أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 10:49
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
لم أسأل نفسي يومًا: من هو أشهر شخص يمكن أن أكتب عنه؟
كنت أسأل سؤالًا آخر، بدا لي أكثر صعوبة، وأكثر عدلًا: من هو الإنسان الذي يستحق أن يُكتب عنه، ولم يفعل أحد؟
ربما لهذا السبب، وجدت نفسي أقضي سنوات أبحث في حياة رجل مثل الحاج مدبولي، الذي بدأ حياته بائعًا متجولًا، قبل أن يصبح واحدًا من أبرز صناع النشر في العالم العربي. ووجدت نفسي بعد ذلك أتنقل بين الوثائق والمقابلات والشهادات، لأكتب عن دينق قوج، المثقف السوداني الذي ترك أثرًا كبيرًا في الذاكرة الثقافية، بينما بقي حضوره في المكتبة العربية أقل مما يستحق.
قد يبدو أن الرجلين لا يجمعهما شيء.
أحدهما ناشر مصري، والآخر كاتب وصحفي سوداني من جنوب السودان.
لكنني، وأنا أكتب عنهما، كنت أرى شيئًا واحدًا يجمعهما.
كلاهما صنع أثرًا أكبر من شهرته.
وكلاهما كان يستحق أن يُقرأ، لا أن يُذكر اسمه مرورًا في مناسبة أو خبر أو مقال تأبيني.
وهنا بدأت أفهم أنني لم أكن أكتب عن الأشخاص فقط، بل كنت أكتب ضد النسيان.
لقد علمتني الصحافة كيف ألاحق الخبر، لكن التوثيق علمني كيف ألاحق الزمن نفسه.
فالخبر يعيش يومًا، وربما أسبوعًا، ثم يأتي خبر آخر يزيحه من الصفحة الأولى.
أما الكتاب التوثيقي، فإنه يحاول أن ينتصر على هذا المصير. يحاول أن يقول: هذه التجربة تستحق أن تبقى.
ولعل هذا ما أشعر به اليوم أكثر من أي وقت مضى.
لم يعد يشغلني أن أكتب عن المشهور، بقدر ما يشغلني أن أكتب عن المستحق.
فالشهرة ليست دليلًا على الأثر، كما أن قلة الحديث عن الإنسان لا تعني قلة قيمته.
كم من رجال ونساء غيروا حياة الآلاف، ثم رحلوا بصمت.
وكم من مؤسسات صنعت تاريخًا ثقافيًا كاملًا، ثم لم يبق منها سوى اسم يتردد في أحاديث كبار السن.
إذا لم يكتب عن هؤلاء أحد، فمن سيفعل؟
ربما لهذا أصبحت أرى أن الكتابة التوثيقية ليست مجرد نوع من أنواع الكتابة، بل رسالة.
رسالة تقول إن لكل أمة دينًا في أعناقها تجاه الذين بنوا ثقافتها، وصنعوا وعيها، وأضاءوا طريقها.
وأن هذا الدين لا يُسدد بالخطب، ولا بحفلات التكريم، بل بالبحث، والوثيقة، والشهادة، والكتاب.
لقد كان كتاب «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي» محطة مهمة في رحلتي، ثم جاءت تجربة «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان» لتؤكد لي أن الطريق الذي اخترته هو الطريق الذي أريد أن أمضي فيه.
طريق البحث عن الذين لم ينصفهم التاريخ بما يكفي.
وطريق إعادة الأسماء إلى الذاكرة، قبل أن تتحول إلى مجرد هوامش في كتب الآخرين.
لهذا، فإن هذه السلسلة ليست حديثًا عن كتاب واحد، ولا عن شخصية واحدة.
إنها حديث عن رحلة آمنت بها، وما زلت أؤمن بها.
رحلة البحث عن الإنسان، قبل أن يبتلعه النسيان.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟