أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 12:51
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
هناك سؤال لا يطرحه القراء عادة على الموثقين:
هل تنتهي علاقتك بالشخص عندما تنتهي من كتابة الكتاب؟
أما أنا، فأعرف الإجابة جيدًا.
لا... لا تنتهي.
بل ربما تبدأ بصورة أخرى.
حين بدأت العمل على كتاب «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي»، كنت أظن أنني أقابل رجلًا لأكتب سيرته. لكن مع مرور الأيام، لم يعد الحاج مدبولي مجرد شخصية أبحث عنها، بل أصبح جزءًا من يومي.
كنت أقرأ عنه في الصباح، وأراجع وثائقه في المساء، وأكتب ملاحظاتي قبل النوم. وإذا صادفت معلومة جديدة، شعرت كأنني عثرت على قطعة مفقودة من حياة شخص أعرفه منذ سنوات.
ولم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا مع دينق قوج.
صحيح أنني لم ألتقه، لكنني التقيته بطريقة أخرى.
التقيته في مقالاته، وفي أوراقه، وفي شهادات الذين عرفوه، وفي الأثر الذي تركه في الذاكرة الثقافية.
وكلما تقدمت في الكتاب، شعرت أنني أقترب من الإنسان، لا من الاسم.
هذه واحدة من غرائب التوثيق.
فأنت تبدأ باحثًا، ثم تتحول تدريجيًا إلى رفيق رحلة.
تعرف لحظات النجاح، وتتعرف إلى لحظات الانكسار، وتقرأ الرسائل، وتستمع إلى الشهادات، حتى يصبح صاحب السيرة حاضرًا في ذهنك، رغم أن بينكما سنوات، وربما عقود.
لكن هنا يكمن الاختبار الحقيقي.
فالاقتراب من الشخصية لا يعني أن تفقد حيادك.
يمكن أن تتعاطف معها، لكن لا يجوز أن تدافع عنها إذا أخطأت.
ويمكن أن تعجب بها، لكن لا يجوز أن تخفي ما لا يعجبك في سيرتها.
لقد تعلمت أن احترام الشخصية لا يكون بتجميلها، وإنما بتقديمها كما كانت.
فالإنسان لا يصبح عظيمًا لأنه بلا أخطاء، بل لأنه استطاع أن يترك أثرًا، رغم أنه كان إنسانًا مثلنا.
ولهذا، كنت كلما أحببت شخصية أكثر، ازددت حرصًا على أن أكون أكثر دقة في الكتابة عنها.
لأن المحبة قد تغري الكاتب بالمبالغة، بينما الأمانة العلمية تفرض عليه أن يبقى وفيًا للحقيقة.
لقد منحني الحاج مدبولي أكثر من قصة نجاح في عالم النشر.
ومنحني دينق قوج أكثر من درس في قيمة الذاكرة.
لكن كلاهما منحني درسًا واحدًا لا أنساه:
أن التوثيق ليس علاقة بين كاتب وموضوع، بل علاقة بين إنسان وإنسان.
وحين تنتهي من الكتاب، قد تغلق الملف، وتضع المخطوطة على الرف، لكن الشخصيات لا تغادر بسهولة.
تبقى معك.
في طريقة تفكيرك.
وفي أسئلتك.
وفي نظرتك إلى الناس.
وربما لهذا السبب، لا أستطيع أن أقول إنني أنهيت الكتابة عن الحاج مدبولي، أو عن دينق قوج.
فالكتب قد تنتهي...
أما أثر الأشخاص الذين نكتب عنهم، فيظل يرافقنا طويلًا.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟