أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى














المزيد.....

حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 17:33
المحور: الادب والفن
    


للروح بلاغةٌ لا تُحسنها الشفاه، وللقلب فصاحةٌ لا يبلغها الكلام؛ فإذا ضاقت بالسريرة مسالكُ الصبر، واتّسعت في الذاكرة ممالكُ السهر، أقبل الحرفُ يحمل ما عجزت عن حمله الملامح، ويكشف ما توارت به الروح عن عيون العابرين. عندئذٍ لا أكتب لأقول: ها أنا؛ بل لأعرف أين أنا منّي، وأيُّ جزءٍ تركتُه في الأمس، وأيُّ شوقٍ ما زال يطرق بابي كلّما ظننتُ أنّ الليل نام.
من هناك جاءت صفحتي؛ من رجفةٍ لم تجد في الصمت أمانها، ومن دمعةٍ لم تشأ أن يكون السقوطُ آخرَ شأنها. جاءت نثرًا لأحاسيس أبت إلّا أن تكون مرآةً لحرفي؛ أرى فيها ما تستره ابتسامتي، وأقرأ على صفحتها ما شطبتُه من أحاديثي، وأجمع في سطورها ما بعثرته المجاملة حين قلتُ: «لا بأس»، وكان في القلب من البأس ما يضيق به القول، ويطول به الليل.
ما أنشأتُها لأكسو الكلام حريرًا وهو عارٍ من الشعور، ولا لأرفع للعبارة قصرًا لا يسكنه معنى؛ إنما أردتُ لكلّ كلمةٍ أن تدخل وفي يدها أثرٌ من حياة: دفءُ كفٍّ أفلتت، أو ظلُّ وجهٍ غاب، أو بقيةُ ضحكةٍ كلّما تذكّرتُها أضاء في داخلي مكانٌ ظننتُه انطفأ. فالحرف الذي لا يحمل من صاحبه شيئًا قد يُطرب السمع، لكنه لا يبلغ ذلك الموضع الخفيّ الذي نضع عليه أيدينا حين نقول: هنا يؤلمني، وهنا أحببت.
وأنا، كلّما جلستُ إلى الكتابة، حضرتْ أشياءُ حسبتُها غائبة؛ يعود المقعدُ إلى صاحبه، والصوتُ إلى مسائه، والبابُ إلى أوّل طرقةٍ ألهبت انتظارَه. أمدّ يدي إلى جملةٍ فأجد وراءها عمرًا، وأبدّل كلمةً فتتبدّل في ذاكرتي إضاءةُ المشهد؛ كأنّ اللغة تعرف للروح ممرّاتٍ لا تعرفها الروح، وكأنّ في الحرف مفتاحًا صغيرًا لبابٍ أضعنا اسمه، ولم نُضع حنيننا إليه.
لهذا أتأنّى. لا أستعجل العبارة كي تُعجب، بل أُمهلها كي تصدق؛ أُنصت إلى وقعها، وأردّها إلى القلب، ثم أسألها عمّا تحمل. فقد تستقيم الجملة في ميزان البيان، ويعوجّ فيها وجه الحقيقة؛ وقد تتعثّر كلمةٌ عند أوّل السطر، ثم تبلغ من النفس ما لم تبلغه خطبةٌ محكمة. وما أحبّ إليّ تلك الكلمة التي تأتي على استحياء، كأنها تخشى انكشافها، فإذا استقرّت على الورق عرفتُ أنّني كنت أبحث عنها منذ زمن.
هنا أكتب عن الحنين حين يتخفّف من كبريائه، فيجلس إلى جوار هاتفٍ صامت؛ وعن العتاب حين يطول احتباسه، فتختصره تنهيدة؛ وعن المحبّة حين تبقى بعد أصحابها، فنُبقي لهم موضعًا في الدعاء، وإن لم يبقَ لهم موضعٌ في اللقاء. وأكتب عن تلك الهزائم الصغيرة التي لا يراها أحد: أن نعيد قراءة رسالةٍ نعرف خاتمتها، وأن نتهيّأ لخبرٍ لا يأتي، وأن نتظاهر بالانشغال كيلا ينكشف انتظارنا.
ولا أغلق نافذتي إذا أقبل الفرح؛ فله في هذه الصفحة مقعدٌ وضوء. أُحبّ أن أكتب عن صباحٍ خفيفٍ لم يطلب منّي سوى أن أعيشه، وعن اسمٍ يطلّ على الشاشة فيلين النهار، وعن ضحكةٍ تفاجئني من أعماقي، فأعرف أنّ فيّ موضعًا لم تبلغه الخسارة. ولعلّ أرقّ ما تمنحه الكتابة أن تعيد إلينا القدرة على ملاحظة ما بقي؛ فبين ما نفتقده وما نملكه تفاصيلُ وديعة، تنتظر من القلب التفاتةً، ومن اللغة شهادة.
ولن أجعل من جراحي أوسمةً أعلّقها على صدر الكلام، ولا من حزني سلطانًا يستبيح كلّ سطر. سأمنح الوجع حقّه من البوح، ثم أترك له بابًا يخرج منه؛ فما فتحتُ هذه النافذة لأُطيل الإقامة في العتمة، بل لأرى كيف يتسلّل الضوء إليها. وإن بكيتُ في نصّ، فلن أُكره النصَّ الذي يليه على البكاء؛ للروح تقلّبُها، وللأيام تعاقبُها، ولي أن أكون في كلّ صفحةٍ أمينًا للحظة التي أعيشها، لا أسيرًا للصورة التي اعتادها الآخرون عنّي.
ويا من تمرّ بهذه الكلمات، قد لا تعرف حكايتي، لكنّك تعرف شيئًا من رجفتها. لعلّ لك أنت أيضًا جملةً حبستَها اتّقاءَ سوء الفهم، أو محبّةً أخفيتَها صونًا لما تبقّى من نفسك، أو وداعًا مضيتَ بعده طويلًا قبل أن تدرك أنّك لم تغادره. فإن وجدتَ هنا ما يشبهك، فخذه إلى قلبك؛ لا تُثقل على المعنى بالسؤال عمّن بدأ حكايته، فلربّ سطرٍ خرج من ذاكرة كاتبه، ثم وجد تمامَه في ذاكرة قارئه.
أحبّ لهذه الصفحة أن تكون موضعًا يطمئنّ فيه الشعور إلى اسمه؛ فلا يُسمّى الحنان ضعفًا، ولا يُؤوَّل الصمت رضا، ولا يُلام المتعب لأنّه لم يُحسن إخفاء تعبه. هنا أُصغي إلى الإنسان قبل عبارته، وإلى الارتجاف قبل الاعتراف؛ فكم من كلامٍ بدا قليلًا، وفي أعماقه ازدحام، وكم من وجهٍ مرّ هادئًا، وفي هدوئه أعوام.
سأظلّ أكتب، وأُبقي بيني وبين الورق عهدًا لا يشهد عليه سوانا: ألّا أقول ما لا يمسّني لمجرّد أنّه يُدهش، وألّا أخون إحساسي طلبًا لتصفيقٍ يمضي. فإن صفا المعنى تركتُه يلمع بصفائه، وإن احتاج إلى المجاز ألبستُه ما يليق به؛ فلا يضيق به الثوب، ولا يختفي فيه الوجه. وحسبي من البيان أن يبلغ، ومن الجمال أن يبقى، ومن الحرف أن يحملني إليك دون أن يفقدني في الطريق.
هذه صفحتي: نثرٌ لأحاسيس أبت إلّا أن تكون مرآةً لحرفي. أضع فيها من عمري ما لا تحفظه الصور، ومن صوتي ما لا تلتقطه الآذان؛ فإذا جفّ الحبر بقيتْ فيه حرارةُ اليد، وإذا انتهى النصّ ظلّ في القلب متّسعٌ لما لم يُقَل. ولعلّ كلماتي تبلغك في ساعةٍ يعزّ فيها الرفيق، فتقرأ سطرًا، ثم تُمهل عينيك قليلًا، وتشعر أنّ أحدًا مرّ من وحشتك، فعرفها، ولم يسألْك أن تشرح.
البعنه == الجليل
21/10/2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جلي ...
- حوار خاص عن الام مع الدكتورة سلوى الفيلالي منتدى شعاع للأدبا ...
- منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحا ...
- قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض ...
- قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته ...
- استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1 ...
- استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
- النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...


المزيد.....




- فيلم وثائقي عن إيلون ماسك يسلط الضوء على أغنى رجل في العالم ...
- فيلم رعب من 14 دقيقة يحقق 5 ملايين مشاهدة على يوتيوب في بضعة ...
- -قصة حب غير متوقعة-.. فيلم -ولا كان عالبال- يصل إلى صالات ال ...
- ترجمة الإنجليزية ليست مطلوبة؛ المطلوب مقال عربي. سأكتب العنو ...
- من لحظة وصوله إلى البروفات.. تفاعل لافت مع عودة فضل شاكر
- ليوبيموفا: تزايد الاهتمام بالتعليم العالي الثاني المجاني في ...
- لماذا عارض قدامى محاربي عام 1812 رواية تولستوي -الحرب والسلا ...
- سبوتيفاي تستبعد 50 مليون مقطع من التوصيات بسبب المحتوى المزع ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- دانييل فيليستوفيتش.. طفل روسي يقلد مايكل جاكسون ويحصد 15 ملي ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى