أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها النيل ولم تغرق ذاكرتها















المزيد.....

السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها النيل ولم تغرق ذاكرتها


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 13:57
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


هناك مدن تختفي لأن أهلها يغادرونها.
وهناك مدن تختفي لأن الحرب تدمرها.
وهناك مدن تختفي لأن الزمن يبدل ملامحها.
لكن وادي حلفا تنتمي إلى حالة أكثر قسوة:
مدينة غاب جزء كبير منها تحت الماء.
لم تختفِ لأن سكانها أرادوا الرحيل.
ولم تنتهِ لأن اقتصادها انهار.
لقد جاء الماء.
وكان خلف الماء مشروع هندسي هائل، وسدٌّ عظيم، واتفاقات بين دولتين، ومشروع للتنمية وتوليد الكهرباء وتنظيم مياه النيل.
وفي النهاية كان على عشرات الآلاف من النوبيين في منطقة وادي حلفا أن يغادروا الأرض التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم.
وهنا تبدأ إحدى أكثر القصص تعقيدًا في التاريخ السوداني الحديث.
ليست قصة سد فقط.
إنها قصة المكان والذاكرة والتنمية والاقتلاع وإعادة بناء الحياة.

قبل أن تغمرها المياه

من السهل جدًا أن نبدأ قصة وادي حلفا من عام 1964.
لكن المدينة كانت موجودة قبل ذلك بزمن طويل.
في عام 1965 نشر حسن دفعلّه في مجلة Sudan Notes and Records دراسة بعنوان "Notes on the History of Wadi Halfa Town"، حاول فيها أن يعيد بناء تاريخ المدينة من الوثائق والخرائط والملاحظات المتاحة. وكان لافتًا أن الباحث نفسه أشار إلى صعوبة توثيق البدايات الأولى للمدينة، لأن كثيرًا ممن عاصروا نشأتها كانوا قد رحلوا، ولأن السجل التاريخي المتاح لم يكن كاملًا.
ووفق الدراسة، ارتبط نمو وادي حلفا في القرن التاسع عشر بالسكك الحديدية والأعمال العسكرية والإدارية، وتحولت المنطقة إلى موقع ذي أهمية استراتيجية على الحدود المصرية السودانية. كما ارتبطت بالطرق النهرية والسكك الحديدية التي جعلتها نقطة مهمة للحركة بين الشمال والجنوب.
أي أن حلفا لم تكن مجرد قرية نيلية.
كانت مدينة تشكلت من موقعها.
من النهر.
ومن التجارة.
ومن الحركة.
ومن السكك الحديدية.
ومن الحدود.
ومن تاريخ طويل من التفاعل بين سكان المنطقة والعابرين بها.

المدينة التي كانت لها حياة اقتصادية

قبل أن تصبح حلفا عنوانًا للتهجير، كانت لها حياة اقتصادية خاصة.
وفي عام 1969 نشر حسن دفعلّه دراسة أخرى بعنوان "Land Economy of Old Halfa"، تناول فيها الحياة الاقتصادية للنوبيين في المنطقة التي كان من المقرر أن يغمرها خزان السد العالي. واعتمد في مادته على معلومات مباشرة جمعها من السكان، وعلى ملاحظاته خلال إقامته الطويلة في المنطقة.
وتكشف الدراسة أن اقتصاد المنطقة لم يكن مجرد زراعة بسيطة على ضفاف النيل.
كانت الأرض موردًا أساسيًا للحياة، وكانت أشجار النخيل والموارد الزراعية جزءًا من الاقتصاد المحلي.
لكن المنطقة كانت تواجه أيضًا ضغوطًا متراكمة.
فالتصحر وتآكل ضفاف النيل، إضافة إلى آثار ارتفاعات سابقة لمنسوب المياه بسبب سد أسوان، أسهمت في تراجع بعض الأراضي الزراعية، وأصبح جزء من الشباب يضطر إلى البحث عن العمل خارج المنطقة.
وهذا تفصيل مهم.
فحلفا لم تكن مجتمعًا ثابتًا لم يعرف التغيير.
كانت تتغير قبل السد.
لكن السد أحدث تغييرًا من نوع مختلف تمامًا.

حين يصبح النهر مشروعًا سياسيًا

النيل في السودان ليس مجرد نهر.
إنه تاريخ.
وزراعة.
ومدن.
وطرق حركة.
وذاكرة.
ولذلك فإن أي مشروع ضخم يعيد تشكيل النهر لا يغير الماء فقط.
إنه يغير حياة البشر الذين يعيشون حوله.
وفي منتصف القرن العشرين أصبح بناء السد العالي في أسوان مشروعًا ضخمًا مرتبطًا بإدارة مياه النيل وتوليد الكهرباء والتنمية في مصر.
لكن ارتفاع المياه خلف السد كان يعني أن مناطق واسعة في وادي النيل ستغمر.
وبالنسبة إلى السودان، كان ذلك يعني أن منطقة وادي حلفا نفسها ستتأثر بالغمر.
وتشير وثائق دولية معاصرة للمشروع إلى أن بلدة وادي حلفا كانت ستغمرها المياه، وأن عشرات الآلاف من السكان في مصر والسودان سيحتاجون إلى إعادة التوطين.
هنا تحولت القضية من مشروع هندسي إلى قضية إنسانية.

كم شخصًا غادر؟

تختلف الأرقام قليلًا بحسب المصدر وطريقة الحساب والزمن الذي يغطيه الإحصاء.
لكن المصادر الخاصة بإعادة التوطين في الجانب السوداني تتحدث عن نحو 50 ألف شخص من منطقة وادي حلفا ممن اضطروا إلى الانتقال بسبب الغمر.
وهذا الرقم ليس مجرد رقم سكاني.
خمسون ألف شخص تعني:
عشرات الآلاف من البيوت.
العائلات.
الحقول.
أشجار النخيل.
المقابر.
المساجد.
القرى.
الأسواق.
الذكريات.
وعلاقات الجوار التي تكونت خلال أجيال.
وهنا يجب أن ننتبه إلى مشكلة أساسية في لغة مشاريع التنمية:
عندما تقول وثيقة إن 50 ألف شخص أعيد توطينهم، تبدو العملية وكأنها نقل أرقام من مكان إلى مكان.
لكن الإنسان لا ينتقل بهذه البساطة.
يمكن نقل المنزل.
لكن ماذا عن المكان الذي كان المنزل جزءًا منه؟
يمكن بناء شارع جديد.
لكن هل يمكن نقل الذاكرة المرتبطة بالشارع القديم؟
يمكن تخصيص أرض زراعية جديدة.
لكن هل الأرض الجديدة تحمل التاريخ نفسه؟

إلى أين ذهب أهل حلفا؟

كان على السودان أن يجد مكانًا لإعادة توطين السكان الذين ستغمر أرضهم المياه.
وقد درست لجان إعادة التوطين عدة مواقع بديلة، قبل اختيار منطقة خشم القربة في شرق السودان.
وتوضح مصادر بحثية أن منطقة خشم القربة اختيرت لتطوير مشروع زراعي يعتمد على مياه نهر عطبرة، بحيث يجري توطين سكان حلفا في بيئة زراعية جديدة.
وهكذا بدأت فكرة حلفا الجديدة.
الاسم نفسه يحمل مفارقة عميقة.
حين تقول "حلفا الجديدة"، فأنت تعترف ضمنيًا بوجود "حلفا القديمة".
مدينة جديدة تحمل اسم مدينة لم تعد موجودة في مكانها القديم.
كأن الاسم نفسه أصبح وسيلة للحفاظ على ما فقده المكان.

من النيل إلى عطبرة

لكن المشكلة لم تكن في تغيير العنوان فقط.
أهل حلفا عاشوا تاريخيًا على النيل.
أما المشروع الجديد فكان في بيئة مختلفة تمامًا.
كان عليهم الانتقال إلى منطقة تعتمد على الزراعة المروية في إطار مشروع اقتصادي جديد.
وتشير دراسة منشورة عبر جامعة الأمم المتحدة إلى أن إعادة التوطين جرت في إطار مشروع خشم القربة، وأن نحو 40 ألف شخص أُسكنوا في 25 قرية، مع تخصيص مساحات زراعية لهم ضمن نظام حيازة جديد.
لاحظ الفرق.
في حلفا القديمة كانت الأرض جزءًا من منظومة اجتماعية واقتصادية تكونت تاريخيًا حول النيل.
في حلفا الجديدة أصبح السكان جزءًا من مشروع زراعي مخطط.
وهذا ليس مجرد انتقال في الجغرافيا.
إنه انتقال في طريقة الحياة نفسها.

هل يمكن نقل مجتمع؟

هنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز حلفا.
عندما تعيد الدولة توطين مجتمع كامل، يمكنها أن تبني:
البيوت.
الطرق.
المدارس.
المرافق.
القنوات.
المزارع.
لكن هل يمكنها أن تبني العلاقات الاجتماعية التي كانت موجودة؟
هل يمكن أن تنقل ذاكرة المكان؟
هل يمكن أن تنقل علاقة الناس بالنهر؟
هل يمكن أن تنقل اللغة والعادات بنفس القوة؟
هل يمكن أن تعيد بناء اقتصاد كان قائمًا على بيئة مختلفة؟
هذه الأسئلة ليست عاطفية فقط.
إنها أسئلة في علم الاجتماع والتنمية.
وقد أظهرت دراسات لاحقة عن مشروع حلفا الجديدة أن إعادة التوطين لم تكن مجرد عملية إسكان، وإنما أنتجت تحولات اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد. وتشير دراسة عن المشروع إلى أن سياسات إعادة التوطين يمكن أن تؤدي إلى الفقر والتهميش وفقدان الاندماج والشعور بالاقتلاع إذا لم تؤخذ احتياجات السكان ورؤيتهم في الاعتبار بصورة كافية.
الأرض الجديدة لم تكن النيل القديم
هذه النقطة يجب ألا تُكتب بطريقة رومانسية مبالغ فيها.
فحلفا القديمة نفسها لم تكن جنة كاملة.
المصادر التي تناولت اقتصادها تشير إلى مشكلات حقيقية في الأرض والموارد الزراعية والهجرة الاقتصادية قبل السد.
لكن الاعتراف بهذه المشكلات لا يلغي شيئًا آخر:
أن فقدان المكان كان فقدانًا حقيقيًا.
فالإنسان قد يعيش في مكان يعاني فيه من الفقر أو شح الموارد، لكنه يظل مكانه.
والمشكلة في التهجير ليست فقط مستوى الدخل.
إنها أيضًا فقدان السيطرة على القرار:
هل أبقى؟
هل أرحل؟
أين أذهب؟
كيف أعيش؟
ماذا يحدث لبيتي؟
ماذا يحدث لقبور أهلي؟
ومن يقرر كل ذلك؟
وهنا تصبح قضية حلفا مثالًا مبكرًا في السودان على واحدة من أكبر مشكلات مشاريع التنمية الحديثة:
هل يمكن أن تكون التنمية ناجحة إذا كان ثمنها اقتلاع مجتمع كامل من أرضه؟
السد الذي حمل وعدًا كبيرًا
من الظلم أن ننظر إلى السد العالي وكأنه مشروع بلا أهداف.
كان مشروعًا ضخمًا ارتبط بتنظيم مياه النيل وتوليد الطاقة وتوسيع القدرة على التحكم في المياه.
لكن التنمية الحديثة غالبًا ما تكشف مفارقة صعبة:
هناك مستفيدون من المشروع.
وهناك متضررون منه.
وقد لا يكون المستفيد هو الشخص الذي دفع الثمن.
وهذه ليست مسألة سودانية فقط.
إنها قضية عالمية في تاريخ السدود والمشاريع الكبرى.
لكن حالة وادي حلفا مهمة بالنسبة للسودان لأنها وضعت آلاف الأسر أمام قرار لم يكن نابعًا من اختيارها الفردي.

الماء لم يغمر البيوت فقط

عندما ارتفعت مياه بحيرة النوبة خلف السد العالي، لم تختفِ المنازل وحدها.
اختفت معالم من المشهد الذي عرفه الناس.
الأرض.
والبساتين.
والقرى.
والمقابر.
وأجزاء من التراث العمراني.
والمواقع التي ارتبطت بالذاكرة المحلية.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:
الآثار التي أمكن إنقاذها ونقلها أو توثيقها،
والمشهد الحضاري والاجتماعي الكامل الذي لا يمكن نقله.
يمكن نقل قطعة أثرية إلى متحف.
لكن لا يمكن نقل القرية كلها إلى متحف.
يمكن تصوير البيت.
لكن الصورة لا تعيد الحياة التي كانت داخله.
يمكن تسجيل الأغنية.
لكن التسجيل لا يعيد المجتمع الذي كانت الأغنية تعيش فيه.
ولهذا فإن خسارة حلفا لم تكن خسارة مادية فقط.
كانت أيضًا خسارة للسياق الذي كان يمنح الأشياء معناها.
حتى المقابر أصبحت جزءًا من سؤال الرحيل
من أكثر جوانب التهجير حساسية علاقة الإنسان بموتاه.
فالبيت يمكن تركه.
لكن ترك المقابر أكثر قسوة.
المقبرة ليست أرضًا فقط.
هي ذاكرة العائلة.
وفي الثقافة المحلية، كما في مجتمعات كثيرة، ترتبط المقابر بتاريخ الجماعة.
ولهذا فإن مشاريع إعادة التوطين لا تواجه فقط سؤال:
أين يعيش الأحياء؟
بل أيضًا:
ماذا نفعل بموتى المكان؟
وهذا السؤال يكشف أن المكان بالنسبة للإنسان ليس مجرد مساحة قابلة للاستبدال.

حلفا الجديدة.. محاولة لبناء حياة جديدة

لم يكن أهل حلفا مجرد ضحايا
ينتظرون ما يحدث.
لقد حاولوا بناء حياة جديدة.
دخلوا الزراعة.
وأعادوا تنظيم مجتمعاتهم.
وحافظوا على جوانب من علاقاتهم وثقافتهم.
وتشير مصادر عن مشروع حلفا الجديدة إلى أن التخطيط حاول، في بعض الحالات، إبقاء مجموعات من الجيران في مجتمعات واحدة داخل المستوطنات الجديدة، إدراكًا لأهمية الروابط الاجتماعية في عملية إعادة التوطين.
وهذا تفصيل مهم.
فالذين خططوا للمشروع كانوا يعرفون أن المجتمع ليس مجرد أفراد.
كانوا يعرفون أن الجيرة نفسها رأس مال اجتماعي.
لكن الحفاظ على الجيران لا يعني بالضرورة الحفاظ على المكان.
وهنا يظهر الفرق بين:
نقل المجتمع
واستعادة المجتمع.
الأول ممكن إلى حد ما.
أما الثاني فأكثر تعقيدًا.

حلفا الجديدة لم تكن حلفا القديمة

مع مرور الزمن ظهرت مشكلات اقتصادية واجتماعية في مشروع حلفا الجديدة.
تشير دراسات حديثة إلى مشكلات تتعلق بالإنتاجية، والمياه، وتدهور بعض الأراضي، وتراجع أداء المشروع، كما تشير إلى أن السكان واجهوا صعوبات في الوصول إلى المستوى الاقتصادي الذي كانوا يأملون فيه.
وهنا ينبغي أن نكون حذرين.
ليس من العلمي القول إن كل ما حدث في حلفا الجديدة كان فشلًا كاملًا.
كما ليس من العلمي القول إن إعادة التوطين نجحت لمجرد بناء المنازل والحقول.
النتيجة كانت أكثر تعقيدًا.
لقد نشأ مجتمع جديد.
لكن هذا المجتمع لم يكن نسخة من المجتمع القديم.
وهذا أمر طبيعي في عمليات التهجير الكبرى.

المشكلة التي لا يحلها التعويض

عندما يخسر الإنسان أرضًا، يمكن للدولة أن تعوضه ماليًا.
لكن هل يمكن تعويضه عن:
اسم المكان؟
شجرة زرعها والده؟
بيت ولد فيه؟
قبر أمه؟
النهر الذي عاش بجانبه؟
المسجد الذي عرفه منذ طفولته؟
السوق الذي كان يلتقي فيه بأهله؟
اللغة التي كان يسمعها في الشوارع؟
هذه الأشياء لا تدخل بسهولة في جداول التعويض.
ولهذا فإن العدالة في إعادة التوطين لا يمكن أن تكون مالية فقط.
هناك تعويض مادي.
وهناك تعويض اجتماعي.
وهناك تعويض ثقافي.
وهناك سؤال أكبر:
هل كان للناس حق حقيقي في المشاركة في القرار الذي سيغير حياتهم؟

حلفا والذاكرة

ربما يكون أقوى ما بقي من حلفا القديمة هو أنها لم تتحول إلى مجرد قصة في كتاب.
ظلت حاضرة في الذاكرة.
في الاسم.
في الأغنية.
في الحكاية.
في الحديث عن الأرض.
في العلاقة بين الأجيال.
وفي الشعور بأن هناك مكانًا اسمه "حلفا القديمة" لم يعد متاحًا للعودة إليه كما كان.
وهنا تصبح الذاكرة نفسها نوعًا من المقاومة.
ليست مقاومة سياسية بالضرورة.
بل مقاومة للنسيان.
حين يقول الابن إن والده كان يعيش في حلفا القديمة، فهو لا يقدم معلومة جغرافية فقط.
إنه يقول:
كان لنا مكان.

لماذا تستحق حلفا أن تُكتب من جديد؟

لأن قصة حلفا ليست قصة النوبيين وحدهم.
إنها قصة السودان مع التنمية.
قصة علاقة الدولة بالمواطن.
قصة المشاريع الكبرى.
قصة الأرض.
قصة إعادة التوطين.
قصة الحدود.
قصة النيل.
وقصة الذاكرة.
وفي كل مرة يطرح السودان مشروع سد أو مشروعًا زراعيًا أو مشروعًا كبيرًا يعيد تشكيل الأرض، ينبغي أن تعود حلفا إلى النقاش.
ليس لتخويف الناس من التنمية.
ولا لرفض المشاريع الكبرى من حيث المبدأ.
بل لتذكير صانع القرار بأن:
الأرض ليست مساحة فارغة على الخريطة.
هناك بشر يعيشون عليها.
وهناك تاريخ.
وهناك علاقات.
وهناك مقابر.
وهناك ذاكرة.
ماذا بقي من المدينة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إيلامًا.

أين ذهبت حلفا؟

يمكن أن نقول إن جزءًا منها غمره الماء.
لكن هذا جواب جغرافي.
أما الجواب الإنساني فهو مختلف:
حلفا لم تختفِ كلها.
انتقلت أجزاء منها مع أهلها.
انتقلت في الأسماء.
وفي الذاكرة.
وفي العلاقات.
وفي اللغة.
وفي الأغاني.
وفي الحكايات.
وفي البيوت الجديدة التي حاول أصحابها أن يجعلوها امتدادًا لبيوت قديمة.
لكن شيئًا واحدًا لا يمكن نقله:
المكان نفسه.
وهذه هي مأساة المدن التي تغادرها المياه.
يمكن أن تأخذ المدينة معك في ذاكرتك.
لكن لا يمكنك أن تحمل النهر.

السودان الذي لم يُكتب

حين نكتب تاريخ السودان، غالبًا ما نكتب عن السد باعتباره إنجازًا هندسيًا، أو عن الاتفاقات باعتبارها وثائق سياسية، أو عن إعادة التوطين باعتبارها عملية إدارية.
لكن خلف هذه الكلمات الرسمية كانت هناك حياة كاملة.
ناس يغلقون أبواب بيوتهم للمرة الأخيرة.
مزارعون يتركون أرضهم.
أسر تحمل ما تستطيع حمله.
جيران يحاولون ألا يتفرقوا.
أطفال ينتقلون إلى مكان لا يعرفونه.
وكبار سن يعرفون أن المكان الذي عاشوا فيه لن يعود.
هذه ليست هوامش التاريخ.
هذه هي الحياة نفسها.
ولهذا فإن وادي حلفا واحدة من أهم الحلقات في مشروع "السودان الذي لم يُكتب".
لأنها تذكرنا بأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط.
ولا تكتبه الحكومات وحدها.
أحيانًا يكتبه أيضًا أولئك الذين حملوا مفاتيح بيوتهم القديمة إلى مدينة جديدة.
ثم اكتشفوا، بعد سنوات، أن المفتاح ما زال معهم...
لكن الباب لم يعد موجودًا.


المصادر والمراجع

1. Hassan Dafalla, “Notes on the History of Wadi Halfa Town,” Sudan Notes and Records, Vol. 46, 1965, pp. 8–26. دراسة تاريخية مباشرة عن نشأة وادي حلفا وتطورها وعلاقتها بالسكك الحديدية والحدود والإدارة.

2. Hassan Dafalla, “Land Economy of Old Halfa,” Sudan Notes and Records, Vol. 50, 1969, pp. 63–74. دراسة تعتمد على معلومات مباشرة من السكان وملاحظات الباحث حول اقتصاد حلفا القديمة والأرض والزراعة وآثار التغيرات المائية.

3. John I. Clarke & Mohammed Osman El Sammani, “Migrant Labour in the New Halfa Scheme,” ضمن Population and Development Projects in Africa. تتناول الدراسة إعادة توطين أهل حلفا وتطور مشروع حلفا الجديدة ومراحله.

4. United Nations University, دراسة حول مشاريع إعادة التوطين في أفريقيا، وتتضمن حالة خشم القربة وإعادة توطين سكان وادي حلفا بعد بناء السد العالي.

5. World Bank, وثيقة تاريخية عن مشروع السد العالي تشير إلى غمر وادي حلفا والحاجة إلى إعادة توطين السكان المتضررين.

6. Reservoir Sediment Management Practices in Sudan: A Case Study of Khashm El-Girba Dam, Springer، وتوضح أن سد خشم القربة شُيد عام 1964 على نهر عطبرة لتوفير المياه للمشروع المرتبط بإعادة توطين المتضررين من غمر وادي حلفا.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه
- السودان الذي لم يُكتب (2) السوق الذي صنع المدينة.. حين لم يك ...
- لم يكن يبحث عن الشهرة... ولذلك كتبت عنه
- السودان الذي لم يُكتب (1) أم درمان التي صنعتها الحياة اليومي ...
- لماذا أكتب عن الذين لم يكتب عنهم أحد؟
- ليس البحث عن الإجابة... بل عن السؤال الصحيح
- لسنا بحاجة إلى مزيد من المؤرخين... بل إلى مزيد من الموثقين
- الولاء في القصر: من يحب الحاكم ومن يحتاج إليه؟
- الحاكم والحاشية: أخطر عدو هو الذي يبتسم لك
- الذاكرة لا تورث... بل تُبنى
- الحاكم بين الهيبة والخوف: أين تنتهي السلطة وتبدأ الرهبة؟
- حين يتحول الباحث إلى حارس للذاكرة
- ظل الحاكم: لماذا لا يكفي أن تكون قويًا لكي تحكم؟
- المكتبات لا تصنع الحضارة... إذا بقيت الكتب مغلقة
- الثروة التي لا تصل إلى المواطن لا تصنع سلامًا
- الوثيقة لا تتكلم وحدها
- من العودة إلى الوطن.. إلى إعادة بناء الوطن
- الأرشيف الشخصي... المكتبة التي لا يراها أحد
- اتفاقية أديس أبابا 1972.. سلامٌ دام عشر سنوات ولم يصمد أمام ...


المزيد.....




- تحليل لتصريحات بوتين عن -عالم القرش- وآمال ترامب المتعلقة با ...
- وزير سلاح الجو الأمريكي السابق لـCNN: هيغسيث يُلحق -ضرراً فع ...
- ملاذ هادئ بإندونيسيا مخصص للسياح الذين يشعرون بالملل في جزر ...
- سوريا.. لطيفة الدروبي في إطلالة جديدة وهذا ما قاله أحمد الشر ...
- بوتين: ثمة فرص للتسوية مع أوكرانيا والحل يتطلب حصرا حوارا مب ...
- -رويترز-: نيبال تعمل على إعادة تشغيل نظام الإنذار المبكر على ...
- ليبيا.. مسيرة FPV تستهدف مستودع طرابلس النفطي
- تركيا تواصل البحث عن 10 مفقودين بعد غرق سفينة تجارية قرب إسط ...
- رحلة البحث عن قطرة ماء في غزة.. كيف أصبح شريان الحياة معركة ...
- تصعيد الحرب مع إيران يفاقم المخاوف بعد سقوط مدنيين في غارات ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها النيل ولم تغرق ذاكرتها