|
|
حين تتآخى البصيرةُ والبيان: حوارُ الوفاء وأمانةُ التأويل بين سلوى الفيلالي وطه دخل الله عبد الرحمن
طه دخل الله عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 15:59
المحور:
الادب والفن
سلوى الفيلالي… روحٌ من بيان ورسالةٌ أبعدُ من حدود الحبر. إلى الأديبة الدكتورة سلوى الفيلالي؛ إذ يصبحُ الشكرُ في حضرة العطاء أمانةً لا مجاملة، ويغدو الثناءُ شهادةَ وفاءٍ لا صناعةَ إطراء. ثمّة مَن يكتبُ ليكونَ له في المحافل اسم، وثمّة مَن يكتبُ ليكونَ للمعنى في الحياة مقام؛ وبين أن يتّخذَ المرءُ الكلمةَ طريقًا إلى ذاته، وأن يجعلَ ذاتَه طريقًا للكلمة، مسافةٌ يقطعُها صدقُ الرسالة، ولا تختصرُها براعةُ العبارة. ومن هنا يُفهَمُ قدرُ الجهد الذي تبذلينه: لا بوصفه حضورًا في ساحة الأدب فحسب، بل وفاءً لما يستحقُّ الأدبُ أن يُبذَلَ له؛ من صفاءِ الذهن، وصبرِ النفس، ونفيسِ الوقت، وخالصِ الوجدان. وليس التقديرُ الحقُّ أن نُلبسَ الاسمَ من الصفات ما يُثقله، بل أن نكشفَ من قيمة السعي ما يُنصفه؛ فالكلمةُ التي نقرؤها في لحظة، قد أخذت من كاتبها ساعاتٍ من التأمّل، والعبارةُ التي تصلُنا صافيةً، قد عبرت في داخله قلقَ الاختيار ومشقّةَ السؤال. ولذا فإنَّ لكِ وراء كلِّ مقالةٍ وقصيدةٍ وحوار، حقًّا لا تُؤدِّيه عباراتُ الإعجاب وحدها: حقَّ الاعتراف بما يُنفَقُ من العمر ليزدادَ عمرُ المعنى، وما يُبذَلُ من الروح كي تجدَ روحٌ أخرى ما يؤنسُها ويُوقظُها ويُغنيها. دكتورة سلوى الفيلالي، في مقالتكِ مجالٌ لأن يتّخذَ السؤالُ صورتَه، وفي قصيدتكِ متَّسعٌ لأن يجدَ الوجدانُ نبرتَه، وفي حواركِ الأدبيِّ فرصةٌ لأن يخرجَ الرأيُ من عزلته، فيختبرَ أُفقَه، ويُراجعَ يقينَه، ويُصغي إلى ما ليس منه دون أن يضيقَ به. وما أجلَّ هذا التنوُّع حين يجمعُه مقصدٌ لا يتبدَّد: أن يرتقي الأدبُ بوعينا، وأن تتَّسعَ الثقافةُ بنا ولنا، وأن تظلَّ الكلمةُ بابًا يُفتَح، لا جدارًا يُرفَع. فالمقالةُ أمانةُ الفكرة حين تطلبُ وضوحَها، والقصيدةُ أمانةُ الروح حين تطلبُ بوحَها، والحوارُ أمانةُ العقل حين يُدركُ أنَّ الحقيقةَ أرحبُ من صوته، وأنَّ الإصغاءَ ليس نقصًا في الحضور، بل كمالٌ في الشعور. وبين هذه المسالك تتعدَّدُ وجوهُ التعب، ويتجدَّدُ معنى الوفاء: وفاءُ الكاتبة لما تؤمنُ به، ووفاءُ الأديبة لما ائتمنها عليه الحرفُ من جمالٍ ومسؤولية، ورقّةٍ وقوّة، وحريةٍ ورويّة. ولعلَّ عبارةَ «الأدبُ والثقافةُ روحٌ ثانية» ليست في حقِّ هذا الشغف ترفًا من القول، بل مفتاحًا للفهم؛ فالروحُ الثانيةُ لا تسكنُ هامشَ الأيام، بل تسري في نسيجها، وتُعيدُ ترتيبَ ما نراه جديرًا بالوقت، حقيقًا بالعناية، خليقًا بالبقاء. بها يصيرُ الكتابُ صحبةً لا متاعًا، وتغدو الفكرةُ حاجةً لا زينة، وتصبحُ الكتابةُ ضربًا من الوفاء للحياة: نستخرجُ بها من عابرها دلالتَه، ومن وجعها حكمتَه، ومن صمتها صوتًا كان ينتظرُ مَن يُحسنُ الإصغاء. وحين يستقرُّ الأدبُ في هذه المنزلة من النفس، لا يعودُ القلمُ أداةً بين الأصابع، بل عهدًا بين الإنسان وضميره؛ لا يرضى لصاحبه أن يقولَ كيفما اتّفق، ولا أن يكتبَ لمجرّد أن يُرى. إنَّه يُطالبه أن يتحرّى قبل أن يُقرِّر، وأن يتأمَّل قبل أن يُعبِّر، وأن يمنحَ قارئَه شيئًا يستحقُّ به وقتَه وثقتَه. وتلك منزلةٌ يشتدُّ فيها التكليفُ بقدر ما يصفو فيها التشريف؛ فكلَّما أحبَّ المرءُ الكلمةَ، عَظُمَ حياؤه من أن يُسيءَ إليها، وكلَّما أدركَ سلطانَها، ازدادَ شعورُه بما ينبغي أن يحملَه عليها. ولهذا نُقدِّرُ في سعيكِ ما وراءَ النصِّ من انشغال، وما وراءَ الاستمرار من احتمال؛ فالمنشورُ له لحظةٌ يظهرُ فيها، أمّا العنايةُ التي أنضجتْه فلها في الخفاء زمنٌ أطولُ وأثرٌ أعمق. وقد يطوي القارئُ الصفحة، ولا يعلمُ كم مرّةً أعادت الكاتبةُ فتحَ السؤال؛ وقد تستوقفُه جملة، ولا يرى ما حُذِفَ لتصفو، وما رُوجِعَ لتستقيم، وما صُقِلَ لتؤدِّيَ المعنى دون أن تُطفئَ وهجَه أو تُثقِلَ خُطاه. إنَّ الارتقاءَ بالأدب والثقافة لا يتحقَّقُ بكثرةِ ما نقولُ فيهما، بل بصدقِ ما نُقدِّمُ لهما؛ بفكرةٍ تُحرِّرُ الذهنَ من كسله، وقصيدةٍ تردُّ إلى الشعور رقّتَه، وحوارٍ يُعلِّمُ الاختلافَ أدبَه. ومن أجل هذا يكونُ للجهد قيمتُه، وللمثابرة حرمتُها، وللعطاء فضلٌ لا يجوزُ أن يضيعَ بين اعتيادِ المتلقِّي وصمتِ المُقدِّر. فلكِ التحيّةُ على وقتٍ تمنحينَه للمعنى في زمنٍ يستعجلُ الثمرة، وعلى عنايةٍ تبذلينَها للكلمة في عالمٍ كثيرِ الكلام، قليلِ الإصغاء. ولكِ الامتنانُ على إيمانٍ بأنَّ الثقافةَ ليست ترفَ مَن فرغَ من الحياة، بل بعضُ ما تستقيمُ به الحياة؛ وأنَّ الأدبَ ليس مهربًا من الواقع، بل سبيلٌ إلى رؤيته بعينٍ أشدَّ بصيرة، وقلبٍ أقلَّ قسوة، ووجدانٍ أوفى بإنسانيته. دكتورة سلوى الفيلالي، ما هذه الكلمةُ إلّا محاولةٌ لأن نردَّ إلى الجهد بعضَ حقِّه، وإلى العطاء بعضَ صداه؛ لا نرفعُ بها المديحَ فوق الحقيقة، بل نرفعُ الغفلةَ عن قيمةِ ما يُبذَل. فلكِ من الثناء أصدقُه لا أصخبُه، ومن التقدير أرسخُه لا أبرقُه، ومن الدعاء ما يليقُ بروحٍ وجدت في الأدب حياةً أخرى: أن يبقى لفكركِ اتّساعُه، ولحرفكِ اقتدارُه، ولشغفكِ تجدُّدُه، وأن تجدي في أثرِ ما تكتبين ما يُهوِّنُ مشقّةَ السعي، ويُضاعفُ بهجةَ الوصول. وإنَّ أرفعَ ما يُقالُ في مقامكِ: أنَّ مَن يجعلُ الأدبَ روحًا ثانيةً، لا يكتفي بأن يحيا مرَّتين؛ بل يمنحُ الحياةَ في أرواح الآخرين امتدادًا، ويتركُ لهم في الكلمة موئلًا، وفي الجمال موعدًا، وفي المعنى ما يُعينُهم على ألّا يعبروا العمرَ غافلين. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 29/10/2026 رد الدكتورة سلوى الفيلالي بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم ومفاتيح البيان. الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن… حين ينحني الحرفُ إجلالًا لمن يُحسن استنطاقَ ما وراءه. أيُّ امتنانٍ يفي قلمًا لم يكتفِ بأن يقرأ النصوص، بل استنطق صمتها، واستخرج من مكامنها جواهرَ كانت تستتر تحت ركام الحروف، وأيُّ شكرٍ يتّسع لناقدٍ لا يمرُّ على المعنى مرور العابرين، بل ينفذ إلى تخومه البعيدة، ويستضيء بما وراء ظاهره، ثم يعود إلينا بما لم نكن نراه، كأنّه أزاح عن جوهر النص غبار المسافة، وردَّ إلى الكلمة سرَّها المستور؟ دكتور طه، لقد كتبتَ في حقّي نصًّا لم يكن مجرّد ثناءٍ يُطرَز على وسادة المجاملة، بل كان مِسبارًا نقديًّا نافذًا إلى تخوم التجربة، ومِرآةً مصقولةً ردّت إلى الجهد ملامحه، وإلى العطاء أبعاده، وإلى الكلمة بعضًا من حقّها المهدور في زحام العبور. لم تُلقِ على الحرف عطر المديح ثم تمضِ، بل أنصتَّ إلى نبضه، وتتبّعتَ شرايين معناه، وقرأتَ في ظلاله ما قد تعجز العيون المستعجلة عن التقاطه. وإنّ من أندر خصال الناقد أن يمتلك بصيرةً لا تُعميها الأهواء، وميزانًا لا تميل كفّتاه تحت وطأة الاستحسان أو الاختلاف، وقلمًا لا يستعير بريقه من أسماء الآخرين، بل يستمدُّ ضياءه من نزاهة النظر، ورصانة الحكم، وخصوبة التأويل. وهذه خصالٌ تتبدّى في قراءتك؛ فأنت لا تُسوِّد الصفحات بأحكامٍ جاهزة، ولا تُلقي على النصوص أثوابًا فضفاضة من الإعجاب، بل تُشرِّح البنية برفق الجرّاح، وتُصغي إلى ما بين السطور بسمع البصيرة، وتلتقط من تضاعيف القول لآلئَ لا تقع عليها إلا عينٌ ألفت الغوص ولم تُغْرِها رغوة السطح. أنت من أولئك النقّاد الذين لا يكتفون بقراءة النص، بل يمنحونه قراءةً أخرى لذاته؛ يردّون إليه ما غاب عن صاحبه من أسراره، ويكشفون له ما انطوى عليه من طاقات، حتى يغدو النقد على أيديهم ضربًا من الإبداع الموازي، وتصبح القراءة اكتشافًا لا اجترارًا، وإنارةً لا مصادرة، وحوارًا مع النص لا محاكمةً متعاليةً عليه. ولقد أدهشني في مقالتك هذا النسج المحكم بين عمق الفكرة ونبل المقصد؛ فما تركتَ جهدًا إلا أنصفتَه، ولا مررتَ على مشقّة الكتابة إلا كشفتَ شيئًا من خفائها، ولا تناولتَ رسالة الأدب إلا رفعتَها من حدود الصنعة إلى رحابة المسؤولية الإنسانية. وكأنّك كنتَ تُرمِّم في مرآة البيان ما يعتري الكاتب من غبار الاعتياد، وتقول له، بلسان الناقد النبيل: إنّ وراء كل حرفٍ زمنًا مستترًا، ووراء كل معنى مخاضًا، ووراء كل أثرٍ روحًا أنفقت من وهجها لتمنح الآخرين شيئًا من الضوء. فشكرًا لك، لا شكرَ العابر الذي يستوفي واجب الردّ، بل امتنانَ من أدرك أن بعض الكلمات لا تُقرأ فحسب، وإنما تُقيم في الوجدان، وتترك فيه أثرًا يشبه نقش الضوء على صفحة الماء؛ لا يُمسَك باليد، ولكن يستحيل إنكارُ ما أحدثه من جمال. شكرًا لأنك لم تُنصف نصوصي وحدها، بل أنصفتَ ما وراء النصوص؛ ولم تُكرم العبارات لزخرفها، بل فتحتَ نوافذها على المقصد؛ ولم تجعل من النقد منصةً للعلوّ على المبدع، بل جسرًا يعبر عليه المعنى إلى أفقٍ أرحب. وذلك، لعمري، من شيم الناقد الذي يعرف أن القلم أمانة، وأن الموضوعية ليست برودًا في الحكم، بل عدالةٌ تحفظ للجمال حقَّه، وللجهد قدره، وللحقيقة هيبتها. أيها الأديب الناقد، يا صائغ الرؤى من معدن الحرف، ويا من تُحسن التقاط الومضة من عتمة النص، والدرّة من لجّة المعنى، إنّني لا أجد في معجم الامتنان عبارةً تبلغ مقام ما كتبت، ولا في خزائن اللغة لفظًا يُحيط بفضل قراءةٍ جعلت من التقدير معرفة، ومن الثناء تأمّلًا، ومن الاحتفاء بالكلمة احتفاءً بالإنسان الذي يسكنها. ولعلّ أجمل ما أستطيع قوله إنّ بعض الأقلام تترك أثرها بما تكتب، وبعضها بما تكشف، أمّا قلمك فيجمع الأمرين: يكتب فيُمتع، ويقرأ فيُضيء، وينقد فيُضيف إلى النص أفقًا لم يكن ظاهرًا للعيان. وهذه موهبةٌ لا تُستعار، وبصيرةٌ لا تُصطنع، ومكانةٌ لا تصنعها كثرة القول، بل رسوخ التجربة ونزاهة الموقف. حفظ الله قلمك من غبش الأحكام، وبصيرتك من أسر الانحياز، ومدادك من نضوب الدهشة؛ وأبقى لك في محراب الأدب سراجًا لا تخبو فتيلته، وفي مملكة النقد ميزانًا لا يختلّ، وفي ذاكرة الكلمة أثرًا لا تطويه رياح النسيان. لك منّي تحيّةٌ لا تُقاس بارتفاع الثناء، بل بعمق التقدير؛ وامتنانٌ لا يستوفيه الكلام، لأنّ بعض الأفضال أوسع من أن تحيط بها العبارة. سلوى الفيلالي الشاعرة والناقدة الأدبية ردي للدكتورة سلوى الفيلالي سلوى الفيلالي… حين يكتبُ الوفاءُ عهدَه على ضميرِ البيان إلى الأديبة الشاعرة والناقدة الدكتورة سلوى الفيلالي. ما قرأتُ كلماتِكِ قراءةَ مَن يتلقّى ثناءً فيطمئنّ، بل قراءةَ مَن يُستودَعُ أمانةً فيتهيّب؛ فقد رفعتِ قدرَ قلمي في عبارتكِ، فرفعتِ في نفسي قدرَ المسؤولية عنه. وبين فرحةِ التقدير وخشيةِ التقصير، وقفتُ أسألُ عبارتي أن تكونَ صادقةً قبل أن تكونَ بليغة، وأمينةً قبل أن تكونَ ثمينة؛ فما كلُّ قولٍ يروقُ يليق، ولا كلُّ شكرٍ يُقالُ يفي. لقد ألبستِ قراءتي من حُسن ظنّكِ حُلّةً أعتزُّ بها، وأستحيي أن أدّعيَ استحقاقَ كلِّ ما فيها؛ فما أنا إلّا قارئٌ يجتهدُ أن يُحسنَ الوفادةَ على النصّ: يدخلُه بأدب السؤال، ويُقيمُ فيه بصبر التأمّل، ويخرجُ منه وفي يده بعضُ ما انكشف، وفي نفسه إجلالٌ لما ظلَّ مستترًا. وحسبي، إن أصبتُ، أن أكونَ قد دللتُ على موضع جمالٍ دون أن أنسبَ إلى إصبعي ضوءَه، أو اقتربتُ من سرٍّ دون أن أزعمَ أنّني استوفيتُ غورَه. وإن كان فيما كتبتُ إنصافٌ، فلأنَّ جهدَكِ استحقَّ ألّا يُختزَلَ في تحيّةٍ عابرة، وألّا يُوارى وراءَ ألفة الحضور؛ فالاعتيادُ قد يحجبُ ما ينبغي أن يُرى، وكثرةُ العطاء قد تجعلُنا ننسى كلفتَه. أردتُ أن أتوقّفَ حيثُ يعبرُ المستعجلون، وأن أُسمّيَ ما يتوارى وراءَ المنشور من عمرٍ مبذول، وفكرٍ مشغول، ووجدانٍ لا يمنحُ الكلمةَ وقتَه وحده، بل يمنحُها شيئًا من وهجه وسكينته. ثم جاءت رسالتُكِ فأعادتْ إلى القراءة سؤالَها، وإلى القارئ مرآتَه؛ لم تكتفي بأن تشكري ما كُتب، بل تأمّلتِ كيف كُتب، ولأيِّ مقصدٍ كُتب. وهذا فضلُكِ الذي لا تُحيطُ به عبارةُ امتنان: أنَّكِ جعلتِ التقديرَ معرفةً، والوفاءَ بصيرةً، والردَّ نصًّا يردُّ على صاحبه بعضَ ما غابَ عنه من أثره. وقد لامسَني قولُكِ إنَّ النقدَ «إنارةٌ لا مصادرة»؛ ففي هاتين الكلمتين ميزانُ القراءة وميثاقُها. ما أيسرَ أن نستدعيَ النصَّ إلى أحكامنا، وما أشقَّ أن نذهبَ بأحكامنا إليه لنمتحنَها! وما أسرعَ أن نُلبسَه ما نريد، وما أنبلَ أن نُمهلَه حتى يُفصحَ عمّا يريد. لذلك أرجو لقلمي ألّا يحجبَ النصَّ بحضوره، ولا يُرهقَه باستعراضه؛ أن يُقرِّبَ دون أن يُضيِّق، ويكشفَ دون أن يستنفد، ويُضيفَ إلى إمكانات الفهم دون أن يستوليَ على حقِّ الآخرين فيه. فالنصُّ ليس أرضًا يرفعُ عليها الناقدُ رايتَه، بل أمانةٌ يختبرُ عندها عدلَه؛ وليس المبدعُ شاهدًا يُستدعى لتصديق التأويل، بل صاحبُ تجربةٍ لها حرمتُها، ولها في الوقت نفسه قابليّتُها للسؤال. وبين صون الإنسان ومساءلة العبارة يستقيمُ النقد؛ فلا تُفسدُ المحبّةُ نزاهتَه، ولا تُذهبُ الصرامةُ مروءتَه. يا سيّدةَ الحرف، إنَّ أجملَ ما في رسالتكِ أنّها لم تجعلني أكتفي بما كنتُ، بل جعلتني أتهيّأُ لما ينبغي أن أكون. فالثناءُ الكريمُ لا يُسكرُ الضميرَ، بل يُوقظُه؛ وكلُّ ثقةٍ صادقةٍ تُلقي على صاحبها عهدًا خفيًّا: أن يتحرّى أكثر، ويتواضعَ أكثر، ويخشى على أمانته من فتنة الاطمئنان إلى نفسه. ومن هنا أحملُ كلماتِكِ زادًا للمسير، لا شهادةً بانتهائه؛ ومصباحًا للمراجعة، لا وسادةً للاستراحة. ولكِ عليَّ أن أبقى، ما استطعتُ، وفيًّا لهذا الرجاء: ألّا أمدحَ حيثُ تجبُ المصارحة، وألّا أقسوَ حيثُ تكفي الإضاءة؛ وألّا أستعيرَ من البلاغة ستارًا لضعف الحجّة، أو أجعلَ دقّةَ الحجّة عذرًا لجفاء العبارة. فتمامُ البيان أن يخدمَ المعنى، وتمامُ المعرفة أن تُهذِّبَ العارف، وتمامُ النقد أن يخرجَ منه النصُّ أوضحَ حضورًا، لا أن يخرجَ منه الناقدُ أعلى صوتًا. أمّا دعاؤكِ، فقد بلغَ من النفس موضعًا لا يبلغُه المديح؛ لأنَّ المديحَ يصفُ ما يُرى، والدعاءَ يستودعُ اللهَ ما نرجو أن يبقى. فأسألُه سبحانه أن يحفظَ لقلمكِ نضارتَه، ولبصيرتكِ يقظتَها، ولروحكِ سَعَتَها؛ وأن يجعلَ لكِ من كلِّ معنى نافذةً، ومن كلِّ قصيدةٍ فسحةً، ومن كلِّ جهدٍ ثمرةً تُؤنسُ تعبَه وتُجدِّدُ سببَه. شكرًا لكِ؛ لا شكرَ مَن يردُّ عبارةً بمثلها، بل امتنانَ مَن عرفَ في عبارتكِ قلبًا يُحسنُ الوفاء، وعقلًا يُحسنُ التمييز، وذائقةً تمنحُ الجمالَ حقَّه دون أن تفصلَه عن مسؤوليته. لقد أكرمتِ قلمي، وأجملُ ما أردُّ به كرمَكِ أن أصونَ ما وثقتِ به فيه؛ فبعضُ الشكر كلامٌ يُهدى، وأصدقُه عهدٌ يُؤدّى. وليبقَ بيننا من الأدب ما يُصفّي النظر، ومن المودّة ما يحتملُ الاختلاف، ومن الصدق ما يُغنينا عن زخرف المجاملة؛ نلتقي على المعنى، ونفترقُ إلى مزيدٍ من البحث عنه، فلا يُغلقُ الودُّ بابَ السؤال، ولا يقطعُ السؤالُ حبلَ الوداد. لكِ من القلب تحيّةٌ لا تُزايدُ في الثناء، بل تُخلصُ في الوفاء؛ ومن القلم وعدٌ أن يجعلَ من جميل ظنّكِ به يقظةً تحرسُه: فليس أكرمَ من أن نُمنَحَ الثقة، إلّا أن نعيشَ على قدر أمانتها. طه دخل الله عبد الرحمن ************************************************ حين تتآخى البصيرةُ والبيان: حوارُ الوفاء وأمانةُ التأويل بين سلوى الفيلالي وطه دخل الله عبد الرحمن قراءتان تتعانقان في فلسفة الكتابة وعدالة النقد وميثاق الكلمة. كتبت الدكتورة سلوى الفيلالي الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن… حين تصبح البصيرةُ مِحكَّ الحرف، ويغدو النقدُ اكتشافًا للجوهر قراءة في فرادة الناقد الذي لا يكتفي بملامسة النصوص، بل ينفذ إلى طبقاتها المستترة، ويستخرج من صمتها ما تعجز عنه العيون العابرة. بقلم الدكتورة سلوى الفيلالي بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ليست الكتابةُ جميعُها سواء، كما أنّ القراءة ليست فعلًا واحدًا تتشابه فيه العيون وإن اختلفت النصوص؛ فثمّة من يمرّ على الحروف فيحصي ألفاظها، وثمّة من يتأمّلها فيستبين دلالاتها، وثمّة قِلّةٌ نادرة تتجاوز ظاهر القول إلى تخومه البعيدة، وتُصغي إلى ما لم يُقَل بقدر ما تُصغي إلى ما قيل، وتستخرج من تضاعيف المعنى جواهرَ ظلّت مستترةً تحت طبقات التعبير. عند هذه العتبة تحديدًا، حيث تنتهي القراءة العابرة وتبدأ مغامرة البصيرة، يلوح اسم الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن بوصفه ناقدًا يمتلك من رصانة النظر ما يُجنّبه التسرّع، ومن خصوبة التأويل ما يحرّره من أسر الظاهر، ومن نزاهة الموقف ما يجعل النقد لديه مسؤوليةً معرفيةً قبل أن يكون ممارسةً لغوية. إنّ الحديث عن هذا القلم ليس استدعاءً لمعجم المديح، ولا محاولةً لإقامة تمثالٍ من الصفات حول صاحبه؛ فالأقلام التي تستحق التقدير لا تحتاج إلى ضجيجٍ يرفعها، وإنما تحتاج إلى قراءةٍ تنصف طبيعة عطائها، وتُبصر موضع فرادتها، وتضعها في سياقها الإبداعي بما يليق بها من إنصاف. ومن هنا، فإنّ الكتابة عن الدكتور طه تقتضي أن نغادر منطقة الثناء المألوف إلى مساحة التأمّل في ماهية النقد نفسه، وفي تلك الخصائص التي تجعل من ناقدٍ ما قارئًا مختلفًا، ومن قراءته إضافةً لا تكرارًا، ومن حكمه ثمرةَ نظرٍ لا صدى انطباع. حين لا يكتفي الناقد بسطح المرآة أحسب أنّ إحدى المعضلات الكبرى في القراءة النقدية تكمن في الخلط بين رؤية النص وفهمه؛ فقد تقع العين على الصورة ولا تدرك هندستها، وتستوقفها العبارة ولا تنفذ إلى جذورها، ويُفتن القارئ ببريق اللفظ حتى يغيب عنه ما وراءه من توترٍ دلالي، أو وجدانٍ متوارٍ، أو رؤيةٍ تتشكّل في المسافة الدقيقة بين المنطوق والمسكوت عنه. أمّا الناقد الذي يمتلك أدواته، فلا يستسلم للسطح وإن أضاء، ولا ينخدع بالزخرف وإن أدهش، بل يتخذ من ظاهر النص عتبةً إلى باطنه، ومن الصورة مفتاحًا إلى بنيتها، ومن المفردة طريقًا إلى شبكة العلاقات التي تمنحها معناها. إنّه لا يكتفي بأن يقول لنا إنّ النص جميل، بل يسعى إلى اكتشاف الكيفية التي تشكّل بها هذا الجمال، ولا يرضى بأن يصف الأثر، بل يتقصّى منابع تكوّنه، ولا يكتفي بالإشارة إلى الدرّة، بل يكشف عن الماء العميق الذي احتضنها، وعن العتمة التي جعلت اكتشافها ضربًا من الاستبصار. وهنا تتجلّى قيمة القراءة التي تستخرج الدرر من تحت ركام الحرف؛ فهي لا تمنح النصوص جمالًا لم يكن فيها، ولا تُحمّلها ما لا تحتمل، وإنما تُزيح عن معانيها غبار الاستعجال، وتعيد ترتيب الضوء فوق تضاريسها، فيرى المتلقي ما كان أمامه ولم يكن قد أبصره. إنّها قراءةٌ تجعل من النقد فعلَ كشفٍ وإضاءة، لا مناسبةً لإطلاق الأحكام؛ ومن هنا تبدو فرادة الدكتور طه في قدرته على تحويل النص من مادةٍ للقراءة إلى فضاءٍ للاكتشاف، ومن كلماتٍ متجاورة إلى عوالم تتشابك فيها الرؤية والعاطفة والفكرة، ويصبح التأويل رحلةً إلى أعماق التجربة الإنسانية. الموضوعية… حين يستقيم الميزان ولا تنطفئ البصيرة ما أكثر الأحكام التي تتزيّا بزيّ النقد، وما أقلّها التي تتجرّد حقًّا من هوى الانطباع! فليس كلُّ من امتلك لغةً جزلة امتلك ميزانًا عادلًا، وليس كلُّ من أحسن تفكيك العبارة أحسن الإنصات إلى روحها؛ إذ قد تتحوّل البلاغة إلى ستارٍ يحجب ضعف الحجة، وقد يصبح النقد استعراضًا للمصطلحات بدل أن يكون معرفةً تُنير النص وتُقارب أسراره. والموضوعية، في أرفع تجلياتها، ليست برودًا يُجرّد القراءة من حسّها الجمالي، ولا مساواةً مصطنعةً بين ما يتفاوت في القيمة، ولا حيادًا سلبيًّا يخشى إصدار الرأي؛ إنّها قدرةٌ على الفصل بين النص وصاحبه، وبين الإعجاب الشخصي والحكم النقدي، وبين ما نرغب في العثور عليه وما تسمح به الشواهد فعلًا. وهي، قبل ذلك وبعده، شجاعةُ الاعتراف بما للنص من مزايا، وما قد يعتريه من هنات، دون أن يتحوّل الثناء إلى محاباة، أو الملاحظة إلى انتقاص. وفي تقديري، فإنّ من أبرز ما يستحق الالتفات في تجربة الدكتور طه النقدية ما يتبدّى في الرصانة والتأنّي، وفي السعي إلى قراءة العمل من داخله بدل إخضاعه لأحكامٍ سابقة عليه. فالناقد الرصين لا يستعجل إصدار الحكم قبل استكمال النظر، ولا يجعل اختلاف الذائقة ذريعةً لإهدار قيمة الآخر، ولا يسمح لسلطة الاسم أن تحجب عنه حقيقة النص؛ إنّه يُبقي ميزانه يقظًا، وبصيرته مفتوحة، وحجته مرتبطةً بما يستطيع أن يُقيم عليه الدليل. ولعلّ أجمل ما في الميزان العادل أنّه لا ينتقص من الجمال حين يحدّد مواضعه، بل يحميه من المبالغة التي تفرغه من صدقيته. فالمديح الذي لا يعرف حدوده يفقد قدرته على الإقناع، أمّا التقدير الذي يستند إلى وعيٍ وقراءةٍ وتمييز، فيمنح المبدع معرفةً أعمق بما ينجزه، ويمنح المتلقي ثقةً أكبر بما يقرأ. وهكذا يغدو النقد، حين يتطهّر من الأهواء، ضربًا من العدالة الجمالية؛ عدالةً لا تساوي بين النصوص قسرًا، ولا ترفع أحدًا على حساب أحد، بل تمنح كلَّ تجربةٍ حقّها بقدر ما تكشف عنه من أصالةٍ وعمقٍ واقتدار. بلاغة الإصغاء إلى ما وراء الكلام إنّ النص الأدبي كائنٌ متعدد الطبقات؛ ظاهره لغة، وعمقه تجربة، وبينهما تتشكّل شبكةٌ من الإيحاءات والرموز والانفعالات التي لا تمنح مفاتيحها للقارئ المستعجل. فقد تختبئ الفكرة الكبرى في تفصيلٍ صغير، وقد تتوارى أكثر العواطف كثافةً خلف عبارةٍ مقتصدة، وقد تحمل صورةٌ واحدة من الإشعاع ما لا تحمله صفحاتٌ من الشرح المباشر. والناقد المتفرّد هو الذي يعرف كيف يُنصت إلى هذا التفاوت بين حجم العبارة واتساع دلالتها؛ فلا يقيس المعنى بعدد الكلمات، ولا يخلط بين غزارة القول وخصوبة الرؤية، ولا يكتفي بما يطفو على سطح اللغة، بل ينزل إلى طبقاتها، متسلّحًا بالمعرفة والحسّ الجمالي والقدرة على الربط والاستنباط. وليس استخراج الدرر من تحت ركام الحرف مجرّد استعارةٍ براقة؛ إنّه وصفٌ لعملٍ ذهنيٍّ شاق، يتطلّب صبرًا على التفاصيل، وحساسيةً تجاه الفروق الدقيقة، وقدرةً على التمييز بين الزينة اللفظية والطاقة التعبيرية الحقيقية. فكم من عبارةٍ تخطف العين ثم تخلو من العمق، وكم من نصٍّ هادئ النبرة يختزن في أعماقه أسئلةً وجوديةً وإنسانيةً تستحق التأمّل الطويل. إنّ القراءة العميقة لا تُسرف في تأويل كل إشارة، ولا تجعل من الغموض فضيلةً مطلقة، وإنما توازن بين ما يقوله النص وما تتيحه بنيته من احتمالات. وفي هذا التوازن تتجلّى براعة الناقد؛ إذ يحفظ للعمل استقلاله، ويمنح التأويل مشروعيته، ويترك للقارئ مساحةً من الحرية دون أن يُطلق المعنى في فوضى لا ضابط لها. وما أحوج ثقافتنا إلى هذا اللون من النقد؛ نقدٍ يعلّمنا كيف نقرأ قبل أن نحكم، وكيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نحتفي بالجمال دون أن نتنازل عن حقّ السؤال. فالأدب لا ينمو بالتصفيق وحده، كما لا يزدهر بالتقريع؛ إنّما ينمو في مناخٍ تتجاور فيه حرية الإبداع ومسؤولية القراءة، ويصبح فيه النقد شريكًا في بناء الوعي، لا حارسًا على أبواب الذائقة. حين يتحوّل النقد إلى إبداعٍ موازٍ ثمة قراءاتٌ تنتهي بانتهاء الصفحة، وقراءاتٌ تظلّ تلاحق القارئ بعد أن يطوي الكتاب؛ لأنّها لا تكتفي بتفسير ما قرأه، بل تغيّر الطريقة التي ينظر بها إلى النص، وربما إلى نفسه وإلى العالم من حوله. وهذه هي المسافة الفاصلة بين القراءة التي تستهلك المعنى والقراءة التي تُنتجه من جديد. فحين يكشف الناقد عن علاقةٍ لم ننتبه إليها، أو يربط صورةً بسياقها النفسي والفكري، أو يستخرج من تفصيلٍ عابر مفتاحًا لتأويل العمل، فإنّه لا يُعيد صياغة النص فحسب، بل يفتح أمامه أفقًا آخر للتلقّي. ولا يعني ذلك أنّ الناقد شريكٌ في تأليف النص، أو أنّ قراءته تحلّ محلّ العمل الأصلي؛ بل إنّ القيمة تكمن في الحوار الخلّاق بين الإبداع وتأويله. فالنصّ العظيم يحتفظ دائمًا بمساحاتٍ تتجدّد فيها القراءة، والناقد المتمكّن يعرف كيف يقترب من هذه المساحات دون أن يدّعي امتلاكها كاملةً. ومن هنا، فإنّ النقد الرفيع لا يقف في برجٍ عاجيٍّ يراقب المبدعين من علٍ، بل ينزل إلى أرض التجربة، ويتعرّف إلى رهاناتها، ويختبر أدواتها، ثم يصوغ رؤيته بوعيٍ يحترم العمل ولا يستسلم له. إنّه لا يخلع على النص تاجًا من الكلمات، بل يكشف عن التاج الذي صنعته التجربة في صميمها، ولا يستعير من اللغة أجنحةً للزينة، بل يستخدمها ليحلّق بالقارئ نحو فهمٍ أرحب. وهذه منزلةٌ لا يبلغها المرء بكثرة المصطلحات وحدها، وإنما بتراكم المعرفة، وتهذيب الذائقة، والتدرّب على مساءلة الذات قبل مساءلة الآخرين. فكلّما اتّسعت ثقافة الناقد، أدرك أنّ النص أكبر من انطباعه الأول، وكلّما نضجت تجربته، ازداد تواضعًا أمام احتمالات المعنى، وأشدّ حرصًا على أن تكون كلمته إضافةً لا عبئًا. طه عبد الرحمن… رصانة الموقف وأناقة الفكر حين أتأمّل ما يستحق التقدير في قلم الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، أجدني أميل إلى الاحتفاء بتلك الخصال التي تمنح القراءة وزنها الحقيقي: الرصانة التي تقي الحكم من التسرّع، والموضوعية التي تحرسه من الهوى، والقدرة على النفاذ إلى ما وراء ظاهر العبارة، ثم صياغة الرؤية في لغةٍ تجمع بين إحكام البناء ووضوح المقصد. إنّ قيمة الناقد لا تُقاس بقدرته على إبهار القارئ بعبارةٍ مدهشة فحسب، بل بما يتركه في وعيه من أثر؛ هل يجعله أكثر انتباهًا إلى اللغة؟ هل يدرّبه على التمييز بين جمال الصورة وعمق الفكرة؟ هل يوسّع أفقه في فهم التجربة الإنسانية؟ وهل يحفظ للاختلاف حقّه، وللحقيقة هيبتها، وللإبداع حريته؟ تلك أسئلةٌ ينبغي أن تظلّ حاضرةً في كل حديثٍ عن النقد، لأنّها تنقلنا من الاحتفاء بالأسماء إلى مساءلة الأثر، ومن الإعجاب بالشخص إلى تقدير العمل والمنهج. وهي كذلك ما يجعل الثناء على الناقد أكثر صدقًا حين يستند إلى خصائص محدّدة، لا إلى أوصافٍ تتكرّر حتى تفقد دلالتها. ولعلّ من أجمل ما يمكن أن يُقال في ناقدٍ يحسن الإنصاف أنّه يجعل المبدع يشعر بأنّ نصّه قد قُرئ حقًّا؛ لا لأنّ الناقد وافقه في كل شيء، بل لأنّه منحه ما يستحقّه من انتباهٍ وتأمّل، ورأى فيه تجربةً جديرةً بالفهم قبل إصدار الحكم. فكم من نصٍّ ظُلم لأنّ قارئه استعجل، وكم من معنىً انطفأ لأنّ عينًا لم تتأنَّ عند عتبته، وكم من موهبةٍ احتاجت إلى قراءةٍ واعية تكشف لها ما أنجزته وما لا يزال أمامها من آفاق. وإذا كان المبدع يضع من روحه شيئًا في نصّه، فإنّ الناقد الجادّ يضع من معرفته وضميره شيئًا في قراءته. وبين الروحين تنشأ تلك العلاقة الرفيعة التي تجعل النقد خدمةً للأدب، وتجعل الحوار بين المبدع وناقده سبيلًا إلى الارتقاء لا ميدانًا للمغالبة. كلمةٌ لا تختزل صاحبها في مديح لستُ أكتب عن الدكتور طه لأضيف اسمًا إلى قائمة الأسماء التي نتبادل الثناء عليها، ولا لأصوغ من الكلمات سياجًا من الإعجاب لا تنفذ إليه أسئلة النقد؛ بل أكتب لأنّ تقدير الأقلام الجادة جزءٌ من الوفاء للثقافة نفسها، ولأنّ الاعتراف بقيمة القراءة الواعية يعيد الاعتبار إلى جهدٍ كثيرًا ما يظلّ خفيًّا خلف النصوص التي نحتفي بها. فالناقد لا يظهر دائمًا في واجهة المشهد، مع أنّه يسهم في تشكيل وعيه؛ يعمل في منطقةٍ دقيقة بين اللغة والفكر، بين ما أراده المبدع وما أنجزه النص، وبين الأثر الذي يتركه العمل والأسئلة التي يثيرها. وهو، في أفضل حالاته، لا يطلب من القارئ أن يتبنّى حكمه، بل يقدّم له من الحجج والملاحظات ما يساعده على أن يرى بنفسه. ومن هنا، فإنّ الإنصاف يقتضي ألّا نجعل من الناقد معصومًا من الخطأ، ولا من المبدع فوق المساءلة؛ فالنقد الحيّ لا يقوم على العصمة، بل على قابلية الرأي للفحص والمراجعة، ولا يزدهر في مناخ التقديس، بل في فضاءٍ تتجاور فيه الثقة والاختلاف، والاحترام والسؤال. غير أنّ الاعتراف بإمكان الخطأ لا ينتقص من قيمة الاجتهاد، بل يمنحه إنسانيته؛ والاحتفاء بناقدٍ نرى في قراءاته رصانةً وموضوعيةً ونفاذًا إلى المعنى لا يعني إغلاق باب الحوار معه، وإنما يعني تقدير ما يضيفه إلى المشهد الثقافي من جهدٍ يستحق الالتفات. وهنا تكمن دلالة الكتابة عن الدكتور طه: أن نُكرم فيه الناقد الذي يُحسن النظر، والأديب الذي يعي مسؤولية الكلمة، والقارئ الذي يمنح النصّ من وقته ما يكفي لاكتشاف طبقاته، دون أن نحبس صورته في صفاتٍ جاهزة أو نُحمّله ما لا تقوله شواهد تجربته. خاتمة: للذين يُنيرون ما وراء الحرف في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، وتُختزل فيه الأعمال أحيانًا في عناوينها، وتعلو فيه ضوضاء الانطباعات على صوت القراءة المتأنّية، يصبح وجود الناقد الرصين ضرورةً ثقافيةً لا مجرّد إضافةٍ جمالية. فالأدب يحتاج إلى من يحتفي به، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى من يفهمه؛ يحتاج إلى عينٍ ترى جماله، وعقلٍ يختبر بنيته، وبصيرةٍ تستخرج دلالاته، وضميرٍ يحفظ للقول حقّه من الإنصاف. والدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، بما ألمسه في قلمه من موضوعيةٍ ورزانةٍ ونفاذٍ إلى مكامن المعنى، يستحقّ أن يُحتفى به من هذا الباب: باب القراءة التي تتجاوز ظاهر الحرف، والنقد الذي يجعل من المعرفة أداةً للفهم، ومن اللغة جسرًا إلى الجوهر، ومن الإنصاف خُلُقًا يحكم العلاقة بين القارئ والنص. تحيةً لقلمٍ يعرف أنّ الحرف ليس سطحًا يُلمس، بل عالمٌ يُستكشف؛ وأنّ المعنى ليس جوهرةً تُعرض في الضوء وحده، بل سرٌّ يحتاج إلى عينٍ تعرف كيف تنفذ إليه؛ وأنّ النقد، حين تتعانق فيه المعرفة والنزاهة والذائقة، يصبح ضربًا من الوفاء للأدب وللإنسان معًا. وتحيةً للدكتور طه، لا لأنّنا نريد أن نُغرقه في المديح، بل لأنّنا نريد أن نقول إنّ الثقافة لا تنهض بالمبدعين وحدهم، ولا بالنقّاد وحدهم، وإنما تنهض بالحوار النزيه بينهما؛ ذلك الحوار الذي يمنح الكلمة حقّها، ويصون الاختلاف من الابتذال، ويجعل من القراءة نافذةً لا تُغلق على معنى واحد. فبعض الأقلام تكتب لتترك أثرًا، وبعض العقول تقرأ لتكشف أثرًا، أمّا الأقلام التي تجمع بين عمق الرؤية ونزاهة الحكم، فإنّها تمنح الأثر حياةً أخرى؛ وتعيد إلى الجوهرة بريقها، وإلى المعنى مملكته، وإلى الحرف حقّه في أن يُرى أبعد ممّا يُقال عنه. وللدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، في هذا المقام، خالص التقدير والاحترام؛ تقديرٌ لا يكتفي بمدح القلم، بل يحتفي بما يجعل الكتابة جديرةً بالقراءة، والنقد جديرًا بالثقة، والثقافة جديرةً بأن تكون ذاكرةً حيّةً للوعي والجمال. ******************************* ردي على مقالة الدكتورة سلوى الفيلالي سلوى الفيلالي… حين يصيرُ الوفاءُ معرفةً وتغدو البلاغةُ ضميرًا للتأويل بقلم: طه دخل الله عبد الرحمن بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ليست منزلةُ الكاتبة فيما تُحسنُ أن تقولَه وحده، بل فيما تُوقظُنا إلى مساءلته؛ وليست قوّةُ بيانها في أن يأخذَنا جمالُه عن النظر، بل في أن يردَّنا إلى النظر أشدَّ انتباهًا وأعمقَ اعتبارًا. ومن هذا الأفق قرأتُ ما كتبتْه الأديبة الشاعرة والناقدة الدكتورة سلوى الفيلالي؛ إذ وجدتُني بإزاء نصٍّ يتّخذُ من التقدير مدخلًا إلى التفكير، ومن الاحتفاء بتجربةٍ نقديّة سبيلًا إلى تأمّل شروط النقد وغاياته. وقد التقتْ في مقالتها رهافةُ مَن تعرفُ ما تُودِعُه الكتابةُ من وجدان، ويقظةُ مَن تسألُ عمّا يُقيمُ القراءةَ من برهان؛ فكان للوفاء فيها دفءُ الشعور، وكان للشعور انضباطُ الرؤية، وكانت للعبارة زينتُها التي تستمدُّ شرعيّتَها من خدمة المعنى، لا من الاستئثار بالنظر. لقد أكرمتْني الدكتورة سلوى بما يبعثُ في النفس سرورًا لا أُخفيه، وحياءً لا أُغفلُ مقتضاه؛ فالمرءُ يفرحُ أن يجدَ لقلمه هذا الموقعَ من التقدير، غير أنّ الأمانةَ تبدأُ حين يسألُ نفسَه عمّا يلزمُه كي يكونَ أهلًا له. وما أريدُ لكلماتها أن تتحوّلَ في يدي إلى وثيقةِ اكتفاء، أو أن أجعلَ من حُسن ظنّها بي حُجّةً على استيفاء ما وصفتْه من خصال. إنّني أتلقّاها ثقةً تستدعي العمل، وشهادةً تستحثُّ المراجعة؛ فكلُّ وصفٍ كريمٍ نُمنَحُه يفتحُ أمامنا واجبًا، وكلُّ منزلةٍ تُرفَعُ لنا في وجدان الآخرين تضعُ على ضميرنا سؤالَ الاستحقاق. ولعلَّ أعمقَ ما في مقالتها أنّها صانتْ تقديرَها من الإطلاق، فلم تجعلِ الناقدَ معصومًا، ولا القراءةَ مُغلقةً على ذاتها؛ بل أبقتْ إمكانَ الخطأ جزءًا من إنسانيّة الاجتهاد، والمراجعةَ شرطًا من شروط حياته. وهذا ممّا يزيدُ الثناءَ صدقًا، ويمنحُه وزنًا أبعدَ من حلاوة الوقع؛ لأنَّ القولَ الذي يسمحُ بمناقشته أكثرُ احترامًا للعقل من القول الذي يطلبُ التسليمَ به. ومن هنا أرى فيما كتبتْه فعلَ ثقةٍ لا فعلَ تفويض؛ ثقةً بأنَّ قلمي يحاولُ الإنصاف، دون أن تُسقِطَ عنه واجبَ إقامة الدليل، أو تُعفيَه من تبعات الحكم. لقد أعادتْني مقالتُها إلى أصل المسألة: ما الذي يجعلُ القراءةَ معرفةً، بدلَ أن تبقى انطباعًا مُتقنَ الصياغة؟ وكيف تنتقلُ من قولنا إنَّ النصَّ جميلٌ إلى الكشف عن العلاقات التي أنتجتْ جمالَه؟ إنَّ الاستجابةَ الأولى، مهما صدقتْ، لا تستنفدُ حقَّ العمل الأدبي؛ فهي تُخبرُنا عمّا وقعَ في القارئ، بينما يحتاجُ النظرُ النقديُّ إلى أن يبيّنَ ما في النصِّ ممّا أسهمَ في إحداث ذلك الوقع. وبين الأثر وتعليله تقومُ مشقّةُ المنهج؛ إذ ينبغي أن نعبرَ من حرارة التلقّي إلى دقّة الوصف، ثم من الوصف إلى تفسيرٍ يستندُ إلى الشواهد، ومن التفسير إلى تقويمٍ تُعرَفُ مقدّماتُه وتُناقَشُ نتائجُه. ولا أرى هذا العبورَ تخلّيًا عن الجمال لصالح البرهان، بل محاولةً لمنح الإحساس بالجمال قدرةً على الإفصاح عن أسبابه. فالذائقةُ تُنبّه، والتحليلُ يستبين، والحجّةُ تتيحُ للآخر أن يختبرَ ما انتهينا إليه؛ وحين تتساندُ هذه المستويات لا يعودُ الحكمُ مجرّدَ امتدادٍ لسلطة صاحبه، بل يصبحُ اقتراحًا معلَّلًا، يستطيعُ القارئُ أن يُوافقَه على بيّنة، أو يُخالفَه على بيّنة. وهذا، فيما أرجوه لممارستي، بعضُ معنى الأمانة النقديّة: أن أُظهرَ الطريقَ الذي سلكتُه إلى الرأي، وألّا أطلبَ من أحدٍ أن يستعيضَ عن فحصه بالثقة باسمي. وقد أصابتِ الدكتورة سلوى موضعًا دقيقًا حين ربطتْ فرادةَ القراءة بقدرتها على النفاذ إلى العلاقات المستترة، لا بالاكتفاء بملامسة الألفاظ الظاهرة. غير أنّني، إذ أعتزُّ بهذا الوصف، أجدُ فيه تكليفًا بمزيدٍ من الاحتراز؛ فما يستترُ في النصّ ليس متاحًا لكلِّ ما نرغبُ في إيداعه فيه، وما يُوحِي به الصمتُ لا يُعفينا من الاستدلال عليه بما نطقَ به الكلام. إنَّ التأويلَ الذي أطمئنُّ إليه يوسّعُ مجالَ الفهم، ويظلُّ قادرًا على بيان ما يسندُ هذا الاتّساع؛ يستجيبُ لتعدّد الدلالة، دون أن يُحوِّلَ التعدّدَ إلى فوضى، ويحترمُ خصوبةَ الإيحاء، دون أن يتّخذَ منها ذريعةً لإسقاط تصوّراته على النصّ. وعند هذه العتبة يظهرُ الفرقُ بين قراءةٍ تكتشفُ إمكانًا وقراءةٍ تفرضُ ادّعاءً. فالاحتمالُ التأويليُّ يقوى بما يفسّرُه من تفاصيل العمل، وبما يُقيمُه من صلاتٍ بين أجزائه، وبقدرته على مواجهة الشواهد التي قد تُعارضُه. أمّا القراءةُ التي لا ترى في النصِّ إلّا ما يُؤيّدُها، فإنّها تُضيّقُه وهي تزعمُ توسيعَه، وتُسكتُه وهي تدّعي استنطاقَه. ولهذا أعدُّ من واجب القارئ أن يصغيَ إلى مقاومة النصِّ لفهمه؛ إلى لفظةٍ تُربكُ الاستنتاج، أو صورةٍ تستدعي مسارًا آخر، أو تفصيلٍ يقتضي تعديلَ الفرضيّة. فليس نضجُ النظر في ألّا يتعثّر، بل في أن يجعلَ من تعثّره سببًا للتبصّر، لا مناسبةً للمكابرة. وفي ضوء ذلك، أقرأُ حديثَها عن «الجوهر» بوصفه دعوةً إلى تجاوز الانطباع العابر نحو انتظامٍ أعمقَ في بناء الدلالة، لا وعدًا بامتلاك سرٍّ نهائيٍّ يَفرغُ النصُّ بانكشافه من كلِّ جديد. فالعملُ الأدبيُّ لا يُختزَلُ إلى عبارةٍ نرفعُها في خاتمة التحليل ونقولُ: هذا كلُّ ما فيه؛ إنّه يُبقي من علاقاته وتوتّراته ما يستدعي عودةَ النظر. وكلُّ قراءةٍ مسؤولةٍ تُحدِّدُ ما استطاعتْ إضاءتَه، وتُقرُّ في الوقت نفسه بما لم تتناوله أو لم تستطعِ الحسمَ فيه. ومن هنا يكونُ التواضعُ دقّةً في تعيين حدود المعرفة، قبل أن يكونَ خُلُقًا في عرضها. وأمّا الموضوعيّةُ التي منحتْها مقالتُها مكانًا بارزًا، فأرجو أن أكونَ ساعيًا إليها بهذا المعنى: أن أعرفَ ما أحملُه معي إلى النصّ، وأن أراقبَ أثرَه فيما أقولُ عنه. لا أدخلُ القراءةَ بلا تاريخٍ من التعلّم، ولا بلا ذائقةٍ صاغتْها التجارب؛ لكنّ مسؤوليّتي أن أُميّزَ بين ما أميلُ إليه وما يدلُّ عليه العمل، وبين ما يُشبهُني وما يستحقُّ التقدير وإن خالفَ مألوفي. فقد يستهويني مقصدٌ لا تُحسنُ العبارةُ تحقيقَه، وقد تُدهشُني صناعةٌ لا أتّفقُ مع رؤيتها؛ والإنصافُ أن أُعطيَ كلَّ مستوى حقَّه من النظر، وألّا أجعلَ اتفاقي مع الفكرة شهادةً آليّةً لجودة بنائها، أو اختلافي معها مسوّغًا لإهدار ما أُنجزَ فيها. ويزدادُ هذا الامتحانُ دقّةً حين يكونُ بين الكاتب وقارئه ودٌّ وتقدير؛ إذ تصبحُ المحبّةُ جديرةً بأن تُصانَ بالصدق، لا بأن تُستثمَرَ في الإعفاء منه. ولعلَّ أجملَ ما ينبغي أن نرجوه لحوارنا، يا دكتورة سلوى، أن يحتملَ المراجعةَ كما احتملَ الثناء، وأن يتّسعَ للاختلاف كما اتّسعَ للامتنان؛ فما نفعُ ثقةٍ تنهارُ عند أوّل ملاحظة، أو احترامٍ لا يعيشُ إلّا في ظلِّ الموافقة؟ إنَّ الودَّ الذي أعتزُّ به معكِ هو ما يُعينُ على صفاء النظر، ويجعلُ المصارحةَ ممكنةً دون جفاء، والمخالفةَ مأمونةً من شبهة الانتقاص. وقد استوقفتْني في مقالتكِ عنايتُكِ باللغة النقديّة، وبالمسافة بين جزالة العبارة وقوّة الحجّة. وهنا أجدُني أمام سؤالٍ يمسُّ ما أحبُّه في الكتابة وما أخشاه عليها: كيف نمنحُ الفكرةَ جمالَ البيان، دون أن نسمحَ للبيان بأن يسترَ هشاشتَها؟ إنَّ البلاغةَ التي أرجوها لا تُغري القارئَ بتجاوز السؤال، بل تُعينُه على إحكامه؛ تُقرِّبُ العلاقةَ الدقيقة، وتُجسِّدُ التوتّرَ الخفيّ، وتمنحُ الاستدلالَ وضوحًا تُؤازرُه المتعة. وحين يجيءُ السجعُ تابعًا لتقابلٍ حقيقيٍّ في الفكرة، يستقيمُ المعنى وتستجيبُ الموسيقى؛ أمّا حين تُقادُ الفكرةُ إلى قافيةٍ لا تحتاجُ إليها، فإنَّ العبارةَ قد تربحُ جرسَها وتخسرُ وجهتَها. ومن أجل ذلك أرى أنّ للكتابة أمانةً تسبقُ الإعجابَ بها: أن نُحسنَ اختيارَ ما نقول، وأن نعرفَ ما تُضيفُه كلُّ جملةٍ إلى مسار القول، وأن نحتملَ مشقّةَ الحذف كما نستلذُّ متعةَ الإنشاء. فالكاتبُ لا يمنحُ قارئَه ما امتلأتْ به نفسُه على علاته؛ بل يُعيدُ النظرَ فيه، ويُهذِّبُ ترتيبَه، ويختبرُ قدرتَه على أن يصيرَ تجربةً قابلةً للمشاركة. وبين خاطرٍ يُلحُّ ونصٍّ يستحقُّ أن يُقرأ تقومُ صناعةُ المعنى: يختارُ الكاتبُ، ويستبعدُ، ويُراجعُ، ويُقيمُ للانفعال صورةً تحفظُ حرارتَه وتمنحُه نظامَه. وبهذا يصبحُ الإتقانُ وجهًا من وجوه احترام الآخر، لأنَّ وقتَ القارئ أمانةٌ أيضًا. وحين تصفين النقدَ بأنّه إبداعٌ موازٍ، أفهمُ هذا الوصفَ في ضوء تلك الأمانة؛ فالإبداعُ في القراءة هو قدرةٌ على بناء فهمٍ نافذٍ وصياغته صياغةً تكشفُه، دون أن تُزاحمَ النصَّ على مقامه أو تجعلَه ذريعةً لاستعراض القارئ. يجوزُ للناقد أن تكونَ له نبرتُه، وأن يحملَ تحليلُه أثرَ شخصيّته، لكنَّ نجاحَه، فيما أرجوه، أن يعودَ القارئُ بعده إلى العمل الأصليِّ أقدرَ على الإصغاء، لا أن يكتفيَ عنه ببلاغة الشرح. وأحبُّ لقراءتي أن تكونَ جسرًا يُعبَر، لا بناءً يحجبُ الضفّةَ التي أُقيمَ من أجل الوصول إليها. ثمّة، في رسالتكِ، فضلٌ آخرُ أشدُّ خصوصيّةً: لقد جعلتْني أختبرُ قدرتي على تطبيق ما أدعو إليه حين يكونُ القولُ في صالحي. فما أسهلَ أن نطالبَ بفحص الأحكام التي تُخالفُنا، وما أشقَّ أن نُبقيَ يقظةَ الفحص أمامَ ما يُسرُّنا! لذلك لا أريدُ لامتناني أن يتحوّلَ إلى استرسالٍ في تصديق صورتي، ولا لشهادتكِ أن تصبحَ مادّةً أُقيمُ بها مديحًا لنفسي. أريدُ أن أردَّ الثقةَ إلى موضعها الأخصب: إلى الممارسة المقبلة، حيثُ يُمتحَنُ التأنّي مرّةً أخرى، وتُختبَرُ النزاهةُ من جديد، وتحتاجُ كلُّ دعوى إلى ما يسندُها، مهما سبقَ لصاحبها من تقدير. وهنا أراكِ في مقالتكِ قد منحتِ التقديرَ شكلًا يليقُ به؛ إذ ربطتِه بخصائصَ قابلةٍ للفهم والمناقشة، ووصلتِه بأسئلة الأثر والمنهج، وأبقيتِ مسافةً ضروريّةً بين احترام الإنسان وتصويب كلِّ ما يصدرُ عنه. هذه المسافةُ لا تُضعفُ حرارةَ الثناء، بل تحفظُ له صدقيّتَه؛ وتجعلُني أعتزُّ بما كتبتِه لأنّه صادرٌ عن نظرٍ يُريدُ أن يُعلِّلَ محبّتَه، وعن محبّةٍ لا تُريدُ أن تُعطِّلَ نظرَها. يا سيّدةَ الحرف، لقد بلغتْ كلماتُكِ موضعًا عزيزًا في نفسي؛ غير أنّ أجملَ ما أرجوه لها ألّا تبقى ذكرى سارّةً أعودُ إليها طلبًا للرضا، بل أن تصيرَ تذكيرًا أعودُ إليه طلبًا للاستقامة. فإذا هممتُ بحكمٍ، ذكّرتْني بحقِّ النصِّ في التأنّي؛ وإذا راقتْ لي عبارتي، سألتْني عمّا يسندُها من معنى؛ وإذا أغراني الثناءُ بالاطمئنان، أعادتْني إلى فضيلة المراجعة. ذلك هو الشكرُ الذي أرجو أن يُصدِّقَ كلامي عن الامتنان: أثرٌ في طريقة العمل، ويقظةٌ في الضمير، وعنايةٌ تتجدّدُ كلّما تجدّدتِ القراءة. فلكِ منّي تقديرٌ لما بذلتِ من فكرٍ ووقتٍ وعناية، وامتنانٌ لهذا الوفاء الذي أحسنَ أن يجدَ لحرارته نظامًا، ولجماله مقصدًا. وأسألُ الله أن يحفظَ لروحكِ نضارتَها، ولفكركِ حريّتَه المسؤولة، ولقلمكِ قدرتَه على أن يجمعَ دقّةَ النظر ودفءَ الأثر؛ وأن يظلَّ الأدبُ بيننا مجالًا نتعلّمُ فيه كيف نرى أكثر، وكيف ندّعي أقلّ، وكيف نكونُ بما نعرفُ أرحبَ صدرًا وأعدلَ حكمًا. وليبقَ هذا الحوارُ عهدًا نُجدِّدُه بالعمل: نمنحُ النصَّ من الانتباه ما يستحقّ، ونمنحُ الرأيَ من الفحص ما يحتاج، ونمنحُ الإنسانَ من الاحترام ما يصونُ كرامتَه في الوفاق والاختلاف. فما أرفعَ البيانَ حين يعرفُ حدودَه، وما أعمقَ المعرفةَ حين تُراجعُ أدواتَها، وما أكرمَ الوفاءَ حين يزيدُنا إخلاصًا للحقيقة التي جمعتْنا، لا اكتفاءً بالثناء الذي تبادلناه. طه دخل الله عبد الرحمن البعنه == الجليل 30/10/2026 *******************
حين تتآخى البصيرةُ والبيان: حوارُ الوفاء وأمانةُ التأويل بين سلوى الفيلالي وطه دخل الله عبد الرحمن قراءتان تتعانقان في فلسفة الكتابة وعدالة النقد وميثاق الكلمة. كتبت الدكتورة سلوى الفيلالي الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن… حين تصبح البصيرةُ مِحكَّ الحرف، ويغدو النقدُ اكتشافًا للجوهر قراءة في فرادة الناقد الذي لا يكتفي بملامسة النصوص، بل ينفذ إلى طبقاتها المستترة، ويستخرج من صمتها ما تعجز عنه العيون العابرة. بقلم الدكتورة سلوى الفيلالي بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ليست الكتابةُ جميعُها سواء، كما أنّ القراءة ليست فعلًا واحدًا تتشابه فيه العيون وإن اختلفت النصوص؛ فثمّة من يمرّ على الحروف فيحصي ألفاظها، وثمّة من يتأمّلها فيستبين دلالاتها، وثمّة قِلّةٌ نادرة تتجاوز ظاهر القول إلى تخومه البعيدة، وتُصغي إلى ما لم يُقَل بقدر ما تُصغي إلى ما قيل، وتستخرج من تضاعيف المعنى جواهرَ ظلّت مستترةً تحت طبقات التعبير. عند هذه العتبة تحديدًا، حيث تنتهي القراءة العابرة وتبدأ مغامرة البصيرة، يلوح اسم الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن بوصفه ناقدًا يمتلك من رصانة النظر ما يُجنّبه التسرّع، ومن خصوبة التأويل ما يحرّره من أسر الظاهر، ومن نزاهة الموقف ما يجعل النقد لديه مسؤوليةً معرفيةً قبل أن يكون ممارسةً لغوية. إنّ الحديث عن هذا القلم ليس استدعاءً لمعجم المديح، ولا محاولةً لإقامة تمثالٍ من الصفات حول صاحبه؛ فالأقلام التي تستحق التقدير لا تحتاج إلى ضجيجٍ يرفعها، وإنما تحتاج إلى قراءةٍ تنصف طبيعة عطائها، وتُبصر موضع فرادتها، وتضعها في سياقها الإبداعي بما يليق بها من إنصاف. ومن هنا، فإنّ الكتابة عن الدكتور طه تقتضي أن نغادر منطقة الثناء المألوف إلى مساحة التأمّل في ماهية النقد نفسه، وفي تلك الخصائص التي تجعل من ناقدٍ ما قارئًا مختلفًا، ومن قراءته إضافةً لا تكرارًا، ومن حكمه ثمرةَ نظرٍ لا صدى انطباع. حين لا يكتفي الناقد بسطح المرآة أحسب أنّ إحدى المعضلات الكبرى في القراءة النقدية تكمن في الخلط بين رؤية النص وفهمه؛ فقد تقع العين على الصورة ولا تدرك هندستها، وتستوقفها العبارة ولا تنفذ إلى جذورها، ويُفتن القارئ ببريق اللفظ حتى يغيب عنه ما وراءه من توترٍ دلالي، أو وجدانٍ متوارٍ، أو رؤيةٍ تتشكّل في المسافة الدقيقة بين المنطوق والمسكوت عنه. أمّا الناقد الذي يمتلك أدواته، فلا يستسلم للسطح وإن أضاء، ولا ينخدع بالزخرف وإن أدهش، بل يتخذ من ظاهر النص عتبةً إلى باطنه، ومن الصورة مفتاحًا إلى بنيتها، ومن المفردة طريقًا إلى شبكة العلاقات التي تمنحها معناها. إنّه لا يكتفي بأن يقول لنا إنّ النص جميل، بل يسعى إلى اكتشاف الكيفية التي تشكّل بها هذا الجمال، ولا يرضى بأن يصف الأثر، بل يتقصّى منابع تكوّنه، ولا يكتفي بالإشارة إلى الدرّة، بل يكشف عن الماء العميق الذي احتضنها، وعن العتمة التي جعلت اكتشافها ضربًا من الاستبصار. وهنا تتجلّى قيمة القراءة التي تستخرج الدرر من تحت ركام الحرف؛ فهي لا تمنح النصوص جمالًا لم يكن فيها، ولا تُحمّلها ما لا تحتمل، وإنما تُزيح عن معانيها غبار الاستعجال، وتعيد ترتيب الضوء فوق تضاريسها، فيرى المتلقي ما كان أمامه ولم يكن قد أبصره. إنّها قراءةٌ تجعل من النقد فعلَ كشفٍ وإضاءة، لا مناسبةً لإطلاق الأحكام؛ ومن هنا تبدو فرادة الدكتور طه في قدرته على تحويل النص من مادةٍ للقراءة إلى فضاءٍ للاكتشاف، ومن كلماتٍ متجاورة إلى عوالم تتشابك فيها الرؤية والعاطفة والفكرة، ويصبح التأويل رحلةً إلى أعماق التجربة الإنسانية. الموضوعية… حين يستقيم الميزان ولا تنطفئ البصيرة ما أكثر الأحكام التي تتزيّا بزيّ النقد، وما أقلّها التي تتجرّد حقًّا من هوى الانطباع! فليس كلُّ من امتلك لغةً جزلة امتلك ميزانًا عادلًا، وليس كلُّ من أحسن تفكيك العبارة أحسن الإنصات إلى روحها؛ إذ قد تتحوّل البلاغة إلى ستارٍ يحجب ضعف الحجة، وقد يصبح النقد استعراضًا للمصطلحات بدل أن يكون معرفةً تُنير النص وتُقارب أسراره. والموضوعية، في أرفع تجلياتها، ليست برودًا يُجرّد القراءة من حسّها الجمالي، ولا مساواةً مصطنعةً بين ما يتفاوت في القيمة، ولا حيادًا سلبيًّا يخشى إصدار الرأي؛ إنّها قدرةٌ على الفصل بين النص وصاحبه، وبين الإعجاب الشخصي والحكم النقدي، وبين ما نرغب في العثور عليه وما تسمح به الشواهد فعلًا. وهي، قبل ذلك وبعده، شجاعةُ الاعتراف بما للنص من مزايا، وما قد يعتريه من هنات، دون أن يتحوّل الثناء إلى محاباة، أو الملاحظة إلى انتقاص. وفي تقديري، فإنّ من أبرز ما يستحق الالتفات في تجربة الدكتور طه النقدية ما يتبدّى في الرصانة والتأنّي، وفي السعي إلى قراءة العمل من داخله بدل إخضاعه لأحكامٍ سابقة عليه. فالناقد الرصين لا يستعجل إصدار الحكم قبل استكمال النظر، ولا يجعل اختلاف الذائقة ذريعةً لإهدار قيمة الآخر، ولا يسمح لسلطة الاسم أن تحجب عنه حقيقة النص؛ إنّه يُبقي ميزانه يقظًا، وبصيرته مفتوحة، وحجته مرتبطةً بما يستطيع أن يُقيم عليه الدليل. ولعلّ أجمل ما في الميزان العادل أنّه لا ينتقص من الجمال حين يحدّد مواضعه، بل يحميه من المبالغة التي تفرغه من صدقيته. فالمديح الذي لا يعرف حدوده يفقد قدرته على الإقناع، أمّا التقدير الذي يستند إلى وعيٍ وقراءةٍ وتمييز، فيمنح المبدع معرفةً أعمق بما ينجزه، ويمنح المتلقي ثقةً أكبر بما يقرأ. وهكذا يغدو النقد، حين يتطهّر من الأهواء، ضربًا من العدالة الجمالية؛ عدالةً لا تساوي بين النصوص قسرًا، ولا ترفع أحدًا على حساب أحد، بل تمنح كلَّ تجربةٍ حقّها بقدر ما تكشف عنه من أصالةٍ وعمقٍ واقتدار. بلاغة الإصغاء إلى ما وراء الكلام إنّ النص الأدبي كائنٌ متعدد الطبقات؛ ظاهره لغة، وعمقه تجربة، وبينهما تتشكّل شبكةٌ من الإيحاءات والرموز والانفعالات التي لا تمنح مفاتيحها للقارئ المستعجل. فقد تختبئ الفكرة الكبرى في تفصيلٍ صغير، وقد تتوارى أكثر العواطف كثافةً خلف عبارةٍ مقتصدة، وقد تحمل صورةٌ واحدة من الإشعاع ما لا تحمله صفحاتٌ من الشرح المباشر. والناقد المتفرّد هو الذي يعرف كيف يُنصت إلى هذا التفاوت بين حجم العبارة واتساع دلالتها؛ فلا يقيس المعنى بعدد الكلمات، ولا يخلط بين غزارة القول وخصوبة الرؤية، ولا يكتفي بما يطفو على سطح اللغة، بل ينزل إلى طبقاتها، متسلّحًا بالمعرفة والحسّ الجمالي والقدرة على الربط والاستنباط. وليس استخراج الدرر من تحت ركام الحرف مجرّد استعارةٍ براقة؛ إنّه وصفٌ لعملٍ ذهنيٍّ شاق، يتطلّب صبرًا على التفاصيل، وحساسيةً تجاه الفروق الدقيقة، وقدرةً على التمييز بين الزينة اللفظية والطاقة التعبيرية الحقيقية. فكم من عبارةٍ تخطف العين ثم تخلو من العمق، وكم من نصٍّ هادئ النبرة يختزن في أعماقه أسئلةً وجوديةً وإنسانيةً تستحق التأمّل الطويل. إنّ القراءة العميقة لا تُسرف في تأويل كل إشارة، ولا تجعل من الغموض فضيلةً مطلقة، وإنما توازن بين ما يقوله النص وما تتيحه بنيته من احتمالات. وفي هذا التوازن تتجلّى براعة الناقد؛ إذ يحفظ للعمل استقلاله، ويمنح التأويل مشروعيته، ويترك للقارئ مساحةً من الحرية دون أن يُطلق المعنى في فوضى لا ضابط لها. وما أحوج ثقافتنا إلى هذا اللون من النقد؛ نقدٍ يعلّمنا كيف نقرأ قبل أن نحكم، وكيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نحتفي بالجمال دون أن نتنازل عن حقّ السؤال. فالأدب لا ينمو بالتصفيق وحده، كما لا يزدهر بالتقريع؛ إنّما ينمو في مناخٍ تتجاور فيه حرية الإبداع ومسؤولية القراءة، ويصبح فيه النقد شريكًا في بناء الوعي، لا حارسًا على أبواب الذائقة. حين يتحوّل النقد إلى إبداعٍ موازٍ ثمة قراءاتٌ تنتهي بانتهاء الصفحة، وقراءاتٌ تظلّ تلاحق القارئ بعد أن يطوي الكتاب؛ لأنّها لا تكتفي بتفسير ما قرأه، بل تغيّر الطريقة التي ينظر بها إلى النص، وربما إلى نفسه وإلى العالم من حوله. وهذه هي المسافة الفاصلة بين القراءة التي تستهلك المعنى والقراءة التي تُنتجه من جديد. فحين يكشف الناقد عن علاقةٍ لم ننتبه إليها، أو يربط صورةً بسياقها النفسي والفكري، أو يستخرج من تفصيلٍ عابر مفتاحًا لتأويل العمل، فإنّه لا يُعيد صياغة النص فحسب، بل يفتح أمامه أفقًا آخر للتلقّي. ولا يعني ذلك أنّ الناقد شريكٌ في تأليف النص، أو أنّ قراءته تحلّ محلّ العمل الأصلي؛ بل إنّ القيمة تكمن في الحوار الخلّاق بين الإبداع وتأويله. فالنصّ العظيم يحتفظ دائمًا بمساحاتٍ تتجدّد فيها القراءة، والناقد المتمكّن يعرف كيف يقترب من هذه المساحات دون أن يدّعي امتلاكها كاملةً. ومن هنا، فإنّ النقد الرفيع لا يقف في برجٍ عاجيٍّ يراقب المبدعين من علٍ، بل ينزل إلى أرض التجربة، ويتعرّف إلى رهاناتها، ويختبر أدواتها، ثم يصوغ رؤيته بوعيٍ يحترم العمل ولا يستسلم له. إنّه لا يخلع على النص تاجًا من الكلمات، بل يكشف عن التاج الذي صنعته التجربة في صميمها، ولا يستعير من اللغة أجنحةً للزينة، بل يستخدمها ليحلّق بالقارئ نحو فهمٍ أرحب. وهذه منزلةٌ لا يبلغها المرء بكثرة المصطلحات وحدها، وإنما بتراكم المعرفة، وتهذيب الذائقة، والتدرّب على مساءلة الذات قبل مساءلة الآخرين. فكلّما اتّسعت ثقافة الناقد، أدرك أنّ النص أكبر من انطباعه الأول، وكلّما نضجت تجربته، ازداد تواضعًا أمام احتمالات المعنى، وأشدّ حرصًا على أن تكون كلمته إضافةً لا عبئًا. طه عبد الرحمن… رصانة الموقف وأناقة الفكر حين أتأمّل ما يستحق التقدير في قلم الدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، أجدني أميل إلى الاحتفاء بتلك الخصال التي تمنح القراءة وزنها الحقيقي: الرصانة التي تقي الحكم من التسرّع، والموضوعية التي تحرسه من الهوى، والقدرة على النفاذ إلى ما وراء ظاهر العبارة، ثم صياغة الرؤية في لغةٍ تجمع بين إحكام البناء ووضوح المقصد. إنّ قيمة الناقد لا تُقاس بقدرته على إبهار القارئ بعبارةٍ مدهشة فحسب، بل بما يتركه في وعيه من أثر؛ هل يجعله أكثر انتباهًا إلى اللغة؟ هل يدرّبه على التمييز بين جمال الصورة وعمق الفكرة؟ هل يوسّع أفقه في فهم التجربة الإنسانية؟ وهل يحفظ للاختلاف حقّه، وللحقيقة هيبتها، وللإبداع حريته؟ تلك أسئلةٌ ينبغي أن تظلّ حاضرةً في كل حديثٍ عن النقد، لأنّها تنقلنا من الاحتفاء بالأسماء إلى مساءلة الأثر، ومن الإعجاب بالشخص إلى تقدير العمل والمنهج. وهي كذلك ما يجعل الثناء على الناقد أكثر صدقًا حين يستند إلى خصائص محدّدة، لا إلى أوصافٍ تتكرّر حتى تفقد دلالتها. ولعلّ من أجمل ما يمكن أن يُقال في ناقدٍ يحسن الإنصاف أنّه يجعل المبدع يشعر بأنّ نصّه قد قُرئ حقًّا؛ لا لأنّ الناقد وافقه في كل شيء، بل لأنّه منحه ما يستحقّه من انتباهٍ وتأمّل، ورأى فيه تجربةً جديرةً بالفهم قبل إصدار الحكم. فكم من نصٍّ ظُلم لأنّ قارئه استعجل، وكم من معنىً انطفأ لأنّ عينًا لم تتأنَّ عند عتبته، وكم من موهبةٍ احتاجت إلى قراءةٍ واعية تكشف لها ما أنجزته وما لا يزال أمامها من آفاق. وإذا كان المبدع يضع من روحه شيئًا في نصّه، فإنّ الناقد الجادّ يضع من معرفته وضميره شيئًا في قراءته. وبين الروحين تنشأ تلك العلاقة الرفيعة التي تجعل النقد خدمةً للأدب، وتجعل الحوار بين المبدع وناقده سبيلًا إلى الارتقاء لا ميدانًا للمغالبة. كلمةٌ لا تختزل صاحبها في مديح لستُ أكتب عن الدكتور طه لأضيف اسمًا إلى قائمة الأسماء التي نتبادل الثناء عليها، ولا لأصوغ من الكلمات سياجًا من الإعجاب لا تنفذ إليه أسئلة النقد؛ بل أكتب لأنّ تقدير الأقلام الجادة جزءٌ من الوفاء للثقافة نفسها، ولأنّ الاعتراف بقيمة القراءة الواعية يعيد الاعتبار إلى جهدٍ كثيرًا ما يظلّ خفيًّا خلف النصوص التي نحتفي بها. فالناقد لا يظهر دائمًا في واجهة المشهد، مع أنّه يسهم في تشكيل وعيه؛ يعمل في منطقةٍ دقيقة بين اللغة والفكر، بين ما أراده المبدع وما أنجزه النص، وبين الأثر الذي يتركه العمل والأسئلة التي يثيرها. وهو، في أفضل حالاته، لا يطلب من القارئ أن يتبنّى حكمه، بل يقدّم له من الحجج والملاحظات ما يساعده على أن يرى بنفسه. ومن هنا، فإنّ الإنصاف يقتضي ألّا نجعل من الناقد معصومًا من الخطأ، ولا من المبدع فوق المساءلة؛ فالنقد الحيّ لا يقوم على العصمة، بل على قابلية الرأي للفحص والمراجعة، ولا يزدهر في مناخ التقديس، بل في فضاءٍ تتجاور فيه الثقة والاختلاف، والاحترام والسؤال. غير أنّ الاعتراف بإمكان الخطأ لا ينتقص من قيمة الاجتهاد، بل يمنحه إنسانيته؛ والاحتفاء بناقدٍ نرى في قراءاته رصانةً وموضوعيةً ونفاذًا إلى المعنى لا يعني إغلاق باب الحوار معه، وإنما يعني تقدير ما يضيفه إلى المشهد الثقافي من جهدٍ يستحق الالتفات. وهنا تكمن دلالة الكتابة عن الدكتور طه: أن نُكرم فيه الناقد الذي يُحسن النظر، والأديب الذي يعي مسؤولية الكلمة، والقارئ الذي يمنح النصّ من وقته ما يكفي لاكتشاف طبقاته، دون أن نحبس صورته في صفاتٍ جاهزة أو نُحمّله ما لا تقوله شواهد تجربته. خاتمة: للذين يُنيرون ما وراء الحرف في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، وتُختزل فيه الأعمال أحيانًا في عناوينها، وتعلو فيه ضوضاء الانطباعات على صوت القراءة المتأنّية، يصبح وجود الناقد الرصين ضرورةً ثقافيةً لا مجرّد إضافةٍ جمالية. فالأدب يحتاج إلى من يحتفي به، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى من يفهمه؛ يحتاج إلى عينٍ ترى جماله، وعقلٍ يختبر بنيته، وبصيرةٍ تستخرج دلالاته، وضميرٍ يحفظ للقول حقّه من الإنصاف. والدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، بما ألمسه في قلمه من موضوعيةٍ ورزانةٍ ونفاذٍ إلى مكامن المعنى، يستحقّ أن يُحتفى به من هذا الباب: باب القراءة التي تتجاوز ظاهر الحرف، والنقد الذي يجعل من المعرفة أداةً للفهم، ومن اللغة جسرًا إلى الجوهر، ومن الإنصاف خُلُقًا يحكم العلاقة بين القارئ والنص. تحيةً لقلمٍ يعرف أنّ الحرف ليس سطحًا يُلمس، بل عالمٌ يُستكشف؛ وأنّ المعنى ليس جوهرةً تُعرض في الضوء وحده، بل سرٌّ يحتاج إلى عينٍ تعرف كيف تنفذ إليه؛ وأنّ النقد، حين تتعانق فيه المعرفة والنزاهة والذائقة، يصبح ضربًا من الوفاء للأدب وللإنسان معًا. وتحيةً للدكتور طه، لا لأنّنا نريد أن نُغرقه في المديح، بل لأنّنا نريد أن نقول إنّ الثقافة لا تنهض بالمبدعين وحدهم، ولا بالنقّاد وحدهم، وإنما تنهض بالحوار النزيه بينهما؛ ذلك الحوار الذي يمنح الكلمة حقّها، ويصون الاختلاف من الابتذال، ويجعل من القراءة نافذةً لا تُغلق على معنى واحد. فبعض الأقلام تكتب لتترك أثرًا، وبعض العقول تقرأ لتكشف أثرًا، أمّا الأقلام التي تجمع بين عمق الرؤية ونزاهة الحكم، فإنّها تمنح الأثر حياةً أخرى؛ وتعيد إلى الجوهرة بريقها، وإلى المعنى مملكته، وإلى الحرف حقّه في أن يُرى أبعد ممّا يُقال عنه. وللدكتور طه دخل الله عبد الرحمن، في هذا المقام، خالص التقدير والاحترام؛ تقديرٌ لا يكتفي بمدح القلم، بل يحتفي بما يجعل الكتابة جديرةً بالقراءة، والنقد جديرًا بالثقة، والثقافة جديرةً بأن تكون ذاكرةً حيّةً للوعي والجمال. ******************************* ردي على مقالة الدكتورة سلوى الفيلالي سلوى الفيلالي… حين يصيرُ الوفاءُ معرفةً وتغدو البلاغةُ ضميرًا للتأويل بقلم: طه دخل الله عبد الرحمن بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ليست منزلةُ الكاتبة فيما تُحسنُ أن تقولَه وحده، بل فيما تُوقظُنا إلى مساءلته؛ وليست قوّةُ بيانها في أن يأخذَنا جمالُه عن النظر، بل في أن يردَّنا إلى النظر أشدَّ انتباهًا وأعمقَ اعتبارًا. ومن هذا الأفق قرأتُ ما كتبتْه الأديبة الشاعرة والناقدة الدكتورة سلوى الفيلالي؛ إذ وجدتُني بإزاء نصٍّ يتّخذُ من التقدير مدخلًا إلى التفكير، ومن الاحتفاء بتجربةٍ نقديّة سبيلًا إلى تأمّل شروط النقد وغاياته. وقد التقتْ في مقالتها رهافةُ مَن تعرفُ ما تُودِعُه الكتابةُ من وجدان، ويقظةُ مَن تسألُ عمّا يُقيمُ القراءةَ من برهان؛ فكان للوفاء فيها دفءُ الشعور، وكان للشعور انضباطُ الرؤية، وكانت للعبارة زينتُها التي تستمدُّ شرعيّتَها من خدمة المعنى، لا من الاستئثار بالنظر. لقد أكرمتْني الدكتورة سلوى بما يبعثُ في النفس سرورًا لا أُخفيه، وحياءً لا أُغفلُ مقتضاه؛ فالمرءُ يفرحُ أن يجدَ لقلمه هذا الموقعَ من التقدير، غير أنّ الأمانةَ تبدأُ حين يسألُ نفسَه عمّا يلزمُه كي يكونَ أهلًا له. وما أريدُ لكلماتها أن تتحوّلَ في يدي إلى وثيقةِ اكتفاء، أو أن أجعلَ من حُسن ظنّها بي حُجّةً على استيفاء ما وصفتْه من خصال. إنّني أتلقّاها ثقةً تستدعي العمل، وشهادةً تستحثُّ المراجعة؛ فكلُّ وصفٍ كريمٍ نُمنَحُه يفتحُ أمامنا واجبًا، وكلُّ منزلةٍ تُرفَعُ لنا في وجدان الآخرين تضعُ على ضميرنا سؤالَ الاستحقاق. ولعلَّ أعمقَ ما في مقالتها أنّها صانتْ تقديرَها من الإطلاق، فلم تجعلِ الناقدَ معصومًا، ولا القراءةَ مُغلقةً على ذاتها؛ بل أبقتْ إمكانَ الخطأ جزءًا من إنسانيّة الاجتهاد، والمراجعةَ شرطًا من شروط حياته. وهذا ممّا يزيدُ الثناءَ صدقًا، ويمنحُه وزنًا أبعدَ من حلاوة الوقع؛ لأنَّ القولَ الذي يسمحُ بمناقشته أكثرُ احترامًا للعقل من القول الذي يطلبُ التسليمَ به. ومن هنا أرى فيما كتبتْه فعلَ ثقةٍ لا فعلَ تفويض؛ ثقةً بأنَّ قلمي يحاولُ الإنصاف، دون أن تُسقِطَ عنه واجبَ إقامة الدليل، أو تُعفيَه من تبعات الحكم. لقد أعادتْني مقالتُها إلى أصل المسألة: ما الذي يجعلُ القراءةَ معرفةً، بدلَ أن تبقى انطباعًا مُتقنَ الصياغة؟ وكيف تنتقلُ من قولنا إنَّ النصَّ جميلٌ إلى الكشف عن العلاقات التي أنتجتْ جمالَه؟ إنَّ الاستجابةَ الأولى، مهما صدقتْ، لا تستنفدُ حقَّ العمل الأدبي؛ فهي تُخبرُنا عمّا وقعَ في القارئ، بينما يحتاجُ النظرُ النقديُّ إلى أن يبيّنَ ما في النصِّ ممّا أسهمَ في إحداث ذلك الوقع. وبين الأثر وتعليله تقومُ مشقّةُ المنهج؛ إذ ينبغي أن نعبرَ من حرارة التلقّي إلى دقّة الوصف، ثم من الوصف إلى تفسيرٍ يستندُ إلى الشواهد، ومن التفسير إلى تقويمٍ تُعرَفُ مقدّماتُه وتُناقَشُ نتائجُه. ولا أرى هذا العبورَ تخلّيًا عن الجمال لصالح البرهان، بل محاولةً لمنح الإحساس بالجمال قدرةً على الإفصاح عن أسبابه. فالذائقةُ تُنبّه، والتحليلُ يستبين، والحجّةُ تتيحُ للآخر أن يختبرَ ما انتهينا إليه؛ وحين تتساندُ هذه المستويات لا يعودُ الحكمُ مجرّدَ امتدادٍ لسلطة صاحبه، بل يصبحُ اقتراحًا معلَّلًا، يستطيعُ القارئُ أن يُوافقَه على بيّنة، أو يُخالفَه على بيّنة. وهذا، فيما أرجوه لممارستي، بعضُ معنى الأمانة النقديّة: أن أُظهرَ الطريقَ الذي سلكتُه إلى الرأي، وألّا أطلبَ من أحدٍ أن يستعيضَ عن فحصه بالثقة باسمي. وقد أصابتِ الدكتورة سلوى موضعًا دقيقًا حين ربطتْ فرادةَ القراءة بقدرتها على النفاذ إلى العلاقات المستترة، لا بالاكتفاء بملامسة الألفاظ الظاهرة. غير أنّني، إذ أعتزُّ بهذا الوصف، أجدُ فيه تكليفًا بمزيدٍ من الاحتراز؛ فما يستترُ في النصّ ليس متاحًا لكلِّ ما نرغبُ في إيداعه فيه، وما يُوحِي به الصمتُ لا يُعفينا من الاستدلال عليه بما نطقَ به الكلام. إنَّ التأويلَ الذي أطمئنُّ إليه يوسّعُ مجالَ الفهم، ويظلُّ قادرًا على بيان ما يسندُ هذا الاتّساع؛ يستجيبُ لتعدّد الدلالة، دون أن يُحوِّلَ التعدّدَ إلى فوضى، ويحترمُ خصوبةَ الإيحاء، دون أن يتّخذَ منها ذريعةً لإسقاط تصوّراته على النصّ. وعند هذه العتبة يظهرُ الفرقُ بين قراءةٍ تكتشفُ إمكانًا وقراءةٍ تفرضُ ادّعاءً. فالاحتمالُ التأويليُّ يقوى بما يفسّرُه من تفاصيل العمل، وبما يُقيمُه من صلاتٍ بين أجزائه، وبقدرته على مواجهة الشواهد التي قد تُعارضُه. أمّا القراءةُ التي لا ترى في النصِّ إلّا ما يُؤيّدُها، فإنّها تُضيّقُه وهي تزعمُ توسيعَه، وتُسكتُه وهي تدّعي استنطاقَه. ولهذا أعدُّ من واجب القارئ أن يصغيَ إلى مقاومة النصِّ لفهمه؛ إلى لفظةٍ تُربكُ الاستنتاج، أو صورةٍ تستدعي مسارًا آخر، أو تفصيلٍ يقتضي تعديلَ الفرضيّة. فليس نضجُ النظر في ألّا يتعثّر، بل في أن يجعلَ من تعثّره سببًا للتبصّر، لا مناسبةً للمكابرة. وفي ضوء ذلك، أقرأُ حديثَها عن «الجوهر» بوصفه دعوةً إلى تجاوز الانطباع العابر نحو انتظامٍ أعمقَ في بناء الدلالة، لا وعدًا بامتلاك سرٍّ نهائيٍّ يَفرغُ النصُّ بانكشافه من كلِّ جديد. فالعملُ الأدبيُّ لا يُختزَلُ إلى عبارةٍ نرفعُها في خاتمة التحليل ونقولُ: هذا كلُّ ما فيه؛ إنّه يُبقي من علاقاته وتوتّراته ما يستدعي عودةَ النظر. وكلُّ قراءةٍ مسؤولةٍ تُحدِّدُ ما استطاعتْ إضاءتَه، وتُقرُّ في الوقت نفسه بما لم تتناوله أو لم تستطعِ الحسمَ فيه. ومن هنا يكونُ التواضعُ دقّةً في تعيين حدود المعرفة، قبل أن يكونَ خُلُقًا في عرضها. وأمّا الموضوعيّةُ التي منحتْها مقالتُها مكانًا بارزًا، فأرجو أن أكونَ ساعيًا إليها بهذا المعنى: أن أعرفَ ما أحملُه معي إلى النصّ، وأن أراقبَ أثرَه فيما أقولُ عنه. لا أدخلُ القراءةَ بلا تاريخٍ من التعلّم، ولا بلا ذائقةٍ صاغتْها التجارب؛ لكنّ مسؤوليّتي أن أُميّزَ بين ما أميلُ إليه وما يدلُّ عليه العمل، وبين ما يُشبهُني وما يستحقُّ التقدير وإن خالفَ مألوفي. فقد يستهويني مقصدٌ لا تُحسنُ العبارةُ تحقيقَه، وقد تُدهشُني صناعةٌ لا أتّفقُ مع رؤيتها؛ والإنصافُ أن أُعطيَ كلَّ مستوى حقَّه من النظر، وألّا أجعلَ اتفاقي مع الفكرة شهادةً آليّةً لجودة بنائها، أو اختلافي معها مسوّغًا لإهدار ما أُنجزَ فيها. ويزدادُ هذا الامتحانُ دقّةً حين يكونُ بين الكاتب وقارئه ودٌّ وتقدير؛ إذ تصبحُ المحبّةُ جديرةً بأن تُصانَ بالصدق، لا بأن تُستثمَرَ في الإعفاء منه. ولعلَّ أجملَ ما ينبغي أن نرجوه لحوارنا، يا دكتورة سلوى، أن يحتملَ المراجعةَ كما احتملَ الثناء، وأن يتّسعَ للاختلاف كما اتّسعَ للامتنان؛ فما نفعُ ثقةٍ تنهارُ عند أوّل ملاحظة، أو احترامٍ لا يعيشُ إلّا في ظلِّ الموافقة؟ إنَّ الودَّ الذي أعتزُّ به معكِ هو ما يُعينُ على صفاء النظر، ويجعلُ المصارحةَ ممكنةً دون جفاء، والمخالفةَ مأمونةً من شبهة الانتقاص. وقد استوقفتْني في مقالتكِ عنايتُكِ باللغة النقديّة، وبالمسافة بين جزالة العبارة وقوّة الحجّة. وهنا أجدُني أمام سؤالٍ يمسُّ ما أحبُّه في الكتابة وما أخشاه عليها: كيف نمنحُ الفكرةَ جمالَ البيان، دون أن نسمحَ للبيان بأن يسترَ هشاشتَها؟ إنَّ البلاغةَ التي أرجوها لا تُغري القارئَ بتجاوز السؤال، بل تُعينُه على إحكامه؛ تُقرِّبُ العلاقةَ الدقيقة، وتُجسِّدُ التوتّرَ الخفيّ، وتمنحُ الاستدلالَ وضوحًا تُؤازرُه المتعة. وحين يجيءُ السجعُ تابعًا لتقابلٍ حقيقيٍّ في الفكرة، يستقيمُ المعنى وتستجيبُ الموسيقى؛ أمّا حين تُقادُ الفكرةُ إلى قافيةٍ لا تحتاجُ إليها، فإنَّ العبارةَ قد تربحُ جرسَها وتخسرُ وجهتَها. ومن أجل ذلك أرى أنّ للكتابة أمانةً تسبقُ الإعجابَ بها: أن نُحسنَ اختيارَ ما نقول، وأن نعرفَ ما تُضيفُه كلُّ جملةٍ إلى مسار القول، وأن نحتملَ مشقّةَ الحذف كما نستلذُّ متعةَ الإنشاء. فالكاتبُ لا يمنحُ قارئَه ما امتلأتْ به نفسُه على علاته؛ بل يُعيدُ النظرَ فيه، ويُهذِّبُ ترتيبَه، ويختبرُ قدرتَه على أن يصيرَ تجربةً قابلةً للمشاركة. وبين خاطرٍ يُلحُّ ونصٍّ يستحقُّ أن يُقرأ تقومُ صناعةُ المعنى: يختارُ الكاتبُ، ويستبعدُ، ويُراجعُ، ويُقيمُ للانفعال صورةً تحفظُ حرارتَه وتمنحُه نظامَه. وبهذا يصبحُ الإتقانُ وجهًا من وجوه احترام الآخر، لأنَّ وقتَ القارئ أمانةٌ أيضًا. وحين تصفين النقدَ بأنّه إبداعٌ موازٍ، أفهمُ هذا الوصفَ في ضوء تلك الأمانة؛ فالإبداعُ في القراءة هو قدرةٌ على بناء فهمٍ نافذٍ وصياغته صياغةً تكشفُه، دون أن تُزاحمَ النصَّ على مقامه أو تجعلَه ذريعةً لاستعراض القارئ. يجوزُ للناقد أن تكونَ له نبرتُه، وأن يحملَ تحليلُه أثرَ شخصيّته، لكنَّ نجاحَه، فيما أرجوه، أن يعودَ القارئُ بعده إلى العمل الأصليِّ أقدرَ على الإصغاء، لا أن يكتفيَ عنه ببلاغة الشرح. وأحبُّ لقراءتي أن تكونَ جسرًا يُعبَر، لا بناءً يحجبُ الضفّةَ التي أُقيمَ من أجل الوصول إليها. ثمّة، في رسالتكِ، فضلٌ آخرُ أشدُّ خصوصيّةً: لقد جعلتْني أختبرُ قدرتي على تطبيق ما أدعو إليه حين يكونُ القولُ في صالحي. فما أسهلَ أن نطالبَ بفحص الأحكام التي تُخالفُنا، وما أشقَّ أن نُبقيَ يقظةَ الفحص أمامَ ما يُسرُّنا! لذلك لا أريدُ لامتناني أن يتحوّلَ إلى استرسالٍ في تصديق صورتي، ولا لشهادتكِ أن تصبحَ مادّةً أُقيمُ بها مديحًا لنفسي. أريدُ أن أردَّ الثقةَ إلى موضعها الأخصب: إلى الممارسة المقبلة، حيثُ يُمتحَنُ التأنّي مرّةً أخرى، وتُختبَرُ النزاهةُ من جديد، وتحتاجُ كلُّ دعوى إلى ما يسندُها، مهما سبقَ لصاحبها من تقدير. وهنا أراكِ في مقالتكِ قد منحتِ التقديرَ شكلًا يليقُ به؛ إذ ربطتِه بخصائصَ قابلةٍ للفهم والمناقشة، ووصلتِه بأسئلة الأثر والمنهج، وأبقيتِ مسافةً ضروريّةً بين احترام الإنسان وتصويب كلِّ ما يصدرُ عنه. هذه المسافةُ لا تُضعفُ حرارةَ الثناء، بل تحفظُ له صدقيّتَه؛ وتجعلُني أعتزُّ بما كتبتِه لأنّه صادرٌ عن نظرٍ يُريدُ أن يُعلِّلَ محبّتَه، وعن محبّةٍ لا تُريدُ أن تُعطِّلَ نظرَها. يا سيّدةَ الحرف، لقد بلغتْ كلماتُكِ موضعًا عزيزًا في نفسي؛ غير أنّ أجملَ ما أرجوه لها ألّا تبقى ذكرى سارّةً أعودُ إليها طلبًا للرضا، بل أن تصيرَ تذكيرًا أعودُ إليه طلبًا للاستقامة. فإذا هممتُ بحكمٍ، ذكّرتْني بحقِّ النصِّ في التأنّي؛ وإذا راقتْ لي عبارتي، سألتْني عمّا يسندُها من معنى؛ وإذا أغراني الثناءُ بالاطمئنان، أعادتْني إلى فضيلة المراجعة. ذلك هو الشكرُ الذي أرجو أن يُصدِّقَ كلامي عن الامتنان: أثرٌ في طريقة العمل، ويقظةٌ في الضمير، وعنايةٌ تتجدّدُ كلّما تجدّدتِ القراءة. فلكِ منّي تقديرٌ لما بذلتِ من فكرٍ ووقتٍ وعناية، وامتنانٌ لهذا الوفاء الذي أحسنَ أن يجدَ لحرارته نظامًا، ولجماله مقصدًا. وأسألُ الله أن يحفظَ لروحكِ نضارتَها، ولفكركِ حريّتَه المسؤولة، ولقلمكِ قدرتَه على أن يجمعَ دقّةَ النظر ودفءَ الأثر؛ وأن يظلَّ الأدبُ بيننا مجالًا نتعلّمُ فيه كيف نرى أكثر، وكيف ندّعي أقلّ، وكيف نكونُ بما نعرفُ أرحبَ صدرًا وأعدلَ حكمًا. وليبقَ هذا الحوارُ عهدًا نُجدِّدُه بالعمل: نمنحُ النصَّ من الانتباه ما يستحقّ، ونمنحُ الرأيَ من الفحص ما يحتاج، ونمنحُ الإنسانَ من الاحترام ما يصونُ كرامتَه في الوفاق والاختلاف. فما أرفعَ البيانَ حين يعرفُ حدودَه، وما أعمقَ المعرفةَ حين تُراجعُ أدواتَها، وما أكرمَ الوفاءَ حين يزيدُنا إخلاصًا للحقيقة التي جمعتْنا، لا اكتفاءً بالثناء الذي تبادلناه. البعنه == الجليل 30/10/2026
#طه_دخل_الله_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة نقدية حوارية في «الوجود حين يسكن الصدر» للناقدة التونس
...
-
قراءة نقدية في مادة -الورقة الإبداعية الذاتية- للدكتورة آمال
...
-
مرايا التأويل: قراءةٌ على قراءة الدكتور محمد ميموني ومساءلةُ
...
-
حين تفيض الروح… يصير الحرف مرآةً لما لا يُرى
-
دراسة في سيادة السؤال العربي: حوار نقدي مع مقالة الناقدة جلي
...
-
حوار خاص عن الام مع الدكتورة سلوى الفيلالي منتدى شعاع للأدبا
...
-
منتدى شعاع يستضيف الاديب الشاعر الناقد عبد الرحمن بوطيب ومحا
...
-
قراءة نقدية تأويلية في جماليات الانكسار وشعرية الانبعاث لومض
...
-
قراءة أدبية وجدانية في مرثيّة الدكتورة سلوى الفيلالي لوالدته
...
-
استضافتي لبرنامج – أسابيع الرؤى الثقافية – من 5-10- الى 11-1
...
-
استعلاء الكتّاب والنقّاد حين تصبح كتابة الآخرين تهديدًا.
-
النقد الأدبي: بين النظرية والتطبيق
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout [ أسابيع الرؤ
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية Abdou Bout · مسؤول 9/10/
...
-
مجموعة مجلات الرؤى الثقافية العربية [ أسابيع الرؤى الثقافية
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية منصة أسبوعية خاصة، للاحتفاء بالتجارب ا
...
-
أسابيع الرؤى الثقافية ==الضيف: الدكتور طه عبد الرحمن / فلسطي
...
-
استضافتي في برنامج - لقاء الأسبوع – منتدى شعاع للأدباء والشع
...
-
قراءة نقدية في العطفة الشعرية -أحلام... لا تشيخ- بين الشاعرة
...
المزيد.....
-
-المهباش-.. رمز الوجاهة الأردنية وصوت -الإعلام- التراثي في م
...
-
ممثلة أمريكية تحوّل ملصق فيلم إلى فستان على السجادة الحمراء
...
-
بعد إصابته بالسرطان.. موسيقي يتمكن من الغناء مجددًا بفضل الذ
...
-
أمسية ثقافية مميزة مع -طبيب الشعب- الدكتور مزاحم مبارك مال ا
...
-
ممثلة أمريكية تضع صندوق موسيقى متحركًا لراقصة باليه على رأسه
...
-
مسؤول قطري يشيد بالفنانة دانة المير ويبين ما يمكن أن تصبح
-
رحيل الممثل البريطاني باتريك ستيوارت أيقونة «ستار تريك» و«إك
...
-
رحيل باتريك ستيوارت عن 86 عامًا وفيلم «Avengers: Doomsday» ي
...
-
وفاة الممثل ?البريطاني باتريك ستيوارت عن عمر ناهز 86 عاما
-
روسيا وإفريقيا تدعوان لحماية الممتلكات الثقافية واستعادة ما
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|