أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة














المزيد.....

الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 13:26
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كلما اقتربت من حياة شخص لأكتب عنه، أجد نفسي أمام مسؤولية أكبر من مجرد الكتابة.
فأنا لا أتعامل مع شخصية من ورق.
أتعامل مع إنسان عاش حياته، وله أهل وأصدقاء وأبناء وخصوم، وله صورته التي يعرفها الناس، وصورته التي لا يعرفها إلا المقربون منه.
ولهذا فإن التوثيق، بالنسبة لي، ليس امتلاك حق إصدار الأحكام.
الموثّق ليس قاضيًا.
ليس دوره أن يقول للقارئ:
هذا رجل صالح.
وهذا رجل سيئ.
هذا بطل.
وهذا مخطئ.
مهمته أصعب من ذلك.
أن يقول:
هذه هي الوقائع التي تمكنت من التحقق منها، وهذه شهادات من عاشوا التجربة، وهذه روايات اختلفت حولها المصادر، وهذا ما لم أستطع إثباته.
ثم يترك للقارئ مساحة التفكير.
ربما يكون من السهل أن نكتب سيرة تمجّد صاحبها.
نختار أجمل الصور.
ونذكر أعظم الإنجازات.
ونتجاوز الخلافات.
ونجعل كل قرار يبدو عبقريًا بعد أن نعرف نتائجه.
لكن هذه ليست سيرة.
هذه صناعة صورة.
وفي الاتجاه الآخر، يمكن للكاتب أن يفعل العكس تمامًا.
أن يبحث عن الفضائح.
وأن يضخم الأخطاء.
وأن يختار أكثر الروايات قسوة.
ثم يقدمها باعتبارها «الحقيقة التي أخفاها التاريخ».
وهذا أيضًا ليس توثيقًا.
إنه نوع آخر من التحيز.
لذلك أحاول دائمًا أن أضع نفسي في منطقة أصعب:
منطقة الإنصاف.
والإنصاف لا يعني أن أحب الشخصية.
ولا يعني أن أكرهها.
ولا يعني أن أتفق مع أفكارها.
بل يعني أن أمنحها حقها من الحقيقة.
حين كتبت عن أشخاص عاشوا في ظروف تاريخية مختلفة، أدركت أن أسهل شيء هو أن نحاكم الماضي بأدوات الحاضر.
نأخذ قرارًا حدث قبل عشرات السنين، ثم نقرأه بعقلنا اليوم.
لكن مهمة الموثّق أن يسأل أيضًا:
ماذا كان يعرف هذا الشخص في ذلك الوقت؟
ما الخيارات المتاحة أمامه؟
ما الظروف المحيطة به؟
من كان معه؟
ومن كان ضده؟
وما الذي كان يمكن أن يفعله ولم يفعله؟
وما الذي لم يكن يستطيع فعله أصلًا؟
هذه الأسئلة لا تبرئ أحدًا.
لكنها تمنعنا من تزوير السياق.
والسياق جزء من الحقيقة.
لهذا أرى أن من أخطر أخطاء الكتابة التوثيقية أن نقتطع الإنسان من زمنه.
أن نحاكمه دون أن نعرف العالم الذي عاش فيه.
أو أن نمنحه بطولة لم تكن موجودة إلا بعد أن تغيرت الظروف.
التوثيق الحقيقي لا يبحث عن ملاك.
ولا يبحث عن شيطان.
بل يبحث عن إنسان.
إنسان قد ينجح في موقف ويفشل في آخر.
قد يكون شجاعًا في لحظة وخائفًا في لحظة أخرى.
قد يتخذ قرارًا عظيمًا ثم يندم عليه.
وقد يرتكب خطأً لا يستطيع إصلاحه.
وهذا لا يقلل من قيمة الشخصية.
بل يجعلها أكثر إنسانية.
ولذلك عندما أجد رواية خطيرة أو معلومة حساسة، لا أسأل فقط:
هل يمكن أن أكتبها؟
بل أسأل:
هل أستطيع إثباتها؟
ثم:
هل من الضروري أن أكتبها؟
ثم:
هل هناك شخص آخر سيتضرر منها؟
ثم:
هل أعطي الطرف الآخر فرصة للرد؟
هذه الأسئلة بالنسبة لي ليست قيودًا على الكتابة.
إنها جزء من أخلاقيات التوثيق.
فالكاتب يستطيع أن يكتب جملة في دقائق...
لكن الجملة قد تبقى في كتاب لعشرات السنين.
وقد تتحول إلى مرجع.
وقد يعاد نشرها.
وقد تصبح جزءًا من الصورة التاريخية لشخص أو مؤسسة أو مدينة.
لهذا لا أتعامل مع المعلومة باعتبارها مادة أمتلكها.
بل باعتبارها أمانة وصلت إليّ.
وهذه ربما أهم نقطة تعلمتها:
الكاتب يستطيع أن يختار زاوية النظر، لكنه لا يملك حق اختراع الحقيقة.
نحن لا نكتب الماضي لكي ننتصر لشخص.
ولا لكي نهزم شخصًا.
نكتب لأن هناك شيئًا حدث.
ولأن ذلك الشيء يستحق أن يُفهم.
ولأن الأجيال القادمة لن تكون موجودة لتسألنا:
ماذا حدث فعلًا؟
ستقرأ ما تركناه لها.
وعندها ستصبح مسؤوليتنا أكبر.
فربما لا نستطيع أن نكتب كل الحقيقة...
لكن نستطيع أن نكون صادقين في بحثنا عنها.
وهذا، في النهاية، هو الفرق بين من يكتب سيرةً ومن يصنع دعاية.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه
- السودان الذي لم يُكتب (2) السوق الذي صنع المدينة.. حين لم يك ...
- لم يكن يبحث عن الشهرة... ولذلك كتبت عنه
- السودان الذي لم يُكتب (1) أم درمان التي صنعتها الحياة اليومي ...
- لماذا أكتب عن الذين لم يكتب عنهم أحد؟
- ليس البحث عن الإجابة... بل عن السؤال الصحيح


المزيد.....




- موسم السفر السري ينكشف.. هل انتهى عصر السفر الرخيص في الخريف ...
- حصري: هذه الجزيرة الصغيرة قبالة اليمن أصبحت الآن جائزة استرا ...
- ترامب يتوقّع موعد نهاية حرب إيران.. ويَعِد بـ5 آلاف دولار لك ...
- انهيار أرضي ضخم أمام منزل نيكولاس كيج في ماليبو
- حادث خطير في قاعدة للجيش الإسرائيلي.. جندي يسرق 3 بنادق تعود ...
- هل تبحث عن طائرة خاصة؟.. طائرة ميركل الرئاسية معروضة للبيع
- اليمن.. أنباء عن سيطرة الحوثيين على المخا والاقتراب من المند ...
- التوتر في العمل يهدد الرجال بضعف الانتصاب
- لأول مرة.. علماء يفكون شيفرة جينوم سكان فاناغوريا الخزرية ال ...
- تحت أنقاض الكولوسيوم.. الكشف عن أكبر فسيفساء جدارية رومانية ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة