أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجودًا كيف غيّر التعليم شكل المجتمع السوداني؟















المزيد.....


السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجودًا كيف غيّر التعليم شكل المجتمع السوداني؟


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 14:01
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لم تكن المدرسة في السودان مجرد غرفة فيها سبورة ومقاعد.
كانت بابًا.
بابًا خرج منه بعض أبناء المجتمع إلى عالم لم يكن متاحًا لهم من قبل؛ عالم الوظيفة، والمدينة، والكتاب، والصحيفة، والإدارة، ثم السياسة.
لكن ذلك الباب لم يُفتح بالطريقة نفسها للجميع.
ولم يكن من فتحه يفعل ذلك بدافع واحد.
فالسلطة الاستعمارية أرادت تعليمًا يخدم الإدارة.
والسودانيون أرادوا من التعليم أكثر مما أرادته الإدارة.
ومن هذه المفارقة بدأت واحدة من أكثر عمليات التحول الاجتماعي أهمية في السودان الحديث.
أنشأت السلطة مدرسة لتحتاج إلى موظفين، فخرج من المدرسة من بدأ يسأل: لماذا لا يكون السودان للسودانيين؟
هذه ليست قصة التعليم وحده.
إنها قصة ولادة طبقة جديدة.

قبل المدرسة الحديثة

لم يكن السودان بلا تعليم قبل المدارس النظامية.
هذه نقطة يجب ألا تضيع حين نكتب تاريخ التعليم.
فقد كانت الخلوة مؤسسة تعليمية راسخة، لعبت دورًا أساسيًا في تعليم القرآن والعلوم الدينية والقراءة والكتابة في مجتمعات سودانية عديدة.
وكان التعليم جزءًا من الحياة الدينية والاجتماعية قبل قيام النظام المدرسي الحديث.
لكن المدرسة النظامية التي بدأت تتوسع في ظل الحكم الثنائي جاءت بنموذج مختلف: منهج محدد، ومراحل دراسية، وامتحانات، ومعلمون، وإدارة، وشهادات، وعلاقة مباشرة أو غير مباشرة بجهاز الدولة.
وبذلك لم يكن الأمر مجرد إضافة مدارس إلى الخلاوي.
كان ظهور نظام تعليمي جديد.

مدرسة لخدمة الدولة

في السنوات الأولى من الحكم الثنائي، لم تكن سياسة التعليم قائمة على فكرة التعليم الشامل للجميع.
توضح دراسة إيريس سيري-هيرش أن النظام التعليمي الذي طورته الإدارة الاستعمارية في السودان كان مرتبطًا بدرجة كبيرة بالحاجات السياسية والإدارية والاقتصادية للحكومة، وأن المدارس الحكومية في الشمال تعايشت مع مدارس مصرية وتبشيرية وأهلية وخاصة.
كان المطلوب عددًا محدودًا من المتعلمين يستطيعون العمل في الإدارة.
موظفون.
كتبة.
معلمون.
فنيون.
وموظفون في مصالح الدولة المختلفة.
ولهذا لم يكن التعليم في بداياته مشروعًا جماهيريًا بالمعنى الذي نفهمه اليوم.
كان مشروعًا انتقائيًا.
وهذه الحقيقة مهمة جدًا لفهم التاريخ.
فالدولة الاستعمارية لم تكن تقول:
نريد أن نعلم كل السودانيين.
بل كانت تسأل:
كم نحتاج من المتعلمين؟ ولأي وظائف؟

غوردون.. المدرسة التي أصبحت أكثر من مدرسة

في عام 1902 افتُتحت كلية غوردون التذكارية في الخرطوم.
وبدأت المؤسسة بتكوينات تعليمية ومهنية، ثم توسعت لاحقًا لتشمل مجالات مثل الهندسة والمساحة وتدريب المعلمين والأعمال الكتابية والحساب والعلوم. وفي العقود التالية تطورت حتى أصبحت جزءًا من الطريق الذي قاد إلى قيام كلية جامعية ثم جامعة الخرطوم.
كانت المؤسسة مرتبطة بصورة واضحة باحتياجات الحكومة.
لكن التاريخ لا يتوقف عند نية المؤسسة التي أنشأتها.
فالطالب الذي يدخل المدرسة قد يتعلم شيئًا لم يكن موجودًا في حسابات من وضعوا المنهج.
يتعلم الإنجليزية.
يتعلم الجغرافيا.
يتعلم الحساب.
يتعرف إلى تاريخ العالم.
يقرأ.
ويتعرف إلى طلاب من مناطق مختلفة.
ثم يبدأ في طرح أسئلة.
وهكذا قد يتحول التعليم من أداة لإدارة المجتمع إلى أداة لإعادة التفكير في المجتمع.

لماذا احتاجت الإدارة إلى السوداني المتعلم؟

لأن إدارة بلد واسع مثل السودان لا يمكن أن يقوم بها موظفون أجانب وحدهم.
كان لا بد من سودانيين يعرفون اللغة المحلية والمجتمع والعادات والطرق والأسماء.
وهكذا احتاجت الإدارة إلى طبقة من السودانيين المتعلمين.
لكنها أرادت في البداية أن تبقى هذه الطبقة محدودة.
فالزيادة الكبيرة في التعليم تعني زيادة عدد المتعلمين.
وزيادة عدد المتعلمين تعني زيادة عدد الأشخاص القادرين على قراءة القوانين والصحف والكتب وفهم الإدارة ومناقشتها.
وهنا تظهر المفارقة.
التعليم الذي تحتاجه الدولة لتسيير نفسها قد ينتج أشخاصًا يبدأون في مساءلتها.

المدرسة صنعت الموظف

قبل انتشار التعليم الحديث، لم تكن الوظيفة الحكومية الحديثة طريقًا متاحًا لعدد كبير من أبناء المجتمع.
ثم تغير الأمر تدريجيًا.
أصبح الحصول على التعليم وسيلة للصعود الاجتماعي.
الأسرة التي يستطيع أحد أبنائها دخول المدرسة أصبحت ترى أمامه طريقًا جديدًا.
قد يصبح معلمًا.
أو كاتبًا.
أو موظفًا.
أو فنيًا.
أو يلتحق بالتعليم العالي.
وهكذا بدأ التعليم يخلق شيئًا مهمًا:
الحراك الاجتماعي.
لم تعد المكانة الاجتماعية مرتبطة فقط بالأصل العائلي أو الثروة أو الموقع التقليدي.
أصبح هناك عنصر جديد:
الشهادة.
والشهادة فتحت باب الوظيفة.
والوظيفة فتحت باب المدينة.
والمدينة فتحت أبوابًا أخرى.

لكن المدرسة لم تصل إلى الجميع

هذه نقطة لا ينبغي إخفاؤها خلف قصة النجاح.
فالتعليم النظامي ظل محدود الانتشار حتى السنوات الأخيرة من الحكم الثنائي.
وكان التفاوت بين المدن والأرياف كبيرًا، كما كان هناك تفاوت واضح بين تعليم الذكور وتعليم الإناث.
وتوضح الدراسات التاريخية أن الحكومة أنشأت في الفترة 1899–1920 خمس مدارس ابتدائية للبنات في شمال السودان، لكن التوسع كان بطيئًا، ولم تظهر أول مدرسة حكومية متوسطة للبنات في أم درمان إلا سنة 1940.
أي أن فتاة سودانية في تلك الفترة كانت تواجه بابًا أضيق بكثير من الباب الذي فُتح للفتى.
ولذلك فإن تاريخ التعليم السوداني ليس تاريخ المدرسة فقط.
إنه أيضًا تاريخ من مُنع من دخولها أو تأخر دخوله إليها.

رفاعة.. حين لم تنتظر المرأة قرار الحكومة

ومن أهم القصص التي تستحق أن تحفظها الذاكرة السودانية قصة الشيخ بابكر بدري.
فقد بدأ تعليم البنات في رفاعة بمبادرة أهلية مبكرة، قبل أن يصبح تعليم البنات مشروعًا حكوميًا واسعًا.
وتشير الدراسات إلى أن بابكر بدري بدأ تنظيم تعليم للبنات في منزله في رفاعة منذ عام 1906، وأصبح لاحقًا من أبرز رواد تعليم البنات في السودان.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في تاريخ السودان:
ليس كل تغيير بدأ من الدولة.
أحيانًا يبدأ التغيير من شخص.
من بيت.
من قرية.
من معلم.
من أسرة قررت أن تفعل شيئًا مختلفًا.
ثم تلحق به الدولة بعد سنوات.

المدرسة والمرأة

لم يكن دخول الفتيات إلى المدرسة مجرد زيادة في أعداد الطالبات.
كان يعني تغييرًا في تصور المجتمع نفسه عن المرأة.
فالفتاة التي تتعلم القراءة والكتابة تستطيع أن تدخل عالمًا جديدًا من المعرفة.
والتي تكمل تعليمها يمكن أن تصبح معلمة.
والتي تصبح معلمة تفتح الباب لفتيات أخريات.
وهكذا يمكن أن يتحول التعليم إلى سلسلة من التغيير الاجتماعي.
لكن الطريق كان طويلًا.
وتوضح الدراسات أن تعليم البنات في الفترة الاستعمارية ظل أبطأ بكثير من تعليم البنين، وأن المناهج نفسها حملت في فترات معينة تركيزًا كبيرًا على المهارات المنزلية والحرف المرتبطة بالأدوار التقليدية للنساء.
لذلك لا ينبغي أن نحكي قصة تعليم المرأة باعتبارها انتصارًا مكتملًا.
إنها قصة صراع تدريجي مع حدود المجتمع وحدود السياسة معًا.

ثم جاءت 1924

هنا تلتقي المدرسة بالسياسة بصورة مباشرة.
في عام 1924 اندلعت حركة وطنية ارتبطت بجماعة اللواء الأبيض، وكان بين أبرز رموزها علي عبد اللطيف، كما شارك طلاب من المدرسة الحربية في الأحداث.
لكن الأهم بالنسبة إلى موضوعنا أن الباحثة ليليان ساندرسون درست تحديدًا العلاقة بين أحداث 1924 والسياسة التعليمية في السودان.
وتشير دراستها المنشورة في Sudan Notes and Records إلى أن المتعلمين السودانيين شعروا بأن سياسات التعليم تحاول الحد من فرصهم في المشاركة في إدارة السودان، وأن أحداث 1924 أحدثت صدمة لدى حكومة الحكم الثنائي، تبعتها تغيرات في السياسة التعليمية.
وهنا يصبح التعليم جزءًا من التاريخ السياسي.
فالطالب الذي دخل المدرسة لكي يصبح موظفًا قد اكتشف أنه يستطيع أن يصبح مواطنًا.

«الخريج» يظهر

بدأت تتشكل في السودان فئة جديدة عُرفت في الأدبيات الاستعمارية بـ الخريجين.
لم يكن الخريج مجرد شخص يحمل شهادة.
كان ينتمي إلى عالم اجتماعي جديد.
يعرف الإدارة.
ويقرأ الصحيفة.
ويتحدث الإنجليزية أو العربية الحديثة بحسب تكوينه.
وله علاقات بأشخاص من مناطق أخرى.
ويملك فرصًا أكبر في الحصول على وظيفة.
ومن هنا نشأت شبكة اجتماعية وفكرية كان لها تأثير كبير في الحركة الوطنية.
فالمدرسة جمعت أبناء مناطق مختلفة داخل فضاء واحد.
وهذا أمر مهم للغاية.
لأن الشاب الذي كان يعرف قريته وأسرته ومحيطه المحلي بدأ يتعرف إلى السودان بوصفه مساحة أوسع.

من المدرسة إلى الصحيفة

وهنا نعود إلى الحلقة السابقة.
الصحافة لم تنشأ في فراغ.
والقارئ الذي يستطيع قراءة الجريدة يحتاج إلى تعليم.
والكاتب الذي يكتب المقال يحتاج إلى تعليم.
والمحرر يحتاج إلى تعليم.
والسياسي الذي يقرأ بيانًا أو قانونًا يحتاج إلى تعليم.
لذلك كان انتشار التعليم أحد الشروط الاجتماعية لنشوء المجال الصحفي الحديث.
يمكن أن نرى سلسلة كاملة:
المدرسة → المتعلم → الكتاب → الصحيفة → النقاش العام → السياسة.
ط
ولهذا فإن تاريخ الصحافة الذي تحدثنا عنه في الحلقة السابعة لا ينفصل عن تاريخ المدرسة.
كلاهما كان جزءًا من ظهور مجتمع سوداني جديد قادر على إنتاج المعرفة وتداولها.

المدرسة والمدينة

لم يكن التعليم يغير الفرد فقط.
كان يغير الجغرافيا أيضًا.
فالمدارس الأعلى مستوى كانت تتركز بدرجة أكبر في المدن.
والطالب الذي يريد مواصلة التعليم قد يضطر إلى مغادرة قريته.
وهكذا يصبح التعليم طريقًا للهجرة الداخلية.
يذهب الشاب إلى أم درمان.
أو الخرطوم.
أو مدينة أخرى.
وهناك يعيش وسط طلاب من مناطق مختلفة.
ثم يجد وظيفة في المدينة.
وبذلك تصبح المدرسة واحدة من القنوات التي ساهمت في تمدين المجتمع السوداني.
فالمدينة لم تجذب الناس بالاقتصاد فقط.
جذبتهم أيضًا بالتعليم.

ولكن السودانين لم يتعلما بالطريقة نفسها

من أخطر الحقائق التي يجب ألا نتجاهلها أن الحكم الثنائي تعامل مع شمال السودان وجنوبه بسياسات تعليمية مختلفة لفترات طويلة.
توضح سيري-هيرش أن الإدارة الاستعمارية اتبعت حتى عام 1947 نظامًا تعليميًا منفصلًا إلى حد كبير؛ ففي الشمال تطورت شبكة المدارس الحكومية، بينما تُرك التعليم في الجنوب بدرجة كبيرة للمبشرين المسيحيين، بما في ذلك بعثات أنجليكانية وكاثوليكية وبروتستانتية أمريكية. كما اختلفت لغات التعليم بين المنطقتين.
وهذا التفصيل مهم جدًا.
لأن المدرسة ليست مجرد مبنى.
إنها أيضًا لغة ومناهج وهوية.
وحين يتلقى مجتمعان تعليمًا مختلفًا، بلغات مختلفة، وتحت مؤسسات مختلفة، فإن ذلك قد يترك آثارًا بعيدة المدى تتجاوز سنوات الدراسة نفسها.

1947.. محاولة لتوحيد التعليم

في العقد الأخير من الحكم الثنائي بدأت مرحلة جديدة.
شهدت الفترة 1947–1957 توسعًا في التعليم، ومحاولات للتوحيد، وتغيرًا في السياسة التعليمية تجاه الجنوب.
وتوضح الدراسات أن هذه المرحلة شهدت تخليًا تدريجيًا عن الفصل السابق بين النظامين التعليميين، مع إدخال المناهج الشمالية إلى الجنوب وإدخال العربية إلى المدارس الجنوبية أولًا كمادة ثم كلغة تدريس في بعض المراحل.
لكن هذه العملية لم تكن مجرد قرار إداري.
فاللغة ليست مادة دراسية محايدة.
حين تقول لطفل إن هذه هي اللغة التي يجب أن يتعلم بها، فأنت لا تعلمه فقط كيف يقرأ.
أنت تحدد جزءًا من علاقته بالدولة وبالمجتمع وبالمستقبل.
ولهذا فإن تاريخ التعليم في السودان يلامس، منذ وقت مبكر، واحدة من أكثر قضايا السودان حساسية:
من نحن؟ وبأي لغة نتعلم؟

المدرسة والصناعة

ولم يكن التعليم كله أدبيًا أو إداريًا.
كانت هناك أيضًا محاولات لتطوير التعليم الصناعي والمهني.
ففي عام 1900 أُنشئ قسم صناعي في كلية غوردون، ثم افتتحت مدرسة أم درمان الصناعية سنة 1907، وافتتحت سكك حديد السودان مدرسة صناعية في عطبرة سنة 1933 لتدريب العمال المهرة في عدد من الحرف.
وهذا يعيدنا إلى الحلقة الثالثة عن عطبرة.
فالسكك الحديدية احتاجت إلى فنيين.
والفني يحتاج إلى تدريب.
والتدريب يخلق عاملًا جديدًا.
والعامل المتعلم يستطيع أن ينظم نفسه.
ومن هنا يمكن أن نرى كيف تتشابك خيوط السلسلة:
المدرسة الصناعية → العامل الماهر → الوعي العمالي → النقابة → السياسة.
لم تكن المدرسة بعيدة عن التحولات الاجتماعية الكبرى.
كانت في قلبها.

التعليم العالي.. حين أصبح السودان ينتج نخبه

إذا كانت المدرسة قد صنعت الموظف، فإن التعليم العالي بدأ يصنع طبقة أكثر تخصصًا.
وفي 1938 اتجهت السياسة التعليمية إلى تطوير التعليم بعد المرحلة الثانوية، ثم تطورت المؤسسات التي قادت لاحقًا إلى قيام كلية جامعية في الخرطوم، قبل أن تصبح جامعة الخرطوم بعد الاستقلال.
وفي كلية غوردون ثم المؤسسات الجامعية اللاحقة درس سودانيون مجالات مثل الطب والهندسة والعلوم وغيرها، وظهر جيل جديد من المتخصصين.
وهنا اكتملت دائرة مهمة:
السودان الذي كان يحتاج في البداية إلى عدد محدود من الموظفين بدأ ينتج أطباء ومهندسين ومعلمين ومحامين ومثقفين.
أي أن المؤسسة التي بدأت كجزء من الإدارة الاستعمارية ساهمت، مع الوقت، في تكوين الكوادر التي ستدير الدولة الوطنية.

المدرسة لم تكن بريئة.. لكنها لم تكن عاجزة

من الخطأ أن نضع المدرسة الاستعمارية في خانة واحدة.
لم تكن أداة تحرير.
ولم تكن أداة استعمارية فقط.
كانت الاثنين في مراحل مختلفة، وبطرق مختلفة.
فالمنهج الذي صُمم لخدمة الإدارة كان يحمل معه معرفة جديدة.
والطالب الذي تعلم الإنجليزية لكي يعمل في الحكومة قد يستخدمها للوصول إلى كتب وأفكار لم تكن متاحة له.
والمدرسة التي أرادت إنتاج موظف قد تنتج سياسيًا.
والتعليم الذي أرادت منه الدولة أن يجعل المجتمع أكثر قابلية للإدارة قد يجعل بعض أفراده أكثر قدرة على نقدها.
هذه إحدى مفارقات التاريخ.
الأفكار لا تبقى دائمًا في المكان الذي وُضعت من أجله.

من يملك المدرسة يملك المستقبل؟

السؤال ليس مبالغة.
لأن التعليم يحدد، إلى حد كبير، من يستطيع الوصول إلى المعرفة.
ومن يصل إلى المعرفة يحصل على فرص مختلفة.
ولهذا فإن تاريخ المدارس هو أيضًا تاريخ توزيع الفرص.
من يدرس؟
من لا يدرس؟
أين توجد المدرسة؟
من يدفع تكلفتها؟
من يصبح معلمًا؟
ما اللغة المستخدمة؟
ما الكتب المقررة؟
ما الذي يتعلمه الطفل؟
وما الذي لا يتعلمه؟
كل هذه أسئلة سياسية واجتماعية حتى لو لم تظهر في شكل سياسة أو حزب.

المدرسة التي لم تغيّر الجميع

ربما هذه هي النقطة التي يجب أن نتذكرها أكثر من غيرها.
لقد غيّر التعليم السودان.
لكن ليس كله بالدرجة نفسها.
ظهرت نخبة متعلمة.
لكن بقيت أعداد كبيرة خارج المدرسة.
تقدم تعليم البنات.
لكن بفجوة كبيرة مقارنة بالبنين.
تطورت المدارس في المدن.
لكن الريف ظل أقل حظًا.
وتوسعت مؤسسات التعليم.
لكن السودان دخل الاستقلال وهو لا يزال يعاني من ضعف شديد في الانتشار التعليمي ومعدلات الأمية. وتشير بعض الدراسات إلى أن التعليم النظامي ظل محدودًا جدًا قياسًا بعدد السكان عند الاستقلال.
ولهذا لا يمكن أن نقول إن المدرسة «حررت السودان».
الأدق أن نقول:
لقد بدأت عملية طويلة أعادت توزيع المعرفة والفرص، لكنها لم تكتمل عند الاستقلال.

ماذا بقي من تلك المدرسة؟

بقي أكثر مما نتصور.
بقي المعلم.
بقيت الشهادة.
بقيت فكرة أن التعليم يمكن أن يغير مصير الأسرة.
بقيت صورة الموظف المتعلم.
بقيت الجامعة.
بقيت الصحيفة.
بقيت اللغة.
وبقي السؤال القديم نفسه:
هل التعليم من أجل الوظيفة أم من أجل الإنسان؟
وهو سؤال لم ينتهِ بانتهاء الحكم الاستعماري.

خاتمة

حين ننظر إلى المدرسة اليوم، قد نراها شيئًا طبيعيًا.
طفل يذهب صباحًا.
حقيبة.
كتاب.
مقعد.
امتحان.
ثم يعود إلى البيت.
لكنها لم تكن دائمًا كذلك.
في السودان الحديث كانت المدرسة واحدة من المؤسسات التي أعادت ترتيب المجتمع.
أخرجت أبناءً من قرى صغيرة إلى المدن.
خلقت موظفين ومعلمين وفنيين.
فتحت للمرأة بابًا ظل مغلقًا أمامها لوقت طويل.
جمعت أبناء مناطق مختلفة.
خلقت طبقة من المتعلمين.
ساعدت في نشوء الصحافة والمجال العام.
وكان لها دور، مباشر أو غير مباشر، في نمو الحركة الوطنية.
لكنها في الوقت نفسه حملت آثار السياسة الاستعمارية، واختلف توزيعها بين المناطق والجنسين، وظلت فرصها محدودة أمام قطاعات واسعة من المجتمع.
ولهذا فإن قصة المدرسة السودانية ليست قصة انتصار كامل.
إنها قصة مفارقة.
جاءت المدرسة الحديثة إلى السودان وهي تحمل مشروع السلطة.
لكن السودانيين دخلوا إليها بمشاريعهم الخاصة.
تعلموا ما أرادت منهم الإدارة أن يتعلموه.
ثم تعلموا أشياء أخرى.
قرأوا.
كتبوا.
ناقشوا.
اختلفوا.
ونظروا إلى بلادهم بعين جديدة.
وربما كان أهم ما حدث أن المدرسة أعطت بعض السودانيين شيئًا لم يكن في مقدور السلطة أن تمنعه بعد ذلك:
القدرة على السؤال.
والسؤال الأول كان:
إذا كنا نستطيع أن نتعلم، فلماذا لا نستطيع أن نحكم أنفسنا؟
ومن هنا لم تعد المدرسة مجرد طريق إلى الوظيفة.
أصبحت، شيئًا فشيئًا، طريقًا إلى الوطن.
وهذا هو السودان الذي لم يُكتب بما يكفي:
السودان الذي بدأ يتغير حين جلس طفل سوداني أمام كتاب، واكتشف أن العالم أكبر من القرية، وأن الدولة ليست قدرًا، وأن المعرفة يمكن أن تكون طريقًا إلى حياة أخرى.
فالمدرسة لم تكن مجرد مكان دخل إليه السودانيون ليتعلموا.
كانت مكانًا بدأ فيه السودان يتعلم كيف يفكر في نفسه.

المصادر والمراجع


- Iris Seri-Hersch, Education in Colonial Sudan, 1900–1957, Oxford Research Encyclopedia of African History. وهي من أهم الدراسات الحديثة لفهم سياسة التعليم الاستعمارية والفروق بين الشمال والجنوب ومسار التوسع والتوحيد قبل الاستقلال.
- Lilian P. Sanderson, The 1924 Revolution: Its Repercussions on the Educational System of the Sudan, Sudan Notes and Records, Vol. 57, 1976, pp. 72–80.
- University of Khartoum, History of the University of Khartoum، لتوثيق نشأة كلية غوردون وتطورها المؤسسي وصولًا إلى الجامعة.
- W. I. Robinson, Agricultural Education, Research, and Extension, ضمن The Agriculture of the Sudan، Oxford University Press، 1991.
- Catalogue of the Papers of Sir C. W. M. Cox، Durham University، ويتضمن وثائق لجنة Makerere–Khartoum للتعليم في السودان سنة 1937، ومنها فصول عن التعليم الأولي وتعليم البنات وكلية غوردون ومشروع الجامعة.
- Girls Education in Sudan، مستودع الجامعة السودانية للعلوم والتكنولوجيا، ويتضمن مادة تاريخية عن تعليم البنات والتعليم الصناعي والمهني.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه
- السودان الذي لم يُكتب (2) السوق الذي صنع المدينة.. حين لم يك ...
- لم يكن يبحث عن الشهرة... ولذلك كتبت عنه
- السودان الذي لم يُكتب (1) أم درمان التي صنعتها الحياة اليومي ...
- لماذا أكتب عن الذين لم يكتب عنهم أحد؟
- ليس البحث عن الإجابة... بل عن السؤال الصحيح
- لسنا بحاجة إلى مزيد من المؤرخين... بل إلى مزيد من الموثقين
- الولاء في القصر: من يحب الحاكم ومن يحتاج إليه؟
- الحاكم والحاشية: أخطر عدو هو الذي يبتسم لك
- الذاكرة لا تورث... بل تُبنى
- الحاكم بين الهيبة والخوف: أين تنتهي السلطة وتبدأ الرهبة؟


المزيد.....




- مصر.. منشور في صفحة مدرسة يثير جدلًا بشأن ارتداء الطالبات ال ...
- في لبنان والضفة وغزة.. نتنياهو يربك ترامب
- وسط غضب إسرائيلي.. بريطانيا تتجه غداً لحظر التجارة مع المستو ...
- واشنطن تتحدث عن -تقدم جوهري- نحو محادثات ثلاثية.. وزيلينسكي: ...
- النمسا تبدأ بتطبيق حظر -غطاء الرأس الإسلامي- بالمدارس وسط طع ...
- مطار صدام .. خيال ام سلاح غامض ؟
- الاستخبارات الإيرانية تعلن تفكيك خلية إرهابية تابعة للموساد ...
- علامة في الوجه قد تكشف خطرا يهدد القلب والدماغ
- أوروبا.. نوايا الحرب ورغبة بمقعد تفاوضي
- الدوحة تكشف عن وساطة لصياغة اتفاق بين طهران وواشنطن يرضي الط ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجودًا كيف غيّر التعليم شكل المجتمع السوداني؟