أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 11:03
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كلما سألني أحدهم: ماذا تعمل؟ أجد أن الإجابة ليست سهلة.
هل أقول إنني صحفي؟ نعم، لقد عشت سنوات طويلة في الصحافة.
هل أقول إنني كاتب؟ نعم، فالكتابة هي مهنتي الأولى.
لكنني، في السنوات الأخيرة، أصبحت أشعر أن هناك وصفًا أقرب إلى ما أفعله: حارس للذاكرة.
لا أقصد بذلك أنني أملك الذاكرة، أو أنني أوكلت نفسي للدفاع عنها، وإنما لأنني أصبحت أرى في كل مشروع توثيقي محاولةً لإنقاذ شيء من الضياع.
فالذاكرة لا تضيع دفعة واحدة.
إنها تتآكل ببطء، كما تتآكل الحجارة تحت المطر. تبدأ بصورة مفقودة، ثم رسالة لا يعرف أحد مكانها، ثم شاهد يرحل دون أن يدلي بشهادته، ثم مكتبة شخصية تتفرق بعد وفاة صاحبها. وبعد سنوات، نكتشف أننا لا نملك إلا عناوين عامة، بينما اختفت التفاصيل التي كانت تمنح التاريخ روحه.
ومن هنا، تغيرت علاقتي بالبحث.
لم أعد أبحث عن المعلومات وحدها، بل أصبحت أبحث عن كل ما يمكن أن يحميها من الفناء. صورة، تسجيل، رسالة، مخطوطة، أو حتى قصة يرويها رجل مسن في مجلس صغير. فكل واحدة منها قد تكون الحلقة التي تنقذ رواية كاملة من الانقطاع.
ولعل أجمل ما في التوثيق أنه يعلم صاحبه التواضع.
فكلما ظننت أنني أحطت بموضوع ما، ظهرت وثيقة جديدة، أو التقيت بشخص يضيف زاوية لم أكن أعرفها. فأدرك أن الحقيقة أكبر من أي باحث، وأن مهمتي ليست امتلاكها، بل الاقتراب منها قدر المستطاع.
لقد أصبح هاجسي اليوم ألا يضيع ما يمكن إنقاذه.
وليس المقصود الشخصيات الكبرى وحدها، بل كل ما يشكل ذاكرتنا المشتركة: مهنة توشك على الانقراض، مدرسة خرجت أجيالًا، دار نشر صنعت حركة ثقافية، صحيفة أثرت في الرأي العام، أو إنسان عاش بصمت وترك أثرًا يفوق شهرته.
إنني أؤمن بأن الأمم لا تحتاج فقط إلى من يصنع التاريخ، بل تحتاج أيضًا إلى من يحرسه من الضياع.
وهذه الحراسة لا تتم بالسلاح، ولا بالقوانين، وإنما بالقلم، وبالوثيقة، وبالصبر، وبالإيمان بأن ما نكتبه اليوم قد يصبح غدًا المصدر الوحيد الذي يعود إليه الناس.
ربما لن يعرف القارئ حجم الجهد الذي يبذله الباحث في جمع مادة كتاب واحد، لكنه سيشعر بقيمته بعد عقود، عندما يجد بين يديه مرجعًا أنقذ قصة من النسيان، أو أعاد إلى الذاكرة اسمًا كاد أن يختفي.
ولهذا، لم أعد أرى التوثيق مهنة، ولا حتى تخصصًا أكاديميًا.
إنه مسؤولية.
ومع كل كتاب جديد، أشعر أنني لا أضيف عنوانًا إلى مكتبتي، بل أضع حجرًا صغيرًا في بناء الذاكرة العربية، لعل من يأتي بعدنا يجد ما يستند إليه، بدل أن يبدأ رحلته من الصفر.
فإذا كان التاريخ هو ذاكرة الأمم، فإن الموثق ليس مجرد كاتب... إنه أحد حراسها.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟