أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة نقدية حوارية في «الوجود حين يسكن الصدر» للناقدة التونسية جليلة المازني، حول مقولة المفكر فضيل حاج بن عدة حين يضيق اللانهائي ويتّسع الإنسان: الصدر بوصفه أفقًا لولادة المعنى















المزيد.....



قراءة نقدية حوارية في «الوجود حين يسكن الصدر» للناقدة التونسية جليلة المازني، حول مقولة المفكر فضيل حاج بن عدة حين يضيق اللانهائي ويتّسع الإنسان: الصدر بوصفه أفقًا لولادة المعنى


طه دخل الله عبد الرحمن

الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 07:54
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية حوارية في «الوجود حين يسكن الصدر» للناقدة التونسية جليلة المازني، حول مقولة المفكر فضيل حاج بن عدة
حين يضيق اللانهائي ويتّسع الإنسان: الصدر بوصفه أفقًا لولادة المعنى
ليس أجمل ما تصنعه الكلمة أن تشرح لنا العالم، بل أن تعيد إلينا دهشتنا به؛ وليس أعمق ما تصنعه القراءة أن تبلغ آخر العبارة، بل أن تكشف أن للعبارة أعماقًا لم تبلغها بعد. ثمة كلمات نمرّ بها كما نعبر طريقًا مألوفة، وثمة كلمات تستوقفنا حتى نشعر أننا، ونحن نقرؤها، نصبح موضعًا لقراءتها لنا. ومن هذا النسيج المكثّف تأتي مقولة فضيل حاج بن عدة: «نحن لسنا من وُلدنا في الوجود بل الوجود هو الذي ولد فينا حين ضاق بنفسه فجاء يسكن صدورنا ليتنفس». غير أن العبارة الموحية تحتاج، لكي تتفتح احتمالاتها، إلى عين تعرف كيف تنظر، وإلى حسّ نقدي لا يكتفي بالتقاط البريق، بل يتتبّع المنابع التي يتولّد منها الضوء.
وهنا ينبغي إنصاف الأستاذة جليلة المازني منذ البدء: لقد منحت هذه المقولة قراءة تستجيب لكثافتها، ولم تتعامل معها بوصفها حكمةً صالحة للاقتباس فحسب، وإنما بوصفها نواةً لمساءلة الإنسان والعالم والوعي والحرية. واستطاعت أن تنقلها من عزلة الومضة إلى رحابة الحوار، وأن تكشف في ألفاظها القليلة مسالك تتقاطع فيها الفلسفة بالشعر، والتجربة النفسية بالتطلّع الروحي، وسؤال المعرفة بمسؤولية الوجود. وهذه فضيلة نقدية لا تتحقق بكثرة المصطلحات، بل بالقدرة على رؤية ما يستحق السؤال، ثم منح ذلك السؤال لغةً ومساحةً وحياة.
وأحسب أن أجمل ما في قراءتها أنها لم تفصل جمال العبارة عن قلقها. فقد وقفت عند الصدر والضيق والتنفس والسكن، لا بوصفها مفردات تؤثّث الصورة، بل بوصفها مفاتيح لبنيتها العميقة. وبهذا أصابت موضعًا جوهريًا: فالفكرة هنا لا تسبق الصورة ثم تستعيرها للزينة؛ إنها تتكوّن في الصورة نفسها. لو استُبدل الصدر بالعقل، والتنفس بالإدراك، والسكن بالانعكاس، لبقي شيء من المعنى، ولكن لفتنا ذلك الارتعاش الذي يجعل الفلسفة خبرةً في الجسد، ويجعل السؤال قابلًا لأن يُحَسّ قبل أن يُحاط به تعريفًا.
ولذلك فإن الدخول في حوار مع قراءتها لا ينبغي أن يبدأ بتصحيحها كما لو كانت مجموعة أحكام مغلقة؛ فالقراءة التي تعرض احتمالات متعددة، ثم تترك للقارئ باب البحث والتأويل، تكون قد أعلنت بطريقتها أن المعنى ليس ملكًا خاصًا لأحد. والأولى أن نفهم ما تثيره من أسئلة بوصفه دعوة إلى الاستكمال. فإذا أضفنا تمييزًا، أو تحفّظنا على تعميم، أو وسّعنا وجهًا أخلاقيًا، فإننا نتحرك في الأفق الذي فتحته الأستاذة جليلة، لا خارجه. وتلك علامة القراءة المنتجة: أنها لا تطلب من قارئها أن يكرّر صوتها، بل تساعده على العثور على صوته في الحوار معها.
تبدأ المقولة بنفيٍ يهزّ المألوف: «نحن لسنا من وُلدنا في الوجود». وليس المراد، في القراءة المجازية، إنكار ولادة الإنسان في العالم، وإنما زحزحة الاطمئنان إلى أن هذه هي العلاقة كلها. ثم تأتي «بل» لتقلب جهة النظر: «الوجود هو الذي ولد فينا». وما أحسنت الناقدة التقاطه في هذا الانقلاب أنه يعيد للإنسان قيمة حضوره؛ فلا يعود مجرد نقطة تضيع في الامتداد، بل يصبح موضعًا ينكشف فيه الامتداد ويُسأل ويُعاش.
على أن هذا التكريم يبلغ صفاءه حين نميّز بين ولادة الموجودات وولادة معناها في التجربة. لا يلزم أن تكون النجمة قد انتظرت الإنسان كي تضيء؛ لكن ضوءها حين يدخل حياته قد يصبح هدايةً أو وحشةً أو ذكرى أو سؤالًا عن المصير. فالعالم لا يبدأ ماديًا من أعيننا، غير أن علاقتنا به تبدأ حيث نراه ونحسّه ونفكّر فيه. ومن هذه الجهة يصح أن نقول إن الوجود يولد فينا: لا لأنه كان عدمًا قبلنا، بل لأنه يصير، في لقائنا به، عالمًا معيشًا.
وهذا التمييز لا ينتقص من قراءة المازني، بل يحفظ لها مقصدها الأخصب. فهي نفسها تفتح مجالًا لفهم الإنسان بوصفه موضعًا لتجلّي معنى الوجود، من غير الجزم بأنه غاية الطبيعة. وهذه اللفتة تستحق الإشادة؛ لأنها تمنع الاحتفاء بالوعي من الانزلاق إلى ادّعاء أن الكون لا يملك قيمة إلا بمقدار ما يدخل في استعمال الإنسان أو إعجابه. فالكرامة التي ننشدها للإنسان لا تحتاج إلى إفقار ما عداه، كما أن اتساع صدره لا يتحقق بابتلاع اختلاف العالم.
ولعل أعمق ما في الصورة أن الوجود ليس شيئًا استولى عليه الإنسان؛ إنه القادم إليه. هو الذي ضاق، وهو الذي جاء، وهو الذي طلب السكن. ومن هنا تنشأ إمكانية قراءة لا تجعل الإنسان سيدًا متوّجًا، بل مضيفًا مؤتمنًا. والفرق بعيد بين السيادة والضيافة: فالسيد قد يطالب ما يملكه بأن يشبه إرادته، أما المضيف الحق فيهيّئ للضيف موضعًا يحفظ له اختلافه. وإذا كان الوجود ضيفًا في الصدر، فإن أول شروط استقباله أن نتخلّى عن وهم الإحاطة النهائية به.
لقد أبرزت الأستاذة جليلة مفارقة الضيق والاتساع إبرازًا موفقًا؛ فالكون الشاسع يضيق، والصدر المحدود يتّسع. غير أن هذه المفارقة لا تستنفدها مقابلة الكبير بالصغير. إنها تضعنا أمام تمييز أدق بين المساحة والرحابة: قد تكثر الأمكنة ولا نجد مأوى، وقد يصغي إلينا إنسان واحد فنشعر أن للحياة متّسعًا لم نكن نراه. ليست الرحابة طولًا وعرضًا، بل نوع العلاقة التي تسمح للشيء أو للإنسان بأن يحضر من غير أن يُطرَد أو يُمحى.
ومن هذا الباب يصير الصدر صورةً للذات وهي تُختبر بما تستقبل. إنه ليس جوفًا محايدًا نضع فيه العالم، بل موضع التحوّل المتبادل: فما يدخلنا يترك أثره، وما نلقاه يغيّر شيئًا في طريقة نظرنا. قد نصغي إلى حكاية فنخرج أقل يقينًا بأحكامنا، وقد نواجه ألمًا فينكشف لنا قصور معرفتنا، وقد نحب فيتّسع تعريفنا للحياة. فالذات لا تتسع لأنها تكدّس الخبرات، بل لأنها تسمح لبعض ما تلقاه بأن يعيد تشكيلها.
وهنا تتضح قيمة انتقال الناقدة من جمال الصورة إلى الحرية والمسؤولية. فذلك الانتقال ليس إضافة أخلاقية من خارج المقولة، وإنما استجابة لما تضمره صورة السكن نفسها. ما دام ثمة ضيف، فثمة أمانة؛ وما دام ثمة تنفّس، فثمة احتمال للاختناق. وليس السؤال إذن: ماذا يمنحنا الوجود حين يسكننا؟ بل أيضًا: ماذا نفعل نحن به حين يدخل في لغتنا وأحكامنا وأفعالنا؟
قد نجعل من الوعي نافذةً، وقد نجعله حصنًا. وقد نسمّي الأشياء لنتقرّب منها، أو نسمّيها لكي نستغني عن معرفتها. وما أكثر ما يختبئ ضيق الصدر وراء يقين اللغة؛ نُلصق بإنسان وصفًا واحدًا، ثم نحسب أننا عرفناه، ونردّ تجربةً معقّدة إلى حكم عاجل، ثم نظن أننا أنصفناها. ومن هنا لا تكون الحرية حقًا في الكلام وحده، بل مسؤولية عمّا تصنعه كلماتنا بإمكان حضور الآخرين.
غير أن الإنصاف الذي نطالب به في علاقتنا بالعالم يوجب إنصاف الإنسان المتعب أيضًا. فلا ينبغي أن تتحول دعوة اتساع الصدر إلى مطالبة بأن يحتمل المرء كل شيء، أو أن يجد في كل أذى معنى يبرّره. ثمة ضيق ينشأ من التعصّب، وثمة ضيق تصنعه المظلمة؛ وليس من العدل أن نعالج الثاني بالموعظة نفسها التي نواجه بها الأول. قد يحتاج الإنسان إلى من يوسّع له موضعًا آمنًا في الحياة قبل أن نطالبه بأن يوسّع صدره للوجود.
وكذلك لا يجوز أن نجعل الألم وقودًا جميلًا لتنفس الكون. فالإبداع الذي يخرج من المحنة لا يمنح المحنة شرعية، والقصيدة التي تقول الجرح لا تشكر السكين. وإذا كان الفن يستطيع أن ينتزع من المعاناة شهادةً، فإن واجب القراءة أن تحمي الفرق بين تحويل الألم إلى تعبير وتحويله إلى ضرورة. قيمة الإنسان ليست في مقدار ما يستطيع أن ينتج من جمال وهو يُسحق، بل في حقه ألّا يُسحق أصلًا.
وفي هذا كله تبدو قراءة المازني جديرة بالتقدير لأنها هيّأت للمقولة مجالًا يتجاوز الإعجاب البلاغي إلى سؤال المصير الإنساني. وحتى المجاورات التي اقترحتها مع آفاق روحية وفلسفية يمكن أن نقرأها بوصفها محاولات لتوسيع دائرة الإصغاء، لا لإغلاق العبارة داخل مدرسة بعينها. والأخصب أن تبقى هذه العلاقات جسورًا؛ فالجسر يصل بين ضفتين لأنه لا يلغي اختلافهما. وهكذا نحفظ للمقولة حريتها الشعرية، وللفلسفة دقتها، وللنصوص الدينية مقامها، من غير أن نمنع بينها الحوار.
أما الاستفسارات التي ختمت بها الأستاذة جليلة مقالتها، فهي ليست ذيلًا عارضًا على القراءة، بل من أجمل مواضع انفتاحها. فقد اختارت أن تصل سؤال الوعي بسؤال تعليم آدم الأسماء، وسؤال القيمة الإنسانية بسؤال التكريم، ثم تركت للمتلقي حق البحث. وهذه خاتمة تحترم القارئ؛ إذ لا تستعمل النص الديني لإسكات السؤال، بل تستدعيه إلى تأمل يحتاج إلى دقة بقدر حاجته إلى سعة أفق.
والجواب عن أول هذه الأسئلة أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ يقدّم المعرفة بوصفها تعليمًا إلهيًا، وقد تناول المفسرون المراد بالأسماء على أقوال متعددة. يورد الطبري اختلافهم في شمولها أسماء الموجودات أو تخصيصها بأسماء الملائكة والذرية، فيما يرجّح ابن كثير شمول التعليم أسماء الأشياء، ذواتها وصفاتها وأفعالها. ومن ثم فإن التفصيل الواسع الذي تستحضره المقالة له سند في التفسير، لكنه ليس القول الوحيد الذي يصح عرضه وكأنه لا يحتمل سواه.
ولا ينتقص هذا الاختلاف من الدلالة التي تتجه إليها الناقدة: فالعلم هنا موضع تشريف، وقد بيّن ابن كثير أن السياق يُظهر فضل آدم بما اختُص به من التعليم. لكن التشريف بالمعرفة لا يعني أن آدم خلق المسمّيات حين عرف أسماءها، ولا أن الموجودات تستمد حقيقتها من إدراكه لها. الأوضح أن نقول: إن التعليم كشف منزلة معرفية، لا أنه جعل الإنسان أصل الوجود. وبهذا التمييز نحتفظ بقوة المعنى من غير أن نحمّل الآية دعوى لم تنص عليها.
ويمكن، بعد ذلك، أن نتأمل التسمية في علاقتها بالحياة الإنسانية: فالاسم يسمح بالتمييز، ويهيّئ إمكان السؤال والتفاهم، ويدخل الموجود في شبكة من العلاقات التي نستطيع التعبير عنها. غير أن هذا تأمل في المعرفة وآثارها، وليس ادّعاء بأن الآية تقرّر نظرية فلسفية بعينها في اللغة. والاسم، مهما فتح لنا من أبواب الفهم، لا يستنفد المسمّى؛ فقد نعرف اسم الشجرة ولا نعرف ما يكفي عن حياتها، وقد نعرف اسم الإنسان ولا نعرف شيئًا يُعتدّ به من وجعه.
وهنا تلتقي التسمية بالمسؤولية التقاءً خصبًا: ليست القضية أن نملك أسماء أكثر فحسب، بل أن نكون أعدل فيما نسمّيه. فالمعرفة التي تزيد قدرتنا على التصنيف ولا تزيد استعدادنا للفهم قد تجعل العالم أوضح على الورق وأشدّ غربةً في الحياة. ولعل هذا من أعمق ما يمكن أن نضيفه إلى سؤال الأستاذة جليلة: إن كرامة المعرفة لا تظهر في سلطانها على الأشياء وحده، وإنما في مقدار ما تمنعنا من التبسيط الجائر والاختزال المتعسّف.
وأما آية التكريم، فهي تثبت كرامة بني آدم بنصها الصريح، ولكن من الضروري حفظ عبارتها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ثم ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. فالتعبير في هذا الموضع هو «على كثير»، وليس «على العالمين» بإطلاق. وقد عرض المفسرون ما يتصل بهذا التفضيل وحدوده؛ فلا نحتاج إلى تجاوز اللفظ القرآني لكي نثبت عظمة التكريم الذي يقرّره.
وتذكر الآية من وجوه العناية بالإنسان حمله في البر والبحر ورزقه من الطيبات، كما تورد التفاسير وجوهًا للتكريم تتصل بالعقل والنطق والتمييز. وهذه المعاني تتيح لنا أن نفهم الكرامة في علاقتها بالقدرة وشروط العيش، لا بوصفها وسامًا لغويًا نعلّقه على صورة الإنسان ثم نغفل عن الإنسان الحي. والنتيجة الأخلاقية التي أقترحها هنا أن تعظيم الإنسان في الخطاب ينبغي أن يُمتحن بطريقة معاملتنا لضعفه؛ فما أسهل أن نُجلّ الإنسانية فكرةً، وما أصعب أن ننصف إنسانًا لا قوة له ولا صوت.
فهل يعني تعليم الأسماء وتكريم بني آدم أن الإنسان مركز الوجود؟ يتوقف الجواب على معنى المركزية. إن أُريد أنه ذو منزلة معرفية مميزة، وأن هذه المنزلة تفتح سؤال مسؤوليته، فذلك وجه يمكن تأمله في ضوء التعليم والتكريم. أما إن أُريد أن العالم لا حقيقة له إلا بوعيه، أو أن كل موجود لا قيمة له إلا بانتفاعه به، فلا تُثبت الآيتان هذا المعنى؛ إنهما تقرران التعليم والتكريم، ولا تنصان على تبعية وجود الكون للوعي الإنساني.
وعليه، فإن العلاقة بين النص القرآني والمقولة يمكن أن تكون علاقة تناغم تأويلي محدود، لا تطابق عقدي أو فلسفي شامل. تتناغمان، في القراءة المقترحة، عند تقدير المعرفة وخصوصية التجربة الإنسانية وما تفتحه من مسؤولية. وتفترقان إذا حُوّل المجاز إلى زعم بأن الوجود احتاج حقيقةً إلى الإنسان لكي يحيا. فالقول إن العالم يولد فينا معنىً شيء، والقول إن العالم لا يوجد إلا بنا شيء آخر؛ وحماية الفرق بينهما لا تضعف الشعر، بل تصون حريته من ادّعاء البرهان.
وهذا الجواب، فيما أحسب، يواصل مقصد الأستاذة جليلة المازني أكثر مما يعارضه؛ لأنها لم تختم بإلزام القارئ بنتيجة، بل بدعوته إلى البحث. ومن الإنصاف أن نرى في أسئلتها فضيلة الانفتاح لا علامة النقص: فالقراءة لا تفقد قيمتها لأنها تترك مسائل معلّقة، وإنما قد تبلغ نضجها حين تعرف أين تتوقف عن الجزم وتبدأ في الإصغاء. ولعل ذلك يوافق المقولة نفسها؛ فالصدر المتّسع ليس صدر من يملك أجوبة العالم، بل صدر من لا يخاف أن يكون في العالم ما لم يفهمه بعد.
بهذا المعنى، تكون الأستاذة جليلة قد أدّت وظيفة نقدية جميلة: لم تكتفِ بأن تصف اتساع الصدر، بل منحت العبارة صدرًا قرائيًا تتجاور فيه أسئلتها. وفضلها لا يقتصر على ما قالت، بل يشمل ما أتاحت قوله؛ فقد جعلت من مقولة قصيرة مناسبةً للتفكير في كرامة الإنسان وحدوده، وفي قوة الوعي وتواضعه، وفي جمال اللغة وما يترتب عليه من تبعات أخلاقية. والإشادة الأصدق بهذا الجهد أن نحفظ له خصوصيته، وأن نواصل الحوار الذي بدأه من غير أن ننسب إليه كل ما نستنبطه نحن من احتمالات.
وفي النهاية، لعل الوجود لا يطلب من الإنسان أن يكون بحجمه، بل أن يكون على قدر أمانته؛ لا أن يحيط بكل شيء، بل ألّا يحوّل عجزه عن الإحاطة إلى إنكار؛ ولا أن يتخلّص من حدوده، بل ألّا يجعل حدوده جدرانًا يُحبس وراءها الآخرون. وإذا كان قد جاء صدرنا ليتنفس، فإن الوفاء له يبدأ حين نجعل للمعرفة تواضعًا، وللحرية رحمةً، وللكلمة ضميرًا. وحينئذ يصبح الثناء على القراءة من جنس ما تدعو إليه: إنصافًا لصاحبتها، وإصغاءً إلى عبارتها، واستعدادًا لأن نخرج من لقائها أوسع مما دخلنا.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
29/10/2026

**********************
قراءة نقدية: "الوجود حين يسكن الصدر"
(قراءة تأويلية في مقولة المفكر فضيل حاج بن عدة).
المقولة: "نحن لسنا من وُلدنا في الوجود بل الوجود هو الذي ولد فينا حين ضاق بنفسه فجاء يسكن صدورنا ليتنفس".
الناقدة التونسية جليلة المازني.
المقدمة:
تعدّ هذه المقولة تعبيرا فلسفيا وصوفيا عميقا ينتمي الى أدبيات فلسفة الوجود والوعي وهي التي تقلب النظرة التقليدية للعلاقة بين الانسان والكون.. بدلا من رؤية الانسان كجزء صغير وُلد داخل هذا الكون الواسع تجعل هذه المقولة الانسان هو الأصل والوعي الذي يحتضن الوجود كله..
ولعل معنى هذه المقولة قد نجده مبثوثا بين صفحات كتاب الأديب الفيلسوف ميخائيل نعيمة "مرداد" وما يقابلها في الكتاب أن "مرداد " يركز في خطابه على أن الانسان ليس مجرد مخلوق ضائع في الكون بل هو الحاضن لهذا الكون من خلال "الفهم المقدس".
يقول مرداد في فصل" الكلمة "بالكتاب:" إنكم في الكون ولكن الكون فيكم أيضا فاذا لم يتسع صدركم للكون فكيف يتسع الكون لكم؟"
وفي هذا الفصل يوضح نعيمة أن العالم المادي صامت وأعمى حتى ينعكس في وعي الانسان. فالإنسان هو الذي يلد الوجود في داخله عندما يمنحه الأسماء والمعاني والصفات.
ومعنى المقولة الفلسفي المبثوث في هذا الفصل هو أن الوجود يتنفس ويعي ذاته عبر وعي الانسان واتساع صدره.
وفي هذا الإطار:
- ما هي دلالة هذه المقولة؟
- ما هو تأويلها؟
1- دلالة المقولة (المعنى المباشر):
تتجلى دلالة المقولة من خلال:
- قلب الأدوار الفلسفية: تنفي العبارة أن يكون الإنسان مجرد مخلوق عابر وُلد في العالم بل تؤكد أن الوجود المادي بكل اتساعه تجسد واتسع "داخل" الوعي الإنساني.
- الوجود ككائن يبحث عن مُتنفس:
المقولة تصور الوجود وكأنه يعيش في حالة من "الضيق" أو العزلة الصامتة ولم يجد مخرجا أو"متنفسا" ليعبر عن نفسه ويعي ذاته إلا من خلال قلب الانسان وصدره.
2- تأويل المقولة: (الأبعاد الفلسفية والروحية):
أ- البعد الصوفي (الانسان كالكون الأصغر):
إن هذه المقولة قد تتقاطع مع الفكر الصوفي القديم مثل مقولة الإمام علي (كرم الله وجهه):"وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر".
وهنا يشير الى أن الكون المادي الصامت (النجوم/ الكواكب/ الطبيعة) لا قيمة له دون "وعي" يدركه.
الإنسان هو مرآة الوجود وبدون صدر الانسان الذي يتنفس ويتأمل يظل الوجود مجرد مادة صامتة دون معنى.
ب - البعد الفلسفي الوجودي (الوعي يخلق المعنى).
ان الوجود الذي يفتقر الى المعنى والشعور هو في حد ذاته "ضيّق".
حين "سكن صدورنا" أصبح قادرا على الحب والألم والأمل والتفكير.
إن الإنسان هو الذي يمنح الوجود أبعاده الجمالية والأخلاقية فالكون لا يعرف أنه جميل إلا لأن الانسان نظر اليه ووصفه بالجمال.
ج- البعد النفسي والوجودي (الحرية والمسؤولية):
هذه المقولة تمنح الانسان قيمة عظيمة وفي الوقت نفسه تحمّله مسؤولية كبرى:
إذا كان الوجود يتنفس من خلالنا فإن مشاعرنا وإبداعنا وفنوننا وحتى آلامنا وصراعاتنا هي الطريقة التي يعبر بها الكون عن حياته.
ان الانسان ليس مجرد متفرج أو مُتلق في هذا العالم بل إن الانسان هو "المسرح" الذي يحيى فيه العالم.
وبالتالي فالمقولة هي احتفاء بمركزية الوعي الانساني وتكريم للإنسان.
ان المقولة تتيح قراءة تجعل الانسان موضعا يتجلى فيه معنى الوجود دون أن تحسم كونه غاية الطبيعة.
فالكون يتجسد فينا لكي يشعر ويعقل ويتنفس الحرية حين يسكن صدورنا فنحن من يبعث فيه الحياة بما فيها من مشاعر وتفكير...
د – البعد الشعري الفلسفي:
هذه المقولة تتميز بكثافة تعبيرية عالية...انها تجمع بين الصورة الشعرية وعمق الطرح الفلسفي فتتحول الفكرة الذهنية الجافة الى تجربة بصرية وشعورية ملموسة:
1- البعد الشعري (الجمالية والمجاز) من خلال:
- التشخيص والأنسنة: لقد صورت المقولة "الوجود" (بكل مجراته ومادته وصمته)
وكأنه كائن حيّ يعاني ويضيق ويبحث عن مأوى ويحب ويتألم.. ان هذا التشخيص ينقل الوجود من حالة المادة الجافة الى حالة الكائن الشاعر.
- مفارقة "الضيق والاتساع": ان الكون الواسع الذي لا حدود له يُصاب ب " الضيق" والاختناق في حين ان "الصدر الإنساني " وقلبه الصغير جغرافيا يصبح هو الفضاء الأرحب الذي يتسع لهذا الكون ويمنحه القدرة على "التنفس" والنبض.
- المجاز الحركي (السكن والتنفس):
لقد استخدم صاحب المقولة فعل " يتنفس" والتنفس هنا ليس بيولوجيا بل هو انزياح دلالي يضفي على المقولة حيوية حركية.
ان الفعل "يتنفس " هو مجاز عن الحرية والانعتاق والحياة فبدون الإنسان يظل الكون كائنا
ميّتا أوفي حالة غيبوبة بما فيها من جمود.
2- البعد الفلسفي (الوعي والوجود):
تلتقي هذه المقولة مع الفلسفة الوجودية والظاهراتية ويتجلى ذلك من خلال:
- قلب العلاقة بين الذات والموضوع:
لئن كان الوجود (الموضوع) في الفلسفة التقليدية هو الأصل والانسان (الذات) مجرد تابع وُلد داخله فان المقولة تقلب الطاولة على مركزية الموضوع لتمنحها الى الذات.
وبالتالي فالوعي الإنساني هو الذي يلد الوجود فالأشياء تكتسب في تجربتنا الإنسانية معانيها من خلال الوعي والادراك.
- الوجود بذاته والوجود لذاته (سارتر):
ان الكون المادي قبل الانسان هو وجود صامت بلا غاية (وجود بذاته) وحين سكن الصدر الإنساني أصبح وجودا يعي نفسه (وجودا لذاته).
وبالتالي فالوجود كان مخنوقا بصمته وعشوائيته وتنفس الصعداء حين وجد الانسان ليتأمله ويفلسفه.
- انطولوجيا المعنى:
ان الوجود بلا وعي يعاني من" عدمية المعنى". ضيق الوجود هو ضيق العبث وسكنه في صدورنا هو بحثه عن غاية. فالإنسان هو" الناطق" باسم هذا الكون الصامت.
وخلاصة القول فان الشعر في المقولة هو الجسد الحسي (الصدر/ التنفس/ الضيق) والفلسفة هي الروح العقلية (الوعي/ الذاتية/ قلب المفاهيم).
وقد نجح صاحب المقولة في جعل الفلسفة شاعرة وجعل الشعر عميقا ومتسائلا.
وفي هذا الإطار من التأويل لمقولة المفكر فضيل حاج بن عدة قد يتساءل القارئ:
- ما تأويل الآية الكريمة (31) من سورة البقرة " وعلّم آدمَ الأسماء كلها وعرضهم على الملائكة.."؟
- هل الآية تدعم كرامة بني آدم الذين فضلهم الله على العالمين؟ (ولقد كرّمنا بني آدم..الاية (70) من سورة الاسراء).
- إذا كان الله علم آدم أسماء الأشياء كلها بذواتها وصفاتها وأفعالها (كبيرها وصغيرها الانس / الدواب/ الأرض/ السماء/ النجوم/ وحتى التفاصيل الصغيرة) فهل أن الله كرم الانسان بمعرفة أسماء الأشياء بالكون اعتبارا لمركزيته في الوجود؟
- هل ان علاقة الانسان بالوجود في النص القرآني قد تتناغم مع المقولة محل الدراسة؟
لعلني أترك للمتلقي الخوض في هذه المسألة ايمانا مني بحقه في البحث والتأويل.
شكرا للمفكر فضيل حاج بن عدة الذي منحني فرصة البحث وتأويل مقولته.
بتاريخ 29/ 10/ 2026

تعليق الأستاذة جليلة المازني:
مرحبا...ماذا يمكنني ان أقول أمام هذا الفتح المبين لقراءتي النقدية؟:
_اولا: إنك أبدعت في التحليل والتأويل فإنني استمتعت كثيرا بما أنت كتبته فشكرا على هذه المتعة التي جعلتني أعيشها.
_ثانيا: ان قراءتك قد أنصفت قراءتي" يا سيدي القاضي" وقد" تخونني لغتي وألفاظي " على شكرك أستاذي المبدع الراقي وسيد النقد.
_ ثالثا: اشكرك على هذا النشر العريض والواسع لهذا التفاعل الثقافي الثري والايجابي بيننا...انه اتساع صدرك الذي سكنه حوارنا الثقافي الذي يبني ولا يهدم والذي يؤسس ولا يقوض.
ما أروع هذا التفاعل الابداعي بيننا!!!
كل تقديري لك أستاذي الراقي
تعقيبي على تعليق الأستاذة جليلة:
مَرْحَبًا بِجَلِيلَةِ الْبَيَانِ… حَيْثُ يَصِيرُ الْفِكْرُ فَجْرًا، وَالْحِوَارُ حَدِيقَةً، وَالْحَرْفُ عِطْرًا
الأستاذة الجليلة جليلة المازني، يا صاحبةَ الفكرِ الوضّاء، والبيانِ النديّ، والحضورِ الذي يمنحُ الكلمةَ قدرَها، ويُلبسُ المعرفةَ وقارَها:
مرحبًا بكِ حين تُقبلين، فيتّسعُ للمعنى مداه، ويصفو للفكرِ مجراه؛ ومرحبًا بحرفكِ حين يفيض، فلا يكتفي بأن يُطرِبَ السمعَ بجرسه، بل يوقظُ العقلَ بحدسه، ويبلغُ القلبَ بصدقه قبل أن يأسرَه بحُسنِ نسجه.
قرأتُ ردَّكِ، فإذا الكلامُ الذي كتبتُه يعودُ إليَّ مُوشّحًا بكرمكِ، مُضمَّخًا بطيبِ نفسكِ؛ وإذا بي أبحثُ عن عبارةٍ تفي، فلا أجدُ إلا امتنانًا يفيض، وعن جوابٍ يليق، فلا أجدُ إلا تقديرًا يزدادُ ولا يغيض. ولقد رفعتِ من شأنِ اجتهادي بما يُحمّلني أمانةَ المزيد من التأنّي، ويجعلُ ثناءكِ عندي تكليفًا بالإجادة، قبل أن يكون تشريفًا بالإشادة.
قلتِ: «ماذا يمكنني أن أقول أمام هذا الفتح المبين لقراءتي النقدية؟»؛ فأقول: وهل كان لقارئٍ أن يستكشفَ أفقًا لم تفتحي له نوافذَه، أو يتتبّعَ معنى لم تُحسني إيداعَ النصِّ شواهدَه؟ إنّ في قراءتكِ ما يدعو إلى الوقوف، لا مرورَ العابرين؛ وإلى الإصغاء، لا اكتفاءَ المستحسنين. فيها فكرةٌ تُراجَع، وإشارةٌ تُتابَع، ورؤيةٌ تمنحُ قارئَها من الأسئلة بقدر ما تمنحُه من الأجوبة؛ وتلك خصوبةُ الفكر حين لا يغلقُ بابَه على يقينٍ مستريح، ولا يتركُ حكمَه لريحِ المديح.
فإن كنتُ قد أحسنتُ التحليل، فلأنّ في قراءتكِ ما يستحقُّ التأمّلَ الطويل؛ وإن وُفّقتُ في التأويل، فلأنّ المعنى عندكِ لا يُلقي بثمره كلّه إلى النظرةِ الأولى، بل يدعو إلى اقترابٍ أرفق، ونظرٍ أدقّ، وسؤالٍ أعمق. وما أمتعَ النقدَ حين يلقى نصًّا يُحاوره، لا صدىً يُكرّره؛ وفكرًا يُوقظه، لا قولًا يُنوّمه!
وأمّا نداؤكِ: «يا سيّدي القاضي»، فقد أخذتُه مأخذَ الودّ، لا مأخذَ المقام؛ واستقبلتُه بابتسامةِ المحبّة، لا بهيبةِ الأحكام. فما أقمتُ بيني وبين قراءتكِ منصّةً للقضاء، بل فتحتُ معها نافذةً للإصغاء؛ وما جئتُ لأمنحَها حقًّا لم يكن لها، بل لأشهدَ بما بان لي من حقّها. فالإنصافُ ليس مِنّةً يتفضّلُ بها الناقد، بل أمانةٌ ينهضُ بها؛ والقراءةُ ليست خصومةً يُطلبُ فيها الانتصار، بل معرفةٌ يُرجى بها الاستبصار.
ولستُ أرى في قولكِ «سيد النقد» إلا كرمًا منكِ أعتزّ به، وأتحرّزُ من أن أغترّ به؛ فسيادةُ النقدِ للحجّةِ حين تستقيم، وللبصيرةِ حين تستنير، وللأمانةِ حين تحفظُ للنصِّ صوتَه، ولصاحبه حقَّه، وللقارئ حريّتَه. وحسبي من هذا اللقب الجميل أن أبقى طالبًا يُحسنُ السؤال، وقارئًا لا يستنكفُ عن مراجعةِ المقال، ومحبًّا للكلمةِ يعرفُ أنّ خدمتها أرفعُ من ادّعاءِ السيادة عليها.
ثم تقولين: «قد تخونني لغتي وألفاظي»؛ فأيُّ خيانةٍ هذه التي تُؤدّي أمانةَ القلب بهذا الوفاء؟ وأيُّ عجزٍ هذا الذي يُفصحُ عن الامتنان بهذا الصفاء؟ لقد بلغتْ كلماتُكِ موضعَها من نفسي، لا لأنّها أكثرت من الثناء، بل لأنّها أحسنتْ أن تجعلَ للثناء روحًا، وللمودّةِ ملامحَ، وللتقديرِ صوتًا لا يُشبهُ الصدى.
إنّ اللغةَ لا تخونُ حين يصدقُ باعثُها؛ وقد تضيقُ العبارةُ عن الشعور، ثم تتّسعُ له إشارة؛ ويقصرُ اللفظُ عن الوفاء، ثم يبلغُه بنبرة. وقد وصلني من كلماتكِ ما وراء الكلمات: نفسٌ كريمةٌ لا تستثقلُ الاعترافَ بالجميل، وثقافةٌ واثقةٌ لا ترى في تقديرِ الآخر انتقاصًا من قدرها، وفكرٌ نيّرٌ يعرفُ أنّ الاعتزازَ بالرأي لا يقتضي إغلاقَ البابِ دون سواه.
وأمّا إشادتكِ بنشر هذا التفاعل، فما أردتُ له أن يبقى ثناءً بين اثنين، وفيه ما يستحقُّ أن يتّسعَ له مجلسُ القارئين. أردتُ أن يُرى الحوارُ وهو يعملُ عملَه الجميل: يُدقّقُ فكرةً، ويكشفُ زاويةً، ويهذّبُ اختلافًا، ويُبقي للمختلفين حقَّهم في الاحترام. فما أجدرَ هذا اللقاءَ بأن يُنشر، لا اتّساعًا للأسماء، بل اتّساعًا للفائدة؛ ولا احتفاءً بوفاقٍ عابر، بل احتفاءً بأدبٍ قادرٍ على أن يصونَ المودّةَ حين تتعدّدُ المقاصدُ والمذاهب.
ولقد وضعتِ يدكِ على جوهرِ ما أرجوه من كلِّ حوار حين قلتِ: «يبني ولا يهدم، ويؤسّس ولا يقوّض». نعم؛ نريده حوارًا يُقيمُ للرأيِ حجّتَه، لا أن يُقيمَ على صاحبه محكمتَه؛ ويُحسنُ مساءلةَ الفكرة، دون أن يُسيءَ إلى كرامةِ قائلها. نريده اختلافًا يُثمرُ فهمًا، لا خصامًا يستولدُ خصمًا؛ ونقدًا يُزيلُ عن المعنى غبشَه، لا تجريحًا يزيدُ على القلبِ وحشتَه.
وهذا بعضُ ما أقدّرُه فيكِ، أستاذةَ جليلة: أنّكِ منحتِ هذا التفاعلَ من سعةِ نفسكِ ما أبقاه حيًّا، ومن رهافةِ ذوقكِ ما جعله نديًّا؛ فلم تُغلقي القراءةَ عند إعجاب، ولم تختزلي الحوارَ في جواب، بل جعلتِ من ردّكِ دعوةً إلى مواصلةِ النظر، ومن لطفكِ فسحةً لمزيدٍ من الفكر.
فلكِ الشكرُ، لا شكرَ عبارةٍ تؤدّي واجبَها ثم تنصرف، بل شكرَ معرفةٍ تحفظُ لأهلِ الفضل فضلَهم، ولمواطنِ الجمال حقَّها. ولكِ التقديرُ، لا لأنّكِ أحسنتِ القولَ فيَّ فحسب، بل لأنّكِ أحسنتِ القولَ عن الحوار: عن غايته حين يبني، وعن خُلُقه حين يسمو، وعن أثره حين يجمعُ بين قوّةِ الرأي ورقّةِ القلب، وبين صراحةِ الفكر وسماحةِ النفس.
وليبقَ بيننا عهدُ الكلمةِ الحرّة: نلتقي فلا تُعطّلُ المودّةُ بصيرتَنا، ونختلفُ فلا يُفسدُ الاختلافُ مودّتَنا؛ نمنحُ النصَّ حقَّه من التمحيص، وصاحبَه حقَّه من التوقير، والحقيقةَ حقَّها في أن تظلَّ أوسعَ منّا، وأحقَّ بالاتباع من رضانا عن أنفسنا.
دمتِ جليلةً بوعيِكِ قبل اسمكِ، مضيئةً بفكركِ قبل وصفكِ؛ ودام بيننا من صفاءِ الحوار ما يُنضجُ الرؤى، ومن نُبلِ الاختلاف ما يصونُ الوُدَّ، ومن محبّةِ المعرفة ما يجعلُ لكلِّ لقاءٍ أثرًا، ولكلِّ قراءةٍ أفقًا، ولكلِّ كلمةٍ حياة.
بخالص الاعتزاز، وصادق المودّة، وعميق الامتنان
طه دخل الله عبد الرحمن
رد الأستاذة جليلة
ما أروعك بهذا الجرس الموسيقي العذب والقائم على سجع يترك للمعنى أثره في ذهن المتلقي قبل أذنه ويطبع حديثك بأناقة المهندس الذي يجعل لكل كلمة مكانها في معمار حديثه الذي يريد ان يبني بناء يقاومه الحدثان(الليل والنهار) فالنهار بضيائه ونوره والليل بما يمكن ان نتجاوز عثراته وظلمه... فعلا تخونني لغتي والفاظي لاعبر عن شكري لك عن مدى اعجابي ببلاغة لفظك و تميز معناك.. كل تقديري استاذي الراقي.
الاتحاد العربي الدولي في دولة ليبيا ·
من الاتحاد العربي الدولي في دولة ليبيا والهيئة العامة للاتحاد العربي الدولي
نبارك حضوركم الجميل و تشريفكم العطر ودوام المسيرة الاتحادية الكبرى بنجاح لايوضب وتألق مستمر بالتوفيق والسداد والعطاء دام عبيركم وتشريفكم ودوركم في المسيرة الدولية الاتحادية
أطيب التحايا والتقدير والاحترام
م.م السيف الصافي
الاتحاد العربي الدولي في دولة ليبيا ·
بوركت جهودك الرائعة دكتور طه
سعيد محتال
نموذج للنقد الحواري الراقي الذي يجمع بين دقة الفلسفة، ورحابة الروح، ووعي المسؤولية الأخلاقية والجمالية، مختتما الدراسة بحكمة بليغة:
لعل الوجود لا يطلب من الإنسان أن يكون بحجمه، بل أن يكون على قدر أمانته....
شكراً لهذا العطاء الفكري الجميل القادم من الجليل الأبيّ، وإضافتك هذه تفتح آفاقاً جديدة لكل باحث عن عمق المعنى وسعة الأفق.
طه عبد الرحمن
سعيد محتال الأستاذ الأديب سعيد محتال، لك من اسمك بهجتُه، ومن جميل قولك أطيبُ صداه؛ فقد أكرمتَ الحرفَ بقراءةٍ تُنصتُ إلى ما وراءه، ومنحتَ المعنى رحابةً تتجاوزُ حدودَ عبارته. وما أجملَ أن يلقى الفكرُ قارئًا لا يقفُ عند عتبة النصّ، بل يدخلُ إليه بمصباح بصيرته، فيكشفُ من مسالكه ما يُغني الحوار، ويُعيدُ إلى صاحبه سؤالَه أوسعَ أفقًا وأعمقَ قرارًا.
لقد جاء تعقيبُك امتدادًا للدراسة لا خاتمةً لها؛ ففيه من دقّة الالتقاط ما يُنصفُ الفكرة، ومن نُبل الاختلاف ما يحفظُ للحوار قدرَه، ومن دفء التقدير ما يجعلُ للكلمة في النفس مقامًا، وللجهد في القلب وسامًا. وتلك فضيلةُ القراءة حين تكونُ مشاركةً في الكشف، لا مسارعةً إلى الحكم؛ ورغبةً في الفهم، لا اكتفاءً بالإعجاب.
وأمّا وقوفُك عند أمانة الإنسان في الوجود، فقد لامسَ عصبَ السؤال وموضعَ الرجاء؛ فما قُدِّر لنا أن نُحيطَ بالكون علمًا، ولكنَّ علينا ألّا نُضيِّعَ ما استُودِعنا فيه من ضمير. وليس عجزُنا عن إدراك الكلِّ عذرًا للتفريط في الجزء الذي يقعُ في عهدتنا؛ فللكلمة أمانتُها، وللموقف تبعتُه، وللجمال حقُّه في ألّا نُفسدَه، وللإنسان حقُّه في ألّا نخذلَه. ولعلَّ قدرَ المرء لا يتجلّى فيما تتّسعُ له يداه، بل فيما يظلُّ أمينًا عليه حين تضيقُ به السُّبل.
ومن الجليل الأبيّ إليك تحيّةٌ تحملُ دفءَ الأرض ووفاءَ أهلها؛ وشكرٌ لقراءتك التي لم تكتفِ بتكريم العطاء، بل أضافت إليه عطاءً. فبمثل هذا التلقّي يصبحُ النقدُ صلةً لا سُلطة، ويغدو الحوارُ لقاءَ ضمائرَ لا تنازعَ منابر؛ ونتعلّمُ أنَّ المعنى لا يكتملُ بأن نقولَ كلمتَنا، بل بأن نُحسنَ استقبالَ الكلمة التي توقظُ فينا ما لم نَقُل.
Jalila Mezni
ماذا يمكنني ان أقول أمام" هذا الفتح المبين" لقراءتي النقدية؟:
_اولا : انك أبدعت في التحليل والتأويل فإنني استمتعت كثيرا بما أنت كتبته فشكرا على هذه المتعة التي جعلتني أعيشها .
_ثانيا: ان قراءتك قد أنصفت قراءتي" يا سيدي القاضي" وقد" تخونني لغتي وألفاظي " على شكرك أستاذي المبدع الراقي وسيد النقد.
_ ثالثا :اشكرك على هذا النشر العريض والواسع لهذا التفاعل الثقافي الثري والايجابي بيننا...انه اتساع صدرك الذي سكنه حوارنا الثقافي الذي يبني ولا يهدم والذي يؤسس ولا يقؤض .
ما أروع هذا التفاعل الابداعي بيننا !!!
كل تقديري لك أستاذي الراقي
طه عبد الرحمن
Jalila Mezni الأستاذة الأديبة والناقدة جليلة المزني،
بل ماذا أقولُ أنا أمام هذا الفيض الذي جعلَ للشكر حيرةً، وللعبارة رهبةً، وللقلب من جميل التلقّي ما تضيقُ به سعةُ الكلام؟ لقد أكرمتِ قراءتي بكرم روحكِ، ومنحتِ حوارَنا من صفاءِ الودِّ ما يجعلُ اختلافَ النظر بابًا إلى المعرفة، لا حاجزًا دون الألفة.
أمّا «الفتحُ المبين» الذي تفضّلتِ به، فإن كان في قراءتي فتحٌ، فلأنَّ قراءتكِ لم تكن بابًا موصدًا، بل أفقًا يدعو إلى الارتياد؛ وإن كان في التأويل ضوءٌ، فلأنَّ في نصّكِ ما يستنطقُ السؤال، ويستنهضُ التأمّل، ويُغري الفكرَ بأن يُطيلَ المقام. وما فعلتُ سوى أن أصغيتُ إلى ما أثارتْه قراءتُكِ في نفسي؛ فجاء كلامي جوابًا يستبقي السؤال، لا حكمًا يدّعي امتلاكَ المقال.
وقد أسعدني أن وجدتِ فيما كتبتُ متعةً وإنصافًا؛ فليس أحبَّ إلى نفس المحاور من أن يبلغَ رأيُه صاحبَه محتفظًا بحرارته، مصونًا من سوء الظنّ، وأن يعودَ إليه صداه فهمًا يُعمِّق، وودًّا يُوثِّق. عندئذٍ لا تكونُ القراءةُ مرآةً نطلبُ فيها صورتَنا، بل نافذةً نرى منها ما لم نكن نراه.
وأمّا قولُكِ: «يا سيّدي القاضي»، فكيف أجلسُ مجلسَ القضاء وأنا شريكُكِ في دهشة السؤال، وتلميذُ ما ينكشفُ لنا في أثناء الحوار؟ ما بيننا ليس منصّةً وحُكمًا، بل نصٌّ وفهم؛ وليس خصومةً تنتظرُ فصلًا، بل معرفةٌ تطلبُ وصلًا. وإن كان من عدلٍ أرجوه لقلمي، فهو أن يمنحَ فكرتَكِ حقَّها في البيان قبل أن يمنحَ فكرتي حقَّها في الجواب، وأن أقرأكِ لأفهمَ ما تقولين، لا لأبحثَ عمّا يؤيِّدُ ما أقول.
وأمّا لغتُكِ التي خشيتِ أن تخونَكِ، فقد أدَّت أمانتَها وزادت؛ إذ أوصلت من صدق الشعور ما لا تُبلِّغُه زينةُ الألفاظ وحدها. فالبلاغةُ ليست أن نجدَ لكلِّ شعورٍ عبارةً فحسب، بل أن نتركَ في العبارة من حرارة الشعور ما يجعلُها تُلامسُ القلبَ قبل أن يستوفيَ العقلُ تأمُّلَها. وقد وصلت كلماتُكِ كما يليقُ بها: نقيّةَ المقصد، ندِيّةَ الوقع، كريمةَ الأثر.
وأعتزُّ على وجه الخصوص بقولكِ إنَّ حوارَنا «يبني ولا يهدم، ويؤسّس ولا يقوّض»؛ ففي هذه العبارة روحُ ما أرجوه من النقد: أن نختلفَ دون أن نتجافى، وأن نراجعَ أفكارَنا دون أن ننتقصَ أقدارَنا، وأن نختبرَ الرأيَ بما يقتضيه من دقّة، ونصونَ صاحبَه بما يستحقُّه من كرامة. فليس البناءُ أن تتشابهَ أصواتُنا، بل أن تتساندَ أسئلتُنا؛ وليس الإنصافُ أن نتّفقَ في كلِّ شيء، بل ألّا يجعلَنا الاختلافُ ننسى ما لدى الآخر من فضل.
ولم يكن اتّساعُ النشر إلا رغبةً في أن يتّسعَ مجلسُ هذا الحوار؛ فما ينشأ بين قراءتين من معنى جديرٌ بأن يجدَ قارئًا ثالثًا، يضيفُ إليه ما لم ننتبه إليه، ويسألُ عمّا حسبناه قد استوفى جوابَه. هكذا يبقى الفكرُ حيًّا: لا بما نُغلقُ عليه من يقين، بل بما نفتحُ له من سُبل التأمّل والتبيين.
لكِ خالصُ امتناني، أستاذتي الكريمة، على قراءةٍ أنجبت حوارًا، وعلى حوارٍ أثمرَ هذا الودَّ النبيل. أمّا لقبُ «سيّد النقد»، فأستقبله بوصفه كرمًا منكِ، لا مقامًا أدّعيه؛ وحسبي شرفًا أن أكونَ أمينًا على ما أقرأ، منصفًا مَن أحاور، مستعدًّا لأن أتعلّمَ ممّا أظنُّ أنّني أفسّر.
فما أجملَ أن نخرجَ من الحوار لا وفي يدِ أحدنا رايةُ الغلبة، بل وفي يدِ كلٍّ منّا مصباحٌ لم يكن يملكه قبل اللقاء؛ وتلك، في نظري، أبهى ثمرةٍ للنقد: أن نعودَ إلى نصوصنا أعمقَ نظرًا، وإلى بعضنا أرحبَ صدرًا.
فضيل حاج بن عدة
إلى الأستاذين الكريمين.. طه دخل الله عبد الرحمن.. وجليلة المازني..
قرأت حواركما حول مقولة "الوجود حين يسكن الصدر".. فوجدت فيه ما نفتقده اليوم: نقد يحترم النص.. ولا يقدسه..
أستاذة جليلة.. فتحتِ للمقولة بابها الشعري.. فجعلتِ الضيق والاتساع والتنفس.. ليست زينة بلاغية.. بل بنية فكر.. وهذا هو عمل الناقد الحق.. أن يري ما لا يراه القارئ العابر..
أستاذ طه.. فعلت ما هو أصعب.. حفظتِ للمقولة شاعريتها.. وفي نفس الوقت حفظتِ للفلسفة دقتها.. وللنص القرآني مقامه.. حين ميزت بين ولادة المعنى وولادة المادة.. وبين "على كثير" و "على العالمين".. وهذا ميزان دقيق.. لا يملكه إلا من قرأ كثيرا.. وتواضع كثيرا..
اسمحا لي أن أضيف خيطا صغيرا لخيطكما:
لعل ضيق الوجود الذي ذكرته المقولة.. ليس ضيق مساحة.. بل ضيق غياب الشاهد..
فالكون قبل الوعي.. كان يحدث.. لكن لا أحد يشهد أنه حدث..
وحين سكن صدورنا.. لم نسكنه.. بل شهدناه.. فصار له معنى.. وصار لنا مسؤولية..
ومن هنا.. يصبح الصدر ليس بيتا للوجود.. بل أمانة..
والمؤتمن لا يملك.. بل يحفظ.. لا يقول "هذا لي".. بل يقول "هذا عندي وسأرده لصاحبه جميلا"..
فإن اتسع صدرنا.. تنفس الوجود عدلا ورحمة..
وإن ضاق صدرنا.. اختنق الوجود فينا ظلما وقسوة..
شكرا لكما.. لأنكما أعدتما هذا الفضاء الأزرق.. إلى أصله.. سبورة للفكر.. لا ساحة للضجيج..
أخوكم
فضيل
طه عبد الرحمن
فضيل حاج بن عدة أخي الأديب الراقي فضيل حاج بن عدة،
بعضُ التعقيبات يمرُّ على الكلام مرورَ التحية، وبعضُها يُقيمُ فيه إقامةَ البصيرة؛ يفتحُ في جدرانه نافذةً لم نرَها، ويُسمعُنا من صداه ما لم نسمعْه ونحن ننطقُه. وقد كان تعقيبُك من هذا الضرب النبيل؛ فما أضفتَ إلى حوارنا عبارةً تستحسنُها الأذنُ فحسب، بل وضعتَ في قلبه سؤالًا يستنهضُ الضمير: ماذا نفعلُ بما انكشفَ لنا من المعنى؟ وكيف نصونُ ما أُتيحَ لنا من الفهم؟
قرأتُ كلماتِك فشعرتُ أنّك لم تأتِ لتُرجِّحَ كفّةً على كفّة، بل لتُقيمَ بيننا ميزانًا؛ ولم تدخلْ حوارَنا شاهدًا على مَن أحسنَ القول، بل شريكًا في البحث عمّا يُحسنُ بالقول أن يُوقظَه في الإنسان. وتلك منزلةٌ جميلةٌ في التلقّي: أن يرى القارئُ في النصِّ إمكانًا للمواصلة، لا مناسبةً للمفاضلة؛ وأن يزيدَ السؤالَ خصوبةً، لا أن يزيدَ الأصواتَ صخبًا.
وقد سمّيتَ إضافتَك «خيطًا صغيرًا»، وفي هذا من تواضعك ما يُكرمُها، لا ما يُصغِّرُها؛ فلربَّ خيطٍ دقيقٍ جمعَ ما تباعدَ من أطراف النسيج، ولربَّ التفاتةٍ هادئةٍ غيّرت وجهةَ النظر كلَّها. وإضافتُك فعلت ذلك حين نقلتَ الصدرَ من صورة المأوى إلى معنى الأمانة؛ فكأنّ السؤالَ لم يعد: كم يتّسعُ الإنسانُ للوجود؟ بل: كيف يكونُ أمينًا على ما يتّسعُ له؟
هنا، يا صديقي، يستعيدُ التأمّلُ ثقلَه الأخلاقي؛ فلا تعودُ المعرفةُ مرآةً نُعجَبُ فيها بقدرتنا على الفهم، بل عهدًا يُطالبُنا أن نكونَ أليقَ بما فهمنا. فما جدوى أن تنكشفَ لنا دقائقُ المعاني، وتظلَّ عنّا خافيةً حاجةُ إنسانٍ إلى الرفق؟ وما نفعُ أن نُحسنَ وصفَ النور، ثم لا نهتديَ به إلى إنصافِ مَن اختلفَ معنا؟ إنَّ الفكرةَ تبلغُ امتحانَها الأصعبَ حين تغادرُ جمالَ العبارة إلى مشقّة السلوك؛ هناك يُعرَفُ ما إذا كانت قد أضاءت عقولَنا وحدها، أم هذّبتْ فينا طرائقَ النظر والعمل.
وما أبلغَ قولَك إنَّ المؤتمنَ لا يقول: «هذا لي»، بل يقول: «هذا عندي»؛ فبين اللام و«عند» مسافةُ تربيةٍ للروح، وانتقالٌ من شهوة الاستحواذ إلى يقظة الحفظ. ما عندنا لا يُبيحُ لنا أن نعبثَ به، وما نقدرُ عليه لا يجعلُ كلَّ تصرّفٍ فيه حقًّا لنا. ولعلَّ أسمى ما يتعلّمه الإنسانُ من الأمانة أن يُفرِّقَ بين امتداد يده واتّساع حقّه، وبين ما يستطيعُ أن يأخذَه وما ينبغي أن يتركَه سليمًا لغيره.
وأقرأُ إشارتَك إلى الشاهد بوصفها حديثًا عن انكشاف العالم في وعينا، لا عن ابتداء العالم بوعينا؛ فنحن لا نمنحُ الوجودَ أصلَه، ولكنّنا نتحمّلُ مسؤوليّةَ استقباله وتأويله والتعامل معه. وفي هذا التمييز يتجاورُ التواضعُ والتكليف: لسنا مبدأَ الأشياء كي نستعليَ عليها، ولسنا خارجَ آثار أفعالنا كي نتنصّلَ منها. نحنُ في العالم، وما نفعله فيه يعودُ شهادةً علينا، بقدر ما نزعمُ أنّنا شهودٌ عليه.
أمّا ما تفضّلتَ به عليَّ وعلى الأستاذة جليلة من جميل التقدير، فله في النفس امتنانٌ عميق؛ وأجملُ ما فيه أنّك رأيتَ قيمةَ الحوار في صونه الفروقَ دون أن يقطعَ الصلات. فالشعرُ لا يفقدُ جمالَه حين نُحسنُ تبيُّنَ حدود مجازه، والفكرُ لا يفقدُ رحابتَه حين يتحرّى دقّةَ عبارته؛ بل يزدادُ اللقاءُ بينهما غنًى حين لا نطلبُ من أحدهما أن يتنكّرَ لطبيعته كي يوافقَ الآخر.
لهذا أسعدني في قراءتك أنّك لم تجعلِ الاتّفاقَ شرطًا للاحترام، ولا الإعجابَ بديلًا عن الإضافة. منحتَ ما قرأتَ حقَّه، ثم منحتَنا حقَّنا في أن نتعلّمَ منك؛ وتلك هديّةُ المحاور الكريم: لا يتركُنا مكتفين بما قلنا، بل يجعلُنا راغبين في أن نُحسنَ الإصغاء من جديد.
لكَ الشكرُ، أخي فضيل، على هذا الحضور الذي يردُّ إلى الحوار سكينتَه دون أن يُطفئَ جذوتَه، ويمنحُ الاختلافَ أدبَه دون أن يسلبَه جرأتَه. وما أحوجَنا إلى هذا اللون من اللقاء؛ نخرجُ منه أوسعَ نظرًا، وأقلَّ ادّعاءً، وأشدَّ شعورًا بأنَّ ما نعرفُه ليس وسامًا نعلّقُه، بل أمانةٌ نسألُ أنفسَنا كلَّ يومٍ كيف نؤدّيها.
فإذا كان للوجود أن «يسكنَ الصدر»، فليجدْ فيه ضميرًا يحفظُ لا غرورًا يستحوذ، ورحمةً تُفسحُ لا قسوةً تُقصي؛ إذ ليس الصدرُ رحبًا بما يتّسعُ له من صور العالم، بل بما يتركُه للآخرين فيه من مكان.



#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في مادة -الورقة الإبداعية الذاتية- للدكتورة آمال ...
- مرايا التأويل: قراءةٌ على قراءة الدكتور محمد ميموني ومساءلةُ ...
- حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى
- دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جلي ...
- حوار خاص عن الام مع الدكتورة سلوى الفيلالي منتدى شعاع للأدبا ...
- منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحا ...
- قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض ...
- قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته ...
- استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1 ...
- استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
- النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/ ...
- مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية ...
- أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا ...
- أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي ...
- استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع ...
- قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة ...
- رسائل الناقد طه دخل الله عبد الرحمن والدكتور فضيل حاج بن عدة ...


المزيد.....




- ممثلة أمريكية تحوّل ملصق فيلم إلى فستان على السجادة الحمراء ...
- بعد إصابته بالسرطان.. موسيقي يتمكن من الغناء مجددًا بفضل الذ ...
- أمسية ثقافية مميزة مع -طبيب الشعب- الدكتور مزاحم مبارك مال ا ...
- ممثلة أمريكية تضع صندوق موسيقى متحركًا لراقصة باليه على رأسه ...
- مسؤول قطري يشيد بالفنانة دانة المير ويبين ما يمكن أن تصبح
- رحيل الممثل البريطاني باتريك ستيوارت أيقونة «ستار تريك» و«إك ...
- رحيل باتريك ستيوارت عن 86 عامًا وفيلم «Avengers: Doomsday» ي ...
- وفاة الممثل ?البريطاني باتريك ستيوارت عن عمر ناهز 86 عاما
- روسيا وإفريقيا تدعوان لحماية الممتلكات الثقافية واستعادة ما ...
- البيروقراطية في مواجهة الإبداع.. غضب أدباء قصور الثقافة من ق ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه دخل الله عبد الرحمن - قراءة نقدية حوارية في «الوجود حين يسكن الصدر» للناقدة التونسية جليلة المازني، حول مقولة المفكر فضيل حاج بن عدة حين يضيق اللانهائي ويتّسع الإنسان: الصدر بوصفه أفقًا لولادة المعنى