أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - الكاتب لا يكتب ليُخلَّد... بل لئلا يضيع الإنسان تأملات في معنى الكتابة














المزيد.....

الكاتب لا يكتب ليُخلَّد... بل لئلا يضيع الإنسان تأملات في معنى الكتابة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 15:44
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كلما تقدمت في العمر، ازددت اقتناعًا بأن الكتابة ليست مهنة.
إنها طريقة لفهم الحياة.
ولعل أكثر ما يدهشني أن الإنسان يكتب وهو يعلم أن عمره أقصر من أن يقرأ كل ما يريد، وأقصر من أن يحقق كل ما يحلم به، ومع ذلك يكتب.
لماذا؟
لأن الكتابة، في جوهرها، ليست انتصارًا على الزمن، بل حوارٌ معه.
حين كنت صغيرًا، لم أكن أعرف شيئًا عن فلسفة التوثيق، ولا عن الذاكرة الوطنية، ولا عن قيمة الأرشيف.
كنت فقط أدوّن.
أكتب تفاصيل يومي، وأحتفظ بالأوراق، وأخشى أن تضيع الحكايات الصغيرة.
لم أكن أدرك يومها أن تلك العادة البسيطة ستقودني، بعد سنوات، إلى البحث في حيوات الآخرين، وإلى محاولة إنقاذ بعض ما كاد أن يبتلعه النسيان.
ربما تبدأ مشروعاتنا الكبرى بعادات صغيرة لا نلتفت إليها.
تعلمت من الصحافة أن الخبر يعيش يومًا، ثم يأتي خبر آخر يزيحه.
لكنني تعلمت من الكتابة التوثيقية أن بعض القصص تستحق أن تُروى مرة ثانية، وثالثة، وعاشرة، لأنها لا تخص أصحابها وحدهم، بل تخص المجتمع كله.
فالكاتب لا يكتب ليضيف صفحات إلى المكتبات، وإنما ليمنح الناس فرصة ألا يفقدوا ذاكرتهم.
كثيرًا ما يُسأل الكاتب: ماذا تريد أن تحقق من الكتابة؟
وأظن أن السؤال الأهم هو:
ماذا سيحدث لو لم تكتب؟
كم من قصة ستضيع؟
وكم من تجربة ستُنسى؟
وكم من إنسان سيغادر الدنيا من غير أن يترك أثرًا يدل عليه؟
أحيانًا تكون قيمة الكتابة فيما تمنع ضياعه، لا فيما تضيفه.
خلال رحلتي في إعداد كتاب عن دينق قوج، كنت أشعر أنني لا أكتب سيرة رجل واحد.
كنت أكتب عن زمن كامل، وعن بيئة ثقافية، وعن صحافة، وعن أحلام، وعن وطنين جمعتهما الذاكرة وفرّقتهما السياسة.
وهنا فهمت أن الشخصيات ليست جزرًا معزولة.
كل إنسان يحمل عصره معه.
ولهذا، فإن توثيق حياة شخص واحد قد يكون طريقًا لفهم مرحلة كاملة من التاريخ.
الكاتب الحقيقي لا يبحث عن البطولة.
هو يعرف أن اسمه قد يُنسى يومًا، وأن كتبه قد يغطيها الغبار.
لكنه يكتب لأنه يؤمن بأن الحقيقة تستحق أن تُقال، وأن التجربة تستحق أن تُحفظ، وأن الإنسان يستحق ألا يُختزل في تاريخ ميلاده ووفاته.
ولعل أجمل ما في الكتابة أنها تُعلّم صاحبها التواضع.
كلما قرأت أكثر، اكتشفت كم أجهل.
وكلما بحثت في سيرة إنسان، أدركت أن الحياة أعقد من أن تُختصر في حكم واحد أو رواية واحدة.
ولهذا أصبحت أؤمن بأن وظيفة الكاتب ليست إصدار الأحكام، بل طرح الأسئلة التي تستحق أن تبقى.
ربما لن تغيّر مقالة واحدة العالم.
وربما لن يمنع كتاب واحد حربًا.
لكن العالم نفسه يتغير بالأفكار التي تتراكم، وبالكلمات التي تجد طريقها إلى العقول في الوقت المناسب.
ولهذا لا أقلل أبدًا من قيمة الكتابة.
إنها لا تصنع المعجزات وحدها، لكنها تزرع البذور التي قد تنبت بعد سنوات، وربما بعد رحيل من كتبها.
لهذا لم أعد أرى الكاتب رسولًا للشهرة، ولا جامعًا للتصفيق، ولا صانعًا للألقاب.
أراه شاهدًا على عصره.
يكتب لأن الصمت، أحيانًا، يكون خيانة للذاكرة.
ويكتب لأن الإنسان لا يبقى بما يملك، بل بما يتركه من معنى.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الكاتب في حياته، ليس أن يخلّد اسمه، بل أن يمنع قصة إنسان من أن تضيع، أو فكرةً من أن تموت، أو ذاكرة وطن من أن تتحول إلى فراغ.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمم لا تُبنى بالحجارة... بل بالذاكرة
- المثقف الذي يموت مرتين الموت البيولوجي... والموت في الذاكرة
- لماذا لا نوثق أعلامنا؟ ثقافة الرثاء... في مواجهة ثقافة الذاك ...
- لماذا نكتب عن الذين يرحلون؟ في الدفاع عن الذاكرة قبل أن تصبح ...
- كازينو أوبرا شهرزاد الزمن الجميل ماذا تعرف عنهأ
- تياترو الأزبكية | أوّل مسرح وطنيّ في تاريخ مصر
- أتني| ساحة وسوق ومقهى ثقافي في قلب الخرطوم
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (68)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (67)
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (66)
- تعرف على تاريخ نادي غزل المحلة زعيم أندية الدلتا المصرية
- من هي الفنانة عبير بيبرس المتهمة بقتل زوجها رجل الأعمال
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (65)
- تعرف على قصة كورونا مع الفنانين المصريين بالتفصيل الممل
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (64)
- فضل شاكر ملك إحساس الأغنية العربية تنتهي رحلته إلى السجن
- يوميات الثورة السودانية.. الحل في البل (63)
- عبد الرحمن أبو زهرة معلم الدراما المصرية في قفص الاتهام
- مرزوق الغانم رئيسا لمجلس الأمة الكويتي للمرة الثالثة في تاري ...
- حسناء سيف الدين.. تعلن إصابتها بأورام في الرقبة


المزيد.....




- أسرة الراحلة حياة الفهد تنفي وجود وصية منها بإنشاء صندوق خير ...
- -استنزاف مخزون النفط-.. تحذير من وكالة الطاقة الدولية بشأن م ...
- علاء مبارك يعلق على الحادث المفجع في مصر
- صواريخ -مراوغة- وموجات من المسيّرات.. تقرير يكشف كيف استنزفت ...
- هل يتكرر -النموذج النووي السوري- في إيران؟ تقرير إسرائيلي يج ...
- البرلمان اللبناني يقر قانون العفو العام معدلاً... من أبرز ال ...
- الوضع في الضفة الغربية المحتلة بلغ -منعطفاً خطيراً-، مع تصاع ...
- ترامب يكشف كواليس مغادرته السرية من تركيا.. وتحذير إسرائيلي ...
- هجوم حوثي على سفينة في البحر الأحمر يقتل 3 باكستانيين.. فهل ...
- زلزال يخرب بلدات في كولومبيا: فايي ديل كاوكا تحصي القتلى


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - الكاتب لا يكتب ليُخلَّد... بل لئلا يضيع الإنسان تأملات في معنى الكتابة