أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 15:40
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كلما قرأت كتابًا جديدًا عن تاريخنا، شعرت بأننا لا نعاني من نقص في من يفسر الماضي، بقدر ما نعاني من نقص فيمن يحفظه.
لدينا من يختلفون حول الأحداث أكثر مما لدينا من يجمعون وثائقها. ولدينا من يكتبون الآراء أكثر مما لدينا من يسجلون الشهادات. وكثيرًا ما نجد أنفسنا نختلف حول رواية حادثة، لا لأن الحقيقة غامضة، بل لأن أحدًا لم يهتم بحفظها في وقتها.
لهذا أصبحت مقتنعًا بأن العالم العربي لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المؤرخين وحدهم، بل يحتاج، قبل ذلك، إلى جيل جديد من الموثقين.
المؤرخ يعمل غالبًا على مادة موجودة، أما الموثق فينقذ المادة قبل أن تضيع. والمؤرخ يقرأ الوثائق، بينما الموثق يسعى إلى جمعها وحفظها وإتاحتها. ولو لم يقم أحد بالمهمة الأولى، فلن يجد الثاني ما يكتب عنه.
لقد أدركت هذه الحقيقة وأنا أتنقل بين المكتبات، وأقابل الشهود، وأبحث عن الصور والرسائل والمخطوطات. في كل مرة كنت أجد أن أكبر مشكلة ليست في تحليل المعلومات، بل في العثور عليها أصلًا.
كم من صحيفة توقفت ولم يُحفظ أرشيفها.
وكم من دار نشر أغلقت أبوابها، فضاعت معها وثائقها.
وكم من كاتب رحل، فتفرقت مكتبته بين الورثة.
وكم من مثقف عاش عمره يخدم المعرفة، ثم لم يبق منه سوى خبر وفاة قصير.
هذه ليست خسائر فردية، بل خسائر تصيب الذاكرة العربية كلها.
ومن هنا، فإنني أرى أن التوثيق لم يعد عملًا فرديًا، بل مشروعًا حضاريًا. مشروعًا تشارك فيه الجامعات، ودور النشر، والمؤسسات الثقافية، ووسائل الإعلام، بل وحتى الأسر التي تحتفظ في بيوتها بصور ورسائل ووثائق لا تقدر بثمن.
إننا بحاجة إلى ثقافة جديدة، لا تنتظر حتى يرحل الإنسان لتسأل عنه، ولا حتى تنهار المؤسسة لتبحث عن أرشيفها، ولا حتى تختفي المهنة لتتذكر أنها كانت جزءًا من حياتنا.
إننا بحاجة إلى أن يصبح التوثيق عادة، لا استثناء.
ولهذا، فإنني لا أحلم فقط بكتابة الكتب، بل أحلم بأن أرى في كل بلد عربي مشاريع وطنية لحفظ الذاكرة، وسلاسل علمية توثق الرواد، ومراكز تجمع التاريخ الشفهي، وبرامج تشجع الشباب على إنقاذ ما بقي قبل أن يضيع.
قد يبدو هذا حلمًا كبيرًا، لكنه يبدأ بخطوة صغيرة.
باحث يجري مقابلة قبل فوات الأوان.
طالب يحفظ أرشيف مدرسة.
أسرة ترتب أوراق جدها بدل أن تلقيها في القمامة.
صحفي يسجل شهادة رجل عجوز قبل أن يصمت إلى الأبد.
هذه الأعمال الصغيرة، حين تجتمع، تصنع ذاكرة أمة.
وأحسب أن المستقبل لن يسألنا فقط: ماذا كتبتم؟
بل سيسألنا أيضًا: ماذا أنقذتم من الضياع؟
وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل من يؤمن بأن الثقافة ليست ما نؤلفه فقط، بل ما نحفظه أيضًا.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟