أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - أحمد موسى قريعي - الإسلام السياسي.. يوميات البارود والدم (39) تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل.. من ولاية الصحراء الكبرى إلى حرب النفوذ والتمدد















المزيد.....



الإسلام السياسي.. يوميات البارود والدم (39) تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل.. من ولاية الصحراء الكبرى إلى حرب النفوذ والتمدد


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب وصحفي وباحث في الذاكرة العربية وأخلاقيات الصحافة

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 18:03
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


في تلك المساحات الممتدة بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث تتداخل الحدود السياسية مع مسارات الرعاة والتجار، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين جيوش نظامية وجماعات مسلحة. فقد تحولت أجزاء من الساحل الأفريقي، خلال العقد الأخير، إلى ساحة تتنازع فيها التنظيمات الجهادية النفوذ والموارد والسكان، بينما تتراجع سلطة الدولة، وتتسع رقعة الخوف والنزوح، ويدفع المدنيون الثمن الأكبر.

وفي قلب هذا المشهد، برز تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، الذي سيُعرف لاحقًا باسم ولاية الساحل، بوصفه أحد أبرز أطراف الصراع المسلح. بدأ بانشقاق داخل جماعة جهادية قائمة، ثم تحول تدريجيًا إلى تنظيم عابر للحدود، يخوض مواجهات مع القوات الحكومية والجماعات المسلحة المنافسة، ويسعى إلى فرض سلطته على مجتمعات أنهكتها الحروب وتراجع مؤسسات الدولة.

لكن كيف استطاع تنظيم بدأ ببيعة مثيرة للخلاف أن يتحول إلى قوة عسكرية ذات حضور إقليمي؟ وما الذي أبقاه قائمًا بعد مقتل مؤسسه وتغير التحالفات العسكرية في المنطقة؟ وكيف انعكس تمدده على حياة السكان الذين وجدوا أنفسهم بين سلطات متنافسة وسلاح لا يغيب؟

تتتبع هذه الحلقة نشأة التنظيم وتحولاته منذ عام 2015 حتى نوفمبر 2026، وتفحص علاقته بتنظيم الدولة المركزي، وصراعه مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ومحاولاته بناء سلطة محلية، وما ارتبط بمسيرته من هجمات وانتهاكات، استنادًا إلى التقارير الأممية والتحقيقات الحقوقية والدراسات الميدانية.

من رحم المرابطون.. ولادة الانشقاق

في مايو 2015، أعلن عدنان أبو الوليد الصحراوي مبايعته لتنظيم الدولة الإسلامية، في خطوة فتحت فصلًا جديدًا من تاريخ الجماعات المسلحة في الساحل الأفريقي. لم يكن الرجل يؤسس تنظيمًا من العدم، وإنما كان يقود انشقاقًا داخل جماعة المرابطون، التي تشكلت من اندماج مجموعات مسلحة شاركت في الصراع على شمال مالي.

كانت منطقة الساحل قد دخلت، منذ عام 2012، مرحلة من الاضطراب العميق، بعدما تداخل تمرد الحركات الأزوادية في شمال مالي مع نشاط الجماعات الإسلامية المسلحة، وتراجعت سلطة الدولة في مناطق واسعة. ولم ينهِ التدخل العسكري الفرنسي مطلع عام 2013 الأسباب السياسية والاجتماعية والأمنية التي غذّت ذلك الصراع، وإن نجح في إزاحة الجماعات المسلحة عن عدد من المدن التي كانت تسيطر عليها.

وفي تلك البيئة، ظهرت حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، ثم شاركت في تأسيس جماعة المرابطون عام 2013، قبل أن يؤدي الخلاف حول الولاء لتنظيم الدولة إلى انقسام داخل الجماعة.

فقد رفض مختار بلمختار، أحد أبرز قادة المرابطون، بيعة الصحراوي، وتمسك بالارتباط بتنظيم القاعدة. وهكذا تحول الخلاف حول المرجعية التنظيمية إلى انشقاق مسلح، سيصبح لاحقًا جزءًا من حرب أوسع بين تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة على النفوذ والأرض والموارد.

ولم يحصل الصحراوي على اعتراف فوري من القيادة المركزية لتنظيم الدولة. فقد مضى أكثر من عام قبل أن تنشر وكالة أعماق، في أكتوبر 2016، مادة تؤكد قبول البيعة. وخلال تلك الفترة، ظل التنظيم الناشئ محدود الإمكانات مقارنة بالجماعات الأقدم في المنطقة، لكنه أخذ يثبت وجوده عبر الهجمات على المواقع الأمنية والعسكرية في المناطق الحدودية.

تونغو تونغو.. الهجوم الذي كشف التنظيم للعالم

وفي الرابع من أكتوبر 2017، تعرضت دورية مشتركة أمريكية نيجيرية لكمين قرب قرية تونغو تونغو في النيجر، أسفر عن مقتل أربعة جنود أمريكيين وأربعة جنود نيجريين.

وقد اكتسب الهجوم أهمية دولية كبيرة، ليس فقط بسبب سقوط الجنود الأمريكيين، وإنما لأنه كشف حجم المخاطر التي تواجه القوات العاملة في المناطق الحدودية النائية. وأظهر التحقيق الذي أجرته وزارة الدفاع الأمريكية، ونُشرت خلاصته في مايو 2018، إخفاقات في التخطيط والتنسيق والاستعداد للمهمة، إلى جانب الظروف العملياتية المعقدة التي واجهتها الدورية.

لكن هجوم تونغو تونغو لم يكن دليلًا على امتلاك التنظيم جيشًا نظاميًا أو سلطة إقليمية واسعة. فقد كانت قوته تعتمد على الحركة عبر الحدود، واستغلال الثغرات الأمنية، والقدرة على تنفيذ هجمات مؤثرة في مناطق يصعب إخضاعها لرقابة دائمة.

ومع مرور السنوات، اتسع نطاق نشاط الجماعة في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، المعروف بمنطقة ليبتاكو–غورما. وهي منطقة تتجاوز فيها العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الحدود السياسية، وتتشابك فيها مسارات الرعي والتجارة مع النزاعات المحلية على الأرض والمياه والماشية.

وكان ضعف الخدمات الحكومية، وتراجع الحماية الأمنية، وتفاقم الخلافات بين بعض المجتمعات المحلية، من العوامل التي استغلتها الجماعات المسلحة لتوسيع حضورها.

غير أن هذه الظروف لا تعني أن سكان المنطقة شكلوا حاضنة موحدة للتنظيم. فقد تعرض كثير منهم للقتل والنهب والتهجير، بينما وجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع سلطات مسلحة لا يملكون القدرة على مقاومتها.

حرب داخل الحرب.. صراع الرايتين

وفي مارس 2019، دخل التنظيم مرحلة جديدة عندما أصبح فصيل الصحراء الكبرى ضمن ولاية غرب أفريقيا التابعة لتنظيم الدولة. وجاء هذا التحول في سياق إعادة ترتيب العلاقة بين فروع التنظيم الأفريقية وقيادته المركزية، مع احتفاظ فصيل الصحراء الكبرى بخصوصيته الجغرافية والعملياتية.

وفي الوقت نفسه، أخذت المنافسة مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تتحول إلى مواجهات عسكرية مباشرة.

فقد كان الطرفان يسعيان إلى توسيع نفوذهما داخل مناطق تتداخل فيها شبكات المقاتلين والموارد والعلاقات المحلية. ومع تصاعد القتال بينهما خلال عام 2020، تعرض تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى لخسائر وانتكاسات، واضطر إلى التراجع عن بعض مناطق نشاطه.

وكانت تلك المواجهات تكشف طبيعة الحرب في الساحل؛ فهي ليست مواجهة ثنائية بين الدولة والجماعات المسلحة، وإنما صراع متعدد الأطراف، تخوض فيه التنظيمات الجهادية حروبًا فيما بينها، إلى جانب قتالها القوات الحكومية والحركات المسلحة الأخرى.

مقتل المؤسس.. التنظيم الذي لم يمت

وفي أغسطس 2021، تلقى التنظيم ضربة كبيرة بمقتل مؤسسه أبي الوليد الصحراوي في عملية عسكرية فرنسية، أعلنت باريس نجاحها في سبتمبر من العام نفسه.

وكان مقتله حدثًا مهمًا في مسار العمليات الفرنسية لمكافحة الإرهاب، لكنه لم يؤدِّ إلى انهيار الجماعة.

فقد استمر التنظيم في نشاطه، وأعاد ترتيب قيادته وبنيته العسكرية، بما أظهر أن سنوات عمله السابقة أنتجت شبكات وعلاقات تنظيمية تتجاوز شخص المؤسس.

من الصحراء الكبرى إلى ولاية الساحل

وفي الخامس من مارس 2022، بدأت مرحلة جديدة في تصنيف الجماعة، مع ظهور ولاية الساحل بوصفها ولاية مستقلة ضمن تنظيم الدولة، بعد سنوات من ارتباط فصيل الصحراء الكبرى بولاية غرب أفريقيا، وفق التسلسل الذي تعتمده قاعدة بيانات ACLED.

وجاء هذا التحول في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تغيرات عسكرية وسياسية متسارعة. فقد تدهورت العلاقات بين فرنسا والسلطات الانتقالية في مالي، وأُعلن انسحاب القوات الفرنسية من البلاد، بينما أخذت ترتيبات التعاون الأمني القديمة تتراجع لمصلحة شراكات جديدة.

لكن التحول الأبرز بالنسبة إلى ولاية الساحل كان توسعها العسكري في شمال شرق مالي، ولا سيما في مناطق ميناكا وأندرَمبوكان.

فقد خاض التنظيم مواجهات مع جماعات مسلحة محلية، ونفذ هجمات واسعة، وأصبح قادرًا على فرض نفوذ متزايد في أجزاء من المناطق الريفية والحدودية.

ولم يكن هذا التوسع مجرد انتقال جغرافي؛ فقد ظهرت معه محاولات لفرض أنماط من الإدارة المحلية، عبر الجباية، وتنظيم بعض الأسواق، وفرض قواعد اجتماعية وعقوبات، وتعيين مسؤولين عن وظائف عسكرية وقضائية وإعلامية.

وفي أبريل 2023، سيطر التنظيم على تيدارمين شمال ميناكا، في سياق توسعه بالمنطقة. كما أصبحت أندرَمبوكان مركزًا فعليًا لبعض أنشطته الإدارية.

ومع ذلك، لا تعني هذه الوقائع أنه سيطر على مدينة ميناكا بأكملها، أو أنه أقام سلطة متصلة ومستقرة في جميع المناطق التي نفذ فيها عمليات.

فثمة فرق بين مهاجمة مدينة ومحاصرتها وقطع الطرق المؤدية إليها، وبين احتلالها وإدارتها بصورة دائمة. وهذا الفرق ضروري لفهم حجم التنظيم الحقيقي، بعيدًا عن المبالغات التي قد تنتج عن بياناته الدعائية، أو عن الخلط بين النفوذ العسكري والسيطرة الإدارية.

سلطة السلاح.. الجباية وإدارة الخوف

وقد كشفت دراسة متخصصة نشرتها ACLED في سبتمبر 2024 عن تطور البنية التنظيمية لولاية الساحل، إذ رصدت مجلس شورى ومكاتب للعمليات العسكرية واللوجستيات والقضاء والإعلام وشؤون المقاتلين الأجانب، إلى جانب مناطق عسكرية متعددة.

وحددت الدراسة أبا البراء الصحراوي واليًا للتنظيم في ذلك الوقت. لكن هذا التوصيف يتعلق بالوضع الذي رصدته الدراسة عام 2024، ولا يكفي لإثبات استمرار الرجل في المنصب حتى نهاية الفترة التي تتناولها هذه الحلقة.

كما كشفت الدراسة عن خلافات داخلية بين قيادات مناطقية، ارتبط بعضها بالموارد والانضباط وتوزيع النفوذ، ووصل بعضها إلى مواجهات بين عناصر التنظيم أنفسهم.

وكانت تلك الانقسامات تكشف أن محاولة بناء سلطة تنظيمية مركزية لا تلغي التنافس بين القيادات المحلية، وأن الجماعة التي تسعى إلى فرض نظام على المجتمعات المحيطة بها قد تعجز عن فرض الانضباط الكامل على بعض عناصرها.

وفي الجانب الاقتصادي، اعتمد التنظيم على مصادر متعددة، من بينها الجباية القسرية على الماشية والتجارة والأسواق، والاستيلاء على الممتلكات وموارد أخرى مرتبطة بالاقتصاد المحلي.

ولم تكن الجباية مجرد وسيلة لجمع الأموال، فقد أصبحت أيضًا أداة لإظهار السلطة وفرض الامتثال على السكان.

لكن القدرة على تحصيل الأموال بالقوة لا تعني قيام نظام اقتصادي مستقر، ولا تثبت أن المجتمعات الخاضعة لها تقبلت سلطة التنظيم.

وفي كثير من الأحيان، كانت العلاقة بين التنظيم والسكان تقوم على الخوف والتهديد، أو على محاولة بعض المجتمعات التكيف مع واقع أمني لم تعد تملك القدرة على تغييره.

المدنيون في مرمى الحرب

وهنا تظهر إحدى أكثر صفحات التجربة دموية.

ففي يناير ومارس 2021، شهدت مناطق في غرب النيجر هجمات واسعة أودت بحياة أعداد كبيرة من المدنيين. ومن أبرزها الهجمات على قريتي تشوما بانغو وزارومداريي، ثم الهجمات التي استهدفت سكانًا في منطقتي تيلابيري وتاهوا.

وفي مارس 2022، بدأت موجة من الهجمات الدموية في منطقتَي ميناكا وغاو بمالي، استهدفت قرى ومجتمعات محلية، ولا سيما من الدوسحاق.

وفي تحقيق نشرته هيومن رايتس ووتش في 27 أكتوبر 2022، وثقت المنظمة شهادات ثلاثين شخصًا بشأن هجمات على خمس عشرة قرية خلال الفترة من مارس إلى يونيو من العام نفسه.

وأشارت إلى أن بعثة الأمم المتحدة في مالي وثقت مقتل ما لا يقل عن 157 مدنيًا في منطقة ميناكا خلال الفترة من 8 إلى 28 مارس 2022، بينما تحدثت شهادات محلية وتقارير أخرى عن حصائل أكبر لم تتمكن المنظمة من التحقق منها بصورة مستقلة.

وكشفت الشهادات عن عمليات قتل وإعدام ميداني ونهب للماشية وحرق للمنازل، فضلًا عن نزوح عشرات الآلاف من السكان.

ولم تكن تلك الانتهاكات مجرد نتائج جانبية للمواجهات العسكرية، فقد وصف شهود هجمات استهدفت مدنيين داخل قراهم ومنازلهم، وعمليات قتل لأشخاص لا يشاركون في القتال.

واستمرت الانتهاكات في السنوات اللاحقة.

ففي 21 مارس 2025، وثقت هيومن رايتس ووتش مقتل ما لا يقل عن 46 مصليًا في فامبيتا بالنيجر، بينهم أطفال، في هجوم نسبته إلى ولاية الساحل. وفي مايو من العام نفسه، وثقت المنظمة قتل خمسة رجال وطفلين في داني فاري.

أما في يناير 2026، فقد وثقت المنظمة هجومين في منطقة تيلابيري أسفرا عن مقتل 35 شخصًا، بينهم ثلاثون مدنيًا وخمسة عناصر من ميليشيا محلية وقعوا في قبضة المهاجمين.

ولم يتبنَّ التنظيم الهجومين رسميًا، لكن التحقيق الحقوقي نسب المسؤولية إليه استنادًا إلى شهادات الشهود والقرائن التي جمعها.

وتكشف هذه الوقائع عن تناقض جوهري في تجربة ولاية الساحل؛ فهي تحاول تقديم نفسها بوصفها سلطة توفر النظام والحماية، بينما تتضمن ممارساتها الموثقة قتل المدنيين وفرض العقوبات القسرية ونهب الممتلكات وتهجير السكان.

ولم تكن ولاية الساحل وحدها مسؤولة عن معاناة المدنيين في المنطقة. فقد وثقت منظمات حقوقية أيضًا انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية ومجموعات مسلحة حليفة لها.

وهذه الوقائع لا تخفف مسؤولية التنظيم عن جرائمه، لكنها تمنع اختزال المأساة الإنسانية في طرف واحد.

الساحل بعد الانسحابات العسكرية

وعلى المستوى الإقليمي، كانت موازين القوى تتغير بصورة متلاحقة.

فقد انسحبت القوات الفرنسية من مالي في أغسطس 2022، ثم انتهت عملية برخان رسميًا في نوفمبر من العام نفسه. وفي ديسمبر 2023، اكتمل انسحاب بعثة الأمم المتحدة في مالي، بعد إنهاء تفويضها بقرار من مجلس الأمن.

وفي النيجر، أدى انقلاب يوليو 2023 إلى إعادة ترتيب العلاقات الأمنية، وانتهى الوجود العسكري الفرنسي في ديسمبر من العام نفسه، ثم اكتمل انسحاب القوات الأمريكية في سبتمبر 2024.

وفي المقابل، عززت السلطات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر تعاونها الأمني، وأقامت تحالف دول الساحل في سبتمبر 2023، قبل تطويره إلى كونفدرالية في يوليو 2024. كما توسعت الشراكات العسكرية مع روسيا، ولا سيما في مالي.

لكن تغير الحلفاء والشركاء لم يؤدِّ إلى إنهاء نشاط الجماعات المسلحة.

فقد استمرت ولاية الساحل في تنفيذ عملياتها، بينما واصلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نشاطها في مناطق أخرى، واستمرت المواجهات بين التنظيمين.

ولا يمكن تفسير توسع ولاية الساحل بانسحاب القوات الأجنبية وحده، مثلما لا يمكن اعتبار بقاء القوات الأجنبية سابقًا دليلًا على نجاح كامل في احتواء التنظيم.

فالأزمة أعمق من هوية الشريك العسكري، وتتصل بقدرة الدول على حماية السكان وإدارة الحدود وتسوية النزاعات المحلية واستعادة الخدمات العامة.

عام 2026.. تمدد النفوذ وتبدل القيادة

ومع دخول عام 2026، أصبحت النيجر مركزًا بارزًا لنشاط ولاية الساحل.

ففي ليلة 28 إلى 29 يناير، تعرض مطار ديوري حماني الدولي في نيامي لهجوم تبناه تنظيم الدولة. ورغم إعلان السلطات النيجرية صد الهجوم، فقد أظهرت الواقعة قدرة التنظيم على تهديد منشأة حساسة في العاصمة، بعيدًا عن مناطق نشاطه الريفية المعتادة.

وفي تقرير صدر في يوليو 2026، قدر الأمين العام للأمم المتحدة حجم التنظيم بنحو ألفي عضو، وأشار إلى أن النيجر استحوذت على 75 في المئة من الهجمات التي أعلن التنظيم مسؤوليته عنها خلال الفترة التي تناولها التقرير.

وهذه النسبة لا تشمل بالضرورة جميع العمليات التي نفذها التنظيم، كما أن تقدير العضوية لا يعني أن جميع الأفراد المذكورين مقاتلون مسلحون.

وأشار التقرير أيضًا إلى استمرار العمليات في غاو وميناكا بمالي، وإلى امتداد النشاط نحو شمال غرب نيجيريا، بما في ذلك تجنيد أفراد مرتبطين بجماعة لاكوروا.

غير أن العلاقة بين ولاية الساحل ولاكوروا ظلت محل خلاف بحثي.

فقد خلصت دراسة ميدانية نشرتها مؤسسة Good Governance Africa في يوليو 2026 إلى أن الجماعتين منفصلتان وتتنافسان في بعض المناطق، وأن المسؤولية عن بعض الهجمات لم تكن محسومة.

ولذلك لا يصح القول إن لاكوروا اندمجت بالكامل في ولاية الساحل، أو أن جميع العمليات التي نفذتها إحدى الجماعتين يمكن نسبتها تلقائيًا إلى الأخرى.

وفي أكتوبر 2026، ظهرت تقارير عن استمرار الهجمات على المدنيين في شمال شرق مالي.

ومن بينها هجوم تاغادايات، الذي نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول مالي أن 48 شخصًا قُتلوا فيه، وأنه نسب المسؤولية إلى ولاية الساحل. لكن التنظيم لم يكن قد تبنى الهجوم عند نشر التقرير، ولم تكن المسؤولية قد حُسمت بتحقيق مستقل.

وفي 27 أكتوبر، أشار تحديث نشرته ACLED عن النيجر إلى حدوث تغيير في قيادة ولاية الساحل، دون أن يتضمن ملخصه المتاح أسماء القادة المعنيين.

ولهذا لا تتوافر أدلة كافية لتسمية أمير حالي للتنظيم عند نهاية الفترة التي تغطيها الحلقة.

دولة بلا دولة.. حدود القوة والنفوذ

وهكذا، وبعد أكثر من أحد عشر عامًا على بيعة أبي الوليد الصحراوي، لم يعد التنظيم الذي نشأ من انشقاق داخل المرابطون مجرد مجموعة صغيرة تسعى إلى إثبات وجودها من خلال هجمات متفرقة.

لقد أصبح تنظيمًا مسلحًا عابرًا للحدود، يمتلك بنية قيادية وإدارية، ويستفيد من موارد محلية وشبكات تجنيد، ويستطيع تنفيذ عمليات مؤثرة ضد القوات الحكومية والمجتمعات المحلية.

لكنه، في الوقت نفسه، لم ينجح في تحويل هذا النفوذ إلى سلطة إقليمية متماسكة ومستقرة.

فقد واجه منافسة مستمرة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وخسر قيادات ومقاتلين، وتعرض لانقسامات داخلية، وظلت مناطق نفوذه تتفاوت بين الحضور العسكري والجباية والسيطرة المحلية المؤقتة.

والأهم أن محاولته تقديم نفسه بوصفه سلطة بديلة لم تستطع إخفاء سجل الانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين.

فالحرب التي بدأت ببيعة وانشقاق لم تبقَ خلافًا بين تنظيمين على المرجعية العقائدية، وإنما تحولت إلى صراع على الأرض والموارد والسكان والسلطة، في منطقة تدفع مجتمعاتها ثمن انهيار الأمن وتعدد السلاح وتراجع قدرة الدولة على الحماية.

وبينما تغيرت الحكومات والتحالفات العسكرية، وتبدلت أسماء القادة والتنظيمات، ظل السؤال الأكثر إلحاحًا يتجاوز مصير ولاية الساحل نفسها:

كيف يمكن استعادة سلطة الدولة وحماية السكان في مناطق أصبح فيها العنف وسيلة لفرض الحكم، وأصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية؟

ذلك هو السؤال الذي يتركه تاريخ ولاية الساحل مفتوحًا، من إعلان البيعة عام 2015 إلى حرب النفوذ والتمدد التي لم تنتهِ عند حدود نوفمبر 2026.


مصادر الحلقة


1. مجلس الأمن الدولي، لجنة الجزاءات الخاصة بتنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، ملف تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS)، بشأن النشأة والبيعة والاعتراف التنظيمي. https://main.un.org/securitycouncil/en/content/islamic-state-greater-sahara-isgs

2. ACLED، *ACLED Methodology for Coding Boko Haram and ISWAP Factions*، منهجية تصنيف الفروع التنظيمية في غرب أفريقيا. https://acleddata.com/methodology/acled-methodology-coding-boko-haram-and-iswap-factions

3. وزارة الدفاع الأمريكية، *October 2017 Niger Ambush: Summary of Investigation*، 10 مايو 2018. https://media.defense.gov/2018/May/10/2001915513/-1/-1/1/OCT-2017-NIGER-AMBUSH-SUMMARY-OF-INVESTIGATION.PDF

4. Héni Nsaibia، *IS Sahel s Tactics Cause Mass, Indiscriminate Violence*، ACLED، يناير 2023. https://acleddata.com/report/sahels-tactics-cause-mass-indiscriminate-violence

5. Héni Nsaibia، *Newly Restructured, the Islamic State in the Sahel Aims for Regional Expansion*، ACLED، 30 سبتمبر 2024. https://acleddata.com/report/newly-restructured-islamic-state-sahel-aims-regional-expansion

6. International Crisis Group، *The Death of the Islamic State in the Greater Sahara s Leader: An Opportunity for Dialogue?*، 10 ديسمبر 2021. https://www.ecoi.net/en/document/2062615.html

7. Human Rights Watch، *Mali: Coordinated Massacres by Islamist Armed Groups*، 27 أكتوبر 2022. https://www.hrw.org/news/2022/10/27/mali-coordinated-massacres-islamist-armed-groups

8. Human Rights Watch، *Niger: Islamist Armed Group Executes Civilians, Burns Homes*، 10 سبتمبر 2025. https://www.hrw.org/news/2025/09/10/niger-islamist-armed-group-executes-civilians-burns-homes

9. Human Rights Watch، *Niger: Islamist Armed Group Massacres Villagers in West*، 12 فبراير 2026. https://www.hrw.org/news/2026/02/12/niger-islamist-armed-group-massacres-villagers-in-west

10. Human Rights Watch، *World Report 2026: Niger*، 2026. https://www.hrw.org/world-report/2026/country-chapters/niger

11. الأمين العام للأمم المتحدة، تقرير بشأن التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية، الوثيقة S/2026/638، 31 يوليو 2026. https://www.ecoi.net/en/file/local/2143668/n2618511.pdf

12. Malik Samuel، *Beyond Lakurawa: Mapping the Emergence and Expansion of the Islamic State Sahel Province in Northwest Nigeria*، Good Governance Africa، يوليو 2026. https://gga.org/beyond-lakurawa-mapping-the-emergence-and-expansion-of-the-islamic-state-sahel-province-in-northwest-nigeria/

13. القيادة الأمريكية في أفريقيا (AFRICOM)، *U.S. Withdrawal from Niger Completed*، 16 سبتمبر 2024. https://www.africom.mil/pressrelease/35590/us-withdrawal-from-niger-completed

14. مجلس الأمن الدولي، القرار 2690 لسنة 2023، بشأن إنهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي. https://docs.un.org/en/S/RES/2690(2023)

15. ACLED، *Niger Weekly Conflict Update: 17–23 October 2026*، 27 أكتوبر 2026، بشأن التطورات الأمنية والتغيير القيادي في ولاية الساحل. https://acleddata.com/all-analysis-niger

16. Associated Press، تقرير 20 أكتوبر 2026 عن هجوم تاغادايات في منطقة ميناكا بمالي. https://apnews.com/article/b65482e0b8f3b814e2465ab61c41ee1f



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضمير الصحافة: من أخلاقيات المهنة إلى أخلاقيات القرار (١ ...
- الإسلام السياسي.. يوميات البارود والدم (38) جماعة نصرة الإسل ...
- الإسلام السياسي.. يوميات البارود والدم (37) بوكو حرام: من ال ...
- السودان الذي لم يُكتب (15) محاولات في استعادة الذاكرة المنسي ...
- الحوثيون.. الجماعة والدولة والإقليم (2) من صعدة إلى صنعاء.. ...
- متلازمة الحرب والسلام في السودان (2) تجار المواقف.. عندما يص ...
- الحوثيون.. الجماعة والدولة والإقليم (1) صعدة.. من مهد الحوثي ...
- متلازمة الحرب والسلام في السودان (1) الحرب التي لا يريدها أح ...
- الشعب السوداني الذي لا يحضر اجتماعات الساسة!
- حرب الحوثيين ضد السعودية.. من معركة اليمن إلى استنزاف الدولة
- حين يصبح الإنسان نفسه أرشيفًا
- السودان الذي لم يُكتب (14) بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مق ...
- حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية
- السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من ...
- ليس كل ما هو قديم يستحق أن يُوثَّق
- السودان الذي لم يُكتب (12) أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة ...
- حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...


المزيد.....




- تركه صديقاه وحيداً على الجبل ثم ضربت عاصفة ثلجية.. شاهد عملي ...
- الجيش الإسرائيلي يقصف ريف دمشق ويواصل توغله في الجنوب السوري ...
- منفذ هجوم عمان محكوم عليه سابقا بالسجن 9 سنوات في قضية إرهاب ...
- مقتل 8 أشخاص وإصابة واحد بهجمات مسلحة في تركيا
- إلغاء عقد رياضية إسرائيلية مع فريق بريطاني بسبب حرب الإبادة ...
- توابل تمنح الجسم الدفء وتعزز الهضم خلال فصل الشتاء
- هل ينتقم ترامب لهزيمة حزبه من إيران؟
- خسارة ترامب.. مستقبل نتنياهو على المحك
- ما دلالات فوز أمريكيين عرب ومسلمين في انتخابات التجديد النصف ...
- حرب إيران تفجّر خلافات داخل إدارة ترمب.. فانس ينتقد والبنتاغ ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - أحمد موسى قريعي - الإسلام السياسي.. يوميات البارود والدم (39) تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل.. من ولاية الصحراء الكبرى إلى حرب النفوذ والتمدد