أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 00:03
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في بداية عملي في التوثيق، كنت أظن أنني أكتب عن أشخاص.
لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أنني كنت أكتب عن الأزمنة التي عاشوها.
فالإنسان لا يعيش خارج عصره، ولا تُفهم سيرته إذا اقتطعناها من المكان والزمان اللذين شكّلاه.
عندما بدأت العمل على كتاب «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي»، لم يكن هدفي أن أروي حياة رجل بدأ بائعًا للكتب ثم أصبح ناشرًا معروفًا. كان هدفي أن أفهم كيف كانت القاهرة الثقافية في ذلك الزمن، وكيف كانت صناعة النشر، وكيف كان الكاتب يصل إلى قارئه، وكيف كانت الكتب تشق طريقها بين الأرصفة والمكتبات ودور النشر.
كنت كلما سألت الحاج مدبولي عن نفسه، وجدتني أتعرف إلى جيل كامل من الكتّاب والناشرين والقراء.
لم تكن السيرة تخصه وحده.
كانت تخص مدينة كاملة.
وتخص مرحلة كاملة من تاريخ الثقافة العربية.
ثم جاءت تجربة دينق قوج لتؤكد لي الفكرة نفسها.
لم يكن الكتاب عن رجل واحد، بل عن مرحلة عاشها السودان، وعن التحولات الثقافية والسياسية التي شهدها، وعن دور المثقف في زمن كانت فيه الكلمة تحاول أن تحافظ على ما تبقى من الذاكرة الوطنية.
لو اكتفيت بسرد حياته، لخرجت بسيرة ذاتية.
لكنني كنت أريد أن أخرج بصورة عصر.
وهنا أدركت أن الكاتب التوثيقي لا يكتب عن الإنسان بمعزل عن زمانه، لأن الإنسان ابن بيئته، وابن لحظته التاريخية.
فكل شخصية تحمل في داخلها قصة وطن، أو مدينة، أو مؤسسة، أو جيل كامل.
ولهذا، فإنني حين أقرأ سيرة ذاتية ناجحة، لا أبحث فقط عن صاحبها، بل أبحث عن العالم الذي عاش فيه.
أريد أن أعرف ماذا كان الناس يقرأون، وكيف كانوا يفكرون، وما الذي كان يقلقهم، وما الذي كانوا يحلمون به.
فالسيرة التي تكتفي بصاحبها، تموت معه.
أما السيرة التي تنجح في رسم ملامح عصرها، فإنها تبقى مرجعًا حتى بعد أن يرحل أبطالها.
لقد تعلمت من الحاج مدبولي أن تاريخ النشر لا يكتبه الناشرون وحدهم، بل يكتبه القراء أيضًا.
وتعلمت من دينق قوج أن المثقف الحقيقي لا يوثق نفسه، بل يوثق وطنه.
وربما لهذا السبب، أصبحت كلما بدأت مشروعًا جديدًا، أسأل نفسي سؤالًا مختلفًا:
ما الزمن الذي سأكتبه من خلال هذا الإنسان؟
لأنني لم أعد أؤمن بأن التوثيق هو كتابة حياة فرد.
إنه، في جوهره، محاولة لكتابة حياة عصر كامل، اختصر نفسه في سيرة إنسان واحد.
ولهذا، فإن أعظم السير ليست تلك التي تجعلنا نعرف أصحابها فقط...
بل تلك التي تجعلنا نفهم الزمن الذي أنجبهم.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟