أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 13:28
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين بدأت العمل في التوثيق، كنت أظن أن مهمة الموثق هي جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات. لكنني اكتشفت مع الوقت أن التحدي الحقيقي ليس في معرفة المعلومات، بل في اتخاذ القرار: ما الذي ينبغي أن يُكتب، وما الذي ينبغي أن يبقى في الأرشيف؟
فالموثق ليس جامع أخبار، ولا صياد فضائح، ولا شاهدًا يبحث عن الإثارة. إنه صاحب مسؤولية تجاه الحقيقة، وتجاه الأشخاص، وتجاه التاريخ نفسه.
خلال أي بحث توثيقي، سيجد الباحث عشرات الروايات المتناقضة، وسيستمع إلى شهادات تحمل أحيانًا شيئًا من الغضب، أو الخصومة، أو الرغبة في تصفية الحسابات. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي. هل يكتب كل ما يسمعه؟ أم يميّز بين الحقيقة والرأي، وبين الواقعة والانطباع؟
لقد أدركت أن الوثيقة ليست مقدسة لمجرد أنها مكتوبة، كما أن الشهادة الشفوية ليست صحيحة لمجرد أن صاحبها كان حاضرًا. كل مصدر يحتاج إلى مراجعة، وكل رواية تحتاج إلى مقارنة، وكل معلومة تحتاج إلى سند.
ومن أخطر ما يواجه الموثق أن يتحول، من حيث لا يشعر، إلى محامٍ عن الشخصية التي يكتب عنها، أو إلى قاضٍ يصدر الأحكام عليها. وكلا الدورين يفسد التوثيق. فوظيفة الموثق ليست الدفاع، وليست الإدانة، وإنما الفهم.
لهذا، كلما عملت على شخصية، حاولت أن أتركها تتحدث بلسانها، وأن أفسح المجال أيضًا لمن عرفوها، ومن اختلفوا معها، ومن انتقدوها. فالشخصيات الكبيرة لا تُختزل في رواية واحدة، ولا يُحيط بها شاهد واحد.
وقد تعلمت من تجربتي في كتابة «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان» أن احترام الحقيقة يقتضي أحيانًا الاعتراف بما لا نعرفه. ليس عيبًا أن يقول الباحث: لم أعثر على وثيقة تثبت ذلك، أو تضاربت الروايات حول هذه الواقعة. بل إن هذا الاعتراف يزيد العمل مصداقية، لأنه يميز بين المعرفة والافتراض.
إن التوثيق ليس صناعة للأساطير، ولا محاولة لرسم شخصيات بلا أخطاء. فالإنسان الحقيقي أكثر قيمة من الإنسان المتخيل، والتاريخ لا يحتاج إلى أبطال خارقين، بل إلى روايات صادقة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الباحث بعد رحيله، ليس عدد الكتب التي ألفها، وإنما ثقة القارئ بأن ما كتبه كان أمينًا على الحقيقة، حتى حين كانت الحقيقة أقل إبهارًا من الحكاية.
ولهذا أؤمن أن أخلاق الموثق تسبق مهارته. فقد يستطيع كثيرون جمع المعلومات، لكن قليلين هم الذين يعرفون كيف ينصفون الناس، ويحفظون كرامتهم، ويكتبون تاريخهم بصدق، دون زيادة أو نقصان. وهذا، في تقديري، هو الفرق بين من يكتب كتابًا، ومن يترك مرجعًا.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟