أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (14) بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مقهى من الفحم عن النساء اللائي حوّلن هامش الشارع إلى مكان للعمل والحديث والذاكرة















المزيد.....


السودان الذي لم يُكتب (14) بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مقهى من الفحم عن النساء اللائي حوّلن هامش الشارع إلى مكان للعمل والحديث والذاكرة


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 00:34
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


في طرف الشارع، تحت ظل شجرة أو قطعة قماش مشدودة بين عمودين، تجلس امرأة.
أمامها:
موقد صغير (كانون).
إبريق (كفتيرة).
كاسات (كبايات).
صينية.
سكر.
وشاي.
قد يبدو المشهد عاديًا إلى درجة أننا لا نراه.
لكن إذا توقفت أمامه قليلًا، ستكتشف أن هذا المكان الصغير ليس مجرد نقطة لبيع الشاي.
إنه مكتب.
ومقهى.
ومحطة أخبار.
ومكان للقاء.
ومصدر رزق.
وأحيانًا ملجأ اجتماعي.
وربما كان، بالنسبة إلى امرأة فقدت بيتها أو زوجها أو عملها، أول مكان استطاعت أن تقول فيه:
«أنا أعمل.»
هذه المرأة التي اعتاد السودانيون أن يسموها ببساطة:
بائعة الشاي
تحمل وراء الإبريق قصة أكبر بكثير من الشاي.

من أين جاءت بائعة الشاي؟

من الصعب أن نحدد سنة واحدة نقول عندها:
«هنا بدأت ظاهرة بائعات الشاي في السودان».
وهذا بحد ذاته درس مهم.
فالعمل لم يولد بقرار حكومي، ولم تؤسسه شركة، ولم تترك لنا مؤسسة أرشيفًا لتاريخ تأسيسه.
إنه واحد من تلك الاقتصاديات التي تنشأ من أسفل.
امرأة تحتاج إلى دخل.
مدينة تتوسع.
وظائف قليلة.
حركة يومية كثيفة.
شاي رخيص وسهل التحضير.
وزبون يريد أن يجلس دقائق.
فتظهر الطاولة.
ثم الكرسي.
ثم الموقد.
ثم الإبريق.
ثم المكان.
ومع الوقت يتحول الأمر إلى ظاهرة حضرية.
وتشير دراسات عن «سيدات الشاي» في السودان إلى أن انتشار هذه المهنة ارتبط على نحو خاص بالنزوح والهجرة الداخلية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وبحث النساء عن مصادر مستقلة للدخل. كما أصبحت نقاط بيع الشاي أماكن للتجمع والتفاعل الاجتماعي، لا مجرد مواقع تجارية. ("ethnologia.uw.edu.pl" (https://ethnologia.uw.edu.pl/sites/default/files/ethnologia_polona/EP_40/EP40_tea_ladies_2019.pdf?utm_source=chatgpt.com))
إذن لم تبدأ الحكاية من الشاي.
بدأت من الحاجة إلى العيش.

الحرب التي دفعت النساء إلى الشارع

ارتبط توسع الظاهرة في دراسات اجتماعية بظروف الحرب والمجاعات والنزوح التي دفعت أعدادًا من النساء إلى المدن، وخاصة العاصمة، بحثًا عن سبل للعيش.
وهنا يصبح الشارع مكانًا مختلفًا.
امرأة كانت تملك بيتًا.
ثم فقدت البيت.
أو تركت القرية.
أو فقدت مصدر دخل الأسرة.
أو أصبحت مسؤولة عن أطفال.
فتصل إلى المدينة.
لكن المدينة لا تنتظرها بوظيفة.
فتبدأ بما تستطيع.
تحضر الشاي.
تبيع.
ثم تعيد شراء مستلزماتها.
وفي اليوم التالي تبدأ من جديد.
وهكذا يصبح الإبريق رأس مال.
هذه ليست استعارة أدبية فقط.
إنها وصف لاقتصاد شديد الصغر نشأ حول حاجة شديدة الكبر:
كيف تعيش المرأة؟

بائعة الشاي ليست «امرأة فقيرة» فقط

قد يكون هذا أول تصحيح للصورة الشائعة.
حين نرى بائعة الشاي، نميل إلى اختصارها في الفقر.
لكن هذا ظلم لها.
لأنها ليست فقط ضحية للظروف.
هي أيضًا صاحبة قرار.
اختارت نشاطًا اقتصاديًا تستطيع الدخول إليه برأس مال محدود.
اختارت مكانًا.
اشترت أدوات.
تعاملت مع الموردين.
حددت الأسعار.
تعرفت إلى زبائنها.
بنت شبكة من العلاقات.
وأدارت حساباتها.
وقد تستخدم أرباحها لإعالة أطفالها أو تعليمهم.
أي أنها ليست مجرد «مستهلكة للمساعدة».
إنها منتجة للدخل.
وهذه نقطة مركزية في قراءة الظاهرة.

الاقتصاد الذي لا يظهر في دفاتر الدولة

الاقتصاد الرسمي يحب الأرقام الكبيرة:
المصانع.
الشركات.
البنوك.
المزارع.
الموانئ.
المؤسسات.
لكن الاقتصاد الحقيقي للمدينة لا يتوقف عند هذه الأشياء.
هناك آلاف العمليات الصغيرة التي تحدث كل يوم:
امرأة تبيع الشاي.
رجل يصلح حذاء.
شاب يغسل السيارات.
امرأة تبيع الطعام.
عامل يحمل البضائع.
بائع متجول.
خياط.
حلاق.
إسكافي.
بائع صحف.
وهؤلاء يصنعون اقتصادًا لا يظهر دائمًا في الناتج المحلي أو في خطط التنمية بالصورة التي يستحقها.
بائعة الشاي واحدة من أكثر الشخصيات وضوحًا في هذا الاقتصاد غير الرسمي.

لماذا الشاي؟

السؤال يبدو بسيطًا.
لكن وراءه اقتصاد كامل.
الشاي لا يحتاج إلى معدات معقدة.
يمكن تحضيره بسرعة.
المواد الأولية متاحة نسبيًا.
سعر الكوب منخفض.
والطلب مستمر.
كما أن الشاي نفسه جزء شديد الرسوخ من الثقافة الاجتماعية السودانية.
فالناس لا يشربونه فقط من أجل الكافيين.
يشربونه أثناء الحديث.
وأثناء العمل.
وأثناء الانتظار.
وفي المناسبات.
وفي الأسواق.
وفي المكاتب.
وفي الورش.
وفي الشوارع.
لذلك فإن بائعة الشاي لم تختر منتجًا عشوائيًا.
لقد اختارت سلعة مرتبطة بعادة اجتماعية واسعة.

لكنها لم تَبِع الشاي فقط

هذه أهم نقطة في الحكاية.
لو كانت بائعة الشاي تبيع كوبًا فقط، لانتهت قصتها عند السعر.
لكن المكان الذي تنشئه حولها يبدأ في إنتاج شيء آخر:
الجلوس.
رجل يأتي.
يجلس.
آخر ينضم إليه.
حديث يبدأ.
خبر ينتقل.
شخص يسأل عن عمل.
آخر يتحدث عن مباراة.
ثالث يحكي عن السياسة.
رابع ينتظر شخصًا.
وهكذا يصبح موضع الشاي فضاءً اجتماعيًا مصغرًا.
وقد وصفت دراسة ماجستير عن «سيدات الشاي» في السودان نقاط الشاي بأنها أماكن للتفاعل الاجتماعي، ودرست كيفية استخدام النساء لهذا العمل للتفاوض حول أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية. ("ethnologia.uw.edu.pl" (https://ethnologia.uw.edu.pl/sites/default/files/ethnologia_polona/EP_40/EP40_tea_ladies_2019.pdf?utm_source=chatgpt.com))
إنها إذن مقهى.
لكن مقهى بلا جدران.

المقهى الذي لا يملك اسمًا

في الحلقة التاسعة كتبنا عن المقهى السوداني.
كان له باب.
وكراسٍ.
وطاولات.
واسم.
وأحيانًا لافتة.
أما بائعة الشاي فغالبًا لا تملك شيئًا من ذلك.
قد تكون تحت شجرة.
أمام متجر.
بجوار ورشة.
في سوق.
على رصيف.
أو في مساحة فارغة.
ومع ذلك، يستطيع مكانها أن يؤدي بعض الوظائف التي يؤديها المقهى.
الفرق أن صاحبته امرأة، وأن رأس مالها صغير، وأن المكان غالبًا مؤقت وقابل للإزالة.
وهنا تظهر المفارقة:
أفقر الأماكن قد تنتج أحيانًا أكثر أشكال المجال العام حيوية.

الشاي والحديث

في دراسة ماجستير عن سيدات الشاي، يظهر هذا المكان باعتباره فضاءً تتقاطع فيه العلاقات الرسمية وغير الرسمية، والاختلافات في النوع الاجتماعي والمكانة الاجتماعية. ("ethnologia.uw.edu.pl" (https://ethnologia.uw.edu.pl/sites/default/files/ethnologia_polona/EP_40/EP40_tea_ladies_2019.pdf?utm_source=chatgpt.com))
فالرجل الذي يجلس عند بائعة الشاي لا يأتي دائمًا لشرب الشاي.
قد يأتي لأنه يعرفها.
أو لأنه يعرف الزبائن.
أو لأن المكان قريب من عمله.
أو لأنه يريد الحديث.
أو لأنه يريد أن يعرف ما يحدث.
وهكذا تتكون شبكة صغيرة.
شبكة لا تحتاج إلى تطبيق.
ولا حساب.
ولا هاتف ذكي.
إنها شبكة مبنية على الحضور اليومي.

بائعة الشاي كمحطة أخبار

قبل أن تنتشر الهواتف الذكية، كان الخبر ينتقل بسرعة عبر الأسواق والمقاهي ومواقف المواصلات.
وبائعة الشاي موجودة في قلب هذه الحركة.
هي تسمع.
وترى.
وتعرف الوجوه.
وتتعرف إلى الزبائن المتكررين.
وتعرف من يأتي ومن غاب.
ومن هنا قد تصبح نقطة الشاي مكانًا لانتقال الأخبار والشائعات والمعلومات.
لكن علينا أن نكون دقيقين.
الخبر الذي ينتقل في الشارع ليس بالضرورة حقيقة.
ولهذا، في منهج هذه السلسلة، نفرق بين:
المعلومة.
والخبر.
والشائعة.
والشهادة.
والذاكرة.
بائعة الشاي قد تكون شاهدة ممتازة على الحياة اليومية.
لكنها ليست بالضرورة مصدرًا نهائيًا لصحة كل ما تسمعه.

النساء اللائي صنعن «شبكة»

هناك جانب آخر أكثر أهمية.
النساء أنفسهن بدأن في بناء شبكات.
امرأة تعرف امرأة أخرى.
تساعدها في معرفة المكان.
تخبرها عن المورد.
تدعمها إذا مرضت.
تستعير منها أدوات.
تشاركها المعلومات.
وتتعلم منها.
وهكذا يتحول النشاط الفردي إلى اقتصاد نسائي شبكي.
وهذا مهم في المجتمعات التي يصعب فيها على المرأة الوصول إلى رأس المال أو سوق العمل الرسمي.
فالشبكة الاجتماعية نفسها تصبح نوعًا من رأس المال.

الشارع الذي أعطى المرأة استقلالًا.. وسلبها الأمان

لكن الصورة ليست وردية.
العمل في الشارع يعني التعرض للشمس.
والحرارة.
والمطر.
والتحرش.
والسرقة.
والإخلاء.
والمضايقات.
وعدم الاستقرار.
وفي بعض الحالات عدم امتلاك تصريح رسمي أو حماية قانونية واضحة.
وقد تعرضت بائعات الشاي في السودان مرارًا لحملات تنظيمية وإزالة من بعض الأماكن العامة، ما يعكس التوتر بين الاقتصاد غير الرسمي ومحاولات السلطات تنظيم المجال الحضري.
وهنا تظهر إحدى المفارقات:
المرأة التي خرجت إلى الشارع بحثًا عن الاستقلال الاقتصادي أصبحت تعتمد في بقائها على مساحة قد لا تعترف بها المدينة رسميًا.

عندما يصبح الفقر «مخالفة»

هذه جملة قاسية.
لكنها تستحق التأمل.
حين لا توفر المدينة وظيفة للمرأة، قد تذهب إلى الرصيف.
وحين تعمل في الرصيف، قد تعتبرها السلطة تشوهًا للمشهد.
فتطردها.
فتعود في اليوم التالي إلى مكان آخر.
ثم تبدأ الدورة من جديد.
وهنا لا يعود السؤال:
«لماذا تبيع الشاي؟»
بل:
«لماذا لا توجد مساحات اقتصادية آمنة ومشروعة تسمح لها بالعمل؟»
هذه ليست مشكلة بائعة الشاي.
إنها مشكلة المدينة.

بائعة الشاي والطبقة

من الأشياء التي تكشفها الظاهرة أيضًا علاقة الطبقات الاجتماعية ببعضها.
قد يجلس الموظف.
والعامل.
والطالب.
والسائق.
ورجل الأعمال.
والصحفي.
والشرطي.
في المكان نفسه.
لكنهم لا يدخلون إليه بالضرورة من الموقع الاجتماعي نفسه.
فالمرأة صاحبة المكان تنظر إلى الجميع من موقع مختلف.
هي صاحبة الخدمة.
وهم زبائن.
وفي دقائق قليلة تنشأ علاقة اجتماعية عابرة للطبقات.
لكنها ليست مساواة كاملة.
فالمال هو الذي يحدد العلاقة في النهاية.
ومع ذلك، فإن هذه اللقاءات اليومية تصنع شيئًا مهمًا:
تسمح للناس المختلفين بأن يتجاوروا.


لماذا أصبحت بائعة الشاي شخصية سودانية؟

لأنها دخلت الصورة العامة.
أصبحت في الصحافة.
وفي الدراسات.
وفي الأدب.
وفي الحديث اليومي.
وفي الصور.
وفي الذاكرة.
وصارت «ست الشاي» شخصية معروفة إلى درجة أن كثيرًا من السودانيين يتعاملون معها كجزء طبيعي من المشهد الحضري.
لكن هذا الاعتياد نفسه خطر.
لأننا حين نعتاد الشيء نتوقف عن السؤال عنه.
نرى المرأة.
نطلب الشاي.
نشرب.
نغادر.
ولا نسأل:
من هي؟
من أين جاءت؟
ماذا حدث لها؟
من تعيل؟
كم ساعة تعمل؟
أين تنام؟
هل لديها تأمين؟
هل تستطيع تعليم أطفالها؟
هل تملك المكان؟
كم تربح؟
كم تدفع؟
ما المخاطر التي تواجهها؟
هذه الأسئلة تحول الشخصية من صورة فولكلورية إلى إنسان.

بائعة الشاي والنازحة

من أهم ما كشفته الدراسات الاجتماعية أن ظاهرة سيدات الشاي ارتبطت في بعض السياقات بالنزوح والهجرة، وأن العمل وفر للنساء النازحات والمهاجرات إلى المدن وسيلة للبقاء الاقتصادي وبناء شبكات اجتماعية جديدة. ("ethnologia.uw.edu.pl" (https://ethnologia.uw.edu.pl/sites/default/files/ethnologia_polona/EP_40/EP40_tea_ladies_2019.pdf?utm_source=chatgpt.com))
وهنا تصبح بائعة الشاي جزءًا من قصة أكبر:
قصة النزوح السوداني.
الحرب لا تنتهي عندما تصل المرأة إلى المدينة.
هي تحمل الحرب معها.
تحمل فقدان الأرض.
وفقدان البيت.
والفقر.
وتفكك الأسرة.
والقلق.
ثم تبدأ العمل.
ولهذا قد يكون كوب الشاي الذي نشتريه من امرأة في شارع الخرطوم جزءًا من اقتصاد النجاة الذي صنعته الحرب.

لكن لا نحولها إلى ضحية

مرة أخرى.
ليس كل بائعات الشاي نازحات.
وليست كل واحدة منهن فقيرة بالدرجة نفسها.
ولا يجب اختزالهن في الحرب.
بعضهن اخترن العمل لأنه مرن.
بعضهن يعملن لإعالة الأسرة.
بعضهن دخلنه بسبب البطالة.
بعضهن ورثنه أو تعلمنه من أخريات.
وبعضهن قد يكون لديهن عمل آخر.
ولهذا فإن التاريخ الاجتماعي الجيد لا يبحث عن قصة واحدة تفسر الجميع.
بل يبحث عن تعدد القصص.

ماذا يحدث عندما تكبر نقطة الشاي؟

أحيانًا تبدأ المرأة بطاولة صغيرة.
ثم يزداد الزبائن.
فتضيف كرسيًا.
ثم كرسيًا آخر.
ثم مشروبات أخرى.
ثم الطعام.
ثم مظلة.
ثم تعرفها المنطقة.
ثم يصبح لها زبائن دائمون.
هنا يحدث شيء مثير:
المكان المؤقت يصبح مؤسسة.
ليس مؤسسة مسجلة.
لكن مؤسسة اجتماعية.
الناس يعرفونها.
ينتظرونها.
ويعرفون صاحبتها.
وقد يقول أحدهم:
«نتلاقى عند ست الشاي».
أي أن المكان أصبح نقطة على الخريطة الاجتماعية للمدينة.

بائعة الشاي والمرأة التي تصنع المدينة

كتبنا في الحلقة السادسة عن بورتسودان باعتبارها مدينة صنعها الميناء.
وفي الحلقة التاسعة عن المقهى الذي صنع المجال العام.
وفي هذه الحلقة نرى شيئًا آخر:
المدينة تُصنع أيضًا من طاولة صغيرة على الرصيف.
ليس فقط من المباني.
ولا من الكباري.
ولا من الوزارات.
ولا من الفنادق.
المدينة تُصنع من الناس الذين يملؤونها.
من الذين يبيعون.
ويشترون.
ويجلسون.
ويتحدثون.
ويعملون.
ويتعارفون.
ومن هؤلاء بائعة الشاي.

حين تصبح المرأة صاحبة المكان

قد تكون هذه أهم لحظة في الحكاية.
الرجل الذي يمر على المكان قد لا يفكر كثيرًا.
لكنه، من دون أن ينتبه، يدخل إلى مساحة تديرها امرأة.
هي التي تحدد:
مكان الجلوس.
السعر.
وقت العمل.
طريقة الخدمة.
من يحصل على الشاي أولًا.
وأحيانًا من يستطيع الجلوس ومن لا يستطيع.
أي أن المرأة التي ينظر إليها المجتمع أحيانًا باعتبارها «عاملة هامشية» أصبحت عمليًا مديرة مساحة اجتماعية صغيرة.
وهذه صورة مختلفة تمامًا.

الشاي كاقتصاد للعلاقات

في السودان، كما في مجتمعات كثيرة، لا تُقاس قيمة المقهى بالمشروب فقط.
القيمة في العلاقة.
«تعال نشرب شاي.»
قد تعني:
تعال نتحدث.
تعال نحل المشكلة.
تعال ننتظر.
تعال نتصالح.
تعال نسمع الخبر.
تعال نقتل الوقت.
تعال نجلس.
وبائعة الشاي تقف في مركز هذه العلاقات.
هي لا تنتج الشاي فقط.
إنها تساعد على إنتاج اللقاء.

وماذا عن الرجال؟

لا يمكن أن نكتب عن بائعات الشاي من دون أن نكتب عن زبائنهن.
لأن الظاهرة تكشف أيضًا تغيرًا في العلاقة بين الرجل والمرأة في الفضاء العام.
الرجل يأتي إلى امرأة غريبة عنه.
يطلب منها خدمة.
يدفع.
يتحدث.
وقد يصبح زبونًا دائمًا.
هذه العلاقة، وإن كانت تجارية، تخلق نوعًا من الاحتكاك الاجتماعي بين الجنسين خارج الأطر التقليدية.
لكنها أيضًا قد تفتح بابًا للمضايقة والاستغلال.
وهنا تتداخل:
الاقتصاد والجندر والشارع.

لماذا يجب أن نكتب تاريخ بائعات الشاي؟

لأنهن شاهدات على تحولات السودان أكثر مما نتصور.
شهدن تغير الأسواق.
ارتفاع الأسعار.
الحروب.
الهجرة.
الاحتجاجات.
تغير المواصلات.
ظهور الهواتف.
اختفاء بعض المهن.
تغير الأحياء.
قد تعرف بائعة الشاي في شارع واحد عشرات الوجوه أكثر مما يعرفها موظف في مكتب مغلق.
وقد تحفظ تغير المكان خلال عشر سنوات.
من كان هنا؟
من رحل؟
متى فتح المتجر؟
متى أُغلق؟
متى جاء الحي الجديد؟
متى بدأت الأزمة؟
متى تغير سعر السكر؟
متى قلّ الزبائن؟
هذه كلها تاريخ يومي.

بائعة الشاي باعتبارها «مؤرخة غير رسمية»

ليست مؤرخة بالمعنى الأكاديمي.
لكنها قد تكون شاهدة على الزمن.
وإذا قابلنا عشر بائعات شاي في عشر مناطق مختلفة، ثم قارنا رواياتهن بالصحف والوثائق والدراسات، يمكن أن نحصل على صورة غنية جدًا عن المدينة.
وهذا هو معنى التاريخ من أسفل.
أن نخرج من المكاتب.
ونذهب إلى الشارع.
ونستمع إلى الناس الذين لا تظهر أسماؤهم في الوثائق.

لكن السودان الذي لم يُكتب يحتاج إلى أكثر من مقابلة

لو أردنا توثيق بائعات الشاي فعلًا، فلا يكفي أن نسأل:
«كيف بدأت؟»
بل نحتاج إلى استمارة كاملة:
الاسم.
العمر.
مكان الميلاد.
مكان الإقامة.
متى بدأت العمل؟
لماذا؟
من أين جاءت الأدوات؟
كم كان رأس المال؟
أين تبيع؟
كم ساعة تعمل؟
من هم الزبائن؟
هل تعرضت للمضايقة؟
هل لديها تصريح؟
كيف تغيرت الأسعار؟
ماذا تفعل بالدخل؟
هل يعمل معها أحد؟
هل علمت امرأة أخرى المهنة؟
هل تغيرت حياتها بعد العمل؟
ما الذي تتذكره عن المنطقة؟
ثم نربط شهادتها بمصادر أخرى.
هكذا يتحول «الشاي» إلى بحث اجتماعي.

كوب الشاي الذي يخفي اقتصادًا كاملًا

في النهاية، نحن لا نتحدث عن مشروب.
نتحدث عن:
النزوح.
والفقر.
والعمل.
والمرأة.
والمدينة.
والاقتصاد غير الرسمي.
والجندر.
والشارع.
والعلاقات الاجتماعية.
والذاكرة.
كل ذلك يمكن أن يبدأ من إبريق صغير.
وهذا ما يجعل «السودان الذي لم يُكتب» مختلفًا عن كتاب تاريخ تقليدي.
نحن لا نبحث فقط عن الأحداث الكبيرة.
بل عن الأشياء التي كانت موجودة أمام أعيننا ولم نسأل عنها.

الخاتمة: امرأة أمام إبريق

كل صباح، قد تجلس امرأة في مكانها.
تضع الفحم.
تشعل النار.
تغلي الماء.
تضع الشاي.
تنتظر أول زبون.
ثم يأتي الثاني.
ثم الثالث.
ويمر النهار.
وفي نهاية اليوم تجمع أغراضها.
تطفئ النار.
وتعود إلى بيتها.
غدًا ستكرر الشيء نفسه.
بعد شهر.
بعد سنة.
بعد سنوات.
قد يتغير الشارع.
قد يأتي محل جديد.
قد يختفي محل قديم.
قد ترتفع الأسعار.
قد تتغير الحكومة.
قد تبدأ حرب.
قد تنتهي حرب.
وقد تظل هي هناك.
بإبريقها.
وموقدها.
وكراسيها.
تبيع الشاي.
لكنها في الحقيقة تفعل شيئًا آخر.
إنها تبيع للمدينة فرصة كي تجلس.
وهذه الجملة ربما تختصر كل الحكاية.
فالمقهى الذي كتبنا عنه سابقًا كان له جدران.
أما هذا المقهى فله سماء.
والمرأة التي تديره لم تحمل شهادة في إدارة الأعمال.
لكنها أدارت اقتصادًا صغيرًا.
وبنت شبكة زبائن.
وحفظت أخبارًا.
وعرفت الناس.
وعاشت تحولات المدينة.
ولهذا فإن بائعة الشاي ليست تفصيلًا في المشهد السوداني.
إنها واحدة من الشخصيات التي يمكن من خلالها أن نقرأ السودان الاجتماعي من أسفل.
لكن خلف بائعة الشاي قصة أخرى أكثر قسوة.
ففي الوقت الذي كانت فيه هذه المرأة تحاول أن تجد لنفسها مكانًا في المدينة، كان هناك رجال ونساء يعملون في أطراف أخرى من الاقتصاد السوداني، يعيشون بالقرب من المشاريع الزراعية الكبرى، ويعملون في الحقول، لكنهم لا يعيشون بالضرورة داخل القرى التي أنتجت تلك الثروة.
مساكن من الصفيح والقش.
عمال موسميون.
مهاجرون.
أسر كاملة.
وأحياء نشأت خلف المشاريع الزراعية.
مكان يحمل اسمًا أصبح جزءًا من مفردات السودان الحديث:
الكنابي
السودان الذي عاش خلف الحقول.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية
- السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من ...
- ليس كل ما هو قديم يستحق أن يُوثَّق
- السودان الذي لم يُكتب (12) أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة ...
- حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...


المزيد.....




- مسؤول إيراني: اجتماع عُمان تأجل بعد طلب من بعض دول المنطقة
- عبد الحميد سلات: أسعار المحروقات في سوريا تخضع للمراجعة تبعا ...
- ترامب يكشف هوية المتحدث المؤقت باسم البيت الأبيض
- ترامب لزيلينسكي: أوقف استهداف وقود روسيا
- الخارجية الروسية تفضح هدف بروكسل من السعي للظفر بمقعد على طا ...
- قشم وهرمز.. دلالات الاستهداف الأمريكي للسفن والموانئ الإيران ...
- الذكاء الاصطناعي.. سباق عالمي يتسارع وسط مخاوف من مخاطره الم ...
- ماذا تريد إيران من بريكس في ظل العقوبات؟
- اتصالات قطرية لبحث سبل خفض التصعيد وتعزيز الأمن الإقليمي
- ترامب: من المبكر جدا دعم ترشيح فانس للرئاسة في 2028


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - السودان الذي لم يُكتب (14) بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مقهى من الفحم عن النساء اللائي حوّلن هامش الشارع إلى مكان للعمل والحديث والذاكرة