أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جليلة المازني - النقد الأدبي الاستيرادي: قطيعة أم تبعية؟ بقلم طه دخل الله عبد الرحمن















المزيد.....



دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جليلة المازني - النقد الأدبي الاستيرادي: قطيعة أم تبعية؟ بقلم طه دخل الله عبد الرحمن


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 09:42
المحور: الادب والفن
    


دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جليلة المازني - النقد الأدبي الاستيرادي: قطيعة أم تبعية؟ بقلم طه دخل الله عبد الرحمن
حين يستعير النقد مفاتيحه ولا يستعير عينيه
ليست محنة النقد العربي أن تأتيه المناهج من وراء حدوده؛ فالعقل الذي يخشى الأفكار لغرابة موطنها يحكم على نفسه بضيق لا يليق بالمعرفة. محنته أن تأتيه الأسئلة مع أجوبتها، والمفاهيم مع سلطتها، والأدوات مع أوامر استعمالها، فيغدو النص العربي مناسبة لإثبات ما قيل في غيره، لا واقعة تستحق أن يُعاد التفكير من أجلها. وليس الانفتاح أن نُدخل العالم إلى مكتبتنا ثم نُخرج أنفسنا منها، كما أن الأصالة ليست أن نحرس الأبواب حتى يذبل ما في الداخل. بين هذين العجزين تقوم مهمة النقد: أن يستقبل ولا يستسلم، وأن يرث ولا يتحجر، وأن يجعل من اختلاف النص امتحانًا للنظرية، لا خطيئة يعاقبه عليها.
من هذه العقدة المعرفية تنبع أهمية مقالة الأستاذة جليلة المازني؛ فهي لا تسأل عن جغرافية المناهج بقدر ما تستفز، في أعمق دلالاتها، سؤال العلاقة بين امتلاك المعرفة والخضوع لها. وما تسميه «النقد الاستيرادي» ليس مجرد انتقال من البنيوية إلى التفكيك، أو من تحليل الخطاب إلى نقد الأنساق، بل احتمال أن ينتقل الناقد من موقع السائل إلى موقع الوكيل: يتحدث باسم المنهج، ويستمد منه شرعية قراءته، ثم ينسى أن شرعية المنهج نفسه لا تثبت إلا بما يستطيع إضاءته. وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدًا من المفاضلة بين وافد وموروث؛ إنها قضية السيادة على فعل الفهم: من يملك حق تحديد المشكلة، واختيار أدلتها، وتعديل مفاهيمها، والحكم على نتائجها؟
وأول مقتضيات هذه السيادة أن نفرّق بين استعارة الأداة واستعارة الوعي. فقد نستعمل مفهومًا صيغ في ثقافة أخرى، ونظل أحرارًا في نقده وتحديد مجاله؛ وقد نكتب بألفاظ عربية خالصة، ونبقى تابعين في ترتيب أسئلتنا ومعايير أحكامنا. ليست اللغة وحدها شهادة الاستقلال، ولا وفرة الإحالات الأجنبية دليل الارتهان. التبعية تبدأ حين يغدو المصدر فوق المساءلة، وحين يُعامل اسم صاحب النظرية بوصفه برهانًا، وحين يتحول الناقد إلى حارس لصحة التطبيق بدل أن يكون مكتشفًا لحدود التفسير. إن المرء لا يصبح منتجًا للمعرفة لأنه استبدل بمصطلح أجنبي لفظًا عربيًّا؛ يصبح منتجًا حين يغيّر المفهومُ طريقةَ رؤيته، ثم تغيّر خبرتُه بالنص حدودَ المفهوم.
ولذلك فإن عبارة «الاستيراد» تحتاج، على قدرتها التنبيهية، إلى شيء من الارتياب النقدي. فهي تستعير للمعرفة صورة السلعة: منشأ وشحنة ومستهلك. لكن الأفكار لا تصل سليمة من أثر الطريق، ولا تبقى هي نفسها حين تتبدل لغتها وموضوعاتها وقراؤها. قد تكون الترجمة بداية تبعية إذا اكتفت باستنساخ الهيبة، وقد تكون بداية تحرر إذا كشفت أن المفهوم ليس قدرًا، بل اقتراح قابل للمراجعة. ليس كل نقل استهلاكًا، وليس كل تطبيق عقمًا؛ فالتطبيق قد يكشف ما غاب عن واضع النظرية، وقد يفضح ما حسبه عامًا فإذا هو مشروط بمتنه الأول. يبدأ الاستهلاك حين لا ينتظر الناقد من النص مفاجأة، لأنه يعرف قبل القراءة كل ما سيقوله بعدها.
هنا تستدعي مقالة الأستاذة جليلة الجرجاني والقرطاجني استدعاءً مشروعًا، ولكن الإشادة بهما تزداد قوة إذا فهمنا أصالتهما بوصفها فعل بناء، لا نقاء نسب. فالقرطاجني، الذي يمثل في وجداننا النقدي قدرة التراث على التنظير، اشتغل على المحاكاة والتخييل في صلة بتلقي النظرية الأرسطية ووسائطها الفلسفية. إن أحد شواهد أصالتنا، بهذا المعنى، شاهد أيضًا على أن الحوار مع الوافد لا ينفي القدرة على الإنتاج. لم تكن المسألة عنده رفض السؤال لأنه جاء من خارج الثقافة، بل إعادة الاشتغال عليه داخل أفق الشعر ومعاييره ومشكلاته.
وتلك مفارقة ينبغي أن نمنحها حقها: قد يكون من الوفاء للتراث أن نتعلم من طريقته في الأخذ أكثر مما نكرر ما انتهى إليه. فالتراث الذي نحتفي بقدرته على الابتكار لا ينبغي أن نحوله إلى حجة ضد شروط الابتكار نفسها. ليس الموروث جدارًا نتقي به ريح العالم؛ إنه خبرة في بناء المعنى، وفي الاختيار من المعارف، وفي مساءلة اللغة بما تحتمله من دقة واتساع. وما يرفع شأنه ليس أن نجد فيه جواب كل سؤال لاحق، وإنما أن نجد فيه عقولًا لم تنتظر من الماضي أن يعفيها من التفكير.
وعلى هذا الأساس، لا يبدو وصف النقد القديم بأنه انطباع وذوق، في مقابل حداثة علمية منضبطة، وصفًا ينصف المسألة. ففي «دلائل الإعجاز» يربط عبد القاهر الجرجاني النظم بتوخّي معاني النحو وعلاقات الكلم، ولا يكتفي بأن يقول إن عبارة أجمل من أخرى؛ بل يطلب علة المزية في كيفية التأليف. وحين يقول: «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو»، فإنه ينقل النظر من إعجاب بالمحصلة إلى فحص لطريقة تشكّلها. هنا يصبح التذوق بداية سؤال، لا نهاية حكم.
غير أن إنصاف الجرجاني لا يحتاج إلى أن نمنحه هوية ناقد حديث قبل أوانه. ليس من التكريم أن نقول إنه سبق كل نظرية، لأن هذا القول يسلبه خصوصيته وهو يزعم تمجيده. قيمته أنه بنى إجابته في أفق مشكلته، وربط المفهوم بتفصيل الشاهد، وجعل العلاقة بين المعنى والصياغة مجالًا للتحليل. وإذا أردنا أن نحاوره اليوم، فليس المطلوب أن نضع كلمة «النظم» مكان كل مفهوم عن البنية، بل أن نسأل: ما الذي تكشفه هذه النظرية؟ وأين تقف حدودها؟ وكيف يمكن تطوير إمكاناتها من غير أن ننسب إليها ما لم تقله؟ فالتراث الذي نمنعه من أن تكون له حدود نمنعه، في الحقيقة، من أن تكون له حياة.
ومن ثم فإن الثنائية بين «العلمية» و«الانطباعية» تحتاج إلى إعادة بناء. لا يفقد النقد قيمته لأن للذائقة دورًا فيه؛ إنما يفقدها حين تصبح الذائقة سلطة لا تشرح أسبابها. ولا يكتسب صرامته لمجرد أنه أحصى التكرارات أو رسم الجداول أو أكثر من المصطلحات؛ فقد يكون شديد الدقة في وصف ما لا يفسر شيئًا. الصرامة التي يحتاجها النقد هي أن يبيّن طريقه إلى الحكم، وأن يجعل شواهده قابلة للفحص، وأن يعترف بما لا تسنده أدلته. فلا يتحول التأويل إلى يقين لمجرد أن صاحبه سمّاه علمًا، ولا ينقلب الإعجاب معرفة لأنه أُلبس عبارة عسيرة.
ومن أجمل ما تومئ إليه مقالة الأستاذة جليلة تحذيرها من خطاب نقدي يزيد النص غموضًا. غير أن الجرح أعمق من مشكلة البيان؛ إنه جرح العلاقة بين الناقد وقارئه. حين يصبح المصطلح وسيلة لاحتكار الفهم، تتحول القراءة إلى سلطة بدل أن تكون مشاركة في الكشف. والناقد لا يؤدي مهمته حين يجعل القارئ محتاجًا إليه إلى الأبد، بل حين يمنحه القدرة على أن يرى سبب التأويل وأن يعترض عليه. ليست البلاغة النقدية دخانًا يحجب فقر الفكرة، وإنما ضوء يكشف تركيبها؛ وليس الوضوح تسطيحًا إذا حفظ التعقيد، بل هو صورة من صور المسؤولية عنه.
ولكن الخروج من أسر المصطلح لا يكون بإعلان الخصوصية العربية إعلانًا مطلقًا. فالخصوصية إذا لم تُوصف وتُختبر تحولت إلى كلمة تعصمنا من السؤال. لا يكفي أن نقول إن العربية لغة مجاز واشتقاق، أو إن تراثها ممتد، لكي نعرف أي منهج يصلح لأي نص. ينبغي أن تتحول الخصوصية من شعار إلى مسائل محددة: كيف تُنتج هذه الصياغة أثرها؟ كيف يعمل الإيقاع في هذه القصيدة؟ كيف ينتظم الزمن في هذه الحكاية؟ وما صلة القول بمقامه وسلطته ومتلقّيه؟ عندئذ لا تصبح العربية استثناءً يمنع المقارنة، ولا مادة صامتة يذيبها التعميم؛ تصبح خبرة تضيف إلى المقارنة وتراجع حدودها.
لهذا لا ينبغي أن نسأل أي المناهج أقرب إلى «روح الثقافة العربية» قبل أن نسأل عن النص والمشكلة. فالتقارب بين الأسلوبية والبلاغة يفتح مجالًا للحوار، لكنه لا يضمن نجاح كل قراءة أسلوبية؛ والعناية بالمتلقي في الشروح والتفاسير تتيح المقارنة مع أسئلة التلقي، لكنها لا تجعل التاريخين متطابقين. التشابه مدخل بحث، لا نتيجة جاهزة. ومن حق الثقافة العربية على نقادها ألا يحصروها في روح واحدة ثابتة، وأن يسمحوا لتنوع نصوصها بأن يستدعي تنوعًا في الأسئلة والأدوات، بدل أن يختاروا لها منهجًا دائمًا كأنهم يختارون لها قدرًا.
ويبلغ التوطين معناه الأعمق حين نكف عن تخيله مجرد «تفصيل المنهج على مقاس النص». ففي هذه العبارة خطران: أن يصبح المنهج قماشًا نغيّره حتى يوافق النتيجة التي نريد، أو يصبح النص جسدًا نقصّ منه ما لا يدخل في الثوب. أما العلاقة المنتجة فمقاومة متبادلة: يسأل المنهج النص، ويرد النص عليه بما يربك عمومه؛ يكشف المفهوم انتظامًا لم نره، ويكشف الشاهد استثناءً لم يحسبه المفهوم. وحين نضطر إلى تعديل فرضيتنا لأن النص لم يطاوعها، نكون قد تعلمنا شيئًا. أما إذا كانت كل النصوص تنتهي إلى إثبات النظرية نفسها، فالأرجح أننا لم نمنحها حق الاختلاف.
ومن هذه الزاوية تستحق جهود النقاد العرب في قراءة التراث أن تُفهم بوصفها درجات متفاوتة من البناء المعرفي، لا مجرد محاولات توفيق بين ضفتين. ففي اشتغال جابر عصفور على «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب»، تبرز أهمية إعادة النظر في المفهوم داخل صلاته بالمعارف والظروف التي أحاطت بتشكّله. والقيمة التي يمكن استخلاصها من هذا المسعى هي أن التراث ليس مجموعة عبارات نقتطفها لتزكية الحاضر، وإنما شبكة من المشكلات نعيد بناءها لكي نفهم كيف فكرت، وما الذي أتاحته، وما الذي استبعدته.
والفارق واسع بين أن نقول: إن في تراثنا ما يشبه النظرية الحديثة، وبين أن نكشف كيف أنتج التراث مفاهيمه. الأول قد ينتهي إلى طلب الاعتراف من معيار خارجي؛ أما الثاني فيمنح المعرفة العربية حق أن تُفهم من داخل أسئلتها، ثم تدخل المقارنة على قدم التكافؤ. إن الدفاع عن البلاغة لا يبلغ غايته حين يثبت أنها تشبه غيرها، بل حين يبيّن ما تقوله هي، وما يمكن أن نتعلمه منها، وما يستدعي تجاوزها. فليس استقلال الفكر أن يُعفى من المقارنة، وإنما ألا يدخلها متهمًا ينتظر البراءة.
وبالمثل، فإن سؤال الأستاذة جليلة عن تجاوز الاستهلاك لا ينبغي أن يحجب الأعمال التي وسّعت مجال المساءلة فعلًا. ففي انتقال سعيد يقطين إلى «من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي» يتجه البحث إلى أثر الحاسوب والوسيط الجديد في أشكال التواصل والإبداع. وهذا لا يكفي وحده لإعلان تأسيس نظرية مستقلة، لكنه يمنع اختزال النشاط النقدي العربي في تكرار أدوات ثابتة على موضوعات ثابتة؛ إذ يتقدم السؤال هنا إلى تحولات موضوع الأدب نفسه وشروط تلقيه.
والإنصاف ذاته يقتضي أن نقرأ المشروعات التي تستحضرها المقالة، ومنها مشروع عبد الله الغذامي، قراءة لا يستولي عليها الاحتفاء أو الارتياب. فالانتقال إلى مساءلة الأنساق، كما تعرضه الأستاذة جليلة، يفتح أسئلة عن علاقة الجمال بالسلطة؛ لكنه لا يجعل كل تأويل للنسق حقيقة مكتملة. ينبغي أن يبقى في وسع النص أن يعارض قارئه، وأن تبقى الفروق بين الشعراء والقصائد والسياقات أقوى من الرغبة في جمعها داخل حكم واحد. فإذا كان النقد الجمالي قد يخطئ حين يعزل الشكل عن أثره الثقافي، فإن النقد الثقافي قد يخطئ حين يحوّل الشكل إلى قناع لا قيمة له إلا بما يخفيه. والنص الأدبي ليس بريئًا سلفًا من التاريخ، كما أنه ليس مدانًا سلفًا بمقتضاه.
هنا تنكشف حدود القطيعة بوصفها شعارًا. فالقطيعة مع التبعية لا تعني القطع مع الغرب، والقطيعة مع التسليم للموروث لا تعني محو التراث. ما ينبغي قطعه هو العلاقة التي تجعل أي مرجعية فوق الاختبار. وإذا كان ثمة استقلال يُرجى للنقد العربي، فإنه لا يقوم على الخلو من أثر الآخر؛ فمثل هذا الخلو ليس فضيلة معرفية. إنه يقوم على القدرة على إعادة ترتيب العلاقة: نأخذ لأننا حددنا حاجتنا، ونراجع لأن الدليل ألزمنا، ونرفض لأن الحجة لم تكفِ، لا لأن الهوية أصدرت حكمها قبل القراءة.
وعند هذا الحد يمكن الإجابة مباشرة عن سؤال الأستاذة جليلة: لماذا لا يزاوج النقاد العرب بين المرجعية النظرية العربية والمرجعية النظرية الغربية؟ إن المشروعات التي تناقشها مقالتها نفسها تمنعنا من التسليم بأن هذه المزاوجة غائبة؛ فالسؤال الأدق هو: متى تصبح المزاوجة بناءً معرفيًّا، ومتى تبقى جمعًا بين مصطلحات متجاورة؟ ليست المشكلة في حضور المرجعيتين داخل الدراسة، بل في تحديد العلاقة بينهما. فإذا استُدعيت البلاغة لتمنح القراءة شهادة أصالة، واستُدعيت النظرية الحديثة لتمنحها شهادة حداثة، بقينا أمام شرعيتين لا أمام معرفة جديدة. أما المزاوجة المنتجة فتبدأ بمشكلة محددة، ثم تستعين من كل مرجعية بما يفسر جانبًا منها، وتصرّح بمواضع الاتفاق والاختلاف، بدل أن تخفي التناقض تحت عبارة التوفيق.
ويمكن اقتراح مثال إجرائي على ذلك: دراسة التقديم والتأخير في مقطع روائي عربي معاصر. يبدأ الباحث بفحص علاقات التأليف وأثر ترتيب الكلام في المعنى، مستفيدًا من سؤال النظم، ثم ينظر في توزيع المعلومات وتأخير الكشف وعلاقة ذلك بوعي القارئ، مستفيدًا من أسئلة السرد والتلقي. وليس المطلوب أن يعلن أن النظم هو السرديات، أو أن الجرجاني قال ما قاله المحدثون، بل أن يبيّن ما أضافه كل منظور، وما بقي من الظاهرة خارج تفسيره. فإذا قاده التحليل إلى تمييز أدق بين ترتيب الجملة وترتيب المعرفة في الحكاية، أمكن أن يقترح بهذا التمييز إضافة قابلة للاختبار على نصوص أخرى. هكذا تتحقق المزاوجة في العمل، لا في قائمة المراجع وحدها.
أما سؤالها: لماذا لا يتحول النقاد العرب من التوفيق إلى إنتاج المعرفة النقدية؟ فلا يكفي أن نجيب عنه باتهام الإرادة أو ضعف الموهبة. ويمكن، على سبيل الفرضيات التي تحتاج إلى فحص في الدراسات والمؤسسات المعنية، النظر في جملة عوائق: الاكتفاء بالسؤال عما يصلح من منهج لتطبيقه بدل السؤال عما تعجز المناهج المتاحة عن تفسيره؛ والتعامل مع نتيجة التطبيق بوصفها خاتمة البحث بدل اتخاذها بداية لمراجعة المفهوم؛ والانشغال بإعلان جدة المصطلح أكثر من بيان ضرورته؛ وانقطاع الحوار بين الدراسات بحيث لا تتحول النتيجة الجزئية إلى موضوع لاختبار لاحق. وهذه احتمالات تفسيرية، لا حكم موثق على جميع النقاد أو الجامعات العربية.
ومن ثم لا يكون المخرج بدعوة كل ناقد إلى اختراع نظرية شاملة؛ فمثل هذا المطلب قد يدفع إلى تضخيم النتائج وتسويق الأسماء بدل إنضاج المعرفة. يبدأ الإنتاج من إضافة محددة: تصحيح مفهوم، أو تقييد تعميم، أو اكتشاف علاقة، أو بناء تمييز يفسر شواهد لم يكن التفسير السابق يستوعبها. ويمكن أن ينتظم العمل في مسار واضح: تحديد ظاهرة ومتن مناسب لها، ومراجعة ما قيل فيها عربيًّا وغير عربي، وصياغة فرضية، واختبارها بشواهد مؤيدة وأخرى مقاومة، ثم بيان ما تغير في الفهم. ولا يلزم أن تنتهي كل دراسة إلى نظرية؛ يلزم أن يعرف القارئ ما الذي أضافته، وما الذي قد يدعو إلى تعديل إضافتها أو رفضها.
وعن سؤالها: لماذا نبحث عن الانسجام بين الوافد والموروث دون بناء معرفة على الموروث نفسه؟ يمكن القول إن طلب الانسجام يصبح عائقًا حين نفترض سلفًا أن قيمة التراث لا تظهر إلا إذا وافق النظرية الحديثة. والخروج من ذلك يقتضي أن نقرأ المفهوم التراثي أولًا داخل حججه وشواهده ومصطلحاته، ثم نحدد ما يمكن نقله إلى سؤال معاصر وما يحتاج إلى إعادة بناء. فلا يكفي استخراج كلمة «التخييل» من كتاب قديم وإلباسها موضوعًا جديدًا؛ المطلوب تحديد معناها في موضعها الأول، واقتراح مجال استعمالها الجديد، وشرح ما تغير فيها ولماذا. والبناء على التراث ليس تكرارًا له، ولا إخفاءً لما نستعين به من خارجه، بل إظهار لمسار التحويل كله حتى يستطيع غيرنا فحصه.
أما سؤالها عما إذا كانت جميع جهود النقاد العرب لا تتعدى الاستهلاك، فالإجابة المنطقية: لا؛ لأن الحكم على الجميع لا تسنده أمثلة على بعضهم، كما أن وجود جهود منتجة لا يبرئ كل ممارسة من التكرار. والأدق أن نميز، لأغراض التقويم، بين التعريف بالمفهوم، وتطبيقه، وتعديله، واقتراح مفهوم جديد. وليست هذه الأعمال متساوية، لكنها ليست جميعًا عديمة القيمة؛ فقد تكون الترجمة الدقيقة أو القراءة التطبيقية المتأنية شرطًا لإضافة لاحقة. الاستهلاك المعيب هو أن تُقدَّم إعادة القول بوصفها اكتشافًا، أو أن يُحجب اختلاف النص حفاظًا على سلامة النظرية. أما إنتاج المعرفة فيُعرف بأثر يمكن تعيينه ومناقشته، لا بمجرد إعلان الانتماء إلى مشروع أصيل.
ولعل أعمق ما تثيره أسئلة الأستاذة جليلة في خاتمتها هو الفرق بين حضور النقاد وقيام المعرفة النقدية المتراكمة. فالإنتاج لا يُقاس بعدد الأسماء اللامعة وحدها، ولا يكفي أن يكون لكل ناقد جهازه الاصطلاحي الخاص. إننا نقترب من بناء معرفة حين تستطيع دراسة لاحقة أن تختبر ما سبقها، وأن تعيّن موضع إضافتها، وأن تراجع المفهوم من غير أن تبدأ التاريخ من الصفر. وما نحتاج إلى اقتراحه هنا ليس مزيدًا من الدعوات العامة إلى الأصالة، بل ممارسة تجعل الترجمة دقيقة قابلة للنقاش، والمصطلح محددًا قابلًا للاستعمال، والمتون متنوعة تقاوم التعميم، والخلاف طريقًا إلى تحسين السؤال لا مناسبة لتبادل الاتهام.
وفي هذا الضوء يُفهم سؤالها الأخير: لماذا لا نتحدث في عصرنا عن نقاد مثل الجرجاني والقرطاجني؟ ينبغي أولًا أن نحدد وجه المقارنة: أهو اتساع الشهرة، أم تماسك المشروع، أم القدرة على توليد أسئلة يستأنفها اللاحقون؟ لا يلزم من غياب الاتفاق على اسم معاصر بمكانتهما غياب الإنجاز، كما لا يكفي حضور الاسم في التداول لإثبات منزلته النظرية. والمقارنة المنصفة هنا ليست بين هيبة اسم قديم ودراسة معاصرة منفردة، بل بين طرائق بناء المشكلات والمفاهيم وتعليل الأحكام. وإذا أردنا نظيرًا معاصرًا لهما في قوة الإنجاز، فعلينا أن نبحث عمن يحدد مشكلة جدية، ويبني لها تفسيرًا قابلًا للمناقشة، ويترك لمن يأتي بعده إمكانًا للعمل، لا مجرد ألفاظ للإعجاب.
ولتحويل هذا المطلب إلى ممارسة، يمكن أن تتخذ مجموعة بحثية مفهومًا تراثيًّا واحدًا، كالنظم أو التخييل، موضوعًا لبرنامج متدرج: تضبط دلالاته في نصوصه الأصلية، وتختبر إمكاناته على متن معاصر محدد، وتقارن النتائج بقراءات تستخدم أدوات أخرى، وتنشر مواضع النجاح والإخفاق معًا. ثم تتولى دراسات لاحقة إعادة الاختبار على متون مختلفة. عندئذ لا يكون السؤال: من سيصبح الجرجاني الجديد؟ بل: ما المعرفة التي نستطيع بناءها بحيث لا تبدأ كل دراسة من النقطة التي بدأ منها سابقتها؟ فهذا اقتراح عملي لاستئناف طاقة التراث، لا ادعاء بأن مشروعًا من هذا النوع يضمن وحده ولادة نظرية مكتملة.
أما الجرجاني الذي نفتقده، فلا ينبغي أن ننتظره نسخة من الجرجاني الذي نعرفه. إن العقول الكبرى لا تعود بأسمائها؛ يعود شيء من قوتها حين نستأنف شجاعتها أمام المشكلة. ولو جعلنا وفاءنا للجرجاني مشروطًا بتكرار نتائجه، لأغلقنا الباب الذي فتحه منهجه في التعليل. وليس المطلوب أن نبعث ناقدًا قديمًا ليجيب عن عالمنا، بل أن نملك من الجرأة والصبر ما يجعل عالمنا جديرًا بتفكير جديد. فالحنين قد يكرّم الماضي، لكنه لا ينتج مستقبلًا ما لم يتحول إلى عمل.
وعليه، فإن الرد الأوفى على مقالة الأستاذة جليلة المازني ليس تبرئة النقد العربي من عثراته، ولا تثبيت الشبهة عليه، بل نقل السؤال من محكمة الانتماء إلى ميدان الإنجاز. ليس كل وافد وصاية، ولا كل موروث أصلًا حيًّا، ولا كل توفيق إضافة، ولا كل قطيعة تحررًا. المعيار أن نرى ماذا فعلت القراءة بالنص، وماذا فعل النص بأدواتها، وما المعرفة التي بقيت بعد أن انطفأ بريق الأسماء.
لا يحتاج النقد العربي إلى أن يستأذن أحدًا ليكون أصيلًا؛ يحتاج إلى أن يؤدي كلفة الأصالة: دقة السؤال، ومشقة البرهان، واحتمال المراجعة. وحين يفعل، لا يعود التراث شاهد نسب يعلّقه على صدره، ولا الغرب ختم صلاحية يضعه على كتابه؛ يصيران موردين في عمل عقل يعرف أن كرامته ليست في الامتناع عن التعلّم، بل في ألا يتنازل، وهو يتعلّم، عن حقه في السؤال. يومئذ لا نكون قد أحسنّا استيراد المفاتيح فحسب؛ نكون قد عرفنا أي الأبواب تستحق أن تُفتح، وأي الأقفال لم تُصنع لها مفاتيح بعد.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
20/10/2026
*****************
المصادر التي استند إليها المقال مع بيان موضع الاستفادة منها.
1. جليلة المازني، «النقد الأدبي الاستيرادي: قطيعة أم تبعية؟»، مقال نقدي مؤرخ في 18 أكتوبر 2026، وفق النص وهو المصدر الأساسي للحوار، ولا سيما أسئلة التبعية والقطيعة والتوطين والانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.
2. عبد القاهر الجرجاني، «دلائل الإعجاز». استُند إليه في مناقشة نظرية النظم، وتعليل المزية البلاغية بعلاقات التأليف ومعاني النحو، وفي الاستشهاد بقوله: «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو». والنص المشار إليه متاح ضمن فصل «القول في نظم الكلام ومكان النحو منه».
3. «حازم القرطاجني ونظرية أرسطو: المحاكاة»، دراسة متاحة في المستودع الرقمي لجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. استُفيد من ملخصها في مناقشة صلة مشروع القرطاجني بنظرية المحاكاة والتخييل، وبيان أن التفاعل مع المعرفة الوافدة لا يناقض الأصالة بالضرورة.
4. جابر عصفور، «الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب». استُند إلى التعريف بالكتاب في مناقشة إعادة بناء المفاهيم البلاغية ضمن سياقاتها وصلاتها المعرفية، بدل الاكتفاء بمطابقتها مع المصطلحات الحديثة.
5. سعيد يقطين، «من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي». استُفيد من عرض الكتاب في بيان اتساع البحث النقدي العربي إلى أثر الحاسوب والوسيط الرقمي في الإبداع والتواصل، وعدم اقتصاره على تطبيق أدوات جاهزة على موضوعات ثابتة.
وللتوثيق الدقيق: الإشارة إلى مشروع عبد الله الغذامي في المقال الأخير جاءت من عرض الأستاذة جليلة لا من مراجعة مستقلة لكتبه. أما الصياغات المتعلقة بـ«سيادة السؤال»، والتمييز بين استعارة الأداة واستعارة الوعي، والتوطين بوصفه اختبارًا متبادلًا بين النص والمنهج، فهي صياغات تحليلية للمقال، وليست اقتباسات من هذه المصادر.
****************
مقال نقدي أدبي:" النقد الأدبي الاستيرادي قطيعة أم تبعية؟
الناقدة التونسية: جليلة المازني.
المقدمة:
يمثل مفهوم "النقد الأدبي الاستيرادي" (أو تبني المناهج النقدية الغربية في الأدب العربي (كالبنيوية والتفكيكية والسيميائية ) إشكالية معرفية كبرى في الثقافة العربية المعاصرة.
انها تتأرجح بين التبعية والقطيعة وفقا لطبيعة الممارسة النقدية وكيفية التعامل مع هذا الوافد الغربي.
1- النقد الادبي الاستبرادي "تبعية" (تبعية القطيع):
يرى الكثير من النقاد والمفكرين أن تبني المناهج الغربية بشكلها الخام هو تكريس للتبعية الثقافية والمعرفية وذلك للأسباب الآتية:
أ- اغتراب المنهج: لقد نشأت هذه المناهج في بيئات اجتماعية وفلسفية غربية لها سياقاتها الخاصة (مثل صعود العلمانية والتطور اللساني وما بعد الحداثة).
ويُعدُّ اسقاطها حرفيا على النص العربي من باب عزلها عن سياقها الاجتماعي والتاريخي.
ب- الاستهلاك دون الإنتاج: لقد تحول بعض النقاد العرب الى "مستهلكين" للمصطلحات والمفاهيم الغربية حيث يتم الاكتفاء ب "تطبيق " المنهج الغربي على النص العربي لإثبات صلاحيته دون تقديم إضافة معرفية حقيقية.
ج- غياب الابتكار: التحول من "منتج للمفهوم النظري الى "مستهلك مستورد" له هو تكريس محض للتبعية الثقافية الغربية.
إنه المجهود الأدنى من الناقد العربي المشحون بالسلبية وهو افتقار للإنتاج النقدي العربي على غرار النقاد القدامى الذين طوروا حركة النقد الادبي القديم كالجاحظ والجرجاني والقرطاجني وابن جني وغيرهم.
فما سبب اندثار حركة النقد والإنتاج النقدي في عصرنا؟
د- التبعية اللغوية والمصطلحية: لقد سادت فوضى كبيرة في ترجمة المصطلحات النقدية الغربية مما أدى الى غموض الخطاب النقدي العربي وجعله يحوم في فلك المرجعية الغربية حتى أن بعض الدراسات النقدية تأتي مُبهمة للقارئ وبدل أن تنير زوايا نظر من النص الإبداعي تزيد في غموضه.
وبالتالي هل ان كل نقد استيرادي يضيء جوانب من النص الإبداعي أم يزيد في غموضه؟
2- النقد الأدبي الاستيرادي "قطيعة" والقطيعة دلاليا هي قطع مع النقد الادبي الاستيرادي.
وفي هذا الإطار فان القطيعة" تأخذ بعدين أحدهما سلبي والثاني إيجابي أو معرفي:
أ- القطيعة السلبية (مع التراث): أدّى الانبهار بالمناهج الحديثة الى إحداث قطيعة حادة مع الموروث النقدي البلاغي العربي (مثل جهود الجرجاني والقرطاجني )
لقد اعتُبر القديم مُتخلفا والحديث هو المعيار الوحيد للجودة مما أفقد النقد العربي هويته التاريخية.
ب - القطيعة الإيجابية (القطيعة المعرفية / المنهجية):
يرى أنصار هذه المناهج أنها أحدثت قطيعة ضرورية مع النقد الانطباعي الذاتي والخطابي الذي كان سائدا في العالم العربي.
لقد نقلت هذه المناهج النقد من خانة "المدح والهجاء والذوق الشخصي" الى خانة " العلمية والمأسسة وتفكيك البنى الداخلية للنص"
وفي هذا السياق هل هي قطيعة مع النقد الموروث أم قطيعة مع النقد الاستيرادي؟
3- من " الاستيراد" الى "التوطين":
ان النقد الادبي العربي المعاصر لم يعد مجرد "تبعية " مطلقة ولا قطيعة" تامة بل يتجه نحو ما يسمّى ب " التوطين المعرفي".
لقد حاول النقاد بكل جدية (مثل ادونيس / جابر عصفور/ عبد الله الغذامي وسعيد يقطين) ان يستوعبوا الاليات الغربية وفهمها ثم إعادة انتاجها وتعديلها لتتلاءم مع خصوصية النص والادب العربي. وبالتالي يكتسب المنهج مرونة ويصبح أداة مرنة للحوار الإنساني وليس قالبا جامدا للتبعية.
وفي هذا الإطار كيف يمكن للنقاد العرب التوفيق بين الوافد الغربي والموروث العربي؟
4- التوفيق بين الوافد الغربي والموروث العربي في النقد:
أ- جابر عصفور: (مشروع قراءة التراث بنظرة حديثة ):
يُعدّ الناقد جابر عصفور من أبرز من وظفوا آليات النقد الغربي (خاصة البنيوية والتفكيك) لاعادة قراءة وفهم التراث البلاغي والنقدي العربي.
• كيفية التوفيق بينهما: لم يتعامل جابر عصفور مع التراث بوصفه نصا مقدسا بل استنطق نصوص الجرجاني و القرطاجني باستخدام أدوات الألسنية الحديثة لإثبات "عصرية الفكر البلاغي القديم".
• أبرز مؤلفاته: مفهوم الشعر والصورة الفنية في التراث النقدي البلاغي.
ب- عبد الله الغذامي (تأسيس "النقد الثقافي")
انتقل الناقد عبدالله الغذامي بالنقد العربي من نقد النصوص جماليا ولغويا (البنيوية) الى نقد الأنساق المُضمرة في الثقافة العربية.
*كيفية التوفيق بينهما:
أخذ نظرية النقد الثقافي الغربي (والتفكيك عند دريدا) وطبقها على الموروث الشعري العربي (خاصة شعرالفخر والمديح للمتنبي) ليكشف كيف صاغت هذه النصوص العقلية العربية ورسخت ل "الفحولة " والاستبداد لكشف الأنساق الخفية وسلطة النص القديم.
• أبرز مؤلفاته: النقد الثقافي: "قراءة في الأنساق الثقافية العربية والخطيئة والتفكير"
ج- سعيد يقطين (توطين "السرديات الحديثة")
يُعدُّ الناقد سعيد يقطين رائد الدراسات السردية في العالم العربي حيث نقل نظريات السرد الغربية (مثل نظريات جيرار جينيت) الى الحقل العربي.
• كيفية التوفيق بينهما:
لم يكتف بتطبيق النظرية على الرواية الحديثة بل عاد بها الى الموروث السردي العربي القديم (مثل السير الشعبية / حكايات ألف ليلة وليلة والمقامات) ليثبت أن التراث العربي يمتلك بنيانا سرديا معقدا يمكن تفكيكه علميا لتوطين علم السرد وتطبيقه على النثر القديم.
• أبرز مؤلفاته: قال الراوي: "البنيات الحكائية في السيرة الشعبية وتحليل الخطاب الروائي"
د- كمال أبو ديب (الرؤية البنيوية للتراث):
يُعدُّ الناقد كمال أبو ديب من الأوائل الذين أدخلوا المنهج البنيوي بصرامة الى نقد الشعر العربي القديم.
• كيفية التوفيق بينهما:
أعاد كتابة وفهم الشعر الجاهلي والمعلقات وعلم العروض (الخليل بن احمد الفراهيدي) مُستخدما التحليل البنيوي لتفسير العلاقات الداخلية والجمالية في القصيدة العربية القديمة لاكتشاف القوانين الجمالية العميقة للقصيدة.
• أبرز مؤلفاته: "في البنية الايقاعية للشعر العربي" و"رؤى تقابلية".
و- شكري عياد (النقد المعتدل والتأصيل)
لقد تميّز الناقد شكري عياد بمنهجه العقلاني الذي يرفض الإنبهار الأعمى بالغرب ويدعو الى أصالة نقدية تنبع من فهم لغة الضاد:
• كيفية التوفيق بينهما؟:
لقد راوح بين علم الأسلوب الحديث والبلاغة العربية القديمة مع التركيز على أن المنهج يجب أن يخدم النص وليس العكس.
• أبرز مؤلفاته: كتاب أرسطو طاليس في الشعر: نقل أبي بشر بن يونس القنائي(دراسة وتحقيق) ومدخل الى علم الأسلوب.
وفي هذا الإطار يرى بعض النقاد الأكثر اعتدالا (مثل جابر عصفور وعبد الله الغذامي) ان الإشكالية ليست في الاستيراد النقدي نفسه بل في آلية التعامل معه:
5- المخرج المعرفي:" المثاقفة" والوعي النقدي:
ان المخرج من جدلية القطيعة والتبعية في النقد الادبي العربي يكمن في تحويل الاستيراد الى مثاقفة واعية من خلال:
• التوطين: إحاطة المنهج الغربي على مقاس النص العربي وليس العكس.
• الحوار لا التبعية: التعامل مع النظريات العالمية كأدوات إنسانية مشتركة يضاف اليها وتعدّل بناء على خصوصية اللغة العربية (التي تعتمد على الاشتقاق والمجاز القرآني والتراث الشعري الممتد).
6- التيارات النقدية الحديثة الأقرب لروح الثقافة العربية:
يرى النقاد ان من أقرب التيارات والمناهج النقدية الحديثة والمعاصرة لروح الثقافة العربية وتراثها البلاغي والنصي: الأسلوبية والنقد الثقافي ونظرية التلقي (جمالية الاستجابة).
ورغم ان هذه المناهج ولدت في سياقات غربية إلا أن النقاد العرب قد وجدوا لها جذورا معرفية متينة في التراث العربي القديم مما جعل تمثلها وتطبيقها أكثر انسجاما مقارنة بتيارات أخرى اتسمت بالجفاف العلمي أو القطيعة الأيديولوجية:
أ- الأسلوبية: تعتبر الأسلوبية المنهج الحداثي الأكثر تصالحا مع الذائقة العربية باعتبارها تركز على جماليات النص اللغوية والبنية الصوتية والإنزياحات التعبيرية.
• وجه التشابه مع روح الثقافة العربية:
ان الثقافة العربية في أصلها ثقافة لغوية بلاغية (بيانية) تعتمد على الفصاحة والاعجاز.
عندما اهتمت الأسلوبية ب "العدول " أو "الانزياح" والبحث عن الأسرار الجمالية داخل صياغة الجملة وجد النقاد العرب (مثل عبد السلام المسدي وصلاح فضل) امتدادا مباشرا لنظرية "النظم" عند عبد القاهر الجرجاني في كتابه "دلائل الاعجاز وأسرار البلاغة".
ب- النقد الثقافي:
انتقل النقد الأدبي العربي مع هذا التيار من فحص المكونات الجمالية الخالصة الى تفكيك الانساق المضمرة ودراسة علاقة النص بالبيئة والهوية والذاكرة الجماعية.
• وجه القرب لروح الثقافة العربية:
لم يكن الادب العربي (خاصة الشعر) تاريخيا مجرد ترف جمالي منغلق بل كان "ديوان العرب" و"حافظ تاريخهم" وقيمهم القبلية والاجتماعية والسياسية.
ان النقد الثقافي (الذي قاده عربيا نقاد مثل عبد الله الغذامي) يتناغم مع الروح العربية لأنه يعيد ربط النص ب"المرجعيات والأنساق الثقافية" المحيطة به ويفكك الوعي الجمعي المختفي خلف الكلمات.
ج- نظرية التلقي وجمالية الاستجابة:
يركز هذا التيار (الذي يقوده ايزر وياوس والمدرسة الألمانية ككل) على دور القارئ او المتلقي في إنتاج المعنى وملء الفراغات داخل النص بدلا من حصر المعنى في نيّة المؤلف فقط.
• وجه القرب لروح الثقافة العربية:
ان الثقافة العربية في جذورها ثقافة "شفاهية واستماعية" بامتياز فالقصيدة كانت تلقى في الأسواق (سوق عكاظ) وتكتسب قيمتها من استجابة الجمهور وتفاعله كما أن التراث التفسيري العربي (سواء لتفسير القران الكريم أوشروح دواوين الشعر القديمة كشروح شعر المتنبي) يمثل في جوهره ممارسة تاريخية متقدمة لنظرية التلقي وتعدد القراءات وتاويل النصوص بناء على وعي المتلقي وزمانه.
الخاتمة:
وخلاصة القول رغم هذا التوفيق بين الوافد الغربي والموروث العربي النقدي بفضل جهود النقاد العرب ورغم انسجام التيارات الحديثة مع السند العربي ورغم ما اكتسبته جدلية القطيعة والتبعية من مرونة في النقد الاستيرادي فاني أتساءل:
• لماذا لا يزاوج النقاد العرب في عصرنا بين المرجعية النظرية العربية في نقدهم وبين المرجعية النظرية الغربية؟؟؟
• لماذا لا يتحول النقاد العرب من مجرد التوفيق بين الوافد الغربي والموروث العربي النقدي الى انتاج المعرفة النقدية؟
• لماذا يبحث النقاد العرب عن الانسجام بين الوافد الغربي والموروث العربي النقدي دون السعي لبناء معرفة نقدية على هذا الموروث العربي النقدي؟
• هل ان كل مجهودات النقاد العرب لا تتعدى طور الاستهلاك دون الانتاج؟
• لماذا لا نتحدث في عصرنا عن نقاد عرب مثل الجرجاني والقرطاجني وغيرهم من القدامى؟
بتاريخ 18/ 10/ 2026



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار خاص عن الام مع الدكتورة سلوى الفيلالي منتدى شعاع للأدبا ...
- منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحا ...
- قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض ...
- قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته ...
- استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1 ...
- استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
- النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...
- قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد ...
- ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان ...
- إلى الأديب عبد المجيد بطالي: شكرًا لمن أهدى الشمسَ ومضةً وأه ...
- رسالتي للأستاذة الكاتبة الناقدة جليلة المازني على تحفتها الإ ...


المزيد.....




- برنامج ثقافي يمتد ثلاثة أعوام للاحتفاء ببوشكين ومتحفه في روس ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- الأوبرا المصرية تفتتح مهرجان الموسيقى العربية بليلة وفاء للف ...
- -العم تيتو-.. فنان فلسطيني يداوي جراح أطفال غزة بعروض السيرك ...
- مهرجان الموسيقى العربية الـ34 يفتتح فعالياته بليلة هاني شاكر ...
- فنان هندي يسجل رقماً قياسياً بأكبر لوحة فنية مصنوعة من التوا ...
- دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»
- جلسة عن الإنتاج العربي .. وفيلم هندي ينال رضا النقاد
- من -باب الشمس- إلى -مرسيدس-.. يسري نصر الله يكشف كواليس رسم ...
- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جليلة المازني - النقد الأدبي الاستيرادي: قطيعة أم تبعية؟ بقلم طه دخل الله عبد الرحمن