|
|
مرايا التأويل: قراءةٌ على قراءة الدكتور محمد ميموني ومساءلةُ ما يراه النقد وما يحجبه. الناقد طه دخل الله عبد الرحمن
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 09:04
المحور:
الادب والفن
مرايا التأويل: قراءةٌ على قراءة الدكتور محمد ميموني ومساءلةُ ما يراه النقد وما يحجبه. الناقد طه دخل الله عبد الرحمن ما لا تراه العينُ التي تفحص المرآة للقراءة يدان: واحدةٌ ترفع عن الكلام غبار الألفة، وأخرى قد تترك على زجاجه أثر أصابعها. وليس في ذلك ما يعيبها؛ فلا أحد يقترب من نصٍّ بلا ذاكرة، ولا ينحني على معنى بلا ظلّ. غير أن فضيلة النقد تبدأ حين يلتفت إلى ظلّه هو أيضًا، فلا يحسب كلَّ ما أضاءه موجودًا بفضله، ولا كلَّ ما حجبه غائبًا عن النص. من هنا أعود إلى قراءة الدكتور محمد ميموني لنصّي «حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى»؛ أعود إليها وفي النفس تقديرٌ لقارئ لم يكتفِ بمصافحة العبارة، بل أراد أن يختبر حرارة اليد التي كتبتها. لكنّ المصافحة، مهما صدقت، لا تمنع اختلاف الطريق؛ وقد يكون أجمل الوفاء لقراءةٍ جادّة ألّا نردّ عليها بالامتنان وحده، بل بالسؤال الذي يضع جديّتها أمام استحقاقها. لا أكتب لأسترجع من الدكتور ميموني سلطةً على نصّي؛ فما إن يغادر الكلام صاحبه حتى يدخل في علاقات لا يستأذنه فيها. لكن استقلال القراءة لا يعني اكتفاءها بنفسها، كما أن مغادرة النص يدَ كاتبه لا تعني مغادرته ألفاظه وقرائنه. للقارئ أن يذهب بعيدًا، على أن يظلّ في الطريق ما يدلّ على الموضع الذي انطلق منه. فليست حرية التأويل أن نقول في النص كلَّ ما يمكن قوله، وإنما أن نستطيع بيان الصلة بين ما نقوله وما أتاحه النص، بما في ذلك ما أتاحه على غير قصد صاحبه. ومن هذه المسؤولية المشتركة أسمّي هذه المحاورة: «مرايا التأويل: قراءةٌ على قراءة الدكتور محمد ميموني، ومساءلةُ ما يراه النقد وما يحجبه». لا لأضع مرآتي في مواجهة مرآته، كأنّ الحقيقة وجهٌ لا يتّسع إلا لزجاجٍ واحد، بل لأتأمّل ما يحدث للمعنى حين ينتقل من كتابةٍ تسائل ذاتها إلى قراءةٍ تسائل الكتابة، ثم إلى قراءةٍ أخرى تسأل التأويل عن أثره فيما رأى. ففي كلّ انتقالٍ ينكشف شيء، وقد يحتجب شيء؛ وليس إنصاف النص أن نعصمه من قارئه، ولا إنصاف القارئ أن نعصم قراءته من السؤال. وأحسب أن قراءة الدكتور ميموني تستحق هذا الامتحان لأنها ليست قراءةً عابرة. فيها احتراسٌ أخلاقي ثمين من تحويل الألم إلى زينة، ومن اتخاذ الصمت تهمة، ومن اختزال الآخر في التفسير الذي نصنعه له. وهي، في مواضع كثيرة، تمدّ النص إلى أسئلة جديرة به. غير أن ما يمنحها قوّتها يضعها أيضًا أمام مأزقها: فقد استندت أحيانًا إلى مبادئ نلتقي عندها، ثم أقامت بيننا مسافةً أوسع مما تسوّغه العبارة. وحين يحدث ذلك، لا يعود الخلاف بين فكرةٍ وأخرى، بل بين ما قاله النص والموقع الذي اختار النقد أن يضعه فيه. يبدأ الدكتور بسؤال: «هل تكتب الروح لأنها تعرف ما تريد قوله، أم لأنها لا تعرفه تمامًا، فتستعين بالكتابة لتكتشفه؟». وهو سؤال نافذ، غير أن نفاذه لا يمنعنا من التساؤل: أكان عليه أن يفتح بابًا مغلقًا، أم أن يتأنّى عند بابٍ فتحه النص قبل وصوله؟ لقد قلت منذ البدء: «لا أكتب لأقول: ها أنا؛ بل لأعرف أين أنا منّي». وهذه ليست عبارة هويةٍ تتقدّم إلى الآخرين بوثائقها مكتملة؛ إنها عبارة ذاتٍ تشكّ في موضعها، وتستعين بالكتابة على تعرّفه. إن «أين» هنا ليست زينة استفهام، بل موضع القلق كلّه: لا تعرف الذات مكانها من ذاتها، فكيف تكون عارفةً سلفًا بكل ما تريد قوله؟ ثم قلت: «كأنّ اللغة تعرف للروح ممرّاتٍ لا تعرفها الروح». ولعلّ هذه الجملة تجعل سؤال الدكتور أقرب إلى توسيع اعتراف النص منه إلى تصحيح تصوّره. فاللغة هنا ليست رسولًا بين باطنٍ معلوم وقارئٍ ينتظر؛ إنها تدخل إلى ما لم يعرفه صاحبها، وتعود بما لم يكن قادرًا على طلبه على وجه الدقّة. لذلك لا أعترض على الفكرة التي جاءت بها القراءة، وإنما أراجع موقعها: أهي إضافةٌ إلى ما غاب، أم إضاءةٌ لما حضر ولم ينل ما يكفي من الوقوف عنده؟ وليس هذا تمييزًا لفظيًّا لتوزيع الفضل بين الكاتب والناقد؛ فالمسألة أعمق من ذلك. إن قراءة النص من داخل توتّره تختلف عن وضعه في جهةٍ واحدة، ثم استدعاء الجهة الأخرى لموازنته. في الحالة الأولى يكشف النقد تعقيدًا قائمًا؛ وفي الثانية قد يبني للنص بساطةً يحتاج إليها كي يتجاوزها. وأخشى على القراءة الجادّة من هذه السهولة تحديدًا: أن يصبح النص أقلَّ سؤالًا مما هو عليه، لكي يبدو السؤال الذي يوجَّه إليه أكثر ضرورة. وهنا تمسّ المحاورة مسألةً بالغة الأهمية: هل الروح أصلٌ صافٍ، ثم تأتي العبارة فتخونه أو تخلص له؟ لا أرى أن نصّي يمنح هذه الطمأنينة، وإن كانت نبرته الوجدانية قد تغري بإسنادها إليه. فعندما أكتب: «وأبدّل كلمةً فتتبدّل في ذاكرتي إضاءةُ المشهد»، لا تعود الذاكرة مخزنًا تعبر اللغة أمام بابه، بل تصير فضاءً تغيّر الكلمات توزيع الضوء فيه. وقد يكشف الضوء الجديد تفصيلًا، وقد يدفع آخر إلى العتمة. بهذا المعنى، لا يكون صدق الكتابة استعادةً مستحيلة لتجربةٍ لم تمسّها اللغة، بل انتباهًا إلى ما تصنعه اللغة وهي تقول إنها تستعيد. ومن هنا أتلقّى تحفظ الدكتور على المرآة بجدّية، من غير أن أقبل جميع ما قد يُبنى عليه. فهو محقّ في أن الكتابة تستطيع أن تنتقي، وأن الكاتب قد يصنع لنفسه صورةً يستطيع احتمالها. لكن العنوان لم يقل: يصير الحرف مرآةً لما هو ظاهرٌ ومكتمل؛ قال: «لما لا يُرى». وفي هذه العلاقة ما يربك وظيفة المرآة ذاتها: كيف تعكس ما لا يقع أصلًا في مجال النظر؟ إن العبارة لا تستعير المرآة لتطمئنّ إلى المطابقة، بل تضعها أمام ما يتعذّر عليها، وتطلب من الحرف أن يمنح هيئةً لما لا هيئة مرئية له. ومع ذلك، لا أريد أن أجعل هذا التوتر حصانةً للصورة. فقد يوحي لفظ المرآة بصفاءٍ لا يضمنه النص، وقد يستدرج لفظ الروح ثقةً عاطفية تسبق الاختبار. وهنا تضيف قراءة الدكتور شيئًا أقدّره: تنبّهني إلى ما قد تفعله عبارتي خارج مقصدي. لكنّ الفرق يظل قائمًا بين القول إن الصورة تحتمل وهم الشفافية، والقول إن النص استسلم لهذا الوهم. الأول يفتح احتمالاتها؛ والثاني يحتاج إلى قرائن أبعد من الشكّ العام في براءة الكتابة. وفي شأن الصمت، أجدني أقرب إلى الدكتور مما توحي به صيغة الاستدراك. يقول إن الصمت قد يكون حمايةً وامتناعًا وحقًّا في عدم الشرح. وأقول: نعم؛ ولذلك لم أكتب أن الصمت خذل الإنسان، بل إن الصفحة جاءت «من رجفةٍ لم تجد في الصمت أمانها». والفرق هنا ليس تفصيلًا نحويًّا، بل حدٌّ بين شهادةٍ شخصية وحكمٍ يتناول الناس جميعًا. للرجفة أن تروي إخفاق ملجئها، من غير أن يعني ذلك إنكار الملاجئ على سواها. ثم إن النص ينتهي إلى رفيقٍ لغوي يعرف الوحشة «ولم يسألْك أن تشرح». فكيف يكون الكلام خصمًا للصمت وهو يتمنّى أن يرفع عنه واجب التفسير؟ قد نكتب لا لكي ننتزع من الآخر اعترافًا، بل لكي يشعر أن له أن يبقى ساكتًا من غير أن يصير سكوته عزلةً إضافية. بعض الكتابة لا يملأ الصمت، وإنما يخفّف ما يتجمّع حوله من سوء الظن. وحين تقول القراءة إن الحرف لا يعيد الغائب، فإنني أجد فيها حقيقةً لا أنازعها، لكنني أسأل عن الوظيفة التي تؤدّيها في محاورة الصورة. لم أقل إن الورق يردّ الموتى إلى الأبواب، ولا إن الجملة تصلح ما انكسر في الزمن. قلت: «يعود المقعدُ إلى صاحبه، والصوتُ إلى مسائه». وفي سياق الذاكرة، ليست هذه عودة الأجساد، وإنما عودة العلاقة: يتوقّف المقعد، لحظةً، عن كونه خشبًا فارغًا، ويستعيد الصوت مساءه الذي كان يمنحه معناه. يعرف الحنين أن الباب لن يُفتح، ومع ذلك يلتفت. وليس التفاته جهلًا بما وقع، بل أثرًا لما لم ينتهِ وقوعه في الداخل. واللغة التي تقول هذه الحركة لا تنافس الواقع على قوانينه؛ إنها تقترب من خبرةٍ لا يكفي وصف الحدث الخارجي وحده للإحاطة بها. لذلك لا يكون السؤال الأشدّ نفاذًا: هل أعاد المجاز الغائب فعلًا؟ بل: أيّ صورةٍ للغياب صنعها؟ هل حفظ للغائب اختلافه، أم اختزله في حاجة المتذكّر إليه؟ وهل أتاح للفقد أن يتكلّم، أم أسرع إلى تهذيبه كي يصبح صالحًا لجمال العبارة؟ عند هذا الحدّ يدخل النقد في عمل الصورة، بدل أن يذكّرها من خارجها بأنها ليست واقعة. أما التحذير من الزينة، فهو موضع اتفاق لا يحتاج إلى مجاملة. لكنني أودّ أن أدفعه خطوةً أخرى؛ لأن الإدانة العامة للزخرف قد تصبح هي نفسها عبارةً جميلة لا تؤدّي عملًا نقديًّا محدّدًا. لقد قلت: «فقد تستقيم الجملة في ميزان البيان، ويعوجّ فيها وجه الحقيقة». ولا يكفيني أن أعلن هذا الحذر كي أكون ناجيًا من العوج؛ غير أن الناقد لا يكفيه أيضًا أن يعيد المبدأ كي يكون قد أثبت وقوعه. أيّ جملةٍ استقامت موسيقاها على حساب تجربتها؟ وأيّ صورةٍ اتّسع ثوبها حتى غاب الوجه؟ وأين كرّرت المقابلة معنى سبق أن بلغ غايته، فأصبحت زيادةً في الرنين لا في الكشف؟ هذه هي الأسئلة التي أرحّب بحدّتها؛ لأنها تمسك باللغة من موضع فعلها. أما أن نظلّ نتبادل التحذير من الزينة، فقد نخرج جميعًا سالمين، ويبقى النص بلا امتحان. وأذهب أبعد من ذلك فأتحفّظ على الاطمئنان إلى هدوء العبارة كما لو كان ضمانةً لصدقها. فمثلما يمكن للجملة الموشّاة أن تستعرض وجعها، يمكن للجملة المقتصدة أن تستعرض زهدها. ليس الاقتصاد فضيلةً مستقلةً عن موضعه، ولا الامتلاء عيبًا سابقًا على استعماله. قد تحتاج تجربة إلى عبارةٍ تنكسر سريعًا، وقد تحتاج أخرى إلى نفسٍ طويل تتدافع فيه الصور لأن الاضطراب جزءٌ مما تريد قوله. السؤال ليس: كم في العبارة من الجمال؟ وإنما: ماذا يفعل هذا الجمال؟ هل يتيح رؤيةً لا تتحقّق بدونه، أم يستأثر بالنظر الذي كان ينبغي أن يذهب إلى التجربة؟ وتبلغ المحاورة موضعًا شديد الحساسية حين يتحفّظ الدكتور على استعجال الخاتمة المضيئة للألم. هنا يحميني اعتراضه من خطرٍ حقيقي: أن أطلب من الجرح أن يبرّر وجوده بحكمة، وأن أجعل احتمال الحياة واجبًا أدبيًّا على من أثقلتهم الحياة. لكنّ نصّي قال أيضًا: «لن أجعل من جراحي أوسمةً»، وقال: «وإن بكيتُ في نصّ، فلن أُكره النصَّ الذي يليه على البكاء». لم أجعل النجاة تكليفًا، بل رفضت أن يصير الحزن عقدًا لا يحقّ للكاتب فسخه. وأعترف بأن عبارة «أترك له بابًا يخرج منه» تحمل رغبةً أشدّ من قدرتها على الضمان؛ فثمّة أوجاع لا تخرج حين نفتح لها. لكنّ العبارة، في سياق العهد الشخصي، رجاءٌ بألّا أغلق الباب، لا شهادةٌ بأن الوجع سيغادر. وإذا كنّا نرفض إلزام المكلوم بإنتاج الحكمة، فلنحذر كذلك من إلزامه بالإقامة في الكمد كي يظلّ صادقًا. ليس كل ضوءٍ تبريرًا للعتمة؛ قد يكون نافذةً صغيرة لا تنكر البيت الذي أظلم. وفي سؤال الدكتور عن الكتابة خارج السيرة الشخصية، أصغي إلى مبدأٍ أشاركه، ثم أعود إلى دقّة اللفظة التي بُني عليها الاستدراك. لقد تعهّدت «ألّا أقول ما لا يمسّني لمجرّد أنّه يُدهش»، ولم أتعهّد ألّا أقول ما لم يحدث لي. وبين العبارتين سعة الخيال كلّها. يمسّنا ما لم نعشه، وقد نعيش ما نعجز طويلًا عن أن نمسّه من الداخل. وليست الصلة الإنسانية بالتجربة سندَ ملكية، بل مسؤولية اقتراب. إن الخطر ليس في أن أكتب عن سواي، بل في أن أجعل سواه امتدادًا سهلًا لي. وقد يكون من أصدق ما يصنعه الخيال أن يحمل الكاتب إلى تخومٍ لا يستطيع عندها أن يقول: فهمت كل شيء. بهذا المعنى، لا يضع المساس قيدًا على موضوعات الكتابة، وإنما يضع قيدًا على استهلاكها؛ فلا تصبح خسارات الآخرين مادّةً جاهزة لدهشتي، ولا يتحوّل اختلافهم إلى شاهدٍ إضافي على ما كنت أعرفه قبل الاقتراب منهم. ومن هنا أيضًا أتلقّى تنبيه الدكتور إلى أن الإصغاء لا يمنحنا حقّ تفسير الآخر نيابةً عنه. وهو تنبيهٌ لا أودّ أن يبقى وصيةً يوجّهها النقد إلى الكتابة وحدها؛ فالقارئ، بدوره، يواجه هذا الامتحان. كما قد يستولي الكاتب على تجربة غيره ليجعلها شاهدًا على حكمٍ سابق، قد يستولي الناقد على النص ليجعله شاهدًا على تصوّرٍ جاهز عن الكتابة. ليست الإحاطة مقصدًا مضمونًا لأحد؛ وقد يبدأ الاحترام حيث يترك كلٌّ منّا في الآخر بقيةً لا تذوب في عبارته. ثم يأتي سؤال الدكتور الأخير: «هل نبحث عن الحقيقة التي في داخلنا، أم عن روايةٍ نستطيع احتمال العيش معها؟». وأجدني أتوقّف عند «أم» أكثر مما أتوقّف عند طرفيها؛ فهي توشك أن تقيم خصومةً بين الحقيقة وإمكان احتمالها، كأنّ الرواية متى صارت قابلةً للسكن غادرت الصدق. لكن قد تكون الكتابة هي العمل الشاق الذي يجعل بعض الحقيقة محتملًا، لا بإخفائه، بل بمنحه حدودًا وصوتًا وترتيبًا. وبالمقابل، ليست الرواية الأقسى هي الأصدق بالضرورة؛ فقد يصنع الإنسان من إدانة نفسه ملاذًا يعفيه من تعقيد فهمها. القسوة أيضًا تستطيع أن تكون مريحةً حين تحسم كل شيء، مثلما تستطيع المواساة أن تكون شجاعةً حين تعترف بما لا تقدر على إصلاحه. لذلك لا أمتحن الحكاية بمقدار ما تؤلم أو تواسي، بل بمقدار ما تسمح لما يزعج نظامها أن يبقى فيها: واقعةٌ لا تخدم صورتنا، واعترافٌ لا نستطيع تجميله، وسؤالٌ لا نتعجّل إغلاقه. ولعلّ هذا هو الموضع الذي تلتقي عنده مرايانا من غير أن تتطابق. فالكاتب مطالب بأن يرى كيف تنتقي لغته، والناقد مطالب بأن يرى كيف ينتقي سؤاله. لا أطالب قراءة الدكتور ميموني بأن تلتزم نيّتي؛ فالنيّة ليست سقفًا للمعنى. لكنني أطالبها، كما أطالب كتابتي، بألّا تستعجل توزيع الأدوار: هنا شاعرٌ مأخوذ بفيضه، وهناك ناقدٌ يذكّره بقيود اللغة. ففي النص كاتبٌ يتوجّس من عبارته أيضًا، وفي النقد لغةٌ تنتقي وترتّب، وقد يروق لها إيقاع احترازاتها مثلما يروق للشاعر إيقاع صوره. وما أجمل أن يشمل الفحص الطرفين؛ فلا يصبح الكاتب موضع الشبهة الدائم، والناقد صاحب المصباح الذي لا يحتاج ضوؤه إلى مراجعة. إن أكثر الأسئلة احتراسًا قد يخفي افتراضًا لم يُختبر، وأكثر العبارات تواضعًا قد ترتّب للقارئ طريقًا لا تترك له سواه. وليست مهنية النقد في أن يتخلّص من زاوية النظر؛ فهذا ما لا أطلبه، وإنما في أن يتيح لنا رؤيتها ومناقشتها. لهذا أحتفظ من قراءة الدكتور بما يجعل يدي أقلّ اطمئنانًا وهي تكتب، وأردّ عليها بما يجعل يد النقد أكثر تريّثًا وهي تشير. لا لأنجّي نصّي من مساءلته، بل لأنقل المساءلة من سلامة المبادئ إلى دقّة التطبيق. فما أسهل أن نتفق على ألّا نزيّن الألم، وأن نصون الصمت، وأن نحترم اختلاف الآخر؛ وما أصعب أن نبيّن، أمام جملةٍ بعينها، أين انتهكنا ما اتفقنا عليه. لقد سأل الدكتور محمد ميموني المرآة عمّا قد تخونه، وكان سؤاله جديرًا بأن يُسمع. وها أنا أسأل العين التي تفحصها عمّا قد يفوتها، لا لأنتقص من بصيرتها، بل لأحفظ لها صعوبة الإبصار. فالقراءة التي تدافع عن حقّ الإنسان في ألّا يُختزل، يليق بها أن تمنح النص بعض هذا الحق: أن تترك فيه ما يقاوم خلاصتها، وأن تتريّث أمام العبارة التي قد تكون سبقتها إلى اعتراضها. ولن أضع في ختام هذا الحوار حكمًا يعيد لكلّ واحدٍ منّا مرآته سليمةً كما جاء بها؛ فثمّة ما ينبغي أن يتغيّر بعد اللقاء. لقد كتبت في البدء: «لأعرف أين أنا منّي». وبعد قراءة الدكتور، ما زلت أبحث، لكنني صرت أسأل عبارتي عن المسافة بين ما أرادت أن تقوله وما أتاحت للآخر أن يسمعه. وأرجو أن يكون في ردي ما يدعو قراءته إلى السؤال المقابل: عن المسافة بين ما أرادت أن تكشفه وما كان حاضرًا أمامها فلم تتوقّف عنده بما يكفي. في هذه المسافة أضع «مرايا التأويل»: لا محكمةً للنص ولا محكمةً لقارئه، بل موضعًا يقف فيه كلٌّ منهما أمام أثره في الآخر. فاليد التي تكتب تحتاج أحيانًا إلى من يوقف اندفاعها، والعين التي تقرأ تحتاج أحيانًا إلى من يعيدها إلى السطر. وبين اليد والعين يبقى الكلام أوسع من صاحبه، وأدقَّ من أن تستنفذه قراءةٌ واحدة، مهما أحسنت النظر. طه دخل الله عبد الرحمن البعنة ـ الجليل 21/10/2026 ************ قراءة الدكتور محمد ميموني ومقالتي Mohammed Mimouniنشر فيطه عبد الرحمن قراءة حوارية في نص الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن: «حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى» ثمة نصّوص لا نختلف معها في ما تقوله، بل نبدأ محاورتها حين نسأل عمّا تركته خارج القول. وهذا ما استوقفني في نص الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن؛ فهو يقترب من الكتابة باعتبارها حاجةً داخلية، ومن الحرف باعتباره منفذًا إلى ما تعجز النفس عن الإفصاح عنه مباشرة. لكنني، وأنا أقرأه، وجدتني أتوقف عند مسألة أراها أسبق من جمال العبارة: هل تكتب الروح لأنها تعرف ما تريد قوله، أم لأنها لا تعرفه تمامًا، فتستعين بالكتابة لتكتشفه؟ الفارق بين الأمرين ليس بسيطًا. ففي الحالة الأولى نكون أمام شعور يبحث عن لغته، وفي الثانية نكون أمام إنسان لا يخرج من الكتابة كما دخل إليها؛ إذ قد يبدأ النص من وجع معلوم، ثم يكشف له أن الوجع لم يكن في موضعه الذي ظنّه، أو أن ما حسبه حنينًا كان اعتراضًا مؤجلًا على الغياب. الكتابة، بهذا المعنى، ليست نقلًا لما في الداخل فحسب، بل إعادة ترتيب له؛ وربما كانت بعض الحقائق التي ننسبها إلى أنفسنا قد تبلورت فينا يوم حاولنا صياغتها. ومع ذلك، لا أريد أن أمنح الكتابة سلطةً لا تملكها. فليس كل ما يُكتب ينكشف، ولا كل ما ينكشف يصبح قابلًا للقول. ثمة مشاعر لا ينقصها التعبير بقدر ما ينقصها أن نكفّ عن محاصرتها بالكلمات. وأحيانًا تكون عبارة يومية عابرة، مثل «لا بأس»، أصدق في كشف التعب من صفحة كاملة؛ لا لأنها أجمل، بل لأن قائلها يعرف أن الشرح قد يحمّله عبئًا آخر، أو لأنه لم يعد يملك الطاقة اللازمة لتفسير ما يحدث له. وهنا يفتح نص الدكتور طه بابًا يستحق أن نبقى عنده: ليست الكتابة وحدها موضع السؤال، بل الصمت أيضًا. ليس كل صامت عاجزًا عن الكلام، كما أن كل متكلم ليس بالضرورة قد قال ما يشعر به. قد يكون الصمت امتناعًا، أو حمايةً لما لم ينضج بعد، أو رفضًا لأن يتحول الألم إلى مادة متاحة للآخرين. لذلك لا ينبغي أن نقرأ الصمت بوصفه فراغًا ينتظر من يملؤه؛ فقد يكون، في بعض اللحظات، آخر مساحة يحتفظ فيها الإنسان بحقه في ألا يشرح نفسه. ومن أكثر ما يلفتني في حديث النص عن الذاكرة أن الأشياء الصغيرة تستطيع حمل ما تعجز عنه الحكايات الكبيرة: كرسيٌّ بقي في مكانه، صوتٌ لا يزال عالقًا في الأذن، أو طرقة باب تستدعي زمنًا كاملًا. لكنني أتساءل: حين تستعيد الكتابة هذه التفاصيل، هل تعيد إلينا ما فقدناه، أم تعلّمنا طريقة أخرى في احتمال فقده؟ لا أظن أن الحرف يعيد الغائب. إنه لا يفتح الباب الذي أُغلق، ولا يردّ الصوت إلى صاحبه، ولا يجعل الزمن يتراجع خطوة واحدة. ما يفعله، في أحسن حالاته، أنه يغيّر موضع الغياب فينا؛ فلا يعود مجرد فجوة نتحاشى النظر إليها، بل يصبح جزءًا من الحكاية التي نستطيع مواصلة العيش معها. وهذه ليست مصالحةً كاملة، ولا انتصارًا على الفقد؛ إنها علاقة أقل خصومةً معه، وربما كان ذلك كل ما تسمح به الحياة أحيانًا. ولعلّ هنا ما يفسّر عنايتي، في الكتابة والنقد، بالتفاصيل التي تبدو هامشية. فكثيرًا ما يكون المعنى الأثقل مستقرًا في حركة صغيرة لا يلتفت إليها أحد: كلمة حُذفت قبل النشر، أو جملة ظل صاحبها يعود إليها لأنه شعر أنها تقول أكثر مما ينبغي، أو نهاية بدت جميلة، لكنها لم تكن صادقة بما يكفي. عند هذه العتبة تحديدًا يصبح السؤال عن اللغة سؤالًا عن الأمانة: هل نختار العبارة لأنها تلامس التجربة، أم لأننا نحب وقعها حين تُقرأ؟ ليس الشعور الصادق وحده ضمانةً لنص صادق الأثر. قد يكتب المرء من ألم حقيقي، ثم يضع بين القارئ وألمه طبقات من الزينة حتى لا يبقى من التجربة إلا صداها البلاغي. وقد يكتب آخر جملةً هادئة، لا تتوسل الدهشة ولا ترفع صوتها، فتصل إلى قارئ لا يعرف صاحبها، لكنه يجد فيها شيئًا من حياته. الفارق ليس في مقدار الانفعال، بل في قدرة اللغة على ألا تستعرض ما تدّعي كشفه. ولهذا لا أرى أن الحرف يصبح مرآةً لما لا يُرى لمجرد أنه صادر عن الروح. فالمرآة نفسها قد تُظهر، وقد تشوّه، وقد تنتقي من الوجه ما يلائم الصورة التي نحبها عن أنفسنا. والكتابة ليست بريئة من هذا الاحتمال؛ إذ يمكننا أن نستخدمها للكشف، كما يمكننا أن نستخدمها لصناعة رواية مريحة عن ذواتنا. وربما كانت أشد لحظات الكتابة صدقًا تلك التي يتردد فيها الكاتب قبل أن يمنح نفسه براءةً كاملة. لكن الحياة، لحسن الحظ، لا تُختصر في ما يؤلمنا. وفي هذا الجانب أجد أهمية الإشارة إلى الفرح الذي يمرّ خفيفًا، فلا نمنحه دائمًا حقه من الانتباه: صباح يستعيد صفاءه، واسمًا يطلّ على الشاشة فيبدّل شيئًا من ثقل النهار، وضحكةً تفلت من الإنسان في وقت لم يكن يظن أنه قادر فيه على الضحك. ليست هذه التفاصيل نقيضًا للوجع، ولا دليلًا على أن كل شيء صار بخير؛ إنها تذكير بأن الإنسان أوسع من محنته، وأن الروح التي تعرف الحزن لا تفقد قدرتها على استقبال الحياة. ومن هنا، فإن الإنصات الذي يدعو إليه النص لا ينبغي أن يتحول إلى ادعاء معرفة الآخر. أن أصغي إليك لا يعني أنني امتلكت حكايتك، وأن أتعاطف مع تعبك لا يمنحني حق تفسيره نيابةً عنك. قد أقترب من تجربتك، لكن يبقى فيها ما لا أستطيع بلوغه، لا لنقص فيك أو فيّ، بل لأن لكل إنسان منطقة لا تُنقل كاملةً من داخله إلى داخل سواه. والاحترام الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن ملء هذه المنطقة بتأويلاتنا، وحين لا نسمّي كل صمت موافقة، ولا كل تعب ضعفًا، ولا كل تعثّر ذنبًا يستحق اللوم. أحسب أن نص الدكتور طه يلامس هذه المساحة الإنسانية حين يجعل الكتابة طريقًا إلى الإصغاء. غير أنني أميل إلى إضافة قيد صغير: لا يكفي أن نكتب كي نكون قد أصغينا، مثلما لا يكفي أن نتأثر كي نكون قد فهمنا. فالكتابة قد تصبح هي الأخرى ضجيجًا، وقد يستولي الكاتب على تجربة غيره ليجعلها شاهدًا على حكم سبق أن أعدّه. عندئذ لا يعود الحرف نافذةً على الإنسان، بل يصبح حاجزًا أنيقًا يقف بيننا وبينه. ولعلّ هذا ما يجعلني أتحفّظ أمام النصوص التي تُسارع إلى منح الألم خاتمةً مضيئة. ليس كل جرح مطالبًا بأن يتحول إلى حكمة، وليس كل خسارة مشروعًا لاكتشاف الذات، وليس على الإنسان أن يخرج من محنته حاملًا درسًا كي تصبح محنته جديرةً بالفهم. أحيانًا لا يحدث شيء من ذلك؛ يتعب الإنسان، ويواصل يومه، ويؤجل تفسير ما جرى إلى وقت لا يأتي. وفي هذا العاديّ الذي لا يقدّم نفسه بوصفه بطولةً، شيء من الحقيقة التي قد تفسدها المبالغة في البحث عن المعنى. أما التزام الكاتب بألا يكتب ما لا يمسّه، فهو التزام ثمين، لكنه يفتح سؤالًا آخر: هل نكتب لأن التجربة تخصّنا، أم لأننا نرى فيها ما يتجاوز حدودنا؟ ليست الكتابة اعترافًا شخصيًا دائمًا، ولا يلزمها أن تنبع من سيرة صاحبها مباشرة. قد تكون أمانتها في أن تقترب من تجربة لا تشبهه، من دون أن يدّعي أنه عاشها، وأن يترك للآخر حقه في الاختلاف بدل أن يذوّبه في صوته. لهذا أجد أن قيمة النص لا تكمن في تأكيد أن الروح تفيض فيتحول الحرف إلى مرآة، بل في المسافة الدقيقة بين الفيض والعبارة: ما الذي يبقى من الشعور حين ندخله اللغة؟ وما الذي تضيفه اللغة إليه، أو تنتزعه منه؟ فالكلمات لا تنقل التجربة كما هي؛ إنها تختار، وترتب، وتؤطر، وقد تمنح الألم شكلًا لم يكن له قبل الكتابة. وهذه القدرة نفسها هي مصدر جمالها ومصدر حذرنا منها. ربما لا نكتب لنقول كل ما فينا، ولا لنصل إلى حقيقة نهائية عن أنفسنا. نكتب أحيانًا كي نقترب من سؤال لم نكن مستعدين لمواجهته، أو كي نترك في اللغة أثرًا لا يشرحنا تمامًا، لكنه يمنح الآخرين فرصة الاقتراب منّا من دون أن يطالبهم بأن يصبحوا نحن. وأترك نص الدكتور طه عند سؤال لا أراه خاتمةً له بقدر ما أراه امتدادًا لحواره: حين نكتب عن أنفسنا، هل نبحث عن الحقيقة التي في داخلنا، أم عن روايةٍ نستطيع احتمال العيش معها؟ لعلّ الكتابة تبدأ حين لا نعود واثقين من الفرق بينهما. الدكنور محمد ميموني الجزائر في 2026/10/21 __________________________________________ #للجميع حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى للروح بلاغةٌ لا تُحسنها الشفاه، وللقلب فصاحةٌ لا يبلغها الكلام؛ فإذا ضاقت بالسريرة مسالكُ الصبر، واتّسعت في الذاكرة ممالكُ السهر، أقبل الحرفُ يحمل ما عجزت عن حمله الملامح، ويكشف ما توارت به الروح عن عيون العابرين. عندئذٍ لا أكتب لأقول: ها أنا؛ بل لأعرف أين أنا منّي، وأيُّ جزءٍ تركتُه في الأمس، وأيُّ شوقٍ ما زال يطرق بابي كلّما ظننتُ أنّ الليل نام. من هناك جاءت صفحتي؛ من رجفةٍ لم تجد في الصمت أمانها، ومن دمعةٍ لم تشأ أن يكون السقوطُ آخرَ شأنها. جاءت نثرًا لأحاسيس أبت إلّا أن تكون مرآةً لحرفي؛ أرى فيها ما تستره ابتسامتي، وأقرأ على صفحتها ما شطبتُه من أحاديثي، وأجمع في سطورها ما بعثرته المجاملة حين قلتُ: «لا بأس»، وكان في القلب من البأس ما يضيق به القول، ويطول به الليل. ما أنشأتُها لأكسو الكلام حريرًا وهو عارٍ من الشعور، ولا لأرفع للعبارة قصرًا لا يسكنه معنى؛ إنما أردتُ لكلّ كلمةٍ أن تدخل وفي يدها أثرٌ من حياة: دفءُ كفٍّ أفلتت، أو ظلُّ وجهٍ غاب، أو بقيةُ ضحكةٍ كلّما تذكّرتُها أضاء في داخلي مكانٌ ظننتُه انطفأ. فالحرف الذي لا يحمل من صاحبه شيئًا قد يُطرب السمع، لكنه لا يبلغ ذلك الموضع الخفيّ الذي نضع عليه أيدينا حين نقول: هنا يؤلمني، وهنا أحببت. وأنا، كلّما جلستُ إلى الكتابة، حضرتْ أشياءُ حسبتُها غائبة؛ يعود المقعدُ إلى صاحبه، والصوتُ إلى مسائه، والبابُ إلى أوّل طرقةٍ ألهبت انتظارَه. أمدّ يدي إلى جملةٍ فأجد وراءها عمرًا، وأبدّل كلمةً فتتبدّل في ذاكرتي إضاءةُ المشهد؛ كأنّ اللغة تعرف للروح ممرّاتٍ لا تعرفها الروح، وكأنّ في الحرف مفتاحًا صغيرًا لبابٍ أضعنا اسمه، ولم نُضع حنيننا إليه. لهذا أتأنّى. لا أستعجل العبارة كي تُعجب، بل أُمهلها كي تصدق؛ أُنصت إلى وقعها، وأردّها إلى القلب، ثم أسألها عمّا تحمل. فقد تستقيم الجملة في ميزان البيان، ويعوجّ فيها وجه الحقيقة؛ وقد تتعثّر كلمةٌ عند أوّل السطر، ثم تبلغ من النفس ما لم تبلغه خطبةٌ محكمة. وما أحبّ إليّ تلك الكلمة التي تأتي على استحياء، كأنها تخشى انكشافها، فإذا استقرّت على الورق عرفتُ أنّني كنت أبحث عنها منذ زمن. هنا أكتب عن الحنين حين يتخفّف من كبريائه، فيجلس إلى جوار هاتفٍ صامت؛ وعن العتاب حين يطول احتباسه، فتختصره تنهيدة؛ وعن المحبّة حين تبقى بعد أصحابها، فنُبقي لهم موضعًا في الدعاء، وإن لم يبقَ لهم موضعٌ في اللقاء. وأكتب عن تلك الهزائم الصغيرة التي لا يراها أحد: أن نعيد قراءة رسالةٍ نعرف خاتمتها، وأن نتهيّأ لخبرٍ لا يأتي، وأن نتظاهر بالانشغال كيلا ينكشف انتظارنا. ولا أغلق نافذتي إذا أقبل الفرح؛ فله في هذه الصفحة مقعدٌ وضوء. أُحبّ أن أكتب عن صباحٍ خفيفٍ لم يطلب منّي سوى أن أعيشه، وعن اسمٍ يطلّ على الشاشة فيلين النهار، وعن ضحكةٍ تفاجئني من أعماقي، فأعرف أنّ فيّ موضعًا لم تبلغه الخسارة. ولعلّ أرقّ ما تمنحه الكتابة أن تعيد إلينا القدرة على ملاحظة ما بقي؛ فبين ما نفتقده وما نملكه تفاصيلُ وديعة، تنتظر من القلب التفاتةً، ومن اللغة شهادة. ولن أجعل من جراحي أوسمةً أعلّقها على صدر الكلام، ولا من حزني سلطانًا يستبيح كلّ سطر. سأمنح الوجع حقّه من البوح، ثم أترك له بابًا يخرج منه؛ فما فتحتُ هذه النافذة لأُطيل الإقامة في العتمة، بل لأرى كيف يتسلّل الضوء إليها. وإن بكيتُ في نصّ، فلن أُكره النصَّ الذي يليه على البكاء؛ للروح تقلّبُها، وللأيام تعاقبُها، ولي أن أكون في كلّ صفحةٍ أمينًا للحظة التي أعيشها، لا أسيرًا للصورة التي اعتادها الآخرون عنّي. ويا من تمرّ بهذه الكلمات، قد لا تعرف حكايتي، لكنّك تعرف شيئًا من رجفتها. لعلّ لك أنت أيضًا جملةً حبستَها اتّقاءَ سوء الفهم، أو محبّةً أخفيتَها صونًا لما تبقّى من نفسك، أو وداعًا مضيتَ بعده طويلًا قبل أن تدرك أنّك لم تغادره. فإن وجدتَ هنا ما يشبهك، فخذه إلى قلبك؛ لا تُثقل على المعنى بالسؤال عمّن بدأ حكايته، فلربّ سطرٍ خرج من ذاكرة كاتبه، ثم وجد تمامَه في ذاكرة قارئه. أحبّ لهذه الصفحة أن تكون موضعًا يطمئنّ فيه الشعور إلى اسمه؛ فلا يُسمّى الحنان ضعفًا، ولا يُؤوَّل الصمت رضا، ولا يُلام المتعب لأنّه لم يُحسن إخفاء تعبه. هنا أُصغي إلى الإنسان قبل عبارته، وإلى الارتجاف قبل الاعتراف؛ فكم من كلامٍ بدا قليلًا، وفي أعماقه ازدحام، وكم من وجهٍ مرّ هادئًا، وفي هدوئه أعوام. سأظلّ أكتب، وأُبقي بيني وبين الورق عهدًا لا يشهد عليه سوانا: ألّا أقول ما لا يمسّني لمجرّد أنّه يُدهش، وألّا أخون إحساسي طلبًا لتصفيقٍ يمضي. فإن صفا المعنى تركتُه يلمع بصفائه، وإن احتاج إلى المجاز ألبستُه ما يليق به؛ فلا يضيق به الثوب، ولا يختفي فيه الوجه. وحسبي من البيان أن يبلغ، ومن الجمال أن يبقى، ومن الحرف أن يحملني إليك دون أن يفقدني في الطريق. هذه صفحتي: نثرٌ لأحاسيس أبت إلّا أن تكون مرآةً لحرفي. أضع فيها من عمري ما لا تحفظه الصور، ومن صوتي ما لا تلتقطه الآذان؛ فإذا جفّ الحبر بقيتْ فيه حرارةُ اليد، وإذا انتهى النصّ ظلّ في القلب متّسعٌ لما لم يُقَل. ولعلّ كلماتي تبلغك في ساعةٍ يعزّ فيها الرفيق، فتقرأ سطرًا، ثم تُمهل عينيك قليلًا، وتشعر أنّ أحدًا مرّ من وحشتك، فعرفها، ولم يسألْك أن تشرح.
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى
-
دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جلي
...
-
حوار خاص عن الام مع الدكتورة سلوى الفيلالي منتدى شعاع للأدبا
...
-
منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحا
...
-
قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض
...
-
قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته
...
-
استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1
...
-
استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
-
النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي
...
-
استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع
...
-
قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة
...
-
رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة
...
-
قراءةٌ أسلوبيةٌ تأويليةٌ في قصيدة «عندما يتغنّى القصيد» للأد
...
-
ردي على قراءة الأستاذة الناقدة جليلة المازني لمقالتي بعنوان
...
المزيد.....
-
فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل
...
-
“الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال
...
-
جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول
...
-
-فستان ينسجم مع لون عينيها-.. مريم أوزرلي تتألق بتصميم عربي
...
-
بائعة حلويات.. نانسي عجرم بالدانتيل الجريء وأحمر الشفاه الأح
...
-
بالفيديو.. فنان استعراضي يحول توقيع ميسي إلى وشم مدى الحياة
...
-
شقيقة ماثيو بيري تكشف الجانب المؤلم وراء زفاف تشاندلر ومونيك
...
-
بين الرواية الأمنية واتهامات العائلة.. غموض يكتنف وفاة شاب ب
...
-
بوتين يشيد بفيلم -ولادة الإمبراطورية- عن سيرة الإمبراطور بطر
...
-
بوتين: المسرح الروسي يحظى بمكانة خاصة وثقة الجمهور
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|