أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 00:56
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين نتحدث عن الأسواق السودانية القديمة، غالبًا ما نتذكر الأسعار والسلع والتجار والدكاكين.
لكن السوق كان أكبر من ذلك بكثير.
كان مكانًا تلتقي فيه المدينة بنفسها.
في السوق كان التاجر يعرف المزارع، ويعرف العامل، وتصل الأخبار قبل الصحف أحيانًا، وتتقاطع طرق القادمين من الأحياء والقرى والمدن البعيدة. وكان المال يتحرك فيه، لكن البشر أيضًا كانوا يتحركون، وكذلك الأفكار والعادات والأخبار والعلاقات.
ولهذا فإن دراسة السوق ليست دراسة للاقتصاد وحده.
إنها محاولة لفهم كيف كان المجتمع السوداني يعيش ويتحرك ويتغير.
عندما يصبح السوق جزءًا من تاريخ المدينة
من الدراسات المتخصصة التي تساعدنا في الاقتراب من هذا الجانب دراسة عن أسواق أم درمان وأثرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة 1885–1956.
والفكرة الأساسية التي تقودنا إليها هذه الدراسة مهمة: السوق لم يكن مؤسسة اقتصادية منعزلة، بل كان جزءًا من الحياة الاجتماعية والعمرانية للمدينة.
وهذا منطقي إذا فكرنا في وظيفة السوق بعيدًا عن التعريف الاقتصادي البسيط.
فالمدينة تحتاج إلى مكان لتبادل السلع، لكن الناس حين يجتمعون في هذا المكان لا يتبادلون السلع فقط.
يتبادلون الأخبار.
ويبنون العلاقات.
ويتعرف بعضهم إلى بعض.
وتنشأ بينهم أشكال من الثقة والمنافسة والتعاون.
وبذلك يتحول السوق تدريجيًا إلى مؤسسة اجتماعية.
أم درمان.. المدينة والسوق
كانت أم درمان في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين واحدة من أهم المراكز الحضرية في السودان.
لكن نموها لم يكن منفصلًا عن النشاط التجاري.
فالمدينة التي تستقبل أعدادًا متزايدة من السكان تحتاج إلى الطعام والملابس والأدوات ومواد البناء والخدمات.
وكل حاجة من هذه الحاجات تخلق نشاطًا اقتصاديًا.
وكل نشاط اقتصادي يحتاج إلى أشخاص.
والأشخاص يحتاجون إلى أماكن للسكن والعمل.
وهكذا تتداخل السوق مع المدينة في دائرة واحدة:
السكان يولدون الحاجة إلى السوق، والسوق يجذب النشاط، والنشاط يساعد على نمو المدينة.
لذلك فإن سؤال: "كيف نشأت أم درمان؟" لا يمكن أن يكتمل من دون سؤال آخر:
كيف كانت تعيش أم درمان اقتصاديًا؟
السوق ليس مجرد دكاكين
الخطأ الذي قد نقع فيه عندما ننظر إلى الأسواق القديمة من منظورنا الحالي هو أن نراها باعتبارها صفوفًا من المحلات.
لكن السوق في المجتمع التقليدي كان شبكة.
هناك من ينتج.
وهناك من ينقل.
وهناك من يبيع بالجملة.
وهناك من يبيع بالتجزئة.
وهناك من يعمل بالأجر.
وهناك من يقدم خدمات مرتبطة بالسوق.
وهناك المستهلك.
وبين هؤلاء جميعًا تتشكل علاقات لا تظهر في دفتر الحسابات.
قد يعرف التاجر زبونه منذ سنوات.
وقد يمنحه سلعة بالدين.
وقد يتعامل مع مورد بناءً على الثقة قبل أن يتعامل بناءً على عقد مكتوب.
وهنا يصبح الائتمان والثقة جزءًا من الاقتصاد الاجتماعي.
وهذه النقطة بالذات تستحق اهتمامًا خاصًا عند دراسة السودان القديم، لأن الاقتصاد لم يكن دائمًا اقتصادًا نقديًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم.
المال ليس دائمًا نقدًا
توجد في الدراسات الخاصة بالمدن السودانية إشارات إلى أنماط من التنظيم المالي والاجتماعي، من بينها ما عرف بجمعيات الادخار الدورية.
وهذا النوع من التنظيم يكشف جانبًا مهمًا من حياة الناس:
حين لا تكون المؤسسات المالية الحديثة متاحة للجميع، يستطيع المجتمع أن يخلق آلياته الخاصة.
مجموعة من الأشخاص تساهم بمبالغ محددة، ثم يحصل أحدهم على المجموع في دورة معينة، ويتكرر الأمر مع الآخرين.
المهم هنا ليس الشكل المالي وحده.
المهم هو السؤال الاجتماعي:
ما الذي يجعل مجموعة من الناس تثق ببعضها إلى درجة أن تضع أموالها في نظام قائم على الالتزام المتبادل؟
الإجابة تقودنا من الاقتصاد إلى المجتمع.
السوق مدرسة اجتماعية
في السوق يتعلم الصبي أو الشاب أكثر من البيع والشراء.
يتعلم الحساب.
يتعلم التفاوض.
يتعلم الصبر.
يتعلم كيف يخاطب الناس.
يتعلم متى يثق ومتى يحتاط.
ويتعلم كذلك لغة السوق ومفرداته وقواعده غير المكتوبة.
ولهذا فإن السوق كان أحد الأماكن التي تنتقل فيها المعرفة الاجتماعية من جيل إلى جيل.
لم تكن كل المعارف تُدرَّس في المدارس.
بعضها كان يُتعلم بالممارسة.
والسوق واحد من أهم الأماكن التي حدثت فيها هذه العملية.
من أين جاءت السلع؟
السوق أيضًا نافذة لفهم السودان خارج حدوده المحلية.
فالسلعة الموجودة على رف متجر أو في دكان صغير ليست مجرد شيء للبيع.
وراءها سلسلة كاملة:
منتج.
ومزارع.
وعامل.
وناقل.
وتاجر.
ومخزن.
وسوق.
ومستهلك.
وعندما ندرس هذه السلسلة تاريخيًا، نكتشف طرق الحركة والتجارة التي ربطت أجزاء السودان ببعضها، وربطت السودان كذلك بمحيطه الإقليمي.
وهنا تتحول السلعة إلى وثيقة.
القماش يمكن أن يخبرنا عن التجارة.
الحبوب يمكن أن تخبرنا عن الزراعة.
الأدوات المعدنية يمكن أن تخبرنا عن الصناعة والاستيراد.
والملح يمكن أن يخبرنا عن طرق الحركة والتبادل.
حتى الطعام يمكن أن يكون مدخلًا إلى التاريخ.
السوق والهجرة
من الأشياء التي تجعل الأسواق مهمة في دراسة المجتمع السوداني أنها كانت مرتبطة بحركة البشر.
حين ينتقل الإنسان من منطقة إلى أخرى، يحتاج إلى العمل.
والمدينة التجارية توفر فرصًا.
ولهذا يمكن أن يصبح السوق نقطة جذب للمهاجرين.
وقد تناولت دراسات تاريخية بالفعل موضوع المهاجرين من جنوب السودان في أم درمان، ضمن أبحاث منشورة في Sudan Notes and Records.
وهنا نصل إلى فكرة مهمة:
الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي.
إنها عملية تعيد تشكيل المدينة.
المهاجر يأتي ومعه مهاراته وعاداته ولغته وشبكاته الاجتماعية.
ثم يدخل في شبكة العمل.
وبمرور الزمن يصبح جزءًا من المدينة التي جاء إليها.
ومن ثم فإن السوق لا يستقبل المهاجر فقط.
السوق يساعد أحيانًا على تحويل الغريب إلى جزء من المجتمع الحضري.
السوق وصناعة الطبقات الاجتماعية
الأسواق أيضًا تكشف لنا شيئًا عن الفوارق الاجتماعية.
فهناك التاجر الكبير والصغير.
وهناك العامل.
وهناك صاحب الحرفة.
وهناك المستهلك الذي يملك القدرة على الشراء، وآخر يحاول الحصول على حاجاته بأقل تكلفة.
وهناك من يعيش على الهامش.
هذه الفوارق ليست مجرد أرقام اقتصادية.
إنها تنتج علاقات اجتماعية.
ومع نمو المدن وتوسع التجارة، تتغير هذه العلاقات.
ولهذا فإن تاريخ الأسواق يمكن أن يساعدنا على فهم نشوء طبقات وفئات اجتماعية جديدة في المدن السودانية.
النساء والسوق
وعندما نكتب تاريخ السوق، علينا أن ننتبه إلى خطأ شائع:
أن نكتب وكأن السوق كان عالمًا للرجال فقط.
تاريخ الحياة الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن يكتمل من دون النظر إلى النساء.
فالمرأة لم تكن مجرد مستهلكة.
كانت في أدوار مختلفة جزءًا من الاقتصاد الأسري والإنتاج والتبادل.
لكن طبيعة مشاركة النساء في الأسواق اختلفت باختلاف المكان والفترة والمجتمع.
ولهذا ينبغي ألا نضع صورة واحدة للمرأة السودانية ونعممها على كل السودان.
بل نحتاج إلى العودة إلى الوثائق والدراسات الخاصة بكل منطقة وزمن.
وهذه إحدى القواعد التي يجب أن تحكم هذه السلسلة:
السودان ليس مجتمعًا واحدًا متطابقًا في كل مكان وزمان.
السوق والأخبار
هناك وظيفة أخرى للسوق لا تظهر في كتب الاقتصاد:
السوق مكان للأخبار.
قبل وسائل الاتصال الحديثة، كان انتقال الخبر مرتبطًا بحركة البشر.
التاجر يسافر.
والناقل يسافر.
والمزارع يأتي من منطقة بعيدة.
والمسافر يعود من مدينة أخرى.
والناس يلتقون.
ومن ثم تنتقل المعلومات.
خبر عن محصول.
خبر عن طريق.
خبر عن سعر.
خبر عن قرار حكومي.
خبر عن حادث.
خبر عن حرب.
خبر عن شخص.
هكذا كانت الأسواق جزءًا من شبكة الاتصال غير الرسمية للمجتمع.
ولذلك فإن دراسة السوق يمكن أن تساعدنا أيضًا على دراسة كيف كان السودانيون يعرفون ما يحدث حولهم.
السوق والسلطة
لكن السوق لم يكن مستقلًا تمامًا عن السلطة.
كل دولة تحتاج إلى تنظيم النشاط الاقتصادي، وفرض الضرائب، وضبط التجارة، وتنظيم الأماكن العامة.
ومن هنا نشأت علاقة مستمرة بين السوق والسلطة.
التاجر يريد حرية الحركة.
والسلطة تريد الإيرادات والتنظيم.
والعامل يريد أجرًا.
والمستهلك يريد سعرًا مناسبًا.
وهذه المصالح لا تتطابق دائمًا.
ولهذا يمكن قراءة السوق باعتباره أحد الأماكن التي تظهر فيها علاقة المواطن بالدولة بصورة يومية.
فالدولة ليست فقط القصر أو البرلمان أو الوزارة.
أحيانًا تظهر الدولة للمواطن في صورة:
ضريبة، أو رخصة، أو مفتش، أو ميزان، أو قرار يرفع سعر سلعة.
وهذا يجعل السوق مكانًا مهمًا لدراسة الدولة من الأسفل.
لماذا اختفى جزء كبير من هذا التاريخ؟
ربما لأن التاريخ السياسي أكثر إثارة.
لدينا تواريخ للحكام.
وللثورات.
وللحروب.
وللانقلابات.
لكن كم نعرف عن صاحب الدكان؟
كم نعرف عن العامل الذي كان يقضي يومه في السوق؟
كم نعرف عن شبكة التجار الصغار؟
كم نعرف عن المرأة التي كانت تساهم في اقتصاد أسرتها؟
كم نعرف عن طرق انتقال السلع؟
كم نعرف عن العلاقات التي كانت تقوم على الثقة والدين والسمعة؟
هذه التفاصيل تبدو صغيرة.
لكنها في الحقيقة هي التي صنعت الحياة اليومية.
حين يصبح السوق أرشيفًا
إذا أردنا أن نعيد كتابة تاريخ الأسواق السودانية، فعلينا ألا نبحث فقط عن الكتب التي تحمل كلمة "سوق" في عنوانها.
علينا أن نبحث في الصحف القديمة.
وفي سجلات الضرائب.
وفي تقارير الإدارة.
وفي الدراسات الاقتصادية.
وفي المذكرات الشخصية.
وفي الصور القديمة.
وفي الخرائط.
وفي سجلات البلديات.
وفي الوثائق التجارية.
وفي شهادات كبار السن، مع التعامل معها بوصفها شهادات ذاكرة لا وثائق مستقلة.
وقد يكون اسم دكان قديم، أو موقع سوق، أو طريق قوافل، بداية بحث كامل.
لأن الأشياء الصغيرة قد تقود إلى التاريخ الكبير.
من السوق إلى المجتمع
في النهاية، لا نحتاج إلى أن نسأل فقط:
ماذا كان السودانيون يشترون؟
بل علينا أن نسأل:
كيف كانوا يتعاملون؟
كيف يثقون؟
كيف يدينون؟
كيف يتعاونون؟
كيف يتنافسون؟
كيف تنتقل الأخبار؟
كيف يدخل القادم الجديد إلى المدينة؟
كيف تتشكل المكانة الاجتماعية؟
وكيف يتحول النشاط الاقتصادي إلى علاقات اجتماعية؟
عندها نفهم أن السوق لم يكن مكانًا للسلع فقط.
كان مكانًا لصناعة المجتمع نفسه.
وربما لهذا السبب، حين تختفي الأسواق القديمة، لا تختفي معها الدكاكين وحدها.
يختفي جزء من ذاكرة المدينة.
تختفي أسماء.
ومهن.
وطرق تعامل.
وأصوات.
ورائحة أماكن.
وشبكات من العلاقات.
وتختفي تفاصيل صغيرة كان يمكن أن تخبر الأجيال القادمة كيف عاش آباؤهم وأجدادهم.
وهنا تبدأ مهمة "السودان الذي لم يُكتب":
ليس أن نخترع تاريخًا جديدًا.
بل أن نفتش عن التاريخ الموجود في الوثائق، ثم نعيده إلى الناس.
فالسوق الذي يبدو لنا اليوم مكانًا عاديًا قد يكون، بالنسبة للمؤرخ بعد مائة عام، واحدة من أهم الوثائق لفهم المجتمع الذي عاش فيه.
مصادر المقال
- دراسة عن أسواق أم درمان وأثرها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة 1885–1956،
- F. Rehfisch، دراسات منشورة في Sudan Notes and Records حول الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدن السودانية، ومنها دراسة عن جمعيات الادخار الدورية في المدن الثلاث.
- F. Rehfisch، “A Study of Some Southern Migrants in Omdurman”، Sudan Notes and Records، 1962، وهي دراسة مهمة لفهم علاقة الهجرة بالحياة الحضرية في أم درمان.
- Marina D’Errico، “The Urban Fabric between Tradition and Modernity (1885–1956): Omdurman, Khartoum, and the British Master Plan of 1910”، ضمن كتاب Ordinary Sudan, 1504–2019، De Gruyter، 2023.
- Elena Vezzadini, Iris Seri-Hersch, Lucie Revilla, Anael Poussier & Mahassin Abdul Jalil (eds.), Ordinary Sudan, 1504–2019: From Social History to Politics from Below، De Gruyter، 2023.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟