أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 14:15
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
قبل أن يصبح للسودانيين «أغنية سودانية حديثة»، كانت هناك أصوات كثيرة.
أغاني العمل.
المديح.
الدوبيت.
الحماسة.
أغاني النساء.
أغاني الأعراس.
أهازيج الجماعة.
الأصوات القادمة من القرى والبوادي والأنهار والجبال.
لم يكن السودان صامتًا.
كان يغني منذ زمن طويل.
لكن في العقود الأولى من القرن العشرين حدث شيء جديد.
بدأت المدينة تكبر.
بدأ الناس يأتون إليها من أماكن مختلفة.
نشأت أحياء جديدة.
ظهرت المدارس والجمعيات الأدبية والصحف والأسطوانات.
وأصبحت أم درمان، على وجه الخصوص، فضاءً يلتقي فيه أناس من خلفيات متعددة.
وفي هذا المناخ خرج صوت جديد.
صوت لا يشبه تمامًا أغنية القرية، ولا المديح، ولا الغناء التقليدي القديم.
صوت رجل أمام مجموعة من «الشيّالة».
كلمات كثيرة.
لحن محدود نسبيًا.
إيقاع تصنعه الدفوف والتصفيق.
وشعر يريد أن يقول شيئًا عن الحب والجمال والمدينة والوطن.
كان ذلك أحد أوجه الحداثة السودانية.
وكان اسمه الذي سيأتي لاحقًا: الحقيبة.
لكن الحقيبة لم تبدأ بحقيبة
هذه أول حكاية تحتاج إلى تصحيح.
عندما نقول «أغاني الحقيبة»، نتخيل أن هذا كان الاسم الذي أطلقه الناس على ذلك اللون منذ ظهوره.
الأمر أكثر تعقيدًا.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن النمط الغنائي الذي نطلق عليه اليوم «الحقيبة» تبلور في عشرينيات القرن العشرين، بينما ارتبط اسم «الحقيبة» لاحقًا ببرنامج إذاعي حمل اسم «حقيبة الفن»، وبالمواد الغنائية القديمة التي كان يجمعها ويقدمها الإذاعي أحمد محمد صالح في برنامجه. وتؤكد دراسة أكاديمية حديثة أن التسمية نفسها ظهرت في الخمسينيات وفق رواية موسيقيين وباحثين سودانيين.
إذن نحن أمام مفارقة جميلة:
الأغنية جاءت أولًا، والاسم جاء بعدها.
ثم عاد الاسم ليضع عشرات الأغنيات المختلفة تحت مظلة واحدة.
ومن هنا يجب أن ننتبه إلى أن «الحقيبة» ليست بالضرورة مدرسة فنية متجانسة بكل المقاييس الموسيقية.
إنها أيضًا اسم ذاكرة.
أم درمان كانت المختبر
لم تظهر هذه الأغنية في فراغ.
كانت أم درمان في العقود الأولى من القرن العشرين مدينة تتحول بسرعة.
المهاجرون القادمون من مناطق مختلفة استقروا في أحيائها، ونشأت فيها بيئة اجتماعية وثقافية مختلطة. وتشير دراسة Ordinary Sudan إلى أن أحياء مثل أبو روف والموردة وغيرها أصبحت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بيئات متعددة اجتماعيًا وثقافيًا، وظهرت فيها ثقافة شعبية حضرية جديدة، كان من أبرز تعبيراتها غناء الحقيبة.
وهذه نقطة جوهرية.
لأن الأغنية الجديدة لم تكن مجرد تطور موسيقي.
كانت تعبيرًا عن تكوين اجتماعي جديد.
أناس من مناطق مختلفة يعيشون في مدينة واحدة.
لهجات تتجاور.
قصص تختلط.
عادات تتقاطع.
شعراء يكتبون.
صحف تنتشر.
أسطوانات تصل.
جمعيات أدبية تنشأ.
ومجالس يجلس فيها المتعلمون والفنانون.
ثم تبدأ المدينة في الغناء عن نفسها.
من المديح إلى الغزل
من أهم جذور الحقيبة ذلك العالم الغنائي الذي كان موجودًا قبلها.
المديح النبوي، على وجه الخصوص، كان تقليدًا واسع الحضور في المجتمع السوداني، وكانت له بنية صوتية وجماعية وإيقاعية يمكن أن تنتقل بعض عناصرها إلى الغناء الجديد.
وتشير مصادر تاريخ الموسيقى السودانية إلى أن الحقيبة استعانت ببعض خصائص المديح، ومنها أداء المغني الرئيسي بمساندة مجموعة من الأصوات، مع حضور الدف والإيقاع، بينما أصبح الشعر والكلمات عنصرًا مركزيًا في الأداء.
لكن الموضوع تغيّر.
بدل أن يكون المديح هو المركز، أصبح الإنسان ومشاعره في قلب الأغنية.
الحبيب.
المدينة.
الجمال.
الاشتياق.
الفراق.
الليل.
الشارع.
الوطن.
والمرأة التي تتحول أحيانًا من شخص حقيقي إلى صورة شعرية.
وهكذا حدث انتقال مهم:
الصوت الذي كان يتجه إلى السماء بدأ يتحدث أيضًا عن الأرض.
لم تكن الحقيبة «غناءً رومانسيًا» فقط
من الأخطاء الشائعة اختزال الحقيبة في الغزل.
فالشعراء الذين كتبوا تلك الأغنيات عاشوا زمنًا سياسيًا مضطربًا.
الحكم الاستعماري.
صعود التعليم.
نشوء طبقة من المتعلمين.
الصحافة.
الجمعيات.
الاحتجاجات.
ثم ثورة 1924.
وفي هذه البيئة لم يكن الشعر الغنائي منفصلًا تمامًا عن السياسة.
تشير The Sudan Handbook إلى أن الأغاني التي انتشرت في عشرينيات القرن الماضي تضمنت موضوعات سياسية مرتبطة بمناخ الحركة الوطنية، ومنها شعارات عصبة العلم الأبيض ومجموعات كانت تدعو إلى وحدة وادي النيل. كما تشير الدراسة إلى أن خليل فرح كان من أبرز رواد هذه المرحلة.
أي أن الأغنية كانت تستطيع أن تقول ما قد يصعب قوله في خطاب سياسي مباشر.
قد تقول:
«عزة»
لكن خلف الحبيبة قد يقف الوطن.
وقد يكون الغزل غزلًا، وقد يحمل في الوقت نفسه معنى سياسيًا.
وهذه إحدى خصائص الأدب الشعبي في المجتمعات التي تتعامل مع الرقابة والسلطة:
المعنى أحيانًا يعيش بين السطور.
خليل فرح.. حين أصبح الوطن امرأة
من الصعب الحديث عن الحقيبة دون التوقف عند خليل فرح.
لكننا لا نريد هنا أن نحوله إلى «بطل فرد» يختصر المرحلة كلها.
الأهم هو ما يمثله.
كان شاعرًا ومغنيًا، وكان جزءًا من الحياة الثقافية والوطنية في تلك الفترة، وتُعد «عزة في هواك» من أشهر النماذج التي امتزج فيها الحب بالوطنية.
وهذه الأغنية نفسها تكشف قدرة الشعر الغنائي على صناعة صورة للوطن.
الوطن ليس خريطة.
ليس حدودًا.
ليس إدارة حكومية.
يمكن أن يصبح امرأة.
يمكن أن يصبح حبيبة.
يمكن أن يصبح شوقًا.
يمكن أن يصبح مكانًا نريد العودة إليه.
وتشير دراسات الثقافة السودانية الحديثة إلى أن نصوص الحقيبة كانت واحدة من المساحات التي عبّر فيها السودانيون في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي عن تصوراتهم المبكرة للهوية والانتماء الوطني.
وهنا تظهر قوة الفن.
السياسي يقول: الوطن.
والشاعر يجعل الناس يشعرون به.
سرور.. الرجل الذي غيّر طريقة الغناء
محمد أحمد سرور أحد الأسماء الأساسية في التحول الذي قاد إلى الحقيبة.
ولا نحتاج إلى اعتماد كل الروايات الشعبية المتداولة حول بداياته وتفاصيل كل تغيير أدخله، لأن المصادر المتاحة تختلف في تحديد بعض التواريخ والتفاصيل.
لكن الصورة العامة أكثر ثباتًا:
ظهر سرور في مرحلة الانتقال من أنماط الغناء السابقة إلى شكل حضري جديد، وأصبح من أبرز الأصوات التي ارتبطت بالمرحلة المبكرة للحقيبة.
ومع غيره بدأ الأداء يتغير.
المغني لم يعد وحده.
هناك مجموعة خلفه.
والكلمات أصبحت أكثر بروزًا.
والأداء صار مناسبًا للمجالس والأفراح والفضاءات الاجتماعية الجديدة.
وفي هذا التحول، لم يكن الفنان مجرد مؤدٍ.
كان مبتكرًا اجتماعيًا.
لقد كان يعيد تعريف الطريقة التي يجتمع بها الناس حول الأغنية.
كرومة.. حين يصبح اللحن ذاكرة
ثم جاء عبد الكريم عبد الله مختار، المعروف بـ كرومة.
وهو واحد من الأسماء التي أصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحقيبة.
لكن أهمية كرومة ليست في عدد الأغنيات التي تركها فقط.
بل في قدرته على جعل القصيدة قابلة لأن تعيش.
وهذه مسألة أساسية في الثقافة الشفاهية.
الكلمات وحدها لا تكفي.
واللحن وحده لا يكفي.
هناك صوت المغني.
طريقة الأداء.
الشيّالة.
الجمهور.
المناسبة.
ثم يأتي التسجيل.
وعندما تدخل الأغنية إلى الأسطوانة، يتغير كل شيء.
فما كان ينتهي بانتهاء المناسبة أصبح قابلًا للتكرار.
1921.. عندما دخلت الأغنية آلة التسجيل
هنا تبدأ مرحلة جديدة تمامًا.
لم تعد الأغنية تعتمد فقط على الذاكرة البشرية.
أصبحت هناك أسطوانة.
تشير The Sudan Handbook إلى أن أول تسجيل تجاري في السودان ظهر مبكرًا، في عام 1921، عندما افتتحت شركة تسجيل مصرية فرعًا في أم درمان، ثم لحقتها شركات أخرى، وأسهمت صناعة الأسطوانات في انتشار الحقيبة.
وهذه لحظة تستحق أن نتوقف عندها.
لأن التكنولوجيا لم تكن مجرد أداة.
لقد غيرت طبيعة الثقافة نفسها.
قبل الأسطوانة:
الأغنية تُسمع.
ثم تُنسى أو تُحفظ في الذاكرة.
بعد الأسطوانة:
يمكن تسجيلها.
بيعها.
نقلها.
إعادة تشغيلها.
سماعها في مدينة أخرى.
وتقليدها.
وتعليمها.
والأهم:
يمكن أن تبقى بعد موت صاحبها.
وهكذا دخلت الأغنية السودانية عصر الذاكرة المادية.
من أم درمان إلى مدن أخرى
لم يكن التسجيل وحده كافيًا.
كان هناك التجار.
المسافرون.
القطارات.
الأسواق.
والشبكات الاجتماعية.
وبذلك أصبحت الأسطوانة نفسها سلعة ثقافية.
وقد ساعد انتشار صناعة التسجيل على تعميم أغاني الحقيبة، التي كانت قد بدأت أصلًا في المناسبات الاجتماعية والأعراس.
فالأغنية التي تولد في أم درمان يمكن أن تصل إلى مدينة أخرى.
والشاعر الذي يكتب لحيّه قد يجد نفسه مسموعًا خارج الحي.
وهكذا بدأت أم درمان تؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز حدودها:
تنتج، ثم تصدر الثقافة.
الشعراء.. السودان الذي كتب نفسه في الأغنية
وراء الحقيبة عدد كبير من الشعراء.
إبراهيم العبادي.
محمد علي الأمي.
ود الرضي.
سيد عبد العزيز.
أبو صلاح.
عتيق.
عبد الرحمن الريح.
خليل فرح.
وآخرون.
ولا ينبغي أن نتعامل معهم كأنهم جميعًا كانوا يكتبون الشيء نفسه.
لكل شاعر لغته.
وصوره.
وطريقته.
وموقفه من الحب والمرأة والوطن والمدينة.
لكن ما يجمع بينهم أنهم نقلوا الشعر الغنائي السوداني إلى مرحلة جديدة.
الشعر لم يعد هامشًا للموسيقى.
في الحقيبة أصبح الشعر أحد أبطال الأغنية.
وهذا يفسر لماذا ما زالت بعض أبياتها محفوظة في الذاكرة حتى لدى من لا يعرف أسماء أصحابها.
لماذا كانت الكلمات أهم من اللحن؟
تذكر الدراسات الموسيقية أن الحقيبة كانت ذات طبيعة صوتية بالدرجة الأولى، وأن التركيز فيها كان قويًا على الكلمات، مع مصاحبة محدودة نسبيًا من الآلات، وعلى رأسها الدف، مع الكورس أو «الشيّالة».
وهذا جعلها بيئة مثالية للشعر.
فالقصيدة يمكن أن تصل.
يمكن أن تحفظ.
يمكن أن يرددها الناس.
يمكن أن تصبح مثل المثل.
وقد تعيش جملة واحدة من أغنية عشرات السنين.
وهنا تكمن قوة الثقافة الشفاهية:
ما لا يدخل الكتاب قد يدخل الذاكرة.
المدينة التي تغني عن نفسها
إذا أردنا أن نفهم الحقيبة بوصفها وثيقة اجتماعية، علينا أن نسأل:
ماذا كانت تقول؟
كانت تقول إن المدينة أصبحت مختلفة.
إن هناك امرأة تُرى في الشارع.
وأن هناك حبيبًا ينتظر.
وأن هناك حيًا له أسماء.
وأن الليل أصبح مساحة للقاء.
وأن الناس يذهبون إلى الأعراس.
وأن هناك مقاهي ومجالس.
وأن المدينة أصبحت مكانًا للحب والغيرة والانتظار والفراق.
أي أن الحقيبة سجلت تغير الحياة اليومية.
ولهذا فإن دراسة كلماتها ليست مجرد دراسة أدبية.
يمكن أن تكون دراسة في التاريخ الاجتماعي.
لكن: أي سودان كانت تغنيه الحقيبة؟
وهنا نصل إلى سؤال أصعب.
إذا كانت الحقيبة أصبحت لاحقًا «صوت السودان»، فأي سودان كان هذا؟
توضح أبحاث حديثة أن الهيمنة الثقافية للخرطوم انعكست على الموسيقى السودانية، وأن تقاليد الحقيبة المتمركزة في أم درمان أصبحت مهيمنة في تصور الموسيقى السودانية الحديثة.
وهذا يعني أن الحقيبة مهمة جدًا.
لكنها ليست السودان كله.
هناك موسيقى الشرق.
وموسيقى الغرب.
وأغاني الجنوب.
والنوبة.
والطمبور.
والدوبيت.
والدلوكة.
والسيرة.
وأغاني النساء.
والتراثات المحلية الكثيرة.
ولذلك فإن وصف الحقيبة بأنها «الغناء السوداني» بإطلاق قد يخفي أكثر مما يكشف.
الأدق:
إنها واحدة من أهم المدارس التي أصبحت تمثل السودان الحديث، خصوصًا السودان الحضري في الوسط.
وهذا فرق كبير.
السودان الريفي دخل المدينة.. والمدينة أعادت غناءه
قد تكون الحقيبة مثالًا مبكرًا على ظاهرة ستتكرر في تاريخ السودان الحديث:
الهجرة تصنع الثقافة.
أناس يأتون من الريف إلى المدينة.
يحملون معهم إيقاعاتهم.
ذاكرتهم.
لهجاتهم.
طرقهم في الغناء.
ثم تلتقي تلك العناصر في المدينة.
فتخرج منها صيغة جديدة.
وهكذا لا يمكن أن نفهم الحقيبة باعتبارها «فن أم درمان» بمعنى جغرافي ضيق.
إنها أيضًا نتيجة لحركة بشرية واسعة.
المدينة لم تخلقها وحدها.
السودانيون الذين وصلوا إلى المدينة ساهموا في خلقها.
لماذا لم تكن النساء في مركز الحقيبة؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي يجب ألا نخجل من طرحها.
كانت الحقيبة، بحسب الدراسات التاريخية، مجالًا ذكوريًا بدرجة واضحة. وفي الوقت نفسه كانت النساء يملكن أشكالًا غنائية أخرى، خاصة في الأعراس والمناسبات، مثل السيرة وغيرها، ثم ظهرت في المدن أنماط غنائية نسائية جديدة.
إذن هناك مفارقة:
في الوقت الذي كان فيه الرجل يغني عن المرأة،
كانت المرأة تغني أيضًا.
لكنها لم تكن دائمًا تدخل إلى المنصة نفسها.
وهذا يكشف شيئًا عن المجتمع أكثر مما يكشف عن الموسيقى.
من يملك حق الغناء؟
ومن يملك حق الظهور؟
ومن يملك حق وصف الحب؟
هذه أسئلة اجتماعية.
ولهذا فإن تاريخ الحقيبة يجب ألا يكون تاريخ الرجال فقط.
بل يجب أن يكون أيضًا مدخلًا للبحث في الأصوات النسائية التي عاشت إلى جوارها، وفي بعض الأحيان خارج الاعتراف الرسمي.
وهذا سيكون موضوعًا مهمًا جدًا في الحلقة المقبلة.
الإذاعة أعادت اختراع الحقيبة
ثم جاءت الإذاعة.
وهنا تتصل هذه الحلقة مباشرة بالحلقة السابقة.
عندما ظهرت إذاعة أم درمان في أربعينيات القرن العشرين، كانت الحقيبة قد قطعت شوطًا طويلًا من خلال الأعراس والأسطوانات والفضاءات الاجتماعية.
لكن الراديو أعطاها شيئًا جديدًا:
الاستمرارية.
لم تعد الأغنية تحتاج إلى مناسبة كي تعود.
يمكن أن تعود كل أسبوع.
يمكن أن تدخل البيوت.
يمكن أن يسمعها طفل لم يولد عندما غناها صاحبها.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الإذاعة لعبت دورًا رئيسيًا في نشر الموسيقى، في الوقت الذي بدأت فيه الحقيبة تتراجع أمام أشكال موسيقية أحدث.
لكن paradoxically، الإذاعة هي أيضًا التي حفظت الحقيبة.
فقد أصبح لها برنامج باسم «حقيبة الفن»، وتحولت التسمية إلى عنوان لذاكرة كاملة.
وهكذا حدثت المفارقة الكبرى:
الراديو الذي فتح الباب للأغنية الجديدة ساعد أيضًا في حفظ الأغنية القديمة.
الحقيبة.. حين صنعتها التكنولوجيا مرتين
المرة الأولى:
الأسطوانة.
فقد حفظت الأغنية من الضياع.
والمرة الثانية:
الإذاعة.
فقد أعادتها إلى جمهور جديد.
ثم جاءت الأشرطة.
ثم التسجيلات الرقمية.
ثم الإنترنت.
وكل تقنية جديدة أعادت تعريف ما يعنيه أن «تحفظ» أغنية.
وهنا يظهر السؤال الذي يخص مشروع «السودان الذي لم يُكتب» كله:
هل حفظنا الأغنية حقًا؟
أم حفظنا بعضها فقط؟
كم من الأغنيات ضاع؟
كم من الشعراء لم تصلنا أعمالهم؟
كم من الألحان نعرفها دون أن نعرف أصحابها؟
وكم من الأصوات النسائية لم تدخل الأرشيف؟
وكم من التسجيلات القديمة تلفت أو اختفت؟
هذه الأسئلة أهم أحيانًا من السؤال المعتاد:
«من هو أشهر فنان؟»
الأغنية باعتبارها أرشيفًا
لو قرأنا أغاني الحقيبة بعين المؤرخ، سنجد أشياء كثيرة.
سنجد صورة المرأة.
صورة الرجل.
معنى الجمال.
لغة الحب.
لغة المدينة.
أسماء الأماكن.
مفردات الحياة اليومية.
التدين.
القبيلة.
الطبقة.
الاحتفال.
الحنين.
والوطن.
لكن يجب أن نكون حذرين.
الأغنية ليست محضر اجتماع.
الشاعر لا يكتب تقريرًا إحصائيًا.
والصورة الشعرية لا تعني بالضرورة أن المجتمع كله كان يعيش بالطريقة نفسها.
لذلك:
الأغنية مصدر، لكنها ليست مصدرًا منفردًا للحقيقة.
نقارنها بالصحف.
بالصور.
بالوثائق.
بالمذكرات.
بالدراسات الاجتماعية.
وبشهادات الناس.
وهنا فقط يمكن أن تتحول الأغنية إلى وثيقة تاريخية حقيقية.
الحقيبة والهوية
في عام 2023 صدر كتاب «هوية السودان من خلال نصوص أغاني الحقيبة» للباحثة عفاف عبد الحفيظ محمد رحمة، وهو في الأصل بحث أكاديمي تناول أغاني الحقيبة بوصفها تعبيرًا عن تصورات الهوية الوطنية في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين. ويضع الكتاب الحقيبة عند تقاطع القومية والفولكلور والثقافة الشعبية والشاهد التاريخي.
وهذا يفتح لنا بابًا مهمًا.
ربما لم يكن السودانيون في تلك الفترة يملكون دائمًا تعريفًا نظريًا متكاملًا لمعنى «السودان».
لكنهم كانوا يغنون عنه.
كانوا يتخيلونه.
يصفونه.
يحبونه.
يختلفون حوله.
وأحيانًا يضعونه في صورة امرأة.
أي أن الهوية لم تكن تُكتب في الكتب السياسية وحدها.
كانت تُكتب أيضًا في الأغنية.
الحقيبة لم تكن ماضيًا انتهى
المدهش أن الحقيبة لم تختفِ عندما ظهرت الأغنية الحديثة.
بل أصبحت أصلًا يعود إليه الفنانون باستمرار.
تُعاد أغنياتها.
تُغنى بألحان جديدة أحيانًا.
تُدرّس.
تُسجل.
وتعود إلى المناسبات.
وما زالت نصوصها جزءًا من الذاكرة السودانية.
وهذا يعني أن الحقيبة نجحت في شيء نادر:
خرجت من زمنها ولم تفقد قدرتها على مخاطبة أزمنة أخرى.
ولكن هناك جانبًا آخر
كلما قلنا إن الحقيبة «صوت السودان»، يجب أن نتذكر أن هناك سودانًا آخر كان يغني في الوقت نفسه.
نساء في البيوت.
نساء في الأعراس.
عاملون في الحقول.
أطفال.
جماعات محلية.
أقاليم بعيدة عن أم درمان.
موسيقيون لم تصل تسجيلاتهم إلى الاستوديوهات.
أصوات لم تجد طريقها إلى الإذاعة.
ولهذا فإن مشروع استعادة الذاكرة لا ينبغي أن يكتفي بما بقي محفوظًا.
بل عليه أن يسأل:
من لم يُحفظ؟
هذه ربما تكون أهم جملة في تاريخ الحقيبة كله.
الخاتمة: حين غنّت المدينة نفسها
لم تكن الحقيبة أول غناء سوداني.
ولم تكن الغناء السوداني كله.
ولم تولد من أم درمان وحدها.
لكنها كانت لحظة حاسمة.
لحظة التقت فيها:
المدينة والهجرة والتعليم والصحافة والشعر والأسطوانة والاحتفال والسياسة.
ومن هذا اللقاء خرج صوت جديد.
صوت جعل الحب مادة للأغنية.
وجعل المدينة موضوعًا.
وجعل الوطن صورة.
وجعل الشعر جزءًا من الذاكرة الجماعية.
ثم جاءت التكنولوجيا فحفظته.
الأسطوانة أولًا.
والإذاعة بعد ذلك.
ثم الأشرطة.
ثم العالم الرقمي.
ولهذا فإن الحقيبة ليست مجرد أغنيات قديمة.
إنها قصة كيف تعلم السودان الحديث أن يحفظ صوته.
لكن الحقيبة نفسها تخبرنا بشيء آخر.
فبينما كان الرجال يملكون مساحة واسعة في الغناء العام، كانت النساء يغنين في أماكن أخرى، بإيقاعات أخرى، وبكلمات أخرى، وبصوت لم يحظَ دائمًا بالاعتراف نفسه.
كان هناك سودان نسائي يغني بعيدًا عن الميكروفون الرسمي.
في الأعراس.
في الحوش.
في الحي.
في لحظات الفرح والحزن.
وفي مناسبات لا تدخل كتب تاريخ الموسيقى بسهولة.
ومن هناك ستبدأ الحلقة التالية.
أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من خارج المنصة
حين غنت النساء لأنفسهن، لا لأن الرجال كتبوا لهن.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟