أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية














المزيد.....

حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 17:45
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كنت أظن في بدايات اهتمامي بالتوثيق أن الشخص هو مركز القصة.
ثم اكتشفت أنني كنت أنظر إلى نصف الصورة فقط.
فأحيانًا لا تستطيع أن تفهم الإنسان من دون أن تفهم المكان الذي صنع جزءًا من حياته.
البيت.
الشارع.
السوق.
المقهى.
المدرسة.
الميناء.
المكتب.
الحارة.
كل مكان عشنا فيه يترك شيئًا منا، وكل شخصية تاريخية تقريبًا لها أماكن لو اختفت، اختفى معها جزء من سيرتها.
لهذا أصبحت أتعامل مع المكان باعتباره وثيقة.
ليس مجرد خلفية للصورة.
وليس مجرد عنوان نضعه في بداية الفصل.
المكان نفسه يمكن أن يروي.
قد تدخل بيتًا قديمًا، فتجد على الجدار صورة.
وتحت الصورة اسم.
وبجوار الاسم تاريخ.
وفجأة تفتح أمامك نافذة على حياة كاملة.
وقد تمشي في شارع تغير اسمه ثلاث مرات، فتكتشف أن أهل المنطقة ما زالوا يستخدمون الاسم القديم.
هنا يصبح الاسم أكثر من مجرد كلمة.
إنه ذاكرة.
وقد تزور سوقًا كان يومًا مركزًا تجاريًا مهمًا، فلا تجد إلا بقايا المحلات.
لكن رجلًا مسنًا يجلس في الزاوية يستطيع أن يخبرك:
من كان يبيع هنا؟
من كان يأتي؟
كيف كانت الأسعار؟
متى كان السوق يبدأ؟
وأين كان يجلس التجار؟
وما الذي تغير؟
هذه التفاصيل قد لا تجدها في أي كتاب.
لكنها جزء من التاريخ.
وفي مشروعاتي التوثيقية، بدأت أكتشف أن السؤال عن «أين؟» قد يكون أحيانًا بنفس أهمية السؤال عن «متى؟».
أين عاش؟
أين بدأ؟
أين كان يعمل؟
أين التقى بالآخرين؟
أين حدثت اللحظة التي غيرت حياته؟
وأين اختفى المكان الذي كان جزءًا من قصته؟
فالمكان يمنح الأحداث جسدًا.
حين نقول إن رجلًا بدأ حياته بائعًا متجولًا، فالجملة وحدها لا تكفي.
لكن عندما نعرف الشوارع التي كان يمشي فيها، والناس الذين كان يلتقي بهم، والأماكن التي كان يقف عندها، والأجواء التي كانت تحيط بعمله، تبدأ الصورة في الاقتراب منا.
وهذا ما حاولت أن أفعله في «ذكريات بائع متجول.. قصة حياة الحاج مدبولي».
لم أكن أريد أن يكون القارئ أمام رجل فقط.
كنت أريده أن يرى المدينة التي تحرك فيها الرجل.
لأن الإنسان لا يعيش في فراغ.
السيرة التي لا تعرف مكانها، تفقد جزءًا من روحها.
ولهذا أعتقد أن الموثّق يجب ألا يكتفي بزيارة الأرشيف.
عليه أحيانًا أن يذهب إلى المكان.
أن يمشي فيه.
أن يسأل سكانه.
أن يقارن صورته القديمة بصورته الحالية.
أن يبحث عن المبنى الذي لم يعد موجودًا.
عن الباب الذي تغير.
عن اللافتة التي اختفت.
عن الطريق الذي أصبح شارعًا آخر.
عن المكان الذي كان معروفًا للجميع، ثم أصبح مجهولًا للأجيال الجديدة.
وأحيانًا يكون المكان نفسه قد اختفى تمامًا.
وهنا تبدأ مهمة أخرى:
كيف نوثق مكانًا لم يعد موجودًا؟
بالصور.
بالخرائط.
بالوثائق.
بشهادات السكان.
بالصحف القديمة.
وبذاكرة الذين عاشوا فيه.
وهنا يتحول المكان من جغرافيا إلى ذاكرة.
ربما لهذا أصبحت مهتمًا كثيرًا بتوثيق الأماكن التي لا تبدو للناس جديرة بالكتابة.
لأن المكان المشهور لديه من يتحدث عنه.
أما المكان المنسي، فقد لا يبقى منه بعد سنوات سوى اسم في ذاكرة رجل عجوز.
وإذا رحل الرجل...
قد يرحل الاسم معه.
وهذا ما يجعلني أرى أن التوثيق ليس فقط إنقاذًا لسِيَر البشر.
إنه أيضًا إنقاذ للأمكنة من النسيان.
فكم من شارع لا نعرف لماذا سُمّي بهذا الاسم؟
وكم من مبنى مررنا بجواره آلاف المرات دون أن نسأل ماذا حدث داخله؟
وكم من سوق اختفى دون أن نكتب كيف كان؟
وكم من مدرسة خرج منها أشخاص غيروا مجتمعهم، ثم لم يعد أحد يتذكر حتى أول مدير لها؟
هذه ليست تفاصيل هامشية.
هذه هي المادة التي يتكون منها التاريخ الحقيقي.
فالتاريخ لا يحدث في الهواء.
إنه يحدث في أماكن.
والأمكنة تحفظ آثار الذين مروا بها.
لكنها لا تتحدث إلى الأبد.
تحتاج إلى من يسألها.
ولهذا، عندما أذهب إلى مكان قديم، لا أسأل فقط: ماذا بقي منه؟
أسأل أيضًا:
ماذا حدث هنا؟
ومن كان هنا؟
ومن اختفى؟
وما الذي ستفقده ذاكرتنا إذا اختفى هذا المكان تمامًا؟
فربما يكون المكان الذي نمر بجواره كل يوم...
يحمل قصة لو عرفناها،
لن ننظر إليه بالطريقة نفسها مرة أخرى.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من ...
- ليس كل ما هو قديم يستحق أن يُوثَّق
- السودان الذي لم يُكتب (12) أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة ...
- حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له
- السودان الذي لم يُكتب (7) الصحيفة التي كانت تصنع شارعًا.. حي ...
- حين تصبح الشخصية جزءًا من حياتك
- السودان الذي لم يُكتب (6) بورتسودان.. المدينة التي وُلدت من ...
- الكتاب الذي لا يُكتب على عجل
- السودان الذي لم يُكتب (5) مشروع الجزيرة.. حين دخلت المياه إل ...
- حين تكتب عن إنسان... فأنت تكتب عن زمن كامل
- السودان الذي لم يُكتب (4) وادي حلفا.. المدينة التي غمرها الن ...
- السودان الذي لم يُكتب (3) عطبرة.. حين صنعت السكة الحديد مدين ...


المزيد.....




- ترامب: من المبكر جدا دعم ترشيح فانس للرئاسة في 2028
- رسائل مصرية مباشرة لإيران بشأن الخليج والملاحة البحرية.. ماذ ...
- متحدث باسم الجيش المصري: لسنا بمنأى عما يحدث حولنا من حروب
- اتصالات خليجية مكثفة بعد تأجيل اجتماع صلالة بشأن مضيق هرمز
- ترامب يتعهد بدراسة الكشف عن وثائق سرية مرتبطة بهجمات 11 سبتم ...
- إيران: تأجيل اجتماع صلالة جاء بناء على طلب بعض دول المنطقة و ...
- تمرد برلماني على جدول الأعمال.. 63 نائبا يعلنون مقاطعة جلسة ...
- واشنطن تعلن استعدادها لتزويد إيران بالوقود النووي
- كوشنر يشن هجوما جديدا على إسرائيل.. ما علاقة قطر؟
- معارك باليمن وقصف على السعودية


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أحمد موسى قريعي - حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية