أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 10:07
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين يقرأ الناس كتابًا توثيقيًا، يرون النتيجة.
يرون الفصول مرتبة، والأحداث متسلسلة، والهوامش في أماكنها، فيظنون أن الحقيقة كانت تنتظر الكاتب، وما عليه إلا أن يلتقطها ويضعها بين دفتي كتاب.
لكن الحقيقة أكثر عنادًا من ذلك.
إنها لا تقف في مكان واحد، ولا تكشف نفسها بسهولة، ولا تمنح الباحث أسرارها من اللقاء الأول.
لقد تعلمت هذا الدرس مبكرًا، وأنا أعمل على كتاب «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي».
كنت أظن في البداية أن الحكاية سيحكيها صاحبها، ثم أكتبها كما سمعتها.
لكنني اكتشفت أن الإنسان لا يتذكر حياته كما عاشها، بل كما بقيت في ذاكرته. والذاكرة، مهما بلغت صدقها، ليست آلة تسجيل. إنها تختار، وتنسى، وتختصر، وتعيد ترتيب الأحداث دون أن نشعر.
لذلك لم أكن أكتفي بما أسمعه.
كنت أعود إلى الوثائق، وأراجع التواريخ، وأقارن الروايات، وأحاول أن أجعل كل معلومة تقف على أكثر من قدم.
ثم جاءت تجربتي في كتابة «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان» لتؤكد لي الدرس نفسه.
هناك لم يكن صاحب السيرة حاضرًا ليحدثني.
كان عليّ أن أجمع صورته من كتاباته، ومن مقالاته، ومن الوثائق، ومن شهادات الذين عرفوه.
كنت، في كل مرة، أشعر أنني أجمع قطع فسيفساء متناثرة، وأن عليّ ألا أتعجل رؤية الصورة قبل أن تكتمل.
وهنا أدركت أن التوثيق ليس كتابة ما يُقال، بل اختبار ما يُقال.
وليس نقل الروايات، بل تمحيصها.
وليس الانحياز إلى أول شاهد، بل الإنصات إلى جميع الشهود.
وربما لهذا السبب، لا أحب أن أصف التوثيق بأنه عمل سهل.
إنه يحتاج إلى الصبر أكثر مما يحتاج إلى البلاغة.
ويحتاج إلى الشك المنهجي أكثر مما يحتاج إلى سرعة الكتابة.
فالكاتب يستطيع أن يكتب صفحة في ساعة.
أما الموثق، فقد يقضي أسبوعًا كاملًا ليتأكد من تاريخ واحد، أو اسم واحد، أو واقعة واحدة.
وقد يرى البعض أن هذا مبالغة.
لكني أراه احترامًا للقارئ، واحترامًا للشخص الذي أكتب عنه، واحترامًا للحقيقة نفسها.
فإذا كان الأدب يمنح الكاتب حق الخيال، فإن التوثيق يمنحه مسؤولية الدقة.
ومنذ ذلك الحين، لم أعد أتعامل مع كل معلومة على أنها حقيقة، ولا مع كل رواية على أنها يقين.
أصبحت أؤمن بأن الحقيقة لا تُعطى جاهزة، وإنما تُبنى، قطعةً بعد قطعة، ووثيقةً بعد وثيقة، وشهادةً بعد شهادة.
ولهذا، فإن أجمل ما في التوثيق ليس أنك تعثر على الحقيقة.
بل أنك تتعلم، في كل مشروع جديد، كيف تقترب منها بتواضع، وأمانة، وصبر.
فالحقيقة لا تنتظر الباحث...
إنها تختبئ عنه، وتكافئ فقط من يملك الشجاعة والصبر للبحث عنها.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟