أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من خارج المنصة حين غنّت النساء لأنفسهن، لا لأن الرجال كتبوا لهن















المزيد.....


السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من خارج المنصة حين غنّت النساء لأنفسهن، لا لأن الرجال كتبوا لهن


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 18:09
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كان هناك مكان لا تدخله الصحيفة بسهولة.
ولا تدخله الكاميرا.
ولا يصل إليه المذيع.
ولا يملك فيه الرجل الميكروفون.
مكان تتجمع فيه النساء في الأعراس والمناسبات، وتخرج الدلوكة، وتبدأ امرأة بالغناء، ثم ترد عليها الأخريات.
تغني الواحدة.
فتجيب الجماعة.
تضحك واحدة.
فتتحول الضحكة إلى مقطع.
تقول امرأة شيئًا عن الزواج.
فترد أخرى.
تلمّح إلى رجل.
تصف امرأة.
تمدح عروسًا.
تسخر من موقف.
تشتكي من زوج.
تتحدث عن الجمال.
عن الغيرة.
عن الفراق.
عن الحظ.
عن الحياة.
وفي تلك اللحظة، لم تكن المرأة السودانية مستمعة إلى أغنية كتبها رجل عنها.
كانت هي التي تكتب وتغني وتؤدي وتحفظ.
هنا يبدأ تاريخ آخر للسودان.
تاريخ لم تحفظه الكتب بالقدر نفسه.
تاريخ أغاني البنات.

أولًا: ليست كل أغاني النساء «أغاني بنات»

من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الكتابات عن الموسيقى السودانية أن تضع كل الغناء النسائي في سلة واحدة.
وهذا غير دقيق.
غناء المرأة السودانية أوسع بكثير.
هناك أغاني الدلوكة، وأغاني السيرة، والحماسة، والفخر، والشكر، والهجاء، والمناحة، ثم أنماط مثل التُّم تُم، إلى جانب أشكال أخرى تختلف باختلاف المناطق والمناسبات. وتوضح دراسة منشورة في مجلة الموسيقى العربية أن مسيرة غناء المرأة مرت بمراحل وأنماط متعددة، وأن الدلوكة والتُّم تُم كانتا جزءًا مهمًا من هذا التاريخ.
أما مصطلح «أغاني البنات» في الدراسات الأنثروبولوجية والموسيقية الحديثة، فيشير خصوصًا إلى نوع من الأغاني الشعبية التي تؤدى غالبًا في تجمعات النساء، وبخاصة في مناسبات مثل الأعراس واحتفالات التسمية وغيرها في وسط السودان والخرطوم الكبرى.
إذن، حين نقول «أغاني البنات» في هذه الحلقة، فنحن لا نقصد كل ما غنته المرأة السودانية.
نقصد ذلك الحيز الشعبي الذي ارتبط، في جانب مهم منه، بصوت النساء داخل مناسباتهن وفضاءاتهن الاجتماعية.

لماذا بقي هذا الغناء خارج التاريخ الرسمي؟

لأن التاريخ الرسمي يحب الأشياء التي لها اسم.
ومؤسسة.
وسجل.
ومؤلف معروف.
وتاريخ ميلاد.
وتاريخ وفاة.
لكن ماذا نفعل بأغنية لا يعرف أحد من كتبها؟
من أول من غناها؟
في أي بيت ولدت؟
هل كتبتها امرأة واحدة أم مجموعة نساء؟
هل كانت ارتجالًا في مناسبة؟
هل تغيرت كلماتها مع الزمن؟
من الذي نقلها إلى الحي الآخر؟
ومن الذي أعاد صياغتها؟
هنا تصبح مهمة المؤرخ أصعب.
وهذا أحد أسباب تهميش أغاني البنات.
فدراسة أكاديمية عن هذا النوع من الغناء تشير إلى أن عدم معرفة المؤلف في كثير من الحالات، وارتباط الأداء بمغنيات تعرضن لنظرة اجتماعية دونية، أسهما في عدم اعتباره فنًا جادًا في بعض البيئات.
أي أن المشكلة لم تكن في غياب الثقافة.
بل في غياب الاعتراف بها بوصفها ثقافة.

الحوش كان مسرحًا

قبل أن تصل أغاني البنات إلى التسجيلات والفرق الموسيقية، كان مكانها الطبيعي في كثير من الحالات هو فضاء اجتماعي نسائي.
البيت.
الحوش.
مناسبة الزواج.
احتفال التسمية.
الختان.
ليلة الفرح.
وتصف الدراسات أغاني البنات بأنها تؤدى عادة في تجمعات النساء، خصوصًا في الأعراس والمناسبات الاجتماعية.
وهنا علينا أن نعيد النظر في كلمة «الحوش».
فالحوش في العمارة السودانية لم يكن مجرد مساحة بين الغرف.
كان مؤسسة اجتماعية.
مكانًا للأكل.
والجلوس.
والعمل.
والاحتفال.
والعزاء.
والتعلم.
والتواصل.
وفي بعض المناسبات أصبح أيضًا مسرحًا نسائيًا.
تدخل المرأة إليه بوصفها مغنية.
وقد تصبح في تلك اللحظة شاعرة.
ومؤدية.
ومعلقة اجتماعية.
وقد تقول في الأغنية ما لا تستطيع قوله في الحديث المباشر.

الدلوكة: أكثر من آلة

عندما نسمع كلمة «دلوكة» قد نفكر في آلة إيقاعية فقط.
لكن في السياق السوداني كانت الدلوكة مرتبطة بفضاء اجتماعي كامل.
المغنية تضرب الدلوكة.
والنساء من حولها يصفقن.
ثم يرددن.
ثم يتحول الإيقاع إلى حركة جماعية.
وهكذا لا تكون المغنية وحدها هي صاحبة الصوت.
الجماعة شريكة في إنتاج الأغنية.
وهذا يفسر لماذا يصعب أحيانًا تحديد مؤلف بعض الأغنيات القديمة.
فالأغنية الشعبية ليست دائمًا نتاج مؤلف يجلس وحده ويكتب النص النهائي.
قد تبدأ بجملة.
ثم تتغير.
ثم يضيف إليها أحد.
ثم تحذف منها كلمة.
ثم تنتقل إلى مكان آخر.
ثم تصبح بعد سنوات أغنية «معروفة» لا يعرف أحد صاحبها الأول.
وهذا ليس نقصًا في الثقافة الشعبية.
إنه جزء من طبيعتها.

المرأة التي كانت تغني عن المرأة

في الأغنية التي يكتبها الرجل عن المرأة، تكون المرأة غالبًا موضوعًا.
هو يصفها.
يحبها.
يمدح جمالها.
يتغزل فيها.
يشتكي منها.
أو يجعلها رمزًا للحب والوطن.
أما في أغاني البنات، فالصورة مختلفة.
المرأة هي التي تتكلم.
قد تتحدث عن نفسها.
عن رغباتها.
عن مخاوفها.
عن علاقتها بالرجل.
عن الزواج.
عن جمالها.
عن جسمها.
عن منافستها لغيرها.
عن مكانتها.
عن الحماة.
عن الزوج.
عن الحبيب.
وهذه النقلة مهمة جدًا.
لأننا لا نعود أمام «صورة المرأة» التي صنعها الرجل.
بل أمام المرأة وهي تصنع صورة عن نفسها.
وقد تكون هذه الصورة جميلة.
وقد تكون قاسية.
وقد تكون متناقضة.
وقد تحمل تمكينًا، وقد تعيد إنتاج صور اجتماعية تقليدية.
وهذا تحديدًا ما وجدته دراسة متخصصة في أغاني البنات: النصوص يمكن أن تكشف علاقات النوع الاجتماعي، والهوية، وطموحات النساء ومشاعرهن، بل وقد تتحدى بعض الممارسات مثل الزواج القسري وتعدد الزوجات، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد إنتاج صور نمطية للمرأة والجسد.
إذن:
أغاني البنات ليست دائمًا نسوية.
لكنها تمنح النساء مساحة للتعبير.
وهذا وحده حدث اجتماعي مهم.

الحب كما تراه النساء

هناك شيء آخر ينبغي الانتباه إليه.
أغاني البنات لا تتحدث عن الحب بالطريقة نفسها التي تتحدث بها الحقيبة.
الحقيبة، في جانب كبير منها، ارتبطت بالشاعر الرجل، وبصورة الحبيبة والمرأة الجميلة والمرأة المرغوبة.
أما في الغناء النسائي الشعبي، فإن المرأة تستطيع أن تتحدث عن الرجل بوصفه موضوعًا للرغبة والتقييم والاختيار.
قد تمدحه.
وقد تسخر منه.
وقد تفضله على غيره.
وقد تشتكي منه.
وقد تضع شروطًا للزواج.
وقد تتحدث عن المال.
وقد تتحدث عن الشكل.
وقد تتهكم على العيوب.
هذه مساحة كلام مختلفة.
فالمرأة هنا ليست فقط من ينتظر أن يختارها الرجل.
يمكنها، ولو داخل الأغنية، أن تقول:
أنا أيضًا أختار.

لكن الأغنية لا تعني أن الواقع تغير

وهذه نقطة ضرورية.
لا ينبغي أن نقرأ أغاني البنات باعتبارها دليلًا على أن النساء كن يعشن بالضرورة حياة متحررة.
الأغنية مساحة رمزية.
وقد تقول المرأة في الأغنية ما لا تستطيع قوله في الحياة اليومية.
بل ربما تكون قوة الأغنية تحديدًا في أنها تسمح بهذا التعبير دون أن يتحول مباشرة إلى فعل.
يمكن للمرأة أن تسخر من الرجل في الأغنية، بينما تبقى علاقتها الواقعية به محكومة بعادات الأسرة والمجتمع.
يمكن أن ترفض الزواج في أغنية، بينما تكون عاجزة عن رفضه في الواقع.
يمكن أن تتحدث عن استقلالها، بينما تكون حياتها الاقتصادية مرتبطة بالأسرة.
وهكذا:
الأغنية ليست مرآة مطابقة للمجتمع.
إنها أيضًا مساحة للتخيل والتفاوض والتنفيس.
وهذا ما يجعلها أكثر إثارة للاهتمام.

«التُّم تُم».. حين خرج الإيقاع من البيت

في النصف الأول من ثلاثينيات القرن العشرين ظهرت أغاني التُّم تُم، وفق المصادر الموسيقية السودانية، وامتازت بلحن دائري وكلمات بسيطة، وانتشرت سريعًا. وتذكر المصادر أن هذا اللون لعب دورًا مهمًا في تطور الغناء النسائي السوداني.
وهنا بدأت مرحلة جديدة.
الإيقاع صار أكثر قدرة على الحركة.
الأغنية أكثر قابلية للترديد.
والجمهور أوسع.
ثم بدأ الغناء النسائي يتفاعل مع التطور الموسيقي العام في السودان.
وفي الخمسينيات والستينيات ظهرت أجيال جديدة من المغنيات، وتوسعت المشاركة النسائية في الفرق الموسيقية والتسجيلات، قبل أن تظهر لاحقًا فرق نسائية وغنائية أكثر تخصصًا.
أي أن المسألة لم تبقَ حبيسة الحوش.
المرأة بدأت تتحرك من فضاء اجتماعي مغلق إلى المجال الفني العام.

من «الغانية» إلى «الفنانة»

الكلمات نفسها تكشف تاريخًا اجتماعيًا.
«غانية».
«فنانة».
«مغنية».
هذه الكلمات ليست متطابقة اجتماعيًا.
فقد تعرضت المغنيات في بعض السياقات لنظرة اجتماعية سلبية، ووصفت بعض الدراسات ذلك بوصفه أحد أسباب التهميش الذي أصاب هذا اللون من الفن.
وهنا يظهر تناقض عجيب.
المجتمع يريد الأغنية.
يريد الدلوكة.
يريد الفرح.
يريد الرقص.
يريد المغنية في العرس.
لكنه قد يحتقر المرأة التي تقوم بذلك.
أي أن المجتمع كان أحيانًا يستهلك الفن ويحتقر منتجته.
وهذه ليست مشكلة تخص السودان وحده.
لكنها في الحالة السودانية تفسر جزءًا من أسباب ضعف التوثيق والاعتراف.

لماذا كانت المرأة تغني في الأعراس؟

لأن العرس ليس مجرد مناسبة عائلية.
إنه مسرح اجتماعي ضخم.
فيه تُعلن المكانة.
وتُعرض الملابس.
وتظهر العلاقات.
وتلتقي الأسر.
وتتفاوض الجماعات.
ويُحتفى بالعروس.
وتُقدم المرأة في المجتمع الجديد.
ولهذا كانت الأغنية جزءًا من طقوس الانتقال.
الدراسات التي تناولت أغاني البنات تربطها خصوصًا بمناسبات الزواج، وتوضح أن بعض هذه الأغاني يصاحب طقوس الرقص والعرض المرتبط بالعروس.
والأغنية هنا ليست زينة للمناسبة.
إنها جزء من طقس اجتماعي.
تقول للناس إن شيئًا تغير.
فتاة أصبحت عروسًا.
شاب أصبح زوجًا.
أسرتان أصبحتا عائلة واحدة.
ومجتمع الحي كله يشارك في الإعلان.

المرأة التي تحفظ المجتمع

هناك جانب آخر أكثر أهمية.
قبل التسجيلات، وقبل الإذاعة، كانت النساء أنفسهن أرشيفًا.
امرأة تحفظ أغنية.
تعلمها لابنتها.
فتتعلمها ابنة أخرى.
ثم تنتقل إلى حي آخر.
وقد تتغير كلمة.
لكن يبقى الإيقاع.
وتبقى الفكرة.
وتبقى المناسبة.
بهذه الطريقة حفظت النساء أجزاء من التاريخ الاجتماعي للسودان من دون ورق.
وهنا يجب أن نعيد تعريف معنى الأرشيف.
الأرشيف ليس فقط:
وثيقة حكومية.
كتابًا.
صحيفة.
محضر اجتماع.
صورة.
الأرشيف قد يكون:
امرأة تحفظ عشرين أغنية لا يعرف أحد متى كتبت.
وقد تكون تلك المرأة تحمل في ذاكرتها معلومات عن المجتمع لا نجدها في الوثائق الرسمية.

لكن الذاكرة الشفوية ليست معصومة

وهنا نعود إلى قاعدة هذه السلسلة:
لا ذاكرة بلا مصدر، ولا رواية بلا قرينة، ولا معلومة بلا إحالة.
الرواية الشفوية مهمة.
لكنها ليست دائمًا حقيقة تاريخية نهائية.
قد تنسى المرأة اسم الشاعر.
قد تختلط عليها السنوات.
قد تنسب أغنية إلى منطقة وهي جاءت إليها لاحقًا.
قد تتغير الكلمات.
وقد تتعدد الروايات حول أصل اللحن.
لذلك يجب أن نعامل الذاكرة الشعبية بوصفها شهادة.
ثم نقارنها.
بالأسطوانات القديمة.
بتسجيلات الإذاعة.
بالصحف.
بالمذكرات.
بالبحوث الموسيقية.
وبشهادات نساء أخريات.
وعندها فقط يمكن أن نقترب من التاريخ.

الإذاعة.. عندما أصبح صوت المرأة مسموعًا رسميًا

ثم جاءت النقلة الكبيرة.
إذاعة أم درمان.
مع بداية البث الإذاعي في الأربعينيات دخلت المرأة تدريجيًا إلى المجال الإذاعي والغنائي الرسمي، وظهرت أجيال من المغنيات اللائي سُجلت أعمالهن للإذاعة. وتتناول دراسة أكاديمية بجامعة السودان للتكنولوجيا هذا الانتقال تحديدًا، من خلال تسجيلات الإذاعة، وتوثق أجيالًا من المغنيات السودانيات من أم الحسن الشايقية وعائشة الفلاتية ومهلة العبادية وفاطمة الحاج ومنى الخير إلى البلابل وغيرهن.
وهنا حدث انقلاب.
الأغنية التي كانت تؤدى في مناسبة نسائية أصبحت قادرة على أن تدخل آلاف البيوت.
والمرأة التي كان يسمعها عشرات الأشخاص أصبح بإمكانها أن يسمعها جمهور واسع.
لكن ذلك لم يكن مجرد انتشار.
كان أيضًا اعترافًا مؤسسيًا.
فالإذاعة تقول ضمنيًا:
هذا صوت يستحق أن يُسجل.
وهذه أغنية تستحق أن تُحفظ.
وهذه امرأة تستحق أن يسمعها الجمهور.

عائشة الفلاتية.. عبور الحاجز

حين نتحدث عن انتقال المرأة السودانية إلى المجال الفني العام، تبرز عائشة الفلاتية باعتبارها واحدة من أهم الأسماء التي يجب دراستها.
ليس لأنها «أول امرأة» بالضرورة في كل معنى يمكن أن تحمله العبارة، فالتواريخ المبكرة تحتاج دائمًا إلى تدقيق.
بل لأنها تمثل مرحلة أصبح فيها صوت المرأة قادرًا على عبور الحدود بين:
البيت والاستوديو.
المناسبة والتسجيل.
المجتمع والمؤسسة.
المرأة والمجال العام.
وتظهر دراسة غناء المرأة السودانية من خلال تسجيلات الإذاعة عائشة الفلاتية ضمن سلسلة من المغنيات اللائي شكلن مراحل مهمة من تطور الأغنية السودانية الحديثة.
وهنا يجب ألا نختزل القصة في «امرأة نجحت رغم المجتمع».
القصة أكبر.
إنها قصة تحول اجتماعي جعل وجود المرأة في الفن ممكنًا بصورة متزايدة.

من الأغنية النسائية إلى الفرق النسائية

لم يتوقف التطور عند المغنية المنفردة.
ظهرت لاحقًا الفرق النسائية، والفرق الغنائية الكورالية، والمرأة التي تعزف الآلة الموسيقية، ثم المرأة الملحنة والمتخصصة أكاديميًا في الموسيقى. وتشير دراسة منشورة في مجلة الموسيقى العربية إلى أن هذه المراحل أسهمت في تكوين مدرسة فنية نسائية أكثر اتساعًا.
وهكذا يمكن أن نرى رحلة طويلة:
المرأة تغني في البيت.
ثم:
المرأة تغني في المناسبة.
ثم:
المرأة تسجل.
ثم:
المرأة تظهر في الإذاعة.
ثم:
المرأة تدخل الفرقة.
ثم:
المرأة تعزف.
ثم:
المرأة تلحن.
ثم:
المرأة تدرس الموسيقى أكاديميًا.
إنها ليست قصة موسيقى فقط.
إنها قصة اتساع المجال الاجتماعي للمرأة السودانية.

ومع ذلك.. بقيت الحدود

لم تختفِ القيود.
بل تغير شكلها.
الدراسة الإثنوغرافية لسعدية مالك، التي أجريت مع ثلاث مغنيات سودانيات، تركز تحديدًا على كيفية تفاوض المغنيات مع قضايا النوع الاجتماعي والإعلام والثقافة وموقعهن الاجتماعي.
أي أن دخول المرأة إلى المجال الفني لم يكن ببساطة «تحررًا».
كانت عليها أن تتفاوض باستمرار:
كيف تظهر؟
ماذا تغني؟
كيف تتحدث؟
كيف تقدم نفسها؟
كيف يتعامل الجمهور معها؟
كيف يتعامل الإعلام معها؟
وأين تنتهي الفنانة وتبدأ الصورة الاجتماعية للمرأة؟
هذه الأسئلة ظلت قائمة.

أغاني البنات والسياسة.. حين يصبح الفرح مقاومة

قد يبدو غريبًا أن نتحدث عن السياسة في أغنية تبدو في ظاهرها عن الحب والجمال.
لكن السياسة ليست دائمًا في الكلمات.
أحيانًا تكون في من يملك حق الكلام.
دراسة حديثة عن الموسيقى والمشهد الثقافي في السودان تشير إلى أن الأنماط التي تقودها النساء، مثل التُّم تُم وأغاني البنات، لم تكن بالضرورة سياسية في كلماتها، لكن وجود النساء في صناعة الموسيقى نفسها كان يحمل دلالة على مقاومة تقييد الوكالة الإبداعية للمرأة. كما أصبحت هذه الأغاني حاضرة في احتجاجات 2019، وأعيدت صياغة بعض الأغاني القديمة بكلمات سياسية مباشرة.
وهذه نقطة مذهلة.
قد تكون الأغنية:
«حبيبي مثل المانجو والتفاح».
لكن مجرد أن تتجمع النساء، وتغني امرأة، ويهتف الجميع، ويخرج الصوت من فضاء خاص إلى الشارع، يمكن أن يصبح فعلًا سياسيًا في سياق سلطوي.
السياسة ليست دائمًا ما تقوله الأغنية.
أحيانًا السياسة هي:
من الذي يغني؟

من العرس إلى الثورة

وهنا حدثت مفارقة تاريخية.
الأغنية التي ولدت في الفرح النسائي، والتي ظلت طويلًا بعيدة عن الاعتراف الرسمي، وجدت نفسها في لحظة من لحظات التاريخ السوداني داخل المجال العام.
في ثورة ديسمبر 2018–2019 ظهرت النساء المغنيات والموسيقيات بوصفهن فاعلات في المجال العام، وتناولت أبحاث إثنوغرافية هذا الحضور باعتباره جزءًا من إعادة تعريف الانتماء والمواطنة والمشاركة السياسية.
وكأن الصوت الذي كان يُسمع في الحوش أصبح فجأة مسموعًا في الشارع.
والمرأة التي كانت تغني للعروس أصبحت تغني للوطن.
والدلوكة التي كانت تصاحب الفرح أصبحت جزءًا من إيقاع احتجاج.
لم تتغير الأغنية وحدها.
تغير المكان الذي تُغنى فيه.

لكن لا نريد أن نعيد كتابة التاريخ من منظور الخرطوم وحدها

هذه ملاحظة أساسية.
أغاني البنات كما درستها بعض الأبحاث الأكاديمية ترتبط بصورة خاصة بوسط السودان والخرطوم الكبرى.
لكن السودان أوسع من ذلك.
في دارفور توجد تقاليد نسائية مختلفة، ومنها «الحكامات»، وهن نساء لعبن أدوارًا في الشعر والغناء والتعبير عن الشجاعة والصراع الاجتماعي، وهو تقليد مختلف عن «أغاني البنات» في وسط السودان. كما توجد أشكال غنائية نسائية متنوعة في مناطق السودان المختلفة.
إذن لا يجوز أن نجعل نموذج أم درمان والخرطوم معيارًا وحيدًا لصوت المرأة السودانية.
هناك نساء يغنين في الشرق.
والغرب.
والشمال.
والجنوب.
والوسط.
وبلهجات مختلفة.
وبوظائف اجتماعية مختلفة.
وهذا التنوع نفسه جزء من السودان الذي لم يُكتب.

المشكلة ليست أن النساء لم يغنين

المشكلة أن التاريخ لم يكن يسمعهن بالطريقة نفسها.
الرجل الشاعر له ديوان.
الرجل الفنان له سيرة.
الرجل المطرب له تسجيلات.
الرجل الموسيقار له مقابلات.
أما المرأة التي غنت في حوش قبل خمسين عامًا فقد لا يبقى منها سوى:
«كانت فلانة تغني أغنية جميلة في أعراسنا».
وهذه الجملة وحدها ليست كافية لكتابة التاريخ.
لكنها نقطة بداية.
نبحث عن ابنتها.
نسأل الجارات.
نفتش الصور.
نبحث عن تسجيل.
نبحث في أرشيف الإذاعة.
نقارن الكلمات.
نحدد المكان.
نحدد المناسبة.
ثم نعيد الصوت إلى التاريخ.

ماذا تخبرنا أغاني البنات عن المجتمع؟

تخبرنا أشياء كثيرة.
أن المرأة كانت تمتلك لغة خاصة بها.
أن النساء لم يكن مجرد جمهور.
أن الأعراس كانت مؤسسات اجتماعية.
أن الجسد كان موضوعًا للتفاوض الثقافي.
أن الزواج لم يكن علاقة فردية فقط، بل مؤسسة اجتماعية.
أن المرأة كانت تعرف كيف تمدح وتنتقد وتسخر.
أن الطبقة الاجتماعية تظهر في الأغنية.
أن الهجرة والتغير الحضري يدخلان إلى النص.
أن الموضة والجمال والمال كلها موضوعات اجتماعية.
وأن المرأة كانت تمتلك، داخل فضائها الخاص، مساحة لصناعة المعنى.
وهذا يجعل أغاني البنات مصدرًا مهمًا للمؤرخ الاجتماعي.

ولكن علينا ألا نقدسها

هناك خطأ آخر يمكن أن نقع فيه.
بعد عقود من التهميش، قد نميل إلى الاحتفاء بأغاني البنات باعتبارها «صوت المرأة الحرة» وننتهي إلى صورة رومانسية جديدة.
وهذا غير صحيح أيضًا.
بعض الأغاني قد تكسر الصمت.
وبعضها قد يكرر الصور النمطية.
بعضها قد ينتقد الزواج القسري.
وبعضها قد يرسخ قيمًا اجتماعية تقليدية.
بعضها قد يمنح المرأة مساحة للحديث عن جسدها.
وبعضها قد يجعل الجسد نفسه معيار القيمة.
الدراسة المتخصصة في السياسة الجندرية لأغاني البنات تصل إلى هذه النتيجة المزدوجة تحديدًا: تمكين من جهة، وإعادة إنتاج بعض صور عدم التمكين من جهة أخرى.
وهذا أكثر فائدة من تحويلها إلى أسطورة.

ما الذي لم يُكتب؟

لم تُكتب أسماء كثير من المغنيات الشعبيات.
لم تحفظ تواريخ ميلادهن.
لم تسجل قصصهن.
لم توثق طرق تعلمهن.
لم نعرف دائمًا من ألّف الأغنية.
ولا أين ظهرت أول مرة.
ولا كيف تغيرت كلماتها.
ولا كيف انتقلت من قرية إلى أخرى.
ولا كيف تعامل المجتمع مع صاحبتها.
وهنا تكمن قيمة هذا النوع من التاريخ.
لأن استعادة أغاني البنات ليست مجرد استعادة فن.
إنها استعادة أصوات نساء عشن التاريخ ولم يكتبنه بأقلامهن، فكتبنه بأصواتهن.

المرأة التي كانت تحمل أرشيفًا في ذاكرتها

ربما تكون هذه هي الصورة الأجمل في هذه الحكاية.
امرأة كبيرة في السن.
جلست في بيتها عشرات السنين.
لا كتاب لها.
لا ديوان.
لا تسجيل رسمي.
لكنها إذا بدأت الغناء، تذكرت أغنية من زمن بعيد.
تذكر المناسبة.
تذكر العروس.
تذكر النساء اللائي كن معها.
تتذكر الكلمات.
ثم تبدأ في الغناء.
وفجأة يعود جزء من السودان.
ليس السودان الذي في كتب السياسة.
بل السودان الذي عاش في البيوت.
في الأعراس.
في الأمهات.
في البنات.
في الضحك.
في الرقص.
في الحزن.
في الزواج.
في الانتظار.
ذلك هو السودان الذي لم يُكتب.

الخاتمة: حين امتلكت المرأة ميكروفونها

بدأت الحكاية في الحوش.
دلوكة.
تصفيق.
صوت امرأة.
مجموعة نساء.
ثم انتقلت الأغنية إلى الساحة.
ثم إلى التسجيل.
ثم إلى الإذاعة.
ثم إلى المسرح.
ثم إلى الفرق الموسيقية.
ثم إلى الشارع.
وفي كل انتقال كانت المرأة تكسب شيئًا.
لكنها كانت تواجه شيئًا آخر.
من الحوش إلى الميكروفون، لم تكن الرحلة سهلة.
ومن الميكروفون إلى المجال العام، لم تختفِ الأحكام الاجتماعية.
ومع ذلك، بقي الصوت.
صوت امرأة تقول ما تريد.
تغني ما تشعر به.
تصف الرجل.
تصف نفسها.
تمدح.
تسخر.
تفرح.
تحزن.
وأحيانًا تحتج.
لهذا لا ينبغي أن نقرأ «أغاني البنات» باعتبارها هامشًا من تاريخ الموسيقى السودانية.
إنها وثيقة عن المجتمع نفسه.
وثيقة غير مكتوبة.
شفوية.
متغيرة.
وأحيانًا مجهولة المؤلف.
لكنها تحمل شيئًا لا تستطيع الوثيقة الرسمية أن تحمله بسهولة:
صوت المرأة وهي تتحدث بلسانها.
وبعد أن استمعنا إلى الأغنية التي غناها الرجال، ثم إلى الأغنية التي غنتها النساء لأنفسهن، يبقى سؤال آخر:
ماذا يحدث عندما تصبح المرأة نفسها جزءًا من المشهد اليومي للمدينة، لا بوصفها مغنية، وإنما بوصفها عاملة وصاحبة مكان ومصدر رزق وفضاء اجتماعي؟
هناك، في الشارع، تحت الشمس، بجوار الفحم والدلوكة والشاي، ظهرت واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في الحياة السودانية الحديثة:
بائعة الشاي.
ومن هنا تبدأ الحلقة القادمة:
بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مقهى من الفحم
عن النساء اللائي حوّلن هامش الشارع إلى مكان للعمل والحديث والذاكرة.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليس كل ما هو قديم يستحق أن يُوثَّق
- السودان الذي لم يُكتب (12) أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة ...
- حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...
- الحقيقة لا تنتظر الباحث... بل تختبئ عنه


المزيد.....




- إثيوبيا تدخل عام 2019، ما حكاية السنة التي تبدأ في سبتمبر وت ...
- سيناريو ألماني: -البديل- مسؤول عن الاستخبارات المكلفة بمراقب ...
- وقفة تضامنية دعما للطفل السوري حمزة الصارم مع مضي 99 يوما عل ...
- قادة -بريكس- يتبنون بيانا ختاميا.. تحذير من المخاطر النووية ...
- فصائل عراقية تنفي استهداف منشآت سعودية وتعلن استعدادها للتحق ...
- العراق.. استهداف السعودية يطيح بقائد العمليات في ميسان
- رحلة هجرة غير شرعية تنتهي بكارثة قبالة سواحل مصر
- لقاء إيراني إماراتي رفيع المستوى على هامش قمة -بريكس-
- قائد الحرس الثوري: قدرات الجيش الإيراني تتجاوز تصورات العدو ...
- بدعم أكثر من 40 دولة.. سوريا ترفض انتهاك سيادتها وتدين دخول ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من خارج المنصة حين غنّت النساء لأنفسهن، لا لأن الرجال كتبوا لهن