أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 12:08
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
من أكثر الأسئلة التي وُجهت إليّ بعد صدور كتاب «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي»: لماذا اخترت الحاج مدبولي تحديدًا؟
وكانت إجابتي دائمًا تبدأ من نقطة مختلفة.
لم أختره لأنه أشهر بائع كتب في العالم العربي، ولا لأنه صاحب اسم يعرفه المثقفون، وإنما لأنني شعرت أن وراء هذا الاسم حكاية أكبر بكثير مما نعرفه.
لقد لفت انتباهي أن كثيرًا من الناس يعرفون مكتبة مدبولي، لكن قليلين يعرفون مدبولي الإنسان.
يعرفون الواجهة، ولا يعرفون الرحلة.
يعرفون المؤسسة، ولا يعرفون الرجل الذي بدأ حياته من الصفر، يحمل الصحف والجرائد في الشوارع، ويطوف بها على القراء، قبل أن يصبح واحدًا من أهم ناشري العالم العربي.
وهنا أدركت أن الشهرة قد تخفي الإنسان، كما قد يخفيه النسيان.
فالناس كثيرًا ما يرون النتيجة، ولا يسألون عن الطريق.
وهذا هو المكان الذي يبدأ منه التوثيق.
لقد تعلمت، خلال سنوات عملي في الصحافة، أن الخبر يهتم بما حدث، أما التوثيق فيهتم بكيف حدث. والخبر يسجل اللحظة، أما التوثيق فيحاول أن يفهم العمر كله.
وعندما بدأت أعمل لاحقًا على كتاب «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان»، وجدت نفسي أمام الشعور ذاته.
الناس يعرفون الاسم في دوائر محدودة، لكنهم لا يعرفون التجربة كاملة.
ولا يعرفون كيف عاش، وكيف كتب، وكيف اختار أن يجعل من التوثيق رسالة، ومن الثقافة مسؤولية.
عندها تأكد لي أن ما يجمع بين الرجلين ليس المهنة، ولا البلد، ولا الظروف.
إنما يجمعهما شيء آخر.
كلاهما عاش منشغلًا بما يقدمه للناس، أكثر من انشغاله بما سيقال عنه.
وهؤلاء، في تقديري، هم أكثر الناس حاجة إلى من يكتب عنهم.
لأن الإنسان الذي يسعى إلى المجد، غالبًا ما يكتب سيرته بنفسه.
أما الإنسان الذي ينشغل بالعمل، فإنه يترك سيرته في أيدي الآخرين.
وإذا لم يأت من يجمعها، تفرقت مع الأيام.
ولهذا لم أعد أبحث عن الشخص الذي يملأ الصحف.
بل عن الشخص الذي ملأ حياة الناس.
ولا أبحث عن أكثرهم حضورًا في الإعلام.
بل عن أكثرهم حضورًا في صناعة الأثر.
لقد غيّر الحاج مدبولي نظرتي إلى عالم النشر، كما غيّر دينق قوج نظرتي إلى قيمة الذاكرة.
وأدركت أن بين رفوف الكتب، وبين أوراق الباحثين، يعيش أناس لم يطلبوا من التاريخ شيئًا، لكن التاريخ مدين لهم بالكثير.
وربما لهذا السبب أكتب.
لا لأضيف سيرة جديدة إلى المكتبة العربية.
بل لأقول إن هناك رجالًا ونساءً صنعوا جزءًا من وعينا، ويستحقون أن نعرفهم كما كانوا، لا كما اختزلتهم العناوين.
فالشهرة قد تصنع اسمًا...
أما التوثيق، فهو الذي يعيد إلينا الإنسان.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟