أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟














المزيد.....

قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 14:31
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ليس كل ما حدث في الماضي يستحق أن يتحول إلى كتاب.
وليس كل شخص عاش حياة طويلة يستحق بالضرورة سيرة.
وليس كل وثيقة قديمة تحمل قصة تستحق أن تُروى.
هذه واحدة من أهم الأشياء التي تعلمتها من التوثيق.
في بداياتي، كنت أظن أن العثور على مادة قديمة يعني أنني عثرت على قصة.
ثم اكتشفت أن الأمر ليس بهذه البساطة.
قد تجد مئات الوثائق، ولا تجد بينها سؤالًا واحدًا يستحق أن تكتب من أجله كتابًا.
وقد تجد صورة واحدة، أو رسالة قصيرة، أو اسمًا في هامش صحيفة قديمة، فتكتشف أنك أمام حكاية كاملة كادت أن تختفي.
لذلك أصبحت أبدأ من سؤال مختلف:
لماذا يجب أن تبقى هذه القصة؟
هذا السؤال، بالنسبة لي، أهم من سؤال:
ماذا حدث؟
لأن التوثيق ليس جمعًا للمعلومات.
التوثيق اختيار.
وأخطر ما يمكن أن يفعله الموثّق أن يجمع كل شيء لمجرد أنه يستطيع جمعه.
هناك فرق بين الأرشيف والكتاب.
الأرشيف يحتفظ.
أما الكتاب فيختار.
الأرشيف يستطيع أن يحتفظ بمئات الصور والرسائل والقصاصات والأسماء.
لكن الكاتب عليه أن يسأل:
أيها ضروري؟
وأيها يشرح الشخصية؟
وأيها يكشف العصر؟
وأيها مجرد تفصيل لا يضيف شيئًا؟
حين عملت على «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي»، لم يكن السؤال بالنسبة لي:
متى ولد؟ ومتى بدأ العمل؟ ومتى افتتح مشروعه؟
هذه معلومات مهمة، لكنها لا تصنع وحدها كتابًا.
كان السؤال الأهم:
كيف انتقل رجل يحمل الكتب في الشوارع من عالم البائع المتجول إلى عالم صناعة الكتاب والنشر؟
هنا بدأت القصة تتسع.
لم يعد الحاج مدبولي مجرد شخص له تاريخ.
أصبح مدخلًا لفهم مدينة.
وسوق.
وصناعة.
وجيل من القراء والناشرين والباعة.
وهكذا حدث الأمر نفسه عندما عملت على «دينق قوج».
لم يكن هدفي أن أقول للقارئ فقط من كان دينق قوج، وماذا فعل، ومتى فعل.
كان السؤال:
كيف يمكن لرجل أن يحول الثقافة والتوثيق والذاكرة إلى فعل من أفعال بناء المجتمع؟
عندما تجد السؤال الصحيح، تبدأ الوثائق في اكتساب معناها.
الرسالة القديمة لم تعد مجرد رسالة.
والصورة لم تعد مجرد صورة.
والاسم الذي ظهر في صحيفة منذ عشرات السنين لم يعد مجرد اسم.
كل شيء يبدأ في الحديث.
لكن بشرط أن نعرف ماذا نسأل.
ولهذا أعتقد أن أول أدوات الموثّق ليست الكاميرا.
وليست آلة التسجيل.
وليست الأرشيف.
إنها الأسئلة.
السؤال الجيد يستطيع أن يفتح بابًا أغلق منذ خمسين عامًا.
وقد يجعل شاهدًا عجوزًا يتذكر اسم شخص لم يسمعه أحد منذ عقود.
وقد يقودك إلى صندوق قديم في بيت عائلة.
وقد يحول تفصيلًا صغيرًا إلى فصل كامل.
لكن السؤال الخاطئ قد يجعلنا نكتب مئات الصفحات دون أن نضيف شيئًا إلى ذاكرة الناس.
وهنا تكمن مسؤولية الموثّق.
فهو لا يسأل فقط:
ماذا حدث؟
بل يسأل أيضًا:
لماذا حدث؟
ومن تأثر به؟
ومن اختفى من روايته؟
ومن لم يجد من يكتب عنه؟
وماذا سيخسر المستقبل إذا اختفت هذه القصة؟
ربما لهذا أصبحت أرى أن التوثيق يبدأ قبل الوثيقة.
ويبدأ قبل المقابلة.
ويبدأ قبل فتح جهاز التسجيل.
بل يبدأ في اللحظة التي يشعر فيها الكاتب أن هناك قصة إذا لم تُكتب الآن، فقد لا يستطيع أحد كتابتها غدًا.
عندها فقط يصبح التوثيق ضرورة.
لا مجرد كتابة.
وعندها نفهم أن مهمة الموثّق ليست أن يملأ صفحات جديدة...
بل أن يمنع صفحات من الذاكرة الإنسانية من أن تختفي.
فالسؤال الصحيح قد ينقذ قصة من النسيان.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه
- السودان الذي لم يُكتب (2) السوق الذي صنع المدينة.. حين لم يك ...
- لم يكن يبحث عن الشهرة... ولذلك كتبت عنه
- السودان الذي لم يُكتب (1) أم درمان التي صنعتها الحياة اليومي ...
- لماذا أكتب عن الذين لم يكتب عنهم أحد؟
- ليس البحث عن الإجابة... بل عن السؤال الصحيح
- لسنا بحاجة إلى مزيد من المؤرخين... بل إلى مزيد من الموثقين
- الولاء في القصر: من يحب الحاكم ومن يحتاج إليه؟
- الحاكم والحاشية: أخطر عدو هو الذي يبتسم لك
- الذاكرة لا تورث... بل تُبنى


المزيد.....




- ماذا تغير في وضع الأمير هاري وميغان ضمن أفراد العائلة المالك ...
- لصان يسرقان 4 لوحات من متحف في فرنسا ويفقدان اثنتين أثناء ال ...
- بيسكوف: مشاركة الثلاثي الأوروبي المتعطش لإطالة النزاع تعقد م ...
- مقتل قائد في الباسيج بهجوم في مدينة راسك جنوب شرقي إيران
- لافروف لبن فرحان: روسيا تسعى بصدق للمساعدة في تهدئة الأوضاع ...
- مصر.. أقوى مقاتلة شبحية روسية تقدم عرضا مثيرا أمام السيسي
- حاملة الطائرات الأمريكية -يو إس إس أبراهام لينكولن- تتآكل من ...
- العداء لأوكرانيا يتصاعد في بولندا إلى حد العنف
- رئيس فيتنام يضع إكليلا من الزهور على ضريح الجندي المجهول عن ...
- بوتين: تنوع لغات وتقاليد شعوب روسيا ثروة حقيقية للبلاد


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟