أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 12:42
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
هناك اعتقاد شائع بأن الكتاب التوثيقي كتاب ثقيل، لا يقرؤه إلا الباحثون، وأنه مجرد تواريخ وأسماء ووثائق متراكمة.
كنت أعتقد ذلك في بداياتي أيضًا.
لكن كلما تعمقت في هذا العالم، اكتشفت أن المشكلة ليست في التوثيق، بل في الطريقة التي نكتبه بها.
فالوثيقة لا تنبض بالحياة وحدها.
والتاريخ لا يتحدث بنفسه.
والأسماء لا تصبح قريبة من القارئ لمجرد أننا كتبناها على الورق.
الذي يمنحها الحياة هو الكاتب.
عندما شرعت في كتابة «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي»، لم أكن أريد أن أقدم للقارئ جدولًا زمنيًا لحياة رجل، بل أردت أن أجعله يسير معه في شوارع القاهرة، ويشم رائحة الكتب القديمة، ويرى كيف كان بائع بسيط يحمل الكتب تحت ذراعه، وهو لا يدري أن الأيام ستجعله أحد أهم الناشرين في العالم العربي.
كنت أريد للقارئ أن يعيش الرحلة، لا أن يقرأ عنها فقط.
ثم جاءت تجربتي مع «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان».
وهناك أدركت أن التحدي أكبر.
لم يكن المطلوب أن أجمع الوثائق فحسب، بل أن أعيد إلى القارئ روح رجل عاش للكلمة، وآمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية.
كنت أبحث عن الإنسان خلف الوثيقة.
وعن النبض خلف النص.
وعن الحياة خلف التاريخ.
وهنا فهمت أن التوثيق يشبه ترميم بيت قديم.
فالحجارة موجودة.
لكن الذي يعيد إليها شكلها، هو الصبر، والدقة، والحب.
الوثائق هي الحجارة.
أما الكتاب، فهو البيت الذي نبنيه منها.
ولهذا لا أؤمن بالكتاب التوثيقي الذي يغرق القارئ في الأرقام، وينسى الإنسان.
ولا أؤمن بالسيرة التي تذكر الإنجازات، لكنها لا تخبرنا كيف كان صاحبها يضحك، أو يخاف، أو يحلم، أو يتخذ قراراته.
فالناس لا يتعلقون بالتواريخ...
بل يتعلقون بالبشر.
وأحسب أن هذه هي المهمة الحقيقية للكاتب التوثيقي.
أن يعيد الإنسان إلى التاريخ.
وأن يعيد التاريخ إلى الإنسان.
لأن الماضي ليس متحفًا مغلقًا.
إنه حياة يمكن أن تعود من جديد، إذا وجد من يرويها بصدق.
وربما لهذا السبب، كلما انتهيت من كتاب توثيقي، شعرت أنني لم أكتب عن الماضي...
بل منحت الماضي فرصة أخرى ليحيا في ذاكرة الأحياء.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟