بما تجمع، أمّا الاتّساع فيظلّ مطالبًا بمراجعة حدوده.
ومن هنا تتقدّم العتبة بوصفها الصورة الأقدر على جمع مفاصل النصّ. فالوقوف بين الداخل والخارج ليس، بالضرورة، عجزًا عن الاختيار، بل قد يكون احترازًا من اختزال العالم في جهةٍ واحدة. إنّها عتبةٌ بين المعرفة وما يستدعيها، وبين القول وما يتمنّع عليه، وبين انتماء الذات إلى نفسها وانفتاحها على غيرها. وفي هذا الموضع تتّخذ الهوية هيئةَ علاقةٍ متجدّدة، لا هيئةَ تعريفٍ مغلق؛ فالذات لا تتبدّد لأنّها تنفتح، وإنما قد تجد في انفتاحها سبيلًا إلى وعيٍ أدقّ بما تكونه.
ولعلّ عبارة «في كلّ أنا جماعة» هي المركز الذي تتكاثف حوله هذه الرؤية. فالقول لا يسلب الذات فرادتها، بل يكشف أنّ الفرادة ليست نقيض التعدّد؛ إذ لكلّ إنسانٍ طريقته الخاصة في استقبال ما ورثه، وما تعلّمه، وما خالفه، وما تعذّر عليه فهمه. واللافت أنّ الكاتبة تُدخل صوت المخالف في نسيج تكوينها، فلا تحصر أثر الآخر في الموافقة أو التلقين. بذلك يصبح الاختلاف عنصرًا في بناء الوعي، لا واقعةً تقع خارجه فحسب. وهذه دلالةٌ تمنح العبارة أفقها الأخلاقي إلى جانب بعدها الجمالي: أن نعترف بأنّ بعض ما نحن عليه قد صنعه مَن لم نكن على وفاقٍ معهم.
وفي ضوء هذا التصوّر، يمكن أن نلمح صلةً بين انشغالها، كما تعرضه السيرة المرفقة، بتعدّد الأصوات في السرد، وبين تمثيلها الشعري للذات بوصفها «جوقة». غير أنّ القراءة المنهجية تقتضي ألّا نسوّي بين المجالين؛ فالصورة الشعرية لا تُختزل في مفهومٍ نقدي، والمفهوم لا تُغني عنه فتنة الصورة. إنّما تتجلّى الصلة في اشتراكهما في مقاومة الصوت الواحد حين يدّعي الاكتفاء: ففي النصّ أصواتٌ تتجاور وتتعارض، وفي الذات آثارُ لقاءاتٍ لا يمكن ردّها إلى أصلٍ منفرد. هنا تتجاوب حساسية المبدعة ويقظة الباحثة من غير أن تتحوّل إحداهما إلى شرحٍ تابعٍ للأخرى.
أمّا عنوان «خرائط لا تُقرأ»، فينهض على مفارقةٍ تُصيب وظيفة الخريطة في صميمها. فالخريطة تُستدعى عادةً لتقليل الالتباس، بينما يستبقي العنوانُ الالتباسَ في قلب أداة الاهتداء. غير أنّ هذه المفارقة تفتح سؤالًا أبعد: هل نقرأ لكي نعثر في النصّ على الطريق الذي نعرفه سلفًا، أم لكي نختبر إمكان طرقٍ لم تكن داخلةً في حسابنا؟ على هذا المستوى، لا يكون التيه انعدامًا للوجهة، بل تعليقًا مؤقّتًا لسلطة الوجهة الجاهزة؛ ولا تكون القراءة إلغاءً للطريق، بل مشاركةً في اكتشافه.
ومع ذلك، فإنّ الإنصاف النقدي يقتضي أن نميّز بين خصوبة التأويل واستباحة الدلالة. فليس كلّ احتجابٍ عمقًا، ولا كلّ إبانةٍ ابتذالًا؛ وقد تكون العبارة واضحةً بما تملك من إحكام، ثم تظلّ بعيدةَ الغور بما تفتحه من علاقات. ومن ثمّ تُقرأ عبارة «الوضوح سجن أنيق» بوصفها احتجاجًا شعريًا على المعنى المستهلك، لا حكمًا نهائيًا على قيمة الوضوح. إنّ المراوغة التي تستحقّ رهانها هي التي تجعل القارئ يعاود النظر، لا التي تجعل النظر بلا موضوع؛ وهي التي تؤجّل انكشاف الدلالة لتكثّفها، لا التي تتّخذ من الغموض ستارًا يحجب غيابها. وبهذا الحوار نحفظ للنصّ حريته، ونحفظ للقراءة مسؤوليتها.
وتبلغ صورة الاختيار الجمالي صفاءً لافتًا في قولها: «الوزن بيت جميل، وأنا أردت أن أسكن الريح». فهي لا تهدم البيت لكي تبرّر الرحيل عنه، بل تعترف بجماله ثم تختار أفقًا آخر للإقامة. وفي ذلك أدبُ اختلافٍ لا يقلّ قيمةً عن جمال الاستعارة؛ إذ لا تحتاج التجربة إلى تبخيس سواها كي تثبت مشروعيتها. على أنّ السكن في الريح ليس إعفاءً من البناء، بل انتقالٌ إلى صعوبةٍ أخرى: كيف تمنح الحركةَ إيقاعها، والتشظّيَ وشائجه، والانفتاحَ حدوده الفنية؟ إنّ الحرية هنا لا تسبق المسؤولية لتلغيها، بل تستدعيها على نحوٍ أشدّ دقّة.
وحين نبلغ «غيمة بلا سما»، نلتقي صورةً أخرى للانتماء الذي يبحث عن صيغته من غير أن يرضى بالسقف الجاهز. وفي قولها: «الفصحى ذاكرة، والدارجة نبض، وأنا بينهما أتنفّس»، لا تكمن القيمة في إقامة قسمةٍ نهائية بين اللغتين، بل في فعل التنفّس الذي يجمعهما في حياةٍ واحدة. فالفصحى لا تنحصر في الذاكرة، والدارجة ليست خلواً منها؛ لكنّ العبارة تنتقي من كلّ جهةٍ طاقةً لتصوغ علاقةً وجدانية بموارد التعبير. هكذا لا يعود الانتقال بينهما عبورًا بين خصمين، بل إصغاءً إلى مستويين من الخبرة، يتجاور فيهما الموروث والمعيش، والحضور الحميم والامتداد الثقافي.
ويجد هذا الإصغاء امتداده التربوي في سؤالها: «كيف نعلّمها حياةً قبل أن نثقلها بالإعراب؟». إنّه سؤالٌ في ترتيب العلاقة بالمعرفة، لا دعوةٌ إلى إسقاط أدواتها. فالقاعدة، حين تصل بوصفها جوابًا عن حاجةٍ إلى الفهم، تختلف في أثرها عن القاعدة حين تُقدَّم حاجزًا سابقًا على الألفة. ومن هنا تستمدّ صورة الجملة التي تتنفّس قبل أن نُشرّحها قوّتها؛ لأنّها تذكّرنا بالفارق بين تحليلٍ يعين على تذوّق الكائن اللغوي، وتحليلٍ ينسى، في انهماكه بأجزائه، أنّ له حياةً في الاستعمال. وفي هذا الموضع تتّصل بلاغة الشاعرة بمسؤولية المعلّمة، من غير أن يصبح الشعر بديلًا عن المنهج، أو يصبح المنهج خصمًا للحياة.
ثمّة، بعد ذلك، عبارةٌ تختزل أخلاق القراءة في صورةٍ بالغة الإحكام: «تفتح للنصّ الباب ولا تفرض عليه أثاثك». فالضيافة لا تعني أن نتخلّى عن ذاكرتنا وأسئلتنا، فهذا متعذّر، ولكنّها تعني ألّا نجعل منهما المعيار الوحيد لما يجوز للنصّ أن يكونه. إنّها استعدادٌ لتعديل توقّعاتنا في ضوء ما نقرأ، لا إجبار المقروء على موافقة ما توقّعناه. وحين تصف النقد بأنّه «قراءة تقرأ نفسها وهي تقرأ»، فإنّها تمنحه بُعدًا تأمّليًا ضروريًا: أن يسائل أدواته ومسلّماته، وألّا يتوهّم أنّه ينظر من موضعٍ خالٍ من الاختيار. غير أنّ وعي الناقد بموقعه لا يبطل إمكان الحكم؛ إنّما يجعله أشدّ حرصًا على إقامة الحجة، والتمييز بين ما يستند إلى النصّ وما يحمله إليه.
ولا تقلّ دلالةُ حديثها عن التحكيم والمراجعة والتدقيق عن دلالة المقاطع الأكثر توهّجًا بالشعر. ففي تلك الأعمال التي «لا يراها أحد» تنتقل الورقة من فتنة الحضور إلى أخلاق الخدمة. وتصحيح الفاصلة ليس حدثًا صغيرًا حين تكون العناية بالتفصيل وجهًا من وجوه احترام المعنى؛ غير أنّ قيمة الصورة الأعمق تكمن في اعترافها بعملٍ لا يستمدّ ضرورته من تصفيق الجمهور. هنا تتجلّى الثقافة بوصفها أمانةً موزّعة بين مَن يكتب، ومَن يراجع، ومَن يسأل، ومَن يصون شروط الفهم. إنّها بنيةُ عنايةٍ مشتركة، لا منصّةُ ظهورٍ فردي فحسب.
وعلى امتداد هذه الحركة، من الجرح الباحث عن اسمه إلى القصيدة التي تُكتب وفاءً لدَين اللغة، تتكشّف وحدة الورقة: ليست الذاتُ موضوعًا تُحصيه، بل علاقةً تُنصت إلى تشكّلها؛ وليست اللغةُ وعاءً يحدّ التجربة، بل فضاءً تختبر فيه التجربة قدرتها على أن تُفهم. ولذلك تأتي عبارة «كلّ قصيدة دين لا يُسدَّد» لتمنح الكتابة معنى الامتنان، لا معنى الاستعراض؛ فما تمنحه اللغة أوسع من أن يختزله نصّ، وما يستطيع الكاتب ردّه إليها يظلّ محاولةً، وفي المحاولة نفسها بهجتها ومشروعيتها.
لهذا كلّه، يليق بالدكتورة آمال بن الطاهر أن تُقرأ ورقتها بوصفها اقتراحًا جماليًا وفكريًا يستحقّ المحاورة، لا خطابًا يُكتفى بالإعجاب به. ويليق بهذا اللقاء الثقافي أن يُحتفى به حين يتيح للكلمة أن تستعيد بطأها المنتج، وللسؤال أن يستوفي حقّه من التأمّل، وللاختلاف أن يصبح سبيلًا إلى الفهم. أمّا الصورة التي تستبقيها القراءة، فهي صورة كاتبةٍ تحمل في يدها خريطةً لا تزعم أنّها العالم، وفي الأخرى غيمةً لا تكفّ عن تعلّم السماء؛ وبين اليدين إنسانٌ يعرف أنّ الطريق لا يصير طريقًا لأنّ نهايته مضمونة، بل لأنّ في كلّ خطوةٍ قدرةً على توسيع الأفق. هناك، حيث لا تتنكّر المعرفة لحدودها، ولا تفقد اللغة دهشتها، ولا تستغني الذات عن أصوات الآخرين، تجد هذه التجربة أبلغ ما تقوله: أنّ الكتابة ليست امتلاكَ المعنى، بل الجدارةُ بمواصلة البحث عنه.
د. طه دخل الله عبد الرحمن
فلسطين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2/ الورقة الذاتية - د. آمال بن الطاهر
لم أدخلِ الكلمات...
بل الكلمات دخلَتْني،
كما يدخلُ الليلُ بيتًا نسيَ أن يُغلقَ نوافذَه.
كأنني كنتُ سؤالًا يبحثُ عن فمٍ يليقُ به،
فأعطتْني اللغةُ أسئلةً أخرى، أجملَ وأبعدَ وأشدَّ وجعًا.
هكذا بدأتُ: لا من معرفةٍ، بل من جرحٍ يفتّشُ عن اسمه.
٭
الثقافةُ ليست أن تعرف.
الثقافةُ أن تتّسعَ للجهلِ كما يتّسعُ البحرُ للغَرَق.
أن تُقيمَ في العتبة، لا في الداخلِ ولا في الخارج،
وتسمّيَ هذه الإقامةَ وطنًا.
٭
في كلِّ «أنا» جماعة.
حين تعلّمتُ كيف يتلفّظُ السردُ، وكيف يتكلّمُ النصُّ بأفواهٍ شتّى
ويُخفي المتكلِّمَ خلفَ مَن يتكلّمُ عنهم،
عرفتُ أنّ الذاتَ ليست مفردة.
أنا "جوقة": فيّ صوتُ مَن علّمني ومَن خالفني،
وصوتُ مَن لم أَلقَنهُ ولم يَلقَني.
الذاتُ ليست مركزًا. الذاتُ مفترقُ أصوات.
٭
كتبتُ قصيدةَ النثر لأنّ الوزنَ بيتٌ جميل، وأنا أردتُ أن أسكنَ الريح.
لماذا المراوغة؟
لأنّ الوضوحَ سجنٌ أنيق، ولأنّ ما يُقالُ تمامًا يموتُ تمامًا.
خرائطي لا تُقرأ: ليست لتدلَّك، بل لتُضيِّعَك بشَرَف.
ومَن يملكُ خريطةً كاملة، فقد أنهى الرحلةَ قبل أن تبدأ.
٭
وللكلامِ بيتٌ آخرُ في الدارجة:
لغةٌ لم تتعلّمِ الزينةَ، فلم تتعلّمِ الكذب.
سمّيتُها «غيمةً بلا سما»، لأنّ الكلامَ الحيَّ لا ينتمي إلى سقف.
يهبطُ حيثُ العطش، ويصعدُ ليعود.
الفصحى ذاكرة، والدارجةُ نبض،
وأنا بينهما أتنفّس.
٭
أن تعلِّمَ العربيةَ معناه أن تقفَ بين لغةٍ موروثةٍ وجيلٍ يتبدّلُ كلَّ يوم.
كيف نعلّمُها حياةً قبل أن نُثقلَها بالإعراب؟
كيف نتركُ الجملةَ تتنفّسُ قبل أن نُشرِّحَها؟
التعليمُ، حين يصدق، لا ينقلُ معرفة؛
إنه يمدُّ يدًا في العتمةِ ويقول: هنا شيءٌ يستحقُّ أن يُحَبّ.
٭
القراءةُ ضيافة.
تفتحُ للنصِّ البابَ ولا تفرضُ عليه أثاثَك.
والنقدُ قراءةٌ تقرأُ نفسَها وهي تقرأ،
وتعرفُ أنّ كلَّ حكمٍ على نصٍّ اعترافٌ مُقنَّعٌ بصاحبه.
٭
وثمّةَ أعمالٌ لا يراها أحد:
التحكيمُ والمراجعةُ والتدقيق.
أن تصحِّحَ فاصلةً في نصِّ غيرِك
هو أن تحرسَ بابَ اللغةِ في ليلٍ لا شاهدَ عليه.
وحين أحضرُ الندواتِ أرى الثقافةَ حوارًا بدأ قبلَنا بقرون،
ونحنُ فيه جملةٌ صغيرةٌ لا تكتملُ إلا بمن يردُّ عليها.
٭
لماذا أكتب؟
لأنّ الصمتَ إذا طالَ صار مِدادًا.
لأنّ ما لا يُسمّى يموتُ في العراء.
لأنّ اللغةَ أعطتْني أكثرَ مما أعطيتُها،
وكلُّ قصيدةٍ دَينٌ لا يُسدَّد، وفي عجزي عن السدادِ بهجةٌ لا اسمَ لها.
٭
لستُ على ضفّةٍ واحدة.
أنا ما بين الضفاف: الماءُ الذي يحملُ من كلٍّ منها طميًا صغيرًا.
في يدٍ خرائطُ لا تُقرأ،
وفي الأخرى غيمةٌ تتعلّمُ السماء.
ليس للطريقِ نهاية،
وهذا ما يجعلُه طريقًا.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟