أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة














المزيد.....

حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 12:41
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


من أكثر الأشياء التي تعلمتها في التوثيق أن الشهادة مهمة جدًا...
لكنها ليست الحقيقة كلها.
قد يجلس أمامك رجل عاش الحدث، ويتحدث عنه بثقة كبيرة، ويذكر تفاصيل دقيقة، ويقسم لك أنه يتذكر كل شيء.
ومع ذلك، قد يكون مخطئًا.
ليس لأنه يكذب.
بل لأن الذاكرة الإنسانية ليست أرشيفًا.
الإنسان لا يتذكر الماضي كما حدث تمامًا، وإنما يتذكره كما بقي في داخله.
وقد تختلط السنوات.
وتتداخل الوجوه.
وقد يتحول ما سمعه الإنسان لاحقًا إلى شيء يظن أنه عاشه بنفسه.
وقد تكبر بعض التفاصيل مع مرور الزمن، بينما تختفي تفاصيل أخرى كانت في وقتها أهم.
لهذا لم أعد أتعامل مع الشهادة باعتبارها نهاية البحث.
بل باعتبارها بداية البحث الحقيقي.
حين يقول لي شاهد:
«كان ذلك في عام كذا...»
لا أكتب التاريخ مباشرة.
أسأل:
كيف عرفت؟
من كان موجودًا؟
أين حدث ذلك؟
هل لديك صورة؟
هل توجد رسالة؟
هل نشرت الصحف شيئًا عن الواقعة؟
من يستطيع أن يؤكدها؟
ومن يروي القصة بصورة مختلفة؟
لأنني لا أبحث عن شهادة تؤيد ما أريد أن أكتبه.
أبحث عن الحقيقة، حتى لو خالفت الرواية الأولى التي سمعتها.
وهنا يصبح التوثيق مختلفًا عن الحكاية الشفوية.
في الحكاية قد تكفي رواية واحدة.
أما في التوثيق، فالرواية الواحدة تفتح الباب لروايات أخرى.
قد يقول لك شخص:
«كان الرجل محبوبًا من الجميع».
فتبحث عن شخص آخر.
فتكتشف أن هناك من أحبه، وهناك من اختلف معه، وهناك من لم يفهمه أصلًا.
وهنا تبدأ الشخصية في الظهور كما كانت...
لا كما يريد أحد أن يراها.
وهذا أمر مهم جدًا بالنسبة لي.
أنا لا أريد أن أصنع أبطالًا.
ولا أريد أن أصنع خصومًا.
أريد أن أستعيد الإنسان كما كان.
بضعفه وقوته.
بنجاحاته وأخطائه.
بعلاقاته وخلافاته.
بل وحتى بتناقضاته.
لأن الشخصية التي لا أخطاء لها ليست شخصية تاريخية...
إنها شخصية صنعتها الدعاية.
وفي «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي»، لم تكن قيمة الشهادات في أنها تحدثت عن رجل ناجح فقط، وإنما في أنها سمحت لي بالاقتراب من تفاصيل الإنسان والعمل والمدينة والمرحلة.
وفي مشروع «دينق قوج»، ازداد إيماني بأن الشاهد ليس مجرد شخص نطرح عليه الأسئلة.
إنه جزء من الأرشيف الحي.
لكن هذا الأرشيف يحتاج إلى قراءة.
والقراءة تحتاج إلى مقارنة.
والمقارنة تحتاج إلى صبر.
قد تسمع القصة نفسها من خمسة أشخاص.
لكن كل واحد منهم يحتفظ بجزء منها.
واحد يتذكر المكان.
والثاني يتذكر التاريخ.
والثالث يتذكر الحوار.
والرابع يحتفظ بصورة.
والخامس يعرف شخصًا آخر كان حاضرًا ولم يتحدث أحد عنه.
عندها لا تعود الشهادات خمس روايات منفصلة.
تبدأ في تركيب بعضها فوق بعض...
حتى تظهر الصورة.
ولهذا أصبحت أؤمن بقاعدة بسيطة:
لا تسأل شاهدًا واحدًا عن الحقيقة، اسأل عدة شهود عن أجزاء الحقيقة.
ثم عد إلى الوثيقة.
ثم عد إلى الصورة.
ثم عد إلى الصحيفة.
ثم عد إلى المكان نفسه إن أمكن.
ثم ارجع إلى الشاهد مرة أخرى.
فقد تكشف له معلومة جديدة شيئًا كان قد نسيه.
وهنا يصبح الموثّق أشبه بمن يعيد تركيب فسيفساء قديمة.
قطعة من هنا.
وقطعة من هناك.
وبعض القطع مفقودة.
وبعضها مكسور.
وبعضها لا نعرف أين مكانها.
لكننا لا نضع قطعة مزيفة مكان القطعة المفقودة لمجرد أن الصورة ستبدو أجمل.
نقول إنها مفقودة.
وهذه، في رأيي، واحدة من أهم أخلاقيات التوثيق:
أن نعرف متى نقول «حدث»...
ومتى نقول «يروي الشاهد»...
ومتى نقول «توجد روايات متباينة»...
ومتى نقول ببساطة:
«لم نتمكن من التحقق.»
فالموثّق ليس مطالبًا بأن يعرف كل شيء.
لكنه مطالب بألا يدّعي معرفة ما لا يعرف.
لأن الكتاب التوثيقي لا تقاس قيمته بعدد المعلومات التي يحتويها فقط...
بل أيضًا بعدد المرات التي قاوم فيها الكاتب إغراء اختراع اليقين.
وهنا ربما تكمن أصعب مهمة في التوثيق:
أن تكتب ما تستطيع إثباته...
وأن تحترم ما لا تستطيع إثباته.
فالحقيقة لا تحتاج إلى مبالغة.
يكفي أن نحسن البحث عنها.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه
- السودان الذي لم يُكتب (2) السوق الذي صنع المدينة.. حين لم يك ...
- لم يكن يبحث عن الشهرة... ولذلك كتبت عنه
- السودان الذي لم يُكتب (1) أم درمان التي صنعتها الحياة اليومي ...
- لماذا أكتب عن الذين لم يكتب عنهم أحد؟
- ليس البحث عن الإجابة... بل عن السؤال الصحيح
- لسنا بحاجة إلى مزيد من المؤرخين... بل إلى مزيد من الموثقين
- الولاء في القصر: من يحب الحاكم ومن يحتاج إليه؟


المزيد.....




- السعر والمميزات.. كل ما تريد معرفته عن هواتف آيفون الجديدة
- فيديو متداول لـ-استسلام مقاتلين حوثيين في الجوف باليمن-.. هذ ...
- مؤتمر استثنائي للجمهوريين .. اختبار صعب لترامب قبل التجديد ا ...
- بعد اتهام موسكو باستهداف مطار لايبزيغ .. كيف ستتحرك برلين؟
- مدفيديف: نرغب في انتهاء النزاع في أوكرانيا بأسرع ما يمكن ولك ...
- -الليكود- يتهم محمد دحلان ويائير غولان بـ-التدخل الأجنبي- في ...
- خلال 12 ساعة الدفاع الجوي يدمر 108 طائرات مسيرة فوق مناطق رو ...
- مصادر: مدير وكالة الاستخبارات المركزية قد يتولى دورا أكبر في ...
- -ثورة في جيبك-! آبل تكشف عن آيفون 18 برو بأطول بطارية في الت ...
- الدفاع السورية تصدر بيانا حول انفجار سرمدا الدامي


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة