أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة














المزيد.....

حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 11:18
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في التوثيق، نتحدث كثيرًا عن الكلمات.
ماذا قال الشاهد؟
ماذا كتبت الصحيفة؟
ماذا تقول الوثيقة؟
ماذا يظهر في الصورة؟
لكنني اكتشفت مع الوقت أن هناك شيئًا آخر يستحق أن نبحث عنه:
ما الذي لم يُقل؟
فالصمت أحيانًا ليس غيابًا للمعلومة.
بل معلومة في حد ذاته.
قد تبحث عن اسم شخص في عشرات الصحف، فلا تجده.
وقد تجد مؤسسة كاملة تتحدث عن إنجازاتها، لكنها لا تذكر أسماء الأشخاص الذين بنوها.
وقد تقرأ سيرة طويلة لشخصية عامة، فتجد أنها مليئة بالإنجازات، لكنها خالية تقريبًا من الحديث عن إخفاقاتها.
هنا لا ينبغي للموثّق أن يمر مرورًا عابرًا.
بل عليه أن يتوقف.
ويسأل:
لماذا صمتت الوثيقة؟
من الذي كتبها؟
ولمن كُتبت؟
وفي أي ظرف؟
وما الذي كان مسموحًا بذكره؟
وما الذي ربما لم يكن من المناسب ذكره؟
هذه الأسئلة قد تكون أحيانًا أهم من الكلمات الموجودة على الورق.
فالوثيقة ليست دائمًا مرآة كاملة للماضي.
إنها غالبًا صورة التقطها شخص من زاوية معينة.
والزاوية تخبرنا بشيء.
لكنها تخبرنا أيضًا بما لم يظهر في الصورة.
عندما أقرأ صحيفة قديمة، لا أبحث فقط عن الخبر.
أبحث عن اللغة.
عن المساحات.
عن الأسماء التي ظهرت.
وعن الأسماء التي غابت.
وعن الحدث الذي احتل الصفحة الأولى، بينما مر حدث آخر في سطر صغير.
فحتى ترتيب الأخبار يمكن أن يخبرنا عن الطريقة التي كان ذلك العصر يرى بها نفسه.
والأمر نفسه يحدث في الصور.
أحيانًا لا يكون أهم شخص في الصورة هو الشخص الموجود في مركزها.
قد يكون الرجل الواقف في الخلف.
أو الطفل الذي لم ينتبه إليه المصور.
أو العامل الذي ظهر للحظة ثم اختفى من كل الروايات اللاحقة.
وهنا أشعر أن مهمة الموثّق تشبه البحث عن الظل الذي تركه الحدث.
فالكتب الرسمية غالبًا ما تحفظ أسماء أصحاب المناصب.
لكن التاريخ الاجتماعي مليء بأشخاص لم تكن لهم مناصب أصلًا.
أشخاص فتحوا الأبواب.
وحملوا الأشياء.
وعلّموا الآخرين.
ونقلوا الأخبار.
وحفظوا الأسرار.
وشهدوا التحولات.
ثم رحلوا دون أن يكتب أحد أسماءهم.
وهؤلاء تحديدًا يهمونني.
لأن التاريخ الذي لا يكتب إلا المشاهير يصبح تاريخًا ناقصًا.
وعندما كتبت عن الحاج مدبولي، لم يكن ما جذبني فقط ما وصل إليه في نهاية حياته.
بل الطريق الطويل الذي سبقه.
الرجل الذي بدأ بائعًا متجولًا.
والشوارع.
والكتب.
والناس الذين مروا في حياته.
والتفاصيل الصغيرة التي تبدو عادية عندما تحدث، لكنها تصبح ثمينة عندما تمر السنوات.
وفي مشروع «دينق قوج» ازداد إيماني بأن الذاكرة لا تحفظ الشخص وحده.
إنها تحفظ شبكة كاملة من البشر والأماكن والأفكار.
وأن حذف تفصيل صغير قد يؤدي أحيانًا إلى فقدان جزء من معنى القصة كلها.
لهذا لا أستهين بالتفاصيل.
اسم عامل.
عنوان قديم.
تاريخ افتتاح.
صورة مهملة.
رسالة لم يعد أحد يعرف صاحبها.
مقعد كان يجلس عليه شخص كل يوم.
مكان تغير اسمه.
مهنة اختفت.
صوت لم يعد موجودًا.
كل هذه الأشياء قد تبدو صغيرة.
لكنها بالنسبة للموثّق ليست صغيرة.
لأن الذاكرة الكبرى تُبنى من التفاصيل الصغيرة.
وهنا أعود إلى الصمت.
فإذا اختفى شخص من الوثائق، لا يعني بالضرورة أنه لم يكن مهمًا.
وإذا لم تذكره الكتب، لا يعني أنه لم يكن موجودًا.
وأحيانًا تكون مهمتنا الأولى هي أن نكتشف:
من الذي لم تكتبه الوثيقة؟
ثم نسأل:
هل نستطيع أن نعيده إلى القصة؟
لكن علينا أن نفعل ذلك بحذر.
فلا يجوز أن نحول الظن إلى حقيقة.
ولا أن نملأ الفراغ باختراع.
إذا لم نعرف، نقول: لا نعرف.
وإذا كانت هناك رواية، نقول: رواية.
وإذا وجدنا قرائن، نذكرها باعتبارها قرائن.
فالصدق لا يعني أن نملأ كل الفراغات.
أحيانًا يكون الصدق هو أن نترك الفراغ في مكانه.
ونقول للقارئ:
هنا انتهت قدرتنا على الوصول.
وهذه ليست هزيمة للموثّق.
بل احترام للحقيقة.
لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث للتاريخ ليس أن تضيع منه بعض التفاصيل...
بل أن نعيد اختراع التفاصيل التي ضاعت، ثم نقدمها للأجيال باعتبارها حقيقة.
لذلك أصبحت أتعامل مع الصمت باعتباره سؤالًا.
ومع الغياب باعتباره أثرًا.
ومع التفاصيل الصغيرة باعتبارها مفاتيح.
فربما تكون القصة التي نبحث عنها منذ سنوات...
مختبئة في اسم لم يذكره أحد.
أو صورة لم يلتفت إليها أحد.
أو وثيقة صمتت طويلًا.
وكل ما نحتاجه أحيانًا هو أن نتعلم كيف نصغي إلى ما لا تقوله الوثائق.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه
- السودان الذي لم يُكتب (2) السوق الذي صنع المدينة.. حين لم يك ...
- لم يكن يبحث عن الشهرة... ولذلك كتبت عنه
- السودان الذي لم يُكتب (1) أم درمان التي صنعتها الحياة اليومي ...


المزيد.....




- كاتب إسرائيلي: حمير يقودون الإسرائيليين إلى الهلاك
- نيبينزيا: مكافحة الإرهاب يجب ألا تكون رهينة للصراع الجيوسياس ...
- روسيا.. حادث سير مروع يسفر عن مقتل 13 شخصا والسلطات تفتح تحق ...
- مصدر أمني عراقي: إغلاق منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران بشكل م ...
- ناسا تدرس تطوير تقنيات بناء قاعدة دائمة على القمر
- عامل محتمل جديد يهدد صحة القلب
- تكساس تدشن أولى رحلات اختبار التاكسي الطائر الكهربائي في الو ...
- تأجيل الجولة المقبلة من المحادثات الإسرائيلية-اللبنانية إلى ...
- فورين بوليسي: لماذا لا يزال هجوم 11 سبتمبر يحيرنا بعد 25 عام ...
- -أثناء تعاطيه المخدرات-.. لبنان يعتقل أحد أقرباء بشار الأسد ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة