أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - حين يُضيء النقدُ ما وراء الحبر: إلى الدكتورة آمال بن الطاهرعرفانًا بقراءةٍ وسّعت بيت الكلمة















المزيد.....



حين يُضيء النقدُ ما وراء الحبر: إلى الدكتورة آمال بن الطاهرعرفانًا بقراءةٍ وسّعت بيت الكلمة


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 17:24
المحور: الادب والفن
    


إلى الدكتورة آمال بن الطاهر، أرفع من الشكر أصفاه، ومن التقدير ما يليق بقراءتها الثرية المستفيضة الممتعة، التي أتحفتني بها، فكانت للنص إضاءةً على مقال، وكشفًا عمّا توارى بين سطوره، وفتحًا لما ظلّ في أعماقه ينتظر بصيرةً تستنطقه. لقد جمعتِ في قراءتكِ رهافة الأدب إلى نفاذ النقد، ومتعة البيان إلى أناة التأمّل، ومنحتِ كلماتي من وقتكِ وفكركِ وعنايتكِ ما جعلني أعود إليها قارئًا يتعلّم، بعدما فارقتُها كاتبًا يحسب أنه أتمّ القول. وإنني لأعتزّ في صنيعكِ بذلك الإنصاف النبيل الذي يُكرم الجهد بمساءلته، ويصون الودّ من غير أن يحجب مواضع المراجعة؛ فلكِ عرفانٌ بمقدار ما أغنيتِ المعنى، وامتنانٌ بمقدار ما وسّعتِ أفق الحوار، وتحيةٌ لقلمٍ جعل من القراءة ضيافةً للفكر، ومن النقد صحبةً تزداد بها الكلمة وعيًا، ويزداد بها صاحبها بصيرةً ومسؤولية.
لا تبلغ الكتابة تمامَ حياتها ساعةَ يفرغ صاحبها منها؛ ففي آخر السطر بابٌ لا يملك الكاتب وحده مفتاحه، ووراء الحبر بقيةٌ من المعنى تنتظر عينًا تعرف كيف تراها. وقد يخرج النص من يد صاحبه محكم العبارة، واضح المقصد، ثم يجيئه قارئٌ بصير فيكشف له أن وضوحه كان يحجب سؤالًا، وأن إحكامه ترك في النسيج فرجةً يتنفّس منها معنى آخر. هنالك يتعلّم الكاتب أن ما كتبه أوسع من نيّته، وأن للكلمات، حين تدخل ضمير القراءة، مصائرَ لا تستأذنه في بلوغها. ومن هذا المقام الرفيع تلقيتُ قراءتكِ، إذ أعدتِ إليّ مقالتي وفي ملامحها شيءٌ أعرفه، وفي أعماقها شيءٌ لم أكن قد أبصرته، فكان عرفاني بكِ عرفانَ من وجد في مرآةٍ صافيةٍ وجهَه، ووجد معها القدرة على احتمال ما تكشفه المرآة.
لقد قرأتُ «بيتٌ بلا حرّاس، وعتبةٌ بلا أقفال» وأنا أتنقّل بين سرور المحتفى به ويقظة المسؤول عمّا كتب. وكلما أغراني جمال عبارتكِ بأن أستريح إلى الثناء، ردّتني دقة ملاحظتكِ إلى موضعٍ يستحق المراجعة؛ وكلما هممتُ أن أستقبل اعتراضًا بما ألفه الكتّاب من دفاعٍ عن مقاصدهم، وجدتُ في إنصافكِ ما يجعل الدفاع أقل إغراءً من الفهم. تلك منزلةٌ عزيزةٌ في النقد: أن يشعر صاحب النص بأن كرامته مصونة، فيما تبقى أحكامه معروضةً على السؤال. وقد بلغتِ هذه المنزلة بجهدٍ ظاهرٍ في بناء قراءتكِ، وخفيٍّ في الأناة التي اقتضاها ذلك البناء؛ فلكِ من الشكر ما يتّجه إلى الوقت المبذول، ومن التقدير ما ينحني أمام العقل الذي عرف كيف يجعل من ذلك الوقت معرفةً مضيئة.
وأول ما استوقفني أنكِ لم تجمعي مقالةً وتقديمًا وردًّا في ترتيبٍ سرديٍّ يكتفي بما وقع، بل أصغيتِ إلى ما تحوّل بينها. رأيتِ الفكرة وهي تغادر انفرادها، وتتعرّض لكرم التأويل وصرامة السؤال، ثم تعود إلى صاحبها وقد خفّت عنها صلابةُ الحكم، وازدادت مسؤوليتها عن معناها. وبذلك كشفتِ أن الحدث الأهم في هذا اللقاء كان ما أصاب طرائق النظر نفسها؛ فالقضية التي بدأت في صورة احتجاجٍ على فوضى النشر صارت امتحانًا لقدرتنا على الاختلاف، وعلى حماية المبدأ من التعميم الذي قد يُضعفه وهو يظن أنه ينصره.
وإنني لأقدّر في قراءتكِ هذا الإنصاف الذي لا يكتفي بتوزيع عبارات التقدير، وإنما يذهب إلى الموضع الذي يختلط فيه الصواب بحدوده. فقد حفظتِ لقلقي على الكلمة صدقَه، ثم سألتِ عمّا فعلته حرارة القلق باللغة التي عبّرتُ بها عنه. وتلك مساءلةٌ بلغت منّي موضعًا عميقًا؛ إذ يسهل على الكاتب أن يحتجّ بسلامة غايته، ويشقّ عليه أن يرى كيف قد تُجحف عبارته بمن لم يقصد الإجحاف بهم. لقد كنتُ أنظر إلى زحام المنشور، فأريتِني الوجوه التي حجبها الزحام؛ وكنتُ أسأل عمّا يدخل البيت، فأعدتِ إلى السؤال حقَّ الواقفين خارجه: صاحب الموهبة الذي لم يجد سبيلًا، والكاتب الذي لم تمنحه الجغرافيا قربًا من المنابر، والصوت الذي تأخّر وصوله لأن أحدًا لم يُحسن الإصغاء إليه.
هنا أصابت قراءتكِ موضع الحنين من مقالي. فالذاكرة، حين تخاف على ما تحب، قد تُحسن تلميع ما مضى أكثر مما تُحسن محاسبته. تستبقي من زمن الأبواب ما مرّ عبرها من أدبٍ جدير، ولا تقف طويلًا عند ما ردّته الأبواب وهو أهلٌ للعبور. وقد جعلتِني أرى أن صورة الحارس، على ما فيها من طمأنينة، تحتاج بدورها إلى من يسائلها: ماذا يحرس؟ وبأي معرفةٍ يميّز؟ وأيُّ حقٍّ يمنحه اطمئنانه إلى ذائقته في أن يجعلها قدرًا نهائيًّا لذائقة الآخرين؟ إن الكلمة التي ندافع عن حرمتها تستحق منّا أن نتنبّه أيضًا إلى الظلم الذي قد يقع باسم حمايتها.
ومع ذلك، فقد أحسنتِ حين لم تتركي القلق الأصلي يضيع تحت جمال المراجعة. بقي في قراءتكِ متّسعٌ للاعتراف بأن التوسّع في إمكان النشر لا يُغني عن مشقّة الكتابة، وأن احترام حق الصوت في الظهور يحمّله، في الوقت نفسه، مسؤولية ما يُظهر. ومن هذا التوازن أستعيد ما أردتُ الدفاع عنه بعبارةٍ أدق: لا أريد لمبتدئٍ أن يُحرم فرصته لأنه لم يبلغ النضج، وأريد له أن يعرف أن النضج عملٌ ينتظره؛ ولا أريد لخطأٍ أن يصير وصمةً على صاحبه، وأرفض أن يتحوّل التساهل معه إلى مذهبٍ يستغني عن التعلّم. فالموهبة التي نرحّب بها تستحق أن نأخذها مأخذ الجد، ومن الجدية أن نصارحها بما يعينها على أن تكون أقدر على الوفاء بوعدها.
وفي هذا الموضع يزداد حضور الأديب الناقد عبد الرحمن بوطيب في وجداني وضوحًا. لقد استقبل مقالتي بما أتاح لقلقها أن يُسمع، ثم نقلها إلى فسحةٍ تستطيع فيها أن تتأمّل نفسها. وأنتِ، بتتبّعكِ الدقيق لصنيعه، أظهرتِ ما في هذا الاستقبال من معرفةٍ بأخلاق الحوار؛ فالمعارضة التي تبدأ بإهدار الدافع قد تدفع صاحبها إلى الاحتماء بحكمه، أما القراءة التي تفهم منشأ الخوف فتمنحه القدرة على أن يخرج من حصنه. وقد فعل الأستاذ بوطيب ذلك حين رأى وراء حدّة المقال محبّةً للكلمة تحتاج إلى سعةٍ في التعبير عن نفسها.
وما أجمل التفاتكِ إلى الواو في عنوانه: «حين تتسع فضاءات الكتابة وتكبر الحاجة إلى الجودة». لقد أوقفتِ النظر عند حرفٍ صغير، فإذا به يحمل وجهةً كاملةً في التفكير. جمع الاتساع والحاجة في سياقٍ واحد، فأصبح ما كنتُ أراه سببًا للفزع داعيًا إلى مضاعفة العمل. وهذه دقةٌ أشكر لكِ كشفها، مثلما أشكر له إحسان صوغها؛ إذ نقلت القضية من التبرّم بكثرة القادمين إلى التفكير فيما ينبغي أن نهيّئه لهم وللقراء من معرفةٍ ومرافقةٍ وتمييز. وهكذا وجدتني أمام ناقدٍ أحسن فتح الطريق، وقارئةٍ أحسنت إنارة منعطفاته؛ وبين الفتح والإنارة اتّسع المجال أمام النص كي يُراجع موقعه.
أما حديثكِ عن الضمائر في ردّي، فقد جعلني أتأمّل كيف يترك الإصغاء أثره في هيئة الكلام قبل أن يستقرّ في خلاصته. في المقالة الأولى كانت وجوهٌ كثيرةٌ غائبةً وراء عباراتٍ جامعة، وفي الرد حضر المخاطَب باسمه ومقامه، وحضرت الأنا وهي تعترف بحدود نظرها. لا أزعم أنني رتّبتُ هذا التحوّل على وعيٍ بكل دلالاته، ولعل هذا ما زاد قراءتكِ عندي قيمة؛ فقد التقطتِ من صنيع العبارة ما لم أضع له اسمًا ساعة الكتابة. حين نجلس إلى إنسانٍ نُصغي إليه تتغيّر مسؤوليتنا عن النبرة؛ يصير للكلمة وجهٌ تتّجه إليه، ويصير علينا أن نحتمل جوابها. وقد رأيتِ هذا التغيّر في النحو، ثم أعدتِه إليّ معنىً جديرًا بأن أتعلّمه وأحرسه.
وأقدّر، بالقدر نفسه، اعتراضكِ على ما كاد الرد يستسلم له من صفاء الموافقة. ففي الامتنان غوايةٌ دقيقة؛ قد يبلغ من نفس الكاتب أن يستعذب ما فتحته القراءة حتى يطوي، حياءً أو محبّةً، ما بقي عنده من تحفظ. وقد نبّهتِني إلى أن الوفاء للحوار يقتضي أن يظلّ فيه للخلاف الناضج مكان. ما زلتُ أخشى استسهال العبارة، وإهمال المراجعة، وطلب الاعتراف قبل بذل حقّ الصنعة؛ غير أنني أريد لهذا الخوف أن يثمر اقتراحًا، وأن يعرف الأسماء الدقيقة لما يعترض عليه، وأن يتحرّى العدل فيمن يتوجّه إليهم. فالنبرة الهادئة لا تُعفينا من الحسم حيث يلزم، كما أن الحسم لا يمنحنا عذرًا للتعميم.
وقد لامستِ في ملاحظتكِ على تكرار «ليس… بل» شأنًا يتجاوز الحيلة الأسلوبية إلى طبيعة علاقتي بالتعبير. فالكاتب قد يُكثر من صيغةٍ لأنها تُشعره بالقدرة على إحكام الفروق، ثم تصبح، من فرط ألفته بها، طريقًا يسلكه قبل أن يسأل عن الطرق الأخرى. وحين تنبّهينه إلى ذلك تعيدين إليه حرية الاختيار داخل لغته. لهذا تلقيتُ ملاحظتكِ بمحبةٍ جادة؛ إذ لا يستقيم أن نطالب الآخرين بالصقل ثم نضيق بمن يدلّنا على موضعٍ يحتاج إلى صقلٍ في كلامنا. والجودة التي أدافع عنها أَولى أن تبدأ من مساءلة عبارتي، ومن استعداد يدي إلى محو ما اطمأنّت إليه عيني أكثر مما ينبغي.
ثم جاءت أسئلتكِ المفتوحة لتمنع الحوار من أن ينام على وسادة التوافق. سؤال الجودة، وسؤال الحارس الجديد، وسؤال مَن يحمل كلفة المرافقة؛ أسئلةٌ تمنح المعنى ثقله بعد أن نطمئن إلى جماله. ولقد أصبتِ حين أخرجتِ «الجودة» من مقام اللفظة التي يتفق الجميع على إجلالها إلى مقام المفهوم الذي ينبغي أن نكشف عن معاييره. فما أيسر أن نرفع ميزانًا في الكلام، وما أعسر أن نبيّن ممّ صُنعت كفّتاه. وأجدني مدعوًّا، بعد قراءتكِ، إلى مزيدٍ من التحديد كلما حكمتُ: أين اضطرب البناء؟ وأين قصرت العبارة عن غايتها؟ وما الذي أنسبه إلى خللٍ في الصنعة، وما الذي يعود إلى اختلافٍ مشروعٍ في الذوق والرؤية؟ بهذا التحديد يملك الكاتب أن يناقش، ويملك الناقد أن يعلّل، ويبقى الحكم قابلًا للفحص بدل أن يستمدّ سلطته من نبرته.
وكذلك كان سؤالكِ عن «الحارس الجديد» استدراكًا على الصورة التي حكمت مقالتي. فقد دفعتِ النظر إلى ما وراء العتبة: إلى مصير النص بعد نشره، وإلى الفارق بين أن يكون موجودًا وأن تتاح له فرصةٌ عادلةٌ ليُرى ويُقرأ. وأتلقّى هذا السؤال بوصفه دعوةً إلى توسيع البحث، حتى لا نظلّ نناقش مفاتيح بابٍ قديم فيما تتشكّل وجوهٌ أخرى للتحكّم في مدى وصول الكلام. ففي اقتراحكِ ما يردّ على الكاتب مسؤوليته عن زمنه؛ أن يعرف موضع القضية التي يناقشها، وأن ينتبه إلى ما تغيّر من شروطها بينما ظلّت صورته عنها ثابتة.
ولسؤالكِ عن تمويل المرافقة وقعٌ خاص؛ لأنه يمتحن صدق ما نحب أن نقوله عن احتضان المواهب. ما أجمل أن ندعو إلى قارئٍ صبور، ومحرّرٍ متأنٍّ، وناقدٍ يهب التجربة الناشئة من علمه ووقته؛ لكن لهذه الأعمال عمرًا يُنفق، وجهدًا يُبذل، وحقًّا ينبغي الاعتراف به. وإذا تركناها معلّقةً دائمًا بكرم الأفراد، بقينا نطلب من المحبة أن تؤدي وحدها ما يحتاج إلى تدبيرٍ واستمرار. لقد أعدتِ بهذا السؤال الجسرَ الذي احتفينا بصورته إلى الأرض التي يجب أن يقوم عليها، وسألتِ عن الذين يبنونه، وعن قدرتهم على إتمامه. وتلك إضافةٌ تمنح الحوار جدّيته، وتمنع بلاغتنا من أن تصبح بديلًا عن العمل.
الدكتورة آمال بن الطاهر، إن أجمل الثناء على قراءتكِ أن أُقرّ بما أحدثته في قراءتي لنفسي. فقد منحتِني فرصةً أرى فيها كيف يتجاور صدق الغيرة مع احتمال الخطأ، وكيف يستطيع الكاتب أن يصون أصل فكرته وهو يغيّر بعض الطريق إليها. وفي مقالتكِ تتآزر رهافة الشاعرة مع أناة الباحثة وبصيرة الناقدة؛ الصورة عندكِ تكشف، والتفصيل يشهد، والاعتراض يعرف أين يقف حتى يبلغ المعنى من غير أن يطغى عليه. ولهذا فإن تقديري لجهدكِ يتجاوز جمال ما قيل عنّي إلى قيمة ما تعلّمته منه؛ وما يتعلّمه المرء من قراءةٍ منصفةٍ أبقى في نفسه من سرورٍ عابرٍ بعبارة مديح.
وللأستاذ عبد الرحمن بوطيب من هذا العرفان نصيبٌ أصيل؛ فقد أتاح للمقال أن يخرج من عزلته، وأن يُمتحن في رحابة لقاءٍ كريم. ثم جئتِ أنتِ، فقرأتِ اللقاء نفسه، وكشفتِ ما فيه من إمكانٍ يتجاوز مناسبته. وهكذا صار للنص أثرٌ في صاحبه لم يكن ليناله لو ظلّ يسمع صدى صوته وحده. وأحسب أن أبلغ تكريمٍ لهذا الجهد المشترك أن نحمل طريقته معنا: أن نتأنّى قبل الحكم، وأن نُحسن تسمية مواضع الاختلاف، وأن نترك في يقيننا منفذًا يدخل منه ما لم نكن نعرف.
أعود الآن إلى البيت الذي بدأتُ خائفًا عليه، فأراه على ضوء قراءتكِ أشدّ اتّساعًا وأكثر مطالبةً لي بالعمل. أرى العتبة، وأرى الذين ينتظرون عندها، وأرى في الداخل نصوصًا تحتاج إلى يدٍ خبيرة، ومواهبَ تحتاج إلى صبر، وقرّاءً يستحقون أن يُحترم وقتهم ووجدانهم. وأفهم أن نصيبي من الوفاء لهذا البيت يبدأ من قدرتي على أن أتعلم ممّن يدخله حاملًا مصباحًا. وقد دخلتِه، سيدتي، بقراءةٍ أنارت مواضع كنتُ أعدّها واضحة، وكشفت أن في الجدار الذي خشيتُ عليه نافذةً لم أنتبه إليها؛ فمن تلك النافذة جاء هذا العرفان، ومنها أطلّ على مقالتي الأولى بعينٍ أقلّ استعجالًا، وقلبٍ أوسع للحق حين يجيء على لسان سواي.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
2/11/2026
***************
بيتٌ بلا حرّاس، وعتبةٌ بلا أقفال قراءة في مقالة «فوضى النشر المعاصر» لطه دخل الله عبد الرحمن، وفي براعة عبد الرحمن بوطيب في تقديمها، وفي الردّ الذي أنجبه الحوار
آمال بن الطاهر
كاتبة وباحثة وناقدة وشاعرة مغربية
(Amal Ben Tahar)
2026 / 11 / 2
الادب والفن = الحوار المتمدن – موبايل = الموقع الرئيسي
مدخل: ثلاثة نصوص ومرآة واحدة
قلّما يتفق للنص الثقافي العربي أن يعيش حياته كاملةً في مرأى قرائه: أن يولد غاضبًا، ثم تُقبل عليه قراءةٌ تُصغي إلى غضبه قبل أن تحاكمه، ثم يعود صاحبه فيكتب ما يشبه السيرة الثانية لنصه الأول. هذا ما جرى في حلقة «أسابيع الرؤى الثقافية» السابعة: مقالةٌ تحتجّ، وقراءةٌ تتوسّط، وردٌّ يعترف. ثلاثة نصوص لا تتجاور بالمصادفة، بل تُشكّل مثلثًا نادرًا: الدعوى والتأويل والاستدراك.
وما يمنح هذا المثلث قيمةً تتجاوز موضوعه المباشر، وهو فوضى النشر، أنه يمارس في بنيته ما تتحدث عنه المقالة في مضمونها. فالمقالة تشكو غياب الوسيط، وتأتي القراءة فتكون هي الوسيط، ويأتي الرد فيشهد على أن الوساطة تُثمر. هكذا يغدو الحوار برهانًا عمليًا على أن بين الحراسة والفوضى طريقًا ثالثًا لم تسمّه المقالة، وسمّته القراءة، وسكنه الرد.
أقرأ النصوص الثلاثة بثلاث عيون: عينٌ تتأمل بلاغة الاحتجاج، وعينٌ تتأمل فنّ التقديم، وعينٌ تتأمل أخلاق الاعتراف. ثم أترك للقارئ ما لم يحسمه الحوار من أسئلة، لأن النصوص الكبيرة تُعرف بما تفتحه أكثر مما تغلقه.
أولًا: مرثية الباب — في بلاغة الاحتجاج
تبني مقالة طه دخل الله عبد الرحمن صرحها على ثنائية قديمة قِدم الخطاب الثقافي نفسه: ماضٍ كانت فيه الكلمة محروسة، وحاضرٌ سقطت فيه الأسوار. ومعجمها شاهدٌ على ذلك: السيول، والزحام، والعاصفة، والحابل والنابل، والغثّ والسمين. إنه معجم الطوفان، حيث الكثرة ليست عددًا بل خطرًا، وحيث الماء، وهو رمز الحياة، ينقلب كارثةً متى جاوز مجراه. وفي مقابله معجم البيت: الحارس، والدخلاء، والصقل، والانتقاء. بهذين المعجمين يُقيم النص مسرحه: بيتٌ ثقافي أمام طوفان. ولا مِراء في أن الصورة محكمة بلاغيًا، فهي تختزل قلقًا حقيقيًا في مشهدٍ يفهمه كل قارئ من أول نظرة.
أما الإيقاع فهو إيقاع الخطيب لا الجليس: جملٌ قصيرة متراصّة تتعاقب بالواو، «انقلبت الموازين، وتغيرت المفاهيم، وغدا...»، كأنها طرقاتٌ متلاحقة على بابٍ موصد. ولهذا الإيقاع فضيلته، فهو يمنح النص حرارة الشهادة. غير أن له ثمنه أيضًا؛ فالفاعلون في المقالة بلا وجوه: «كل صاحب قلم»، «كل مُمسك بهاتف»، «من هبّ ودبّ». جمعٌ مجهول يُدان ولا يُسأل، وغائبٌ يُحاكَم ولا يُخاطَب. وهنا بالضبط ستجد القراءة اللاحقة موضع عملها.
ولعل من طرائف البلاغة أن مقالةً تحذّر من إنهاك اللغة تتكئ في غير موضع على عباراتٍ أنهكها الاستعمال. وليس القصد الغمز، فالصيغ الموروثة تُدخل النص في سلالة الخطباء وتمنحه سلطة الأسلاف، وهو اختيار أسلوبي مفهوم. لكنه يكشف أن الحنين لا يتكلم إلا بلغة الماضي، وأن قلق الجودة، ما دام يستعير الجاهز من التعابير، يتعرض لشيءٍ مما يشكو منه. وفي هذا درسٌ لكل كاتب غيور: أصعب الجودة جودةُ العبارة التي ندافع بها عن الجودة.
وثمة سؤالٌ اجتماعي تحمله المقالة دون أن تطرحه: تلك الحواجز التي «كانت تحمي ساحة الثقافة»، تحمي مَن، ومِن مَن؟ لقد صانت الجودة فعلًا في أزمنة كثيرة، لكنها صانت أيضًا صمتَ مَن لا يملكون مفاتيح الباب: ابنة القرية، والكاتب الذي لا يسكن العاصمة، وصاحب الموهبة الذي لم يجد وسيطًا. وذاكرة الحنين انتقائية بطبعها؛ إنها تحتفظ بالقصائد التي نُشرت وتنسى التي لم تجد ناشرًا. ومن الإنصاف أن نقول إن الكاتب لم يغفل هذا عن سوء نية، بل عن حرارة اندفاع.
ومع ذلك تنطوي المقالة على مفارقةٍ لا تُعاب بل تُكرَّم: إنها تحتجّ على الفضاء المفتوح من داخل الفضاء المفتوح. فلو كان صاحبها يريد إغلاق الباب حقًّا لما أرسل نصّه عبره. والأرجح أنه لا يريد إغلاقه، بل يريد أن يعرف ماذا يدخل منه. وعلى هذا الفهم تتحول المرثية إلى ما هي عليه في جوهرها: عتابُ محبٍّ لا حكمُ قاضٍ. وتبلغ ذروتها في الخاتمة حين تنتقل من الاتهام إلى الأخلاق: «الكلمة أمانة»؛ فتسقط الأسوار من النص نفسه، ويبقى الضمير وحده في ساحة الحُكم.
ثانيًا: فنّ التقديم — براعة عبد الرحمن بوطيب
تقديم نصٍّ غاضب ليس عملًا بريئًا؛ فالمقدِّم إما أن يكون صدًى يضاعف الصوت، أو خصمًا يتربص بالثغرات، أو مضيفًا يُجلس النص في بيته ويسأله عمّا في صدره. وقد اختار عبد الرحمن بوطيب المقام الثالث، وهو أصعبها، لأنه يطلب من الناقد أن يكون كريمًا وصارمًا في آن.
يبدأ الأمر من العنوان: «حين تتسع فضاءات الكتابة وتكبر الحاجة إلى الجودة». لاحظوا أن الاتساع والحاجة معطوفان بالواو، لا متقابلان بـ«لكن». النحو هنا موقفٌ أخلاقي: لقد سحب العنوان من الثنائية عداءها قبل أن يبدأ الكلام. فليست الجودة خصم الكثرة، بل هي حاجةٌ تنمو معها. وبهذه الواو الصغيرة قلب الناقد ميزان المعركة دون أن يرفع صوته.
ثم تأتي عبارته المفتاح: «انشغالٌ نتفهم دوافعه». وهي عند أهل التأويل ما يُعرف بإحسان الظن بالنص: أن يبدأ القارئ بسؤال «لماذا» قبل سؤال «هل هذا صحيح؟». فالأحكام الحادة لا تُفهم إلا من خوفٍ يسكنها، وقد أنصت الناقد إلى الخوف قبل أن يفحص الحكم. ومن هنا جاء تقديمه تحليلًا لا حكمًا؛ إذ رأى في المقالة ما لم تقله صراحةً: أن غضبها حبٌّ لم يجد لغته.
وأجمل ما صنعه بوطيب أنه لم يهدم الاستعارة المركزية، بل حوّلها. فالناقد الذي يهدم صورةً يخسر صاحبها، أما الذي يحوّلها فيربحه. لقد قبل صورة «حارس البيت الثقافي»، ثم سأل: وماذا لو كان الحارس جسرًا؟ وماذا لو كانت الوظيفة النبيلة لدار النشر مرافقةَ الكاتب لا منعَه؟ وبذلك انتقلت الصورة من الباب إلى المعبر، ومن المنع إلى العبور، وبقي الاحترام للأصل كاملًا. هذه هي صناعة الناقد الكبير: أن يغيّر معنى الكلمة دون أن يُشعر صاحبها بأنه خسر شيئًا.
وفي منتصف القراءة يصوغ ثلاثة أسئلة متوازية تبدأ بـ«كيف»: كيف نساعد النصوص على أن تجد قراءها، وكيف نمنح التجارب الجادة فرصتها، وكيف نميّز بين إتاحة الكتابة وتحقق القيمة فيها. ليس هذا زخرفًا؛ إنه تحويلٌ للحُكم إلى سؤال، وللإدانة إلى برنامج عمل. فصيغة الاستفهام هنا أخلاقٌ في هيئة نحو: هي تقول للمخالف إن الباب لم يُغلق بعد.
أما أبلغ ما في الحلقة فهو الحلقة نفسها. ذلك أن «أسابيع الرؤى الثقافية»، بإعدادها وإدارتها وضيفها وأسبوعيتها، هي الجواب العملي عن المقالة: منصةٌ تمارس ما كانت دور النشر تفعله في أحسن أحوالها، أي الاختيار والمرافقة والتقديم. وهكذا لا يكتفي بوطيب بأن يجادل المقالة بالحجة، بل يجادلها بالمثال. إن القارئ الذي يرى في الحلقة السابعة قراءةً تمشي بين نصٍّ وردّه، يدرك أن بين «الحارس» و«الطوفان» ثالثًا ثالثًا هو «المُحتضِن»، وأنه موجود منذ بدأت الحلقات.
ويبقى لي على هذه البراعة ملاحظةٌ يقتضيها الإنصاف، وهي ما تقتضيه القراءة النقدية حقًّا. فحين يعدّد الناقد الأطراف المسؤولة: التعليم والمؤسسات الثقافية ودور النشر والنقاد والكتاب ومنصات التداول والقراء، يصوغ مسؤوليةً مشتركة جميلة في معناها، لكنها مخاطِرة في وظيفتها؛ فالمسؤولية الموزعة على الجميع قد تصير مسؤوليةً لا يحملها أحد. وثمة سؤالان تركتهما القراءة معلّقين: مَن يملك سلطة التوجيه اليوم في ظل منصات تُكافئ السرعة؟ ومَن يموّل المرافقة التي تدعو إليها؟ ولعلها أسئلة تنتظر حلقاتٍ قادمة.
ثالثًا: بلاغة الاعتراف — في ردّ طه دخل الله عبد الرحمن
يفتتح الرد بنظرية في القراءة لا بدفاع عن النفس: «للكلمة حياتان». وهذا اختيار بليغ؛ فالكاتب الذي يجيب ناقده بأن يعرّف أولًا وظيفة الناقد، يضع الحوار في أعلى مقامه قبل أن يدخله. ثم تأتي الصورة الثانية، المرآة التي «لا تجامل ولا تشوه»، فيكتمل المعنى: ليست القراءة مديحًا ولا هدمًا، بل نظرٌ يردّ إلى الكاتب ما فاته من صورته. وبهذين التشبيهين، النبع والمرآة، يؤسس النص عقدًا جديدًا بين الكاتب وقرائه، قبل أن يقول كلمة واحدة في موضوع النشر.
وأدق ما في الرد، في ظني، ليس معجمه بل نحوه، أعني نحو الضمائر. المقالة الأولى تتكلم عن ناس بصيغة الغائب: «كل صاحب قلم»، «كل ممسك بهاتف»، «من هبّ ودبّ». أما الرد فيتكلم إلى شخص بصيغة المخاطب، ويسميه، ويقول «أستاذي»، وتدخل فيه «الأنا» فاعلةً تراجع نفسها: «أرى»، «أدرك»، «أحسب». وهذا الانتقال من الغائب المتهم إلى المخاطَب المحاور هو الحدث الحقيقي في الرد؛ إنه الانتقال من منبر الخطيب إلى مجلس الجليس. وكأن الكاتب كتب اعتذاره الأسلوبي قبل أن يكتب اعتذاره الفكري: عدّل نبرته، فعدّل رأيه.
ثم إن الرد لا يكتفي بقبول صورة الجسر التي أهداها بوطيب، بل يعمّق السؤال الذي لم تطرحه المقالة الأولى: «لمن هذا البيت؟». وهنا يتجاوز الكاتب نفسه؛ فإذا كان الحارس يسأل «من يدخل؟»، فإن السؤال الأرفع هو «لأجل ماذا نحرس؟». ومن هذا المنعطف تتحول الحراسة من وقوفٍ عند العتبة إلى عملٍ في الداخل: قراءة تميّز، ومراجعة تصلح، ومرافقة لا تتعجل الثمرة. إنها واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يخرج فيها المفهوم من حوار أكبر وأنضج مما دخل.
وفي الرد جملةٌ تستحق أن تُعلَّق على جدار كل ناقد وكل كاتب: أن التراجع عن التعميم ليس تراجعًا عن المبدأ. فيها فصلٌ دقيق بين ما نؤمن به وكيف نعبّر عنه، وبين شرف القصد وصواب الحكم؛ وهي، قبل ذلك، شجاعةٌ أندر من شجاعة الهجوم، لأن الهجوم يحميك من الاعتراف أما الاعتراف فيكشفك للجميع. وقد قدّمه الكاتب بغير ارتباك، فبدا أقوى مما كان.
غير أن للقراءة النقدية حقًّا لا تتخلى عنه حتى أمام النصوص التي تحب، وهذا بعض حقها. فالرد، وقد بلغ هذا المبلغ من الصفاء، يكاد لا يترك للخلاف أثرًا؛ إنه يوافق في كل منعطف تقريبًا، فتتحول أخلاق الحوار إلى ما يشبه الإجماع الجميل. والإجماع، مهما حسُن، يُخفي أحيانًا ما بقي حيًّا في الحجة الأولى. فمن الحقائق التي حملتها المقالة، وأحسب أنها لا تزال قائمة، أن الأخطاء اللغوية والركاكة وغياب التحرير ظواهر واقعة لا تُحل بتغيير النبرة. والرد يعلن ذلك في جملة واحدة: «ما زلت أخشى». لكن هذه الجملة تستحق مساحة أوسع، لأنها هي ما بقي من الدعوى بعد أن هدأ الجدل.
وثمة ملاحظة أخيرة في الأسلوب: تتكرر في الرد بنية «ليس... بل» تكرارًا يقارب أن يكون سمةً توقيعية. وهي بنية بديعة تُظهر الدقة وتنفي الالتباس، لكن كثرتها تُحدث رتابة خفية، كمن يمشي على إيقاع واحد في طريق طويل. ولو تنوعت صيغ الإثبات والنفي لازداد النص رحابة، ولكن هذا يظل شأنَ ذوق وجمالٍ لا شأن حقيقة.
رابعًا: الجوقة — في صدى التعليقات
في المسرح الإغريقي جوقةٌ تقف على جانب الخشبة، تردد ما جرى وتكشف بسلوكها ما فهمه الجمهور. وفي هذه الحلقة جوقتها التعليقات، وهي تقول شيئًا يستحق التأمل. يكتب أحد المعلّقين أن على المواقع والمجموعات أن تقوم بما كانت تقوم به دور النشر في غربلة المنتوج الجيد. وفي ذلك، دون قصد، عودةٌ إلى الحارس من الباب الخلفي: تغيّر الاسم والعنوان وبقيت الوظيفة. وبعده يسأل آخر عن المسؤول عن التدهور، فيعود السؤال إلى صيغته الأولى، «من الجاني؟»، وكأن الحوار الذي نقل السؤال من «من المتهم؟» إلى «كيف نبني؟» لم يبلغه.
وليس في هذا ما يحط من أحد؛ فالتعليقات سريعة بطبيعتها، وهي تعبّر عن رد فعل أول لا عن قراءة ثانية. لكنها تكشف درسًا عن الحوارات الجيدة: أنها أبطأ انتشارًا من الاتهامات، وأن أنفع ما فيها هو أقلّه عدوى. وهذا بالتحديد ما يجعل صنيع بوطيب ورده الكريم أمرًا يستحق أن يُرسَّخ: لأن نقيضه هو الرد التلقائي الذي تعيده الجوقة بلا تفكير.
خامسًا: أسئلة لم يحسمها الحوار
أولها سؤال الجودة نفسه. فالمقالة والقراءة والرد تتكلم جميعًا عن الجودة والذائقة والقيمة الأدبية، وكأنها مفاهيم متفق عليها بين الجميع. لكن الذائقة بنت التربية والطبقة والمكان، وما يبدو «سليمًا» في عين قارئ قد يبدو «متكلفًا» في عين غيره. وقد حاولت القراءة أن تقول إن لكل كاتب صوته ولكل نص منطقه، وهذا صحيح، لكنه لا يجيب عن السؤال: من يقرر، وبأي ميزان، وباسم أي جماعة؟ إن الحوار الذي أقام ميزانًا للنبرة لم يقم ميزانًا للقيمة، وربما كان هذا هو المبحث الذي ينتظره الجيل القادم من النقاد.
وثانيها سؤال الحارس الجديد. فالحارس لم يختفِ كما زعمت المقالة، بل غيّر وجهه. لم تعد دار النشر هي التي تقرر ما يُرى وما لا يُرى، بل خوارزمية لا تقرأ ولا تتذوق، تكافئ ما يُشاهَد سريعًا وما يُشارَك فورًا. فالسؤال الذي يطرحه عصرنا ليس «هل نحرس؟» بل «من يحرس، وبأي معيار، ولمصلحة من؟». وقد دار الحوار كله حول حارسٍ بشري قديم، وبقي الحارس الجديد خارج الصورة، يؤدي عمله بصمت. وأحسب أن أي نقدٍ ثقافي يريد أن يكون جديرًا بزمنه لا بد أن يضع هذا الحارس في صدر السؤال.
وثالثها سؤال مَن يموّل المرافقة. فكلنا يريد ناقدًا يرافق الكاتب ومحررًا يصغي إليه، لكن الإصغاء وقتٌ، والوقت مال. ومن دون اقتصاد ثقافي يعترف بقيمة هذا العمل، تصبح المرافقة هدية يقدمها المتطوعون لا مؤسسة تقوم عليها الثقافة. وهي أسئلة لا تُحرج الحوار، بل تكمله.
خاتمة: ما يبقى
إذا سألنا ما الذي يبقى من هذه الحلقة بعد أن يهدأ ضجيج المنصات، قلنا: لا الاتفاق، فالاتفاق ينتهي بانتهاء الجلسة، بل الطريقة. بقيت طريقة في الاحتجاج تُجيز للغضب أن يكون عتابًا، وطريقة في التقديم تجعل الناقد مضيفًا لا خصمًا، وطريقة في الرد تعلّم الكاتب أن التراجع عن التعميم ليس انكسارًا.
وفي هذا المثلث شيءٌ من الوفاء العميق للكلمة: أن نحميها من دون أن نحبسها، وأن نسائلها من دون أن ندينها، وأن نرافقها من دون أن نتعجل ثمرتها. لقد أحسن طه دخل الله عبد الرحمن حين كتب من خوفه، وأحسن أكثر حين عاد فراجع خوفه. وأحسن عبد الرحمن بوطيب حين جعل من التقديم عملًا نقديًّا، ومن الضيافة منهجًا، ومن الحلقة السابعة برهانًا صغيرًا على أن الفضاء الثقافي العربي يستطيع، إن أراد، أن يكون بيتًا بلا حرّاس ولا فوضى: بيتًا فيه من يرحّب بالقادم، ومن يصغي، ومن يقول بصدق: هنا وُفِّقتَ، وهنا ينتظرك عمل.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية تأويلية بعنوان «ما يحرسه الصديق حين تغيب الوجوه» ...
- قراءة نقدية بعنوان: بلاغة التماهي وتحولات المكان في نشيد الا ...
- حين تتآخى البصيرةُ والبيان: حوارُ الوفاء وأمانةُ التأويل بين ...
- قراءة نقدية حوارية في «الوجود حين يسكن الصدر» للناقدة التونس ...
- قراءة نقدية في مادة -الورقة الإبداعية الذاتية- للدكتورة آمال ...
- مرايا التأويل: قراءةٌ على قراءة الدكتور محمد ميموني ومساءلةُ ...
- حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى
- دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جلي ...
- حوار خاص عن الام مع الدكتورة سلوى الفيلالي منتدى شعاع للأدبا ...
- منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحا ...
- قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض ...
- قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته ...
- استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1 ...
- استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
- النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...


المزيد.....




- حلم الحج والمنفى الفلسطيني في أول اختيارات مهرجان روتردام ال ...
- -أرض اللبان- ينقل حكاية التراث العُماني إلى جمهور سانت بطرسب ...
- باولو فونسيكا يقترب من تولي القيادة الفنية لنادي سبورتينغ لش ...
- -بطاقة بوشكين- تحقق للمكتبات الروسية مبيعات تتجاوز مليار روب ...
- في الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى: ثقافة المقاومة والأسئ ...
- آرسنال أرتيتا.. تحول استراتيجي يجمع بين الأناقة الفنية والصل ...
- صفحة من مصحف بغدادي نادر من القرن الرابع عشر في مزاد بلندن
- إصابة المخرج الأميركي مايكل مان بطلق ناري من طريق الخطأ
- جواز سفر عماني في مشهد للشعوذة يثير الجدل.. وسعيد الماروق يع ...
- -ولادة الإمبراطورية- يتصدر شباك التذاكر في روسيا ودول رابطة ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - حين يُضيء النقدُ ما وراء الحبر: إلى الدكتورة آمال بن الطاهرعرفانًا بقراءةٍ وسّعت بيت الكلمة