أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يصبح الإنسان نفسه أرشيفًا














المزيد.....

حين يصبح الإنسان نفسه أرشيفًا


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 15:58
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في كل مرة أسمع فيها شخصًا مسنًا يتحدث عن الماضي، أشعر أنني أمام مكتبة تمشي على قدمين.
ذاكرة طويلة.
وجوه كثيرة.
أسماء ربما لم تعد موجودة في أي سجل.
وأحداث لم تكتبها الصحف.
وأماكن تغيرت ملامحها، لكن بقيت صورتها في ذهنه.
ولهذا أصبحت أؤمن أن هناك أرشيفًا لا يوجد في المكتبات.
إنه الإنسان.
الشاهد الذي عاش المرحلة قد يحمل في ذاكرته ما لا يمكن أن نجده في أي وثيقة.
قد يتذكر صوت رجل لم تسجل الصحف اسمه.
وقد يعرف لماذا أغلق محل قديم.
وقد يخبرك من كان أول من بدأ مهنة اندثرت.
وقد يفتح لك صندوقًا صغيرًا في منزله، فتجد داخله صورًا ورسائل وأوراقًا ظلت بعيدة عن أعين الباحثين لعشرات السنين.
لكن المشكلة أن هذا الأرشيف الحي يموت معنا إذا لم نصل إليه في الوقت المناسب.
وهذه من أكثر الأفكار التي تؤرقني في عملي التوثيقي.
نحن نؤجل كثيرًا.
نقول:
سنعود إليه لاحقًا.
سنقابله عندما نتفرغ.
سنبحث عنه عندما يبدأ المشروع.
ثم تمر سنة.
ثم أخرى.
وفجأة نكتشف أن الرجل رحل.
ومعه رحلت أسماء.
وتواريخ.
وحكايات.
وربما جزء من تاريخ مدينة كاملة.
لذلك أصبحت أرى أن مقابلة كبار السن ليست عملًا يمكن تأجيله.
إنها في كثير من الأحيان سباق مع الزمن.
وقد لا يكون الشاهد قادرًا على تذكر كل شيء.
قد يخطئ في تاريخ.
وقد ينسى اسمًا.
وقد يخلط بين حدثين.
لكن هذا لا يقلل من قيمة شهادته.
بل يجعل علينا مسؤولية أكبر في التعامل معها.
نسجل.
ثم نراجع.
ثم نقارن.
ثم نعود إليه إن أمكن.
ونضع شهادته بجوار الوثيقة، لا بدلًا منها.
وهنا تكمن قيمة التاريخ الشفهي.
فهو لا ينافس الوثيقة المكتوبة.
بل يكملها.
الوثيقة قد تقول لك إن مؤسسة تأسست في سنة معينة.
لكن الشاهد قد يخبرك من حمل الكراسي في يومها الأول.
الوثيقة قد تسجل افتتاح متجر.
لكن العامل القديم قد يخبرك من كان أول زبون.
الصورة قد تحفظ اجتماعًا.
لكن الشخص الذي كان حاضرًا يستطيع أن يخبرك ماذا قيل قبل التقاط الصورة وبعدها.
هذه التفاصيل الصغيرة قد لا تغير التاريخ السياسي الكبير.
لكنها تغير طريقة فهمنا للإنسان.
وهذا ما أبحث عنه دائمًا.
أنا لا أريد فقط أن أعرف أن حدثًا وقع.
أريد أن أعرف كيف عاشه الناس.
كيف شعروا به.
كيف تحدثوا عنه.
وماذا بقي منه في ذاكرتهم بعد سنوات طويلة.
لذلك عندما أجلس مع شاهد، لا أبدأ دائمًا بالأسئلة الكبيرة.
لا أقول له:
«حدثني عن تاريخ المرحلة».
قد يكون السؤال أبسط:
أين كنت في ذلك اليوم؟
من كان معك؟
ماذا كنت تفعل؟
ماذا تتذكر من المكان؟
من أول شخص أخبرك بالخبر؟
أحيانًا يكون السؤال الصغير هو الذي يفتح الباب الكبير.
وقد يبدأ الشاهد بقصة قصيرة...
ثم يتذكر اسمًا.
والاسم يقود إلى شخص آخر.
والشخص يقود إلى صورة.
والصورة تقود إلى وثيقة.
والوثيقة تقود إلى قصة لم نكن نعرف أصلًا أننا نبحث عنها.
هكذا يعمل التوثيق أحيانًا.
ليس خطًا مستقيمًا.
بل شبكة من الخيوط.
كل خيط يقود إلى آخر.
لكن هناك شيئًا يجب ألا ننساه:
ذاكرة الإنسان ليست مقدسة.
احترام الشاهد لا يعني تصديق كل ما يقوله.
والشك في معلومة لا يعني إهانة صاحبها.
نحن نحترم الإنسان...
ونتحقق من الرواية.
وهذا فارق جوهري.
فالشاهد قد يكون صادقًا تمامًا، ومع ذلك تكون ذاكرته غير دقيقة.
وقد تكون روايته صحيحة في جوهرها، لكنها تحتاج إلى تاريخ أو اسم أو وثيقة لتكتمل.
ولهذا فإن أفضل علاقة بين الموثّق والشاهد ليست علاقة تصديق أعمى.
بل علاقة ثقة وتحقيق.
أمنحه مساحة ليتحدث.
وأمنحه حق أن يقول «لا أتذكر».
وألا أضغط عليه كي يخترع إجابة.
ثم أبحث عن الأدلة التي تساعدني على فهم ما قاله.
وهذه، بالنسبة لي، أخلاق أساسية في التاريخ الشفهي.
فليس الهدف أن نجعل الشاهد يقول ما نريد.
بل أن نكتشف ما يستطيع أن يقدمه للذاكرة.
وقد تعلمت من مشروعات التوثيق أن بعض الناس يملكون كنوزًا حقيقية ولا يعرفون قيمتها.
صورة قديمة في درج.
رسالة في صندوق.
دفتر ملاحظات.
بطاقة عضوية.
قصاصة صحيفة.
شهادة مدرسية.
حتى الأشياء التي تبدو بلا قيمة قد تكون بعد سنوات آخر أثر مادي لقصة كاملة.
لذلك لا أسأل العائلة فقط:
«هل لديكم وثائق؟»
أسأل أحيانًا:
«هل لديكم شيء كان يحتفظ به؟»
فالأشياء الشخصية قد تتحدث بطريقة لا تستطيع الوثائق الرسمية أن تتحدث بها.
وفي النهاية، كلما فكرت في الزمن، أجد أن أكبر خسائرنا ليست دائمًا ما يهدمه الزمن.
بل ما ننسى أن نسجله قبل أن يهدمه الزمن.
ولهذا فإنني عندما ألتقي شاهدًا كبيرًا في السن، لا أراه مجرد رجل يتحدث عن الماضي.
أراه أرشيفًا حيًا.
وأشعر أن أمامي مسؤولية:
أن أستمع.
أن أسأل.
أن أسجل.
أن أتحقق.
ثم أن أحفظ ما يمكن حفظه.
لأن بعض الكتب يمكن تأجيلها عامًا أو عامين.
لكن بعض الشهود لا يمكن تأجيلهم يومًا واحدًا.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان الذي لم يُكتب (14) بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مق ...
- حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية
- السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من ...
- ليس كل ما هو قديم يستحق أن يُوثَّق
- السودان الذي لم يُكتب (12) أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة ...
- حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل


المزيد.....




- شاهد.. كيف رد ترامب على تزويد الصين إيران بمعلومات عن قواعد ...
- محاولة الصمود وتجاوز الأزمات.. ما هو القاسم المشترك في حفل ت ...
- وزارة الدفاع الإماراتية تنعى رائدًا ومرشّحًا فارقا الحياة خل ...
- مقاتلات روسية تشن غارات جوية بقنابل -فاب-500- على مواقع العد ...
- وسط احتجاجات في عدة محافظات، كيف تفاعل السوريون مع قرار رفع ...
- -الجدار الناري- تحت الاختبار.. هل يفقد فعاليته أمام البديل؟ ...
- تقارير إعلامية: مصر ترفض مقترح الحوثيين للتواصل المباشر
- ترويكا.. الحلقة الـ60
- رئيس أركان الجيش السوداني: أسرتي دفعت الثمن في الأيام الأولى ...
- الطائرات المسيرة الانقضاضية الروسية تدمر سفينتين أوكرانيتين ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يصبح الإنسان نفسه أرشيفًا