أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 12:00
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كل مشروع توثيقي يبدأ بفكرة بسيطة: "سأكتبه لاحقًا."
هذه العبارة وحدها كانت السبب في ضياع مئات القصص، وآلاف الوثائق، وعشرات الشخصيات التي كان يمكن أن تصبح جزءًا من تاريخنا المكتوب.
كم مرة قلنا إن فلانًا ما زال حيًا، وسنجلس معه عندما تتاح الفرصة؟ ثم رحل قبل أن نسأله سؤالًا واحدًا.
وكم مرة احتفظ شخص بصندوق مليء بالصور والرسائل والمخطوطات، ثم توفي، فتفرقت أوراقه بين الورثة، أو انتهى بها المطاف في سلة المهملات، لأن أحدًا لم يكن يعرف قيمتها.
لقد تعلمت من العمل في التوثيق أن الزمن لا ينتظر الباحثين.
فالوثيقة التي تراها اليوم أمامك قد لا تجدها غدًا. والشاهد الذي يحدثك الآن قد لا يكون قادرًا على استعادة التفاصيل بعد سنوات، إن بقي على قيد الحياة أصلًا. وحتى الذاكرة البشرية لها عمر، فهي لا تموت فجأة، لكنها تبهت شيئًا فشيئًا، حتى تختلط الوقائع بالظنون.
حين بدأت العمل على كتاب عن دينق قوج، لم يكن أكثر ما يقلقني هو جمع المعلومات، بل الوصول إليها قبل أن تضيع. كنت أشعر في كل مقابلة أنني لا أجمع مادة لكتاب فحسب، بل أنقذ جزءًا من ذاكرة قد لا تتكرر فرصة الوصول إليها.
ومنذ ذلك الوقت، تغيرت نظرتي إلى التوثيق. لم يعد مشروعًا يمكن تأجيله إلى العام المقبل، أو إلى ما بعد التقاعد، أو إلى حين تتوفر الظروف المثالية. فالظروف المثالية لا تأتي، أما الزمن فإنه يمضي في كل الأحوال.
ولهذا أصبحت أؤمن بأن أول واجب على الباحث ليس أن يكتب، بل أن يجمع. يجمع الوثائق قبل أن تضيع، ويسجل الشهادات قبل أن تغيب، ويحفظ الصور قبل أن تتلف. أما الكتابة، فيمكن مراجعتها وتنقيحها أكثر من مرة، لكن بعض المصادر إذا ضاعت، فلن تعود أبدًا.
ولعل أكثر ما يؤلمني أن كثيرًا من تراثنا لم يضع بسبب الحروب وحدها، بل بسبب التسويف. كنا نظن أن الوقت أمامنا طويل، فاكتشفنا متأخرين أن الوقت كان يكتب نهايته بصمت.
لذلك، إذا كان لديك والد أو معلم أو صحفي أو فنان أو سياسي أو حرفي يحمل في ذاكرته قصة تستحق أن تُروى، فلا تؤجل لقاءه. وإذا عثرت على رسالة قديمة أو صورة أو دفتر مذكرات، فلا تقل: سأرتبه لاحقًا. فما نؤجله اليوم، قد يصبح غدًا مما نبحث عنه فلا نجده.
إن الذاكرة لا تضيع في يوم واحد، بل تضيع كل يوم قليلًا، مع كل شهادة لا تُسجل، وكل وثيقة لا تُحفظ، وكل قصة نؤجل كتابتها.
ولهذا، فإن أخطر كلمة في حياة الموثق ليست "لا أعرف"، بل "لاحقًا". فالتاريخ لا ينتظر أحدًا، والذاكرة لا تمنحنا فرصة ثانية دائمًا.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟