أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 14:59
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كل أمة تحفظ ذاكرتها بطريقتها. بعض الأمم تبني المتاحف، وبعضها تؤسس مراكز للأرشيف، وبعضها تجعل من الوثيقة جزءًا من الأمن القومي. أما نحن، فكثيرًا ما نترك ذاكرتنا رهينة للإهمال، أو للحروب، أو لرحيل أصحابها.
كلما توفي كاتب أو صحفي أو سياسي سوداني، يتكرر المشهد ذاته. يتحدث الناس عن مناقبه، وتُنشر صور قديمة، ثم ينتهي كل شيء. لا أحد يسأل: أين مكتبته؟ أين رسائله؟ أين مسودات كتبه؟ أين صوره؟ أين تسجيلاته؟ وأين الوثائق التي يمكن أن تساعد الأجيال القادمة على فهم مرحلة من تاريخ البلاد؟
لقد أدركت أثناء عملي على كتاب دينق قوج أن أصعب ما يواجه الباحث ليس الكتابة، بل العثور على المادة الخام. كثير من الوثائق تفرقت بين الأصدقاء، وبعضها ضاع مع النزوح، وبعضها بقي في أجهزة حاسوب تعطلت، وبعضها حمله الورثة دون أن يدركوا قيمته. وهكذا تضيع الذاكرة قطعةً بعد أخرى.
المؤسف أن الأرشيف لا يضيع فجأة، بل يموت ببطء. تمحى صورة، وتُرمى رسالة، ويباع صندوق من الأوراق القديمة، فيختفي جزء من تاريخنا دون أن يشعر أحد. وبعد سنوات، يأتي باحث يبحث عن تلك المرحلة فلا يجد إلا روايات متناقضة وذكريات مثقوبة بالنسيان.
لهذا لا أرى أن مسؤولية الأرشيف تقع على الدولة وحدها، بل هي مسؤولية كل من يملك وثيقة أو صورة أو رسالة أو تسجيلاً أو مخطوطة. فما يبدو اليوم ورقة عادية، قد يصبح بعد نصف قرن مصدرًا لا غنى عنه لفهم تاريخ السودان.
كما أن المؤسسات الثقافية ودور النشر مطالبة بأن تتجاوز دورها التقليدي، فتتبنى مشاريع لجمع أرشيف الشخصيات الوطنية قبل أن يتبدد. فالوثيقة لا تقل قيمة عن الكتاب، والصورة لا تقل أهمية عن المقال، والتسجيل الشفهي قد يكون في بعض الأحيان المصدر الوحيد المتبقي.
لقد علمتني تجربة التوثيق أن التاريخ لا يضيع عندما يحترق مبنى أو تُقصف مكتبة، بل يضيع عندما نفقد الإحساس بقيمة ما نملك. وعندما ننظر إلى الرسائل والصور واليوميات بوصفها أشياء قديمة لا تستحق الحفظ.
إن بناء المستقبل يبدأ بحفظ الماضي. ولا يمكن لأمة أن تكتب تاريخها بصدق إذا كانت وثائقها مبعثرة في البيوت، أو منسية في الأدراج، أو معرضة للضياع مع كل رحلة نزوح أو كل بيت يُهدم.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: من سيكتب تاريخ السودان؟ بل: من سيحفظ مواده الخام قبل أن تختفي؟ فالتاريخ يُكتب بالقلم، أما الذاكرة فلا تبقى إلا إذا حُفظت وثائقها. وربما كانت هذه هي المهمة الأكثر إلحاحًا لجيلنا: أن ننقذ ما تبقى، قبل أن يصبح البحث عن تاريخنا بحثًا في ذاكرة الآخرين.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟