أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 17:45
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين نزور مكتبة كبيرة، ينتابنا شعور بالفخر. آلاف الكتب تصطف على الرفوف، ومئات العناوين تروي تاريخ المعرفة الإنسانية. لكنني كثيرًا ما أسأل نفسي: ما قيمة مكتبة لا يقرأها أحد؟
فالحضارة لا تُقاس بعدد الكتب التي نملكها، بل بعدد العقول التي تغيرت بفضل تلك الكتب.
لقد عشنا طويلًا ونحن نحتفي بالكتاب بوصفه رمزًا للثقافة، لكننا لم نسأل بما يكفي: ماذا فعل هذا الكتاب في حياة الناس؟ هل فتح بابًا للتفكير؟ هل حفظ ذاكرة؟ هل غيّر فكرة؟ أم بقي مجرد عنوان يزين رفًا في مكتبة؟
كلما انشغلت بالتوثيق، ازداد اقتناعي بأن الكتاب الحقيقي لا ينتهي عند طباعته، بل يبدأ عند قراءته. فالكتاب الذي لا يثير سؤالًا، ولا يدفع إلى بحث جديد، ولا يلهم قارئًا ليكتب، يشبه رسالة لم تصل إلى صاحبها.
ولعل هذا ما يفسر إعجابي بالكتب التوثيقية. فهي لا تقدم للقارئ معلومات فحسب، بل تمنحه مفاتيح لفهم زمن كامل. إنها لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل تخلق أسئلة جديدة، وتدعو القارئ إلى مواصلة الرحلة.
إنني لا أؤمن بالكتاب الذي يُقرأ مرة ثم يُنسى. أؤمن بالكتاب الذي يعود إليه الباحث بعد سنوات، ويجد فيه ما يساعده على فهم قضية، أو شخصية، أو مرحلة تاريخية. ذلك هو الكتاب الذي يتحول من عمل أدبي إلى مرجع، ومن صفحات مطبوعة إلى جزء من الذاكرة الوطنية.
ومن هنا، أرى أن مسؤولية الكاتب لا تنتهي عند إنجاز مخطوطته، بل تمتد إلى جودة ما يتركه. فالكم لا يصنع أثرًا، وإنما تصنعه القيمة. وقد يكون كتاب واحد صادق وموثق، أكثر تأثيرًا من عشرات الكتب التي كُتبت على عجل.
ولهذا، كلما بدأت مشروعًا جديدًا، أحاول أن أطرح على نفسي سؤالًا بسيطًا: هل سيحتاج أحد إلى هذا الكتاب بعد عشرين أو خمسين عامًا؟ فإذا كانت الإجابة نعم، مضيت في الكتابة. أما إذا كان عمر الكتاب سينتهي بانتهاء ضجة اللحظة، فإنني أفضل أن أبحث عن موضوع آخر.
إن المكتبات العظيمة لم تصبح عظيمة لأنها امتلأت بالكتب، بل لأنها احتضنت كتبًا بقيت حية في عقول القراء، وانتقلت من جيل إلى جيل.
ولهذا، فإنني لا أحلم بأن أضيف كتابًا جديدًا إلى رفوف المكتبات، بل أحلم أن أضيف مرجعًا يجد فيه الباحث ما لا يجده في غيره، ويشعر القارئ بعد إغلاقه أنه لم يقرأ صفحات، بل اكتسب رؤية جديدة للعالم.
فالمكتبات لا تصنع الحضارة وحدها.
الذي يصنع الحضارة هو الكتاب الذي يُقرأ، ويُناقش، ويُلهم، ويُبقي الذاكرة حية.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟