أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 13:39
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في السودان القديم، كان الخبر يسافر على أقدام الناس.
يأتي مع المسافر.
ويحمله التاجر.
وينقله المراكبي.
ويصل به شيخ إلى قرية أخرى.
وكانت الذاكرة البشرية هي أرشيف المجتمع.
ثم ظهر شيء جديد.
ورقة.
صفحات قليلة تحمل أخبارًا وآراءً وتعليقات، وتخرج من مطبعة لتصل إلى أناس لم يكونوا يعرفون بعضهم بالضرورة.
لم تكن الصحيفة مجرد ورق.
كانت اختراعًا اجتماعيًا.
لأنها جعلت رجلًا في أم درمان يستطيع أن يعرف ما يحدث في الخرطوم، ويجعل قارئًا في مدينة أخرى يعرف أن هناك قضية يناقشها الناس في العاصمة.
وفجأة أصبح هناك شيء جديد في السودان:
رأي عام يمكن أن يُقرأ.
1903.. حين وصلت الصحافة
يرتبط تاريخ الصحافة الحديثة في السودان بصدور صحيفة السودان في 23 سبتمبر 1903، وهي اللحظة التي يضعها محجوب محمد صالح في بداية تاريخ الصحافة السودانية الحديثة.
وقد كانت الصحيفة تصدر في بدايتها بالإنجليزية، ثم ظهرت لها صيغة عربية، لكن صالح يميز بينها وبين الصحافة السودانية التي نشأت لاحقًا، لأن ملكيتها وإدارتها وجمهورها الأول لم تكن سودانية بالمعنى الكامل.
وهنا تبدأ المفارقة.
فالصحافة دخلت السودان في ظل نظام استعماري.
لكن السودانيين لم يظلوا طويلًا مجرد قراء لما يكتبه الآخرون.
تعلموا الطباعة.
وتعلموا التحرير.
وتعلموا كيف يكتبون لأنفسهم.
ثم بدأوا يستخدمون الصحيفة بطريقة لم تكن الإدارة الاستعمارية تتوقعها دائمًا.
من «السودان» إلى الصحافة السودانية
في عام 1918 ظهرت حضارة السودان، ويُشار إليها في الأدبيات باعتبارها أول صحيفة سودانية ذات تمويل سوداني وتحرير سوداني واضح.
وهنا حدث التحول الحقيقي.
لم يعد السوداني موضوعًا في الصحيفة فقط.
أصبح كاتبًا.
ومحررًا.
وصاحب رأي.
وقارئًا.
وصاحب صحيفة.
وهذا التحول أهم من تاريخ أي صحيفة منفردة.
لأن القضية لم تكن مجرد ظهور مطبوعة جديدة.
القضية كانت أن المجتمع بدأ ينتج لغة مكتوبة عن نفسه.
الصحيفة لم تكن خبرًا
لو عدنا إلى صحافة تلك الفترة بعين الصحافة الحديثة، قد نسأل:
أين الأخبار العاجلة؟
أين التحقيقات؟
أين الصفحات المتخصصة؟
أين الصحافة المهنية بمفهومها الحالي؟
لكن هذا السؤال قد يكون خاطئًا.
فالصحيفة السودانية في بداياتها كانت تؤدي وظائف كثيرة في وقت واحد.
كانت تنشر الأخبار.
وتناقش التعليم.
وتتحدث عن الأدب.
وتطرح قضايا المجتمع.
وتنشر المقالات السياسية.
وتعبر عن التيارات الفكرية.
وتحاول التأثير في السلطة.
وتحاول، في الوقت نفسه، تشكيل القارئ نفسه.
وهذا ما يجعل تاريخ الصحافة جزءًا من تاريخ تكوين المجتمع الحديث، وليس مجرد فصل من تاريخ الإعلام.
وقد لخّص محجوب محمد صالح هذه الوظيفة في دراسته التاريخية حين ربط تطور الصحافة بتاريخ التطور الوطني، معتبرًا أنها ساهمت في تنوير الناس، وصناعة الرأي العام، ونقل الأخبار المحلية والخارجية، وحشد السودانيين حول تطلعاتهم الوطنية.
الجريدة التي كانت تعلّم الناس الاختلاف
لم تكن الصحافة مساحة اتفاق.
وهذا تحديدًا ما جعلها مهمة.
فحين تظهر صحف متعددة، فإنها لا تقدم معلومات مختلفة فقط.
إنها تقدم طرقًا مختلفة لرؤية السودان.
صحيفة ترى المشكلة من زاوية.
وصحيفة ترد عليها.
كاتب يدافع عن فكرة.
وآخر يهاجمها.
وتيار سياسي يبحث عن جمهوره.
ومثقف يحاول أن يقنع الناس بأن المجتمع يحتاج إلى إصلاح.
وبذلك أصبحت الصحافة واحدة من الأماكن التي بدأ فيها السودانيون يتعلمون شيئًا جديدًا:
أن الوطن يمكن أن يحتوي آراءً مختلفة.
لكن السلطة كانت تقرأ أيضًا
لم تكن الإدارة الاستعمارية غافلة عن قوة الصحافة.
فالصحيفة التي تستطيع أن تصل إلى القارئ تستطيع أيضًا أن تصل إلى المعارض.
والمقال الذي يصنع رأيًا عامًا يمكن أن يتحول إلى مشكلة سياسية.
ولهذا لم تكن حرية الصحافة في السودان الاستعماري أمرًا مطلقًا.
وفي 23 سبتمبر 1930 صدر قانون الصحافة الذي أدخل نظامًا جديدًا لتنظيم النشر والصحف، ضمن إطار أوسع من الرقابة والسيطرة على المجال العام.
وهنا تظهر علاقة قديمة ستتكرر في تاريخ السودان:
الصحافة تحاول أن توسع المجال العام، والسلطة تحاول أن تضبط حدوده.
وهذه ليست قصة الاستعمار وحده.
ستصبح لاحقًا واحدة من أكثر القصص تكرارًا في تاريخ السودان السياسي.
الفجر.. حين أصبحت الصحافة مشروعًا فكريًا
في 2 يونيو 1934 ظهرت مجلة الفجر، التي ارتبطت باسم عرفات محمد عبد الله، وأصبحت واحدة من أبرز المنابر الفكرية والسياسية في السودان خلال تلك المرحلة.
لم تكن أهمية الفجر في عدد صفحاتها.
بل في نوعية الأسئلة التي حملتها.
فقد ارتبطت بدائرة من المثقفين الشباب الذين كانوا يريدون مناقشة مشكلات المجتمع السوداني، وليس فقط المطالبة بتغيير سياسي مباشر.
وكانت المجلة مساحة للأدب والفكر والسياسة والنقد الاجتماعي.
ولهذا وصفها بعض الباحثين بأنها من أهم المنابر التي ساهمت في تشكيل المثقفين السودانيين في تلك المرحلة.
ومن دائرتها خرج أو ارتبط بها عدد من الشخصيات التي ستصبح لاحقًا جزءًا من الحياة السياسية والفكرية السودانية.
وهنا نكتشف وظيفة أخرى للصحافة:
إنها لا تنقل النخب فقط؛ أحيانًا تصنعها.
الصحيفة والحزب
بحلول الثلاثينيات والأربعينيات، أصبحت الصحافة أكثر ارتباطًا بالصراع السياسي.
وفي عام 1935 ظهرت النيل بوصفها أول صحيفة يومية سودانية، وهو تطور مهم في تاريخ الصحافة المطبوعة. ومع تصاعد التنافس السياسي، ارتبطت صحف بتيارات وأحزاب واتجاهات مختلفة.
وهكذا بدأت الصحيفة تتحول من مجرد منبر ثقافي إلى مؤسسة سياسية أيضًا.
وهنا ظهرت مشكلة سترافق الصحافة السودانية طويلًا:
هل الصحيفة تنقل السياسة؟
أم أنها تمارس السياسة؟
والجواب في كثير من الأحيان كان:
الاثنان معًا.
فالقارئ لم يكن يشتري الورق فقط.
كان يختار، بطريقة غير مباشرة، أي رؤية للسودان يريد أن يقرأ.
الصحافة وصناعة الوطني
كانت الحركة الوطنية تحتاج إلى شيء أكثر من الاجتماعات السرية والخطب.
كانت تحتاج إلى مخاطبة الناس.
والصحافة قدمت لها هذه المساحة.
المقال يمكن أن يصل إلى شخص لم يحضر اجتماعًا سياسيًا.
والخبر يمكن أن يشرح قضية لم يكن القارئ يعرفها.
والافتتاحية تستطيع أن تحول حدثًا صغيرًا إلى قضية عامة.
والنقاش الصحفي يمكن أن يجعل موضوعًا محليًا موضوعًا وطنيًا.
لهذا لعبت الصحافة دورًا مهمًا في الحركة الوطنية السودانية وفي النقاشات التي سبقت الاستقلال. ويصف محجوب محمد صالح الصحافة بأنها ساهمت في تعبئة السودانيين حول تطلعاتهم الوطنية وفي النضال من أجل الحرية.
لكن علينا ألا نبالغ.
فالصحافة لم تصنع الاستقلال وحدها.
كانت واحدة من أدوات كثيرة.
لكن أهميتها أنها أعطت الحركة الوطنية لغة تستطيع أن تخاطب بها جمهورًا أوسع.
المرأة تدخل الجريدة
ربما تكون إحدى أكثر صفحات تاريخ الصحافة السودانية التي تستحق الاستعادة هي صفحة النساء.
ففي الخمسينيات، ومع تصاعد الحركة النسائية، بدأت الصحافة تمنح مساحة أكبر للنقاش حول ما سُمّي آنذاك «مشكلة المرأة».
وتكشف دراسة إيلينا فيزّاديني عن الصحافة والحركة النسائية السودانية بين 1950 و1956 أن صحفًا مثل الشعب والصراحة أنشأت أعمدة للنساء، وأن كثيرًا من هذه المواد كتبتها صحفيات، وأن هذه الأعمدة أصبحت مساحة مهمة للنقاش حول أدوار النساء والعلاقات الجندرية ودور المرأة في بناء الوطن.
وهنا يحدث شيء مهم.
فالمرأة لم تعد فقط موضوعًا يكتب عنه الرجال.
بدأت المرأة تدخل إلى الصحيفة بوصفها كاتبة وصاحبة رأي.
وهذا تحول في معنى المجال العام نفسه.
من يملك حق الكلام؟
إذا أردنا أن نفهم الصحافة السودانية حقًا، فعلينا أن نطرح سؤالًا بسيطًا:
من كان يستطيع أن يتحدث؟
في البداية كانت القدرة على إصدار صحيفة مرتبطة بالتعليم والمال والمطبعة والقدرة على التعامل مع السلطة.
ولذلك لم يكن المجال العام متاحًا للجميع بالقدر نفسه.
كان هناك المثقف.
والسياسي.
والتاجر.
والمتعلم.
وكان هناك جمهور واسع يقرأ أو يستمع أو يتداول ما تنشره الصحف.
لكن الصحيفة نفسها كانت، في الغالب، منبرًا لمن يملك أدوات الكتابة والنشر.
ومع ذلك، لم تكن آثارها محصورة في هؤلاء.
فالأفكار التي تنشرها الصحيفة تنتقل.
تُقرأ في المقاهي.
وفي البيوت.
وفي المدارس.
وفي مكاتب الموظفين.
وفي الأسواق.
ثم يعاد الحديث عنها شفهيًا.
وهكذا كانت الصحافة تصنع دائرة أوسع من جمهورها المباشر.
الصحيفة والمقهى والشارع
ربما لم تكن الصحيفة وحدها هي التي صنعت الرأي العام.
بل الصحيفة وما يحدث حولها.
فالقارئ يقرأ خبرًا.
ثم يخبر صديقه.
والصديق يناقشه في المقهى.
والخبر ينتقل إلى مجموعة أخرى.
ثم يظهر في حديث سياسي.
ثم يصبح موضوعًا في اجتماع.
وهكذا تتحول الكلمة المطبوعة إلى كلام متداول.
ومن الورق إلى الشارع.
ومن الشارع إلى السياسة.
ولهذا فإن دراسة الصحافة لا ينبغي أن تقتصر على أرشيف الصحف.
علينا أن نسأل أيضًا:
كيف كان الناس يقرأون؟
أين كانوا يقرأون؟
من كان يشتري الصحيفة؟
هل كان الشخص الواحد يقرأها ثم يقرأها الآخرون؟
كيف كانت الأخبار تنتقل إلى الذين لا يستطيعون القراءة؟
هذه الأسئلة قد تقودنا إلى تاريخ اجتماعي مختلف تمامًا للصحافة.
الصحافة لم تكن دائمًا حرة من الداخل
ومن المهم أيضًا ألا نرسم صورة رومانسية.
فالصحف لم تكن دائمًا منابر مثالية للديمقراطية.
كانت لها انحيازاتها.
ولها مصالحها.
ولها تياراتها السياسية.
وبعضها ارتبط بأحزاب أو مجموعات اجتماعية.
وبعضها استخدم الصحافة في الصراع السياسي.
وهذا طبيعي إلى حد كبير.
فالصحافة ليست كائنًا محايدًا يعيش خارج المجتمع.
هي جزء منه.
وتحمل صراعاته وانقساماته.
لكن المشكلة تبدأ حين نطلب من الصحافة أن تكون محايدة في كل شيء، بينما هي في الحقيقة مؤسسة اجتماعية لها تاريخ ومصالح واتجاهات.
الأهم هو أن تكون هذه الانحيازات قابلة للنقد والمساءلة.
الصحافة التي حفظت السودان
هناك سبب آخر يجعل الصحافة واحدة من أهم خزائن الذاكرة السودانية.
فكثير من الأشياء التي لم تدخل التقارير الحكومية بقيت في الصحف.
إعلان صغير.
نعي.
خبر عن مدرسة.
احتفال محلي.
شكوى مواطن.
مقال عن حي.
خبر عن إضراب.
إعلان وظيفة.
خبر عن وصول قطار.
إعلان تجاري.
مناقشة حول التعليم.
كل هذه الأشياء قد تبدو هامشية في لحظتها.
لكن بعد خمسين أو مئة عام تصبح وثائق.
فالصحيفة لا تحفظ فقط ما اعتقدت النخبة أنه مهم.
أحيانًا تحفظ ما كان الناس يعيشونه فعلًا.
وهنا تلتقي الصحافة مع مشروعنا في «السودان الذي لم يُكتب».
لأننا لا نبحث فقط عن الأحداث الكبرى.
نبحث عن السودان الموجود بين السطور.
ماذا تخبرنا الصحيفة عن المجتمع؟
إذا أردنا أن نعرف كيف كان السودان في الثلاثينيات، يمكن أن نقرأ الكتب التي كتبها المؤرخون بعد ذلك.
لكن يمكننا أيضًا أن نفتح صحيفة من الثلاثينيات.
سنجد فيها شيئًا مختلفًا.
سنجد اللغة التي كان الناس يستخدمونها.
القضايا التي كانوا يناقشونها.
الأسماء التي كانت معروفة.
الأسعار والإعلانات.
الأفراح والوفيات.
الخلافات السياسية.
الأدب.
التعليم.
المرأة.
المدينة.
الريف.
والأشياء الصغيرة التي لا تدخل عادة في كتب التاريخ السياسي.
وهذا هو السبب في أن الصحافة مصدر تاريخي لا غنى عنه.
لكنها في الوقت نفسه ليست مصدرًا محايدًا.
فالصحيفة تختار ما تنشر.
وقد تخفي شيئًا.
وقد تبالغ.
وقد تنحاز.
وقد تعكس موقف مالكها أو محرريها.
ولهذا فإن التعامل معها يجب أن يكون مثل التعامل مع أي وثيقة تاريخية:
نقرأها، ثم نسأل من كتبها؟ ولماذا؟ ولمن؟ وفي أي ظرف؟
من الصحيفة إلى الدولة
مع استقلال السودان في 1956، لم تنته قصة الصحافة.
بل بدأت مرحلة جديدة.
فالصحافة التي ناضلت من أجل حرية البلاد وجدت نفسها أمام سؤال مختلف:
كيف تتعامل مع الدولة الوطنية؟
وهنا بدأت علاقة جديدة بين الصحافة والسلطة.
فلم تعد السلطة استعمارية.
لكنها أصبحت سلطة سودانية.
وهذا لا يعني أن العلاقة أصبحت سهلة.
فكل حكومة تريد أن تتحدث إلى الناس.
وكل صحافة تريد أن تسأل الحكومة.
وحين تزداد قوة السلطة، يصبح السؤال الصحفي أكثر حساسية.
وحين تضعف المؤسسات، تصبح الصحيفة نفسها معرضة للضغط.
ومن هنا يبدأ فصل آخر طويل من تاريخ الصحافة السودانية، ستظهر فيه الانقلابات والرقابة والمصادرة وإغلاق الصحف، ثم عودة الصحافة مرة أخرى.
لكن ذلك موضوع حلقة أخرى.
الصحيفة التي صنعت جمهورًا
ربما يكون أعظم أثر للصحافة السودانية أنها صنعت شيئًا لم يكن موجودًا بالشكل نفسه من قبل:
جمهورًا وطنيًا.
قبل الصحافة، كان الإنسان يعرف جماعته ومجتمعه ومدينته ومحيطه.
أما الصحيفة فأعطته، تدريجيًا، إمكانية أن يرى نفسه جزءًا من قصة أكبر.
حدث في الخرطوم.
يقرأه شخص في أم درمان.
وتحدث قضية في مدينة أخرى.
يتابعها شخص في مكان بعيد.
وهكذا يصبح السودان، ولو مؤقتًا، موضوعًا مشتركًا للقراءة والنقاش.
وهذا هو أحد أعظم التحولات التي صنعتها الصحافة.
السودان الذي بين سطور الصحيفة
حين نبحث عن السودان الذي لم يُكتب، علينا ألا نبحث فقط في الكتب.
علينا أن نفتح الصحف القديمة.
أن نقرأ الإعلان الصغير.
أن نتوقف عند النعي.
أن نبحث عن اسم مدرسة.
عن خبر قرية.
عن شكوى مواطن.
عن مقال امرأة.
عن إعلان وظيفة.
عن خبر إضراب.
عن سعر سلعة.
عن افتتاح متجر.
عن مباراة.
عن قصيدة.
عن خلاف بين كاتبين.
عن كلمة كتبها شخص لم يكن يتخيل أن أحدًا سيعود إليها بعد مئة عام.
هناك، بين هذه التفاصيل، يوجد السودان اليومي.
السودان الذي لا يظهر دائمًا في خطب السياسيين.
ولا في بيانات الحكومات.
ولا في كتب التاريخ الكبرى.
السودان الذي عاشه الناس.
خاتمة
لم تكن الصحافة السودانية مجرد مرآة للسودان.
في أوقات كثيرة كانت أيضًا يدًا تحاول أن تعيد تشكيله.
كتبت عن الوطن، فساعدت في تعريف معنى الوطن.
ناقشت التعليم، فساهمت في جعل التعليم قضية عامة.
ناقشت المرأة، فوسعت حدود النقاش حول مكانتها.
هاجمت السلطة، فاختبرت حدود السلطة.
دافعت عن فكرة، فساعدت في تحويلها إلى قضية.
وأحيانًا أخطأت.
وأحيانًا انحازت.
وأحيانًا تحولت إلى أداة صراع.
لكنها ظلت جزءًا أساسيًا من تاريخ السودان الحديث.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب ألا نسأله فقط هو:
ماذا كتبت الصحافة السودانية؟
بل:
ماذا فعلت الكتابة السودانية بالسودان؟
ماذا حدث حين أصبح السوداني قادرًا على أن يكتب رأيه ويقرأ رأي غيره؟
ماذا حدث حين أصبحت القضية المحلية قابلة لأن تتحول إلى قضية وطنية؟
ماذا حدث حين دخلت المرأة إلى صفحات الصحيفة؟
ماذا حدث حين أصبح السياسي بحاجة إلى صحيفة ليخاطب الناس؟
وماذا حدث حين اكتشفت السلطة أن الصحيفة يمكن أن تكون أقوى من ورقة؟
ربما كانت الصحافة واحدة من اللحظات التي بدأ فيها السودان يكتشف نفسه كـ مجتمع يتحدث إلى نفسه.
ولهذا، حين نبحث عن السودان الذي لم يُكتب، علينا أن نقرأ الصحف القديمة.
ليس بحثًا عن الأخبار فقط.
بل بحثًا عن أصوات الذين كانوا يعيشون السودان قبل أن يصبحوا تاريخًا.
المصادر والمراجع
- محجوب محمد صالح، The Sudanese Press، Sudan Notes and Records، المجلد 46، 1965، ص 1–7. وهو من أهم المراجع المباشرة لتاريخ الصحافة السودانية حتى أعتاب الاستقلال.
- Elena Vezzadini, Emancipation through the Press: The Women’s Movement and its Discourses on the “Women’s Problem” in Sudan on the Eve of Independence (1950–1956)، ضمن Ordinary Sudan, 1504–2019.
- Heather J. Sharkey, A Century in -print-: Arabic Journalism and Nationalism in Sudan, 1899–1999، دراسة أساسية لفهم العلاقة بين الصحافة والقومية السودانية.
- Mahjoub Abdul-Malik، دراسات تاريخ الصحافة السودانية، كما ترد إحالاتها في الأدبيات المتخصصة.
- Abdu Mukhtar Musa, Press in Sudan: From Colonial Control to Post-independence Dictatorship، دراسة حديثة تعيد تتبع تطور الصحافة وعلاقتها بالسلطة.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟