أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 16:24
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في البداية، لم يكن هناك سوى غرفة صغيرة.
غرفة في مبنى البوستة القديمة بأم درمان، وجهاز إرسال، ونصف ساعة من البث في اليوم.
لم يكن أحد يعرف أن ذلك الصوت الخارج من الغرفة الصغيرة سيصبح، بعد سنوات قليلة، واحدًا من أكثر الأصوات حضورًا في الذاكرة السودانية.
صوت يقول:
«هنا أم درمان»
ثم يأتي القرآن، وخبر الحرب، وأغنية سودانية.
وكان الناس يقفون أمام مكبرات الصوت في ساحات أم درمان ليستمعوا.
هكذا بدأت الحكاية.
لم تبدأ الإذاعة السودانية باعتبارها مشروعًا ثقافيًا وطنيًا. نشأت في أبريل 1940، في ظل الحكم الاستعماري والحرب العالمية الثانية، وبتمويل مرتبط بالدعاية للحلفاء. وتقول وزارة الثقافة والإعلام السودانية إن أول بث كان من غرفة صغيرة في البوستة القديمة بأم درمان، لمدة نصف ساعة يوميًا.
لكن التاريخ لا يسير دائمًا وفق نية الذين يطلقون المؤسسات.
فالمؤسسة التي أُنشئت لأغراض الحرب والدعاية ستصبح، بعد أقل من عقدين، واحدة من أهم المؤسسات التي ساعدت السودانيين على سماع أنفسهم بوصفهم شعبًا واحدًا.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
من مكبر الصوت إلى البيت
في أيامها الأولى، لم يكن الراديو جهازًا منزليًا متاحًا لكل شخص.
كان الصوت عامًا.
تضع السلطات مكبرات الصوت في بعض الساحات، ويتجمع الناس للاستماع. وكان البرنامج الأول قصيرًا جدًا: تلاوة من القرآن، ونشرة عن الحرب، وأغنية سودانية.
أي أن الإذاعة لم تدخل البيت أولًا.
دخلت الشارع.
دخلت السوق.
دخلت الساحة العامة.
ودخلت حياة الناس بالطريقة نفسها التي كانت تدخل بها الأخبار من المسافر، أو من التاجر، أو من صاحب الدكان الذي قرأ صحيفة الصباح.
لكن الفرق كان هائلًا.
للمرة الأولى أصبح بالإمكان أن يسمع عدد كبير من الناس الصوت نفسه في اللحظة نفسها.
وهذه ليست مسألة تقنية بسيطة.
إنها بداية تحول في معنى المجال العام.
فالخبر الذي كان يسافر من مدينة إلى مدينة على ظهر جمل أو في قطار أو مع مسافر، أصبح قادرًا على عبور المسافات في لحظة.
والأغنية التي كانت تعيش في حلقات محدودة، أو في مناسبة اجتماعية، أصبحت قابلة لأن تتحول إلى أغنية يعرفها الناس في أماكن متباعدة.
واللغة نفسها بدأت تتحرك عبر الأثير.
«هنا أم درمان» لم تكن مجرد عبارة
في عام 1940 عُيّن عبيد عبد النور أول مذيع رسمي بحسب الرواية الرسمية لتاريخ الإذاعة السودانية، بعد مرحلة كان العمل فيها يعتمد على متطوعين. ومع ظهور عبارة «هنا أم درمان»، بدأ الاسم نفسه يكتسب قوة رمزية تتجاوز المكان.
لم تكن العبارة تقول:
«هنا الإذاعة السودانية».
كانت تقول:
«هنا أم درمان».
وهو اختيار شديد الدلالة.
فأم درمان لم تكن مجرد موقع جغرافي للاستوديو.
كانت مدينة لها تاريخها وذاكرتها وأسواقها وأحياؤها ومجالسها وأصواتها.
ومنها خرج الصوت ليخاطب بلدًا كاملًا.
وبمرور الوقت، أصبح «هنا أم درمان» في الوعي الشعبي أشبه بعنوان سمعي للسودان نفسه.
مؤسسة استعمارية تتعلم كيف تتكلم مع الناس
من السهل أن نكتب تاريخ الإذاعة السودانية بوصفه قصة وطنية مستقيمة: تأسست في 1940، ثم خدمت الوطن، ثم نقلت الاستقلال.
لكن الوثائق الرسمية نفسها تجعل الصورة أكثر تعقيدًا.
فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، توقف التمويل الذي كان مخصصًا للدعاية، وكادت الإذاعة تتوقف. ثم جرى اعتماد ميزانية لها من حكومة السودان الاستعمارية، وأصبحت برامجها في تلك المرحلة مرتبطة بأهداف الإدارة الاستعمارية ومواجهة الاتجاهات الوطنية الصاعدة.
وهذه نقطة لا ينبغي تجاوزها.
فالإذاعة لم تولد وطنية.
السودانيون هم الذين أعادوا تشكيل وظيفتها تدريجيًا.
وهذه واحدة من المفارقات المهمة في تاريخ المؤسسات الحديثة في السودان:
قد تأتي المؤسسة من أعلى، وبأهداف يضعها الحاكم، ثم تتحول مع الزمن إلى مساحة تستخدمها القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية بطرق لم تكن كلها في حساب مؤسسيها.
عام 1942: الصوت يبحث عن مكان أكبر
في عام 1942 انتقلت الإذاعة من مبنى البوستة القديمة إلى منزل مستأجر في أم درمان بالقرب من مدرسة الدايات.
واتسع البث إلى ساعة يوميًا، وأضيفت برامج باللغة الإنجليزية وبرامج للقوات المحاربة، كما أضيف الدوبيت إلى المواد الإذاعية، ثم دخلت الموجة القصيرة عام 1943.
كان ذلك يعني أن الإذاعة بدأت تتحول من تجربة صغيرة إلى مؤسسة لها بنية وبرامج وتقنيات.
لكن الأهم أن السودانيين بدأوا يتعلمون الاستماع.
وهذه مهارة اجتماعية بقدر ما هي تقنية.
متى نفتح الراديو؟
ماذا نسمع؟
من يقدم البرنامج؟
من يملك الحق في الكلام؟
أي صوت يستحق الثقة؟
ما الفرق بين الخبر والإشاعة؟
متى نصدق المذيع؟
ومتى نختلف معه؟
أسئلة كهذه لا تظهر في سجلات الأجهزة، لكنها تظهر في تاريخ المجتمع.
عندما أصبح للراديو موعد في حياة الناس
شيئًا فشيئًا، لم يعد الراديو مجرد جهاز.
أصبح موعدًا.
هناك برنامج ينتظره الناس.
وصوت يعرفونه.
وأغنية يريدون سماعها.
ومباراة يتابعونها.
وخبر يريدون معرفته.
وبرنامج يطلبون منه أغنية.
وبرنامج آخر يتحدث عن الزراعة.
وبرنامج للأطفال.
وبرنامج للمرأة.
وهنا بدأت الإذاعة تدخل في تفاصيل الحياة اليومية.
فبعد عودة الإعلامي صلاح محمد صالح من تدريبه في بريطانيا عام 1954، ارتبط اسمه بتوسيع خريطة البرامج، ومن بينها برامج للطفل والمزارع والمرأة، إلى جانب «حقيبة الفن».
وهذه النقلة مهمة جدًا.
لأن الدولة لم تعد تخاطب «المواطن» باعتباره كتلة واحدة فقط.
بدأ الراديو يخاطب:
الطفل.
المزارع.
المرأة.
الفنان.
الرياضي.
المستمع العادي.
أي أن المجتمع نفسه بدأ يظهر داخل خارطة البث.
الريف الذي دخل إلى المدينة من خلال الأثير
قد تكون واحدة من أهم وظائف الإذاعة أنها جعلت السودان الواسع يسمع بعضه بعضًا.
فالإذاعة لم تكن تخاطب الخرطوم وحدها.
ومع تحسن أجهزة الإرسال واتساع مدى البث، أصبح صوتها يصل إلى مناطق واسعة داخل السودان وخارجه. وفي عام 1954 أدى تركيب جهاز إرسال جديد إلى توسيع نطاق الوصول بصورة كبيرة.
وهنا حدث شيء لا يظهر بسهولة في كتب السياسة:
بدأت الجغرافيا السودانية تتقلص سمعيًا.
مدينة تسمع مدينة.
قرية تسمع العاصمة.
مزارع في منطقة بعيدة يسمع صوت مطرب لم يره.
شاب في مدينة أخرى يتابع مباراة تجري في أم درمان.
امرأة تستمع إلى برنامج يتحدث عن موضوع يمس حياتها.
وطفل يعرف أصوات مذيعين لم يلتق بهم قط.
لقد كان الراديو يبني نوعًا جديدًا من القرب:
قربًا بلا مسافة.
الأغنية لم تعد أغنية واحدة
وهنا تلتقي الإذاعة بالفن.
فالراديو لم يكن مجرد ناقل للأغنية السودانية.
لقد ساهم في اختيار ما يسمعه السودان.
كان الفنان الذي يريد الوصول إلى الجمهور يمر، وفق المصادر التي تناولت هذه المرحلة، بلجان لفحص الصوت والشعر واللحن قبل الإجازة والبث. ومن خلال الإذاعة برزت أسماء فنية عديدة، من بينها إبراهيم الكاشف وأحمد المصطفى وحسن عطية.
وهذا يعني أن الإذاعة كانت تملك سلطة ثقافية هائلة.
كانت تستطيع أن تمنح أغنية فرصة لكي تنتشر.
وكان بإمكانها أن تجعل صوتًا مألوفًا في مدينة يصبح مألوفًا في مدن أخرى.
وبهذه الطريقة لم تكن الإذاعة تحفظ الثقافة فقط.
كانت تصنع الذائقة أيضًا.
ولهذا سيكون من الصعب كتابة تاريخ أغاني الحقيبة، أو الأغنية السودانية الحديثة، من دون المرور عبر تاريخ الإذاعة.
وما قصة «الحقيبة»؟
من أشهر الأمثلة برنامج «من حقيبة الفن».
ارتبط البرنامج بصلاح محمد صالح، الذي كان يختار الأغاني من الأسطوانات المحفوظة في حقيبة حديدية، ومنها جاءت تسمية البرنامج بحسب رواية توثيقية صحفية لاحقة.
هنا تتحول الحقيبة من شيء مادي إلى ذاكرة.
أسطوانات محفوظة في حقيبة.
أغنيات من زمن سابق.
مذيع يختار.
جهاز يدور.
وصوت يخرج من الراديو.
ثم آلاف المستمعين.
بهذه الطريقة لم تعد الأغنية القديمة محصورة في جيلها.
أصبحت قابلة لأن تورث نفسها عبر الأثير.
وربما لهذا السبب ستأتي الحلقة القادمة من «السودان الذي لم يُكتب» عن أغاني الحقيبة.
فالإذاعة لم تكن مجرد جسر إلى تلك الأغاني.
كانت واحدة من الآلات التي أعادت إنتاجها داخل الذاكرة السودانية.
حين خرج الميكروفون من الاستوديو
في عام 1951 خرج الميكروفون لأول مرة إلى خارج الاستوديو لتغطية الأحداث، وكانت البداية مع مباريات كرة القدم في دار الرياضة بأم درمان.
ثم توسعت التغطية الخارجية، وفي عام 1953 بدأت الإذاعة في نقل الأحداث الوطنية والسياسية.
وهذا تحول بالغ الأهمية.
قبل ذلك كان المستمع يستقبل ما يحدث داخل الاستوديو.
الآن صار الاستوديو يذهب إلى الحدث.
الملعب.
المؤتمر.
الاحتفال.
الاجتماع.
الحدث السياسي.
الشارع.
وأصبح الميكروفون أداة لتسجيل الحياة وهي تحدث.
وهنا بدأت الإذاعة تتحول إلى أرشيف حي.
الاستقلال.. عندما صار الصوت شاهدًا على ولادة الدولة
كان عام 1954 نقطة تحول في تاريخ الإذاعة.
تقول وزارة الثقافة والإعلام إن الإذاعة بدأت مع قيام أول حكومة وطنية في مارس 1954 العمل بصورة أكثر ارتباطًا بالمصلحة الوطنية وتثبيت الاستقلال.
ثم جاء عام 1956.
لم تعد المسألة برنامجًا إذاعيًا.
كانت دولة تولد.
والإذاعة تنقل الحدث.
فقد نقلت احتفالات الاستقلال في الأول من يناير 1956، كما نقلت جلسات البرلمان، وكانت كلمات النواب تُسجل ثم تُقرأ على المستمعين. وفي نوفمبر 1956 خرج الميكروفون السوداني خارج البلاد لأول مرة لنقل جلسة الأمم المتحدة التي أُعلن فيها السودان عضوًا مستقلًا.
هنا يصبح الراديو أكثر من وسيلة إعلام.
إنه شاهد.
السوداني الذي لم يكن في الخرطوم استطاع أن يسمع.
والذي لم يكن في موقع الحدث استطاع أن يقترب منه بالصوت.
لقد دخل الاستقلال إلى البيوت عبر الأثير.
السودان الذي تعلّم أن يسمع نفسه
ربما كانت أعظم نتيجة للإذاعة ليست أنها نشرت الأخبار.
ولا أنها قدمت الأغاني.
ولا أنها نقلت المباريات.
بل أنها صنعت شيئًا أكثر عمقًا:
الاستماع المتبادل.
قبل الراديو، كان السودان بلدًا واسعًا ومتنوعًا، تتجاور فيه لهجات وثقافات وبيئات ومسافات هائلة.
بعد الراديو، أصبح هناك قدر متزايد من الأصوات المشتركة.
أسماء مذيعين يعرفها الناس.
أغنيات يعرفها الناس.
عبارات إذاعية يعرفها الناس.
برامج ينتظرها الناس.
أخبار يتداولها الناس.
حتى اللغة نفسها تحركت بين الفصحى والدارجة، وبين لغة الخبر ولغة الحياة اليومية. وتشير المواد التاريخية عن الإذاعة إلى استخدام العربية الفصحى إلى جانب الدارجة السودانية في البث.
وبذلك لم يكن الراديو ينقل الثقافة السودانية فقط.
كان يساعد في إنتاج ثقافة مشتركة.
لكن هل وحّد الراديو السودان فعلًا؟
هنا ينبغي أن نتوقف.
لأن كلمة «وحّد» مغرية جدًا، لكنها قد تكون أكبر من الأدلة.
لم يكن الراديو قادرًا وحده على إزالة الاختلافات بين السودانيين.
ولم يصل بالطريقة نفسها إلى كل المناطق.
ولم تكن كل الفئات الاجتماعية تمتلك جهازًا.
كما أن الإذاعة نفسها كانت مؤسسة مرتبطة بالدولة، ولذلك لم تكن مساحة محايدة دائمًا.
وفي مراحل مختلفة، كانت السلطة السياسية قادرة على التأثير في الخطاب الإذاعي.
لذلك الأدق أن نقول:
ساعدت الإذاعة في خلق مساحة سمعية مشتركة، لكنها لم تصنع وحدة اجتماعية كاملة.
وهذا فرق مهم.
فالتاريخ الذي نبحث عنه ليس تاريخ الشعارات.
بل تاريخ ما حدث فعلًا.
من يملك الميكروفون يملك جزءًا من الذاكرة
هذه النقطة تجعل تاريخ الإذاعة أكثر حساسية.
لأن الإذاعة كانت تمتلك سلطة الاختيار.
ماذا نبث؟
ماذا لا نبث؟
من يتحدث؟
من يغيب؟
أي أغنية تستحق الإجازة؟
أي خبر يوضع في المقدمة؟
أي حدث يصبح خبرًا؟
وأي حدث يمر بلا ذكر؟
كل هذه القرارات تصنع الذاكرة.
ولهذا فإن أرشيف الإذاعة ليس مجرد مجموعة تسجيلات قديمة.
إنه خريطة لما أرادت الدولة والمجتمع في أوقات مختلفة أن يسمعاه ويتذكراه.
وفي المقابل، فإن ما لم يُسجل أو لم يُبث أو فُقد من الأرشيف يمثل جزءًا من «السودان الذي لم يُكتب».
خسارة لا تُقاس بالأجهزة
في عام 1957 انتقلت الإذاعة إلى مبانيها الجديدة، وبدأ استخدام الشريط المغناطيسي في التسجيل.
وكان ذلك عصرًا تقنيًا جديدًا.
لكن بعض الروايات الصحفية عن تاريخ الإذاعة تشير إلى فقدان جزء مهم من الأسطوانات والموروثات الغنائية القديمة في تلك المرحلة.
وهنا تظهر مفارقة قاسية:
المؤسسة التي كانت تعمل على حفظ صوت السودان وتسجيله لم تستطع دائمًا أن تحافظ على كل ما سجلته.
وهذه مشكلة تتكرر في التاريخ السوداني كله:
نحن بلد غني بالذاكرة، فقير في حفظ الذاكرة.
قد يختفي شريط.
تحترق أسطوانة.
يضيع دفتر.
تُهمل مكتبة.
يموت شاهد.
ثم نكتشف بعد سنوات أننا نبحث عن شيء كان موجودًا أمامنا ذات يوم.
الإذاعة لم تحفظ الأصوات فقط
لقد حفظت شيئًا أكبر.
حفظت طريقة الكلام.
طريقة تقديم الخبر.
نبرة المذيع.
أسماء المدن.
أسماء الرياضيين.
الأغاني.
المناسبات.
الأعياد.
الخطب.
الدراما.
البرامج التعليمية.
أصوات الفنانين.
وأحيانًا أصوات أناس عاديين ربما لم يتخيلوا أن أصواتهم ستصبح يومًا جزءًا من تاريخ بلد.
وهذا هو الجانب الذي يجعل دراسة الإذاعة ضرورية لمن يريد كتابة التاريخ الاجتماعي للسودان.
فقد نجد في شريط مدته عشر دقائق ما لا نجده في كتاب سياسي كامل.
ليس لأن الشريط أكثر أهمية من الكتاب.
بل لأن الحياة اليومية تظهر فيه بطريقة مختلفة.
من «هنا أم درمان» إلى «هنا السودان»
بدأت الإذاعة في أم درمان.
لكنها مع الوقت لم تعد ملكًا سمعيًا لأم درمان وحدها.
صار صوتها يعبر المدن والأقاليم.
وكانت أم درمان، التي كانت في الحلقات السابقة من هذه السلسلة سوقًا ومقهى وسينما، تتحول الآن إلى محطة إرسال.
وهذه إضافة مهمة إلى تاريخ المدينة.
فأم درمان لم تكن فقط المكان الذي تجتمع فيه الحياة السودانية.
كانت أيضًا المكان الذي بدأت منه الحياة السودانية تُسمَع على نطاق أوسع.
من البوستة إلى الاستوديو.
ومن مكبر الصوت إلى جهاز الراديو.
ومن نصف ساعة إلى شبكة واسعة من البرامج.
ومن خطاب حرب إلى خطاب وطن.
ومن مؤسسة استعمارية إلى مؤسسة أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية.
تلك رحلة مؤسسة واحدة.
لكنها في الحقيقة رحلة مجتمع كامل نحو عصر جديد من الاتصال.
حين كان الراديو فردًا من العائلة
قبل التلفزيون.
وقبل الإنترنت.
وقبل الهاتف الذكي.
وقبل أن يصبح كل شخص قادرًا على البث للعالم من جيبه.
كان هناك جهاز صغير في البيت.
له مكان معروف.
وقد يجتمع حوله أفراد الأسرة.
يستمعون إلى الأخبار.
أو الأغنية.
أو المباراة.
أو المسلسل.
أو البرنامج الديني.
وكان المذيع صوتًا يأتي من خارج البيت لكنه يصبح، مع الوقت، مألوفًا كأنه من داخله.
وهنا تكمن قوة الراديو.
إنه الوسيلة التي لا تحتاج إلى أن تنظر إليها لكي تصدق أنها موجودة.
يمكنك أن تعمل وهو يتحدث.
أن تطبخ وهو يغني.
أن تقود السيارة وهو ينقل المباراة.
أن تزرع الأرض وأنت تستمع إلى برنامج للمزارعين.
أن تجلس في مقهى وتتابع الأخبار.
أن تكون في قرية بعيدة وتسمع صوتًا يأتي من أم درمان.
ولهذا لم يكن الراديو مجرد وسيلة إعلام.
كان رفيقًا يوميًا.
وما الذي بقي منه؟
اليوم، يبدو الراديو وكأنه ينتمي إلى زمن آخر.
لكن أثره لم يختف.
الكثير مما نعدّه اليوم «تراثًا سودانيًا» وصل إلى الأجيال عبر الإذاعة.
الكثير من الأغاني التي يعرفها السودانيون لم يكن انتشارها ممكنًا بالطريقة نفسها من دون البث الإذاعي.
الكثير من الأصوات التي أصبحت رموزًا وطنية مرت عبر الميكروفون.
والكثير من الأحداث التي عاشها السودانيون صار لها تسجيل أو أثر في الأرشيف الإذاعي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل انتهى عصر الراديو؟
بل:
ماذا سيحدث لذاكرة السودان إذا ضاع أرشيفه الإذاعي؟
السودان الذي لم يُكتب.. والسودان الذي لم يُسجّل
هناك فرق بين التاريخ الذي لم يكتبه المؤرخون، والتاريخ الذي لم تحفظه المؤسسات.
في الحالة الأولى يمكننا البحث.
نعود إلى الصحف.
نفتش الأرشيف.
نقابل الشهود.
نقارن الروايات.
لكن في الحالة الثانية قد لا يبقى شيء.
وهذا يجعل أرشيف الإذاعة السودانية واحدًا من الكنوز التي ينبغي التعامل معها باعتبارها ذاكرة وطنية، لا مجرد ممتلكات مؤسسة إعلامية.
ط
ففي كل شريط قد يكون هناك صوت من السودان لم يعد موجودًا.
وفي كل تسجيل قد تكون هناك كلمة قالها شخص مرة واحدة.
وفي كل أغنية قد تكون هناك طريقة أداء اختفت.
وفي كل برنامج قد نجد تفاصيل عن المجتمع لا توجد في الكتب.
إنقاذ هذا الأرشيف ليس ترفًا ثقافيًا.
إنه جزء من كتابة السودان نفسه.
الخاتمة: حين صار للسودان صوت
في البداية كانت نصف ساعة.
ثم ساعة.
ثم برامج.
ثم أغنيات.
ثم أخبار.
ثم مباريات.
ثم نقل مباشر.
ثم استقلال.
ثم أجيال كاملة.
هكذا تحول الراديو من جهاز إلى مؤسسة، ومن مؤسسة إلى عادة، ومن عادة إلى ذاكرة.
ولم يكن أعظم ما فعله أنه جعل السوداني يعرف ما يحدث في بلده.
بل أنه جعل السوداني يسمع أصواتًا من بلد لم يكن يستطيع أن يراه كله.
كان السودان أكبر من أن يراه شخص واحد.
لكن الراديو جعله قابلًا لأن يُسمع.
ولهذا، حين نقول:
«هنا أم درمان»
فنحن لا نستعيد اسم محطة إذاعية فحسب.
نحن نستعيد زمنًا كان فيه الصوت قادرًا على عبور المسافات، وأن يدخل بيتًا لا يعرف صاحبه، ويجلس إلى جوار أسرة لا يعرف أفرادها، ويخبرهم أن هناك بلدًا واسعًا خارج جدرانهم.
بلدًا له أخبار.
وله أغنيات.
وله أحزان.
وله أفراح.
وله أصوات.
وله ذاكرة.
ومن هنا تبدأ الحكاية التالية.
فإذا كانت الإذاعة قد جعلت السودان يسمع الأغنية، فإن السؤال التالي هو:
ما الأغنيات التي اختار السودان أن يحتفظ بها؟
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر الذاكرات الموسيقية رسوخًا في الوجدان السوداني:
أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة نفسها.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟