أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 13:17
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كثيرًا ما يُنظر إلى التوثيق على أنه مجرد عمل أكاديمي، أو جهد يهدف إلى جمع المعلومات وترتيبها وحفظها. لكنني كلما تعمقت في هذا المجال، ازددت اقتناعًا بأن التوثيق ليس مجرد حفظ للذاكرة، بل هو في جوهره محاولة لتحقيق العدالة.
فالزمن ليس عادلًا دائمًا.
هناك شخصيات تنال من الاهتمام ما يفوق أثرها الحقيقي، لأن الظروف دفعتها إلى واجهة المشهد، أو لأنها امتلكت منابر تتحدث باسمها. وفي المقابل، هناك رجال ونساء صنعوا أثرًا عميقًا، لكنهم عاشوا بعيدًا عن الأضواء، أو لم يجدوا من يروي قصتهم، فابتلعهم النسيان.
وهنا تبدأ مهمة الموثق.
إنه لا يمنح الناس قيمة لم تكن فيهم، ولا يصنع لهم مجدًا جديدًا، وإنما يحاول أن يعيد إليهم ما يستحقونه من حضور في الذاكرة العامة. إنه لا يكتب التاريخ من جديد، بل يزيل الغبار عن صفحاته.
لقد أدركت هذه الحقيقة أثناء عملي في التوثيق. كنت أجد أحيانًا أن الوصول إلى الوثيقة أصعب من تحليلها، وأن العثور على شاهد عاصر الأحداث أكثر مشقة من كتابة فصل كامل. لكنني كنت أشعر في كل مرة أن هذا الجهد ليس من أجل كتاب فحسب، بل من أجل إنصاف إنسان ربما لم ينصفه زمنه.
ولعل التاريخ نفسه يعلمنا أن كثيرًا من العظماء لم يُعرف قدرهم إلا بعد رحيلهم. ليس لأنهم تغيروا، بل لأن من جاء بعدهم وجد الوقت الكافي ليرى أثرهم بعيدًا عن ضجيج اللحظة.
لهذا لا أحب أن أصف التوثيق بأنه عمل عن الماضي فقط. إنه أيضًا عمل من أجل المستقبل. فالطالب الذي سيقرأ بعد خمسين عامًا، والباحث الذي سيحاول فهم مرحلة من تاريخ وطنه، لن يبحث عن آرائنا، بل سيبحث عن الوقائع، وعن الوثائق، وعن الشهادات التي تركناها له.
وإذا لم نفعل ذلك، فإننا نترك الباب مفتوحًا للنسيان، وللروايات الناقصة، وللتاريخ الذي يكتبه المنتصر وحده.
إن العدالة لا تتحقق في ساحات القضاء فقط، بل قد تتحقق أيضًا في كتاب ينصف رجلًا، أو في دراسة تحفظ سيرة امرأة، أو في أرشيف يمنع ضياع قصة وطن.
ولهذا أصبحت أؤمن بأن الموثق لا يحمل قلمًا فحسب، بل يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه من سبقوه، وتجاه من سيأتون بعده. فهو يقف في نقطة وسطى بين الماضي والمستقبل، ويحاول أن يضمن ألا تضيع الحقيقة في الطريق.
ربما لا يستطيع التوثيق أن يغير ما حدث، لكنه يستطيع أن يمنع ضياعه. وربما لا يعيد الحياة إلى الذين رحلوا، لكنه يعيد إليهم حقهم في أن تُروى قصتهم كما كانت، لا كما أراد النسيان أن يجعلها.
ولعل هذه هي العدالة الوحيدة التي يستطيع الكاتب أن يمنحها للتاريخ: أن يكتب بصدق، وأن ينصف بالصمت حين لا يملك الدليل، وبالكلمة حين يملك الحقيقة.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟