أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب وصحفي وباحث في الذاكرة العربية وأخلاقيات الصحافة
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 14:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد الحرب التي تخوضها جماعة الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية مجرد امتداد للصراع اليمني الذي اندلع قبل أكثر من عقد، ولا مجرد تبادل للصواريخ والطائرات المسيّرة بين طرفين يعرف كل منهما قدرات الآخر وحدود قوته العسكرية. فما يجري اليوم هو انتقال خطير في طبيعة المواجهة، بعد أن أصبحت المطارات والمنشآت النفطية والممرات البحرية جزءًا من ساحة الحرب، وأصبح المدنيون يدفعون ثمن صراع تتداخل فيه حسابات الداخل اليمني مع مصالح القوى الإقليمية والدولية.
فالهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما أعقبها من ضربات طالت منشآت اقتصادية سعودية، تطرح سؤالًا يتجاوز القدرة العسكرية للحوثيين: ماذا تريد الجماعة من حرب تدرك أنها لا تستطيع من خلالها احتلال السعودية أو إسقاط نظامها السياسي، لكنها تستطيع أن تفرض عليها خسائر أمنية واقتصادية متكررة؟
والسؤال المقابل لا يقل أهمية: هل تستطيع المملكة العربية السعودية إنهاء التهديد الحوثي بالقوة العسكرية، بعد تجربة طويلة أثبتت أن التفوق في الطيران والتسليح لا يعني بالضرورة القدرة على حسم الحروب غير المتكافئة؟
من صنعاء إلى الرياض.. كيف تغيرت طبيعة الحرب؟
عندما سيطرت جماعة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر سنة 2014م، دخل اليمن مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري، انتهت بتدخل التحالف الذي قادته السعودية في مارس سنة 2015م دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
كانت الرياض تنظر إلى تمدد الجماعة المسلحة على حدودها الجنوبية باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، خاصة في ظل العلاقة السياسية والعسكرية بين الحوثيين وإيران.
أما الحوثيون فقد قدموا تدخل التحالف باعتباره حربًا خارجية على اليمن، واتخذوا منه مبررًا لتوسيع المواجهة العسكرية إلى الأراضي السعودية.
وبمرور السنوات تغيرت موازين الحرب دون أن يتمكن أي طرف من تحقيق انتصار نهائي. احتفظ الحوثيون بصنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، بينما ظلت الحكومة المعترف بها دوليًا والقوى المتحالفة معها تسيطر على مناطق أخرى.
ثم جاءت هدنة سنة 2022م لتفتح بابًا لتراجع العمليات العسكرية الكبرى، وإن لم تنجح في إنتاج تسوية سياسية شاملة تنهي أسباب الحرب.
لكن التصعيد الذي شهده سبتمبر وأكتوبر سنة 2026م أعاد المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، بعد اتساع الهجمات الحوثية على السعودية، وعودة العمليات العسكرية المكثفة داخل اليمن.
لماذا تستهدف الجماعة المطارات والنفط؟
لا يحتاج المرء إلى معرفة الأسرار العسكرية للحوثيين حتى يدرك أن استهداف المطارات والمنشآت النفطية ليس اختيارًا عشوائيًا.
فالمطار ليس مجرد مدرج تهبط عليه الطائرات وتغادره، وإنما هو مرفق اقتصادي وخدمي تتصل به حركة المسافرين والتجارة والسياحة والاستثمار، وتعطيله لساعات أو أيام يترك آثارًا تتجاوز حدود المكان الذي تعرض للهجوم.
أما المنشآت النفطية فهي من أهم مرتكزات الاقتصاد السعودي، ومن ثم فإن استهدافها يحمل رسالة اقتصادية وسياسية إلى جانب الرسالة العسكرية.
في العاشر من أكتوبر الجاري تعرض مطار الملك خالد الدولي بالرياض لهجوم أسفر، بحسب البيانات التي نقلتها وسائل الإعلام، عن مقتل 12 شخصًا وإصابة أكثر من 300 آخرين. ولم تتوقف الهجمات عند ذلك، فقد شهدت الأيام التالية استهداف مرافق أخرى، من بينها منشآت تابعة لشركة أرامكو.
وهنا تظهر طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها الجماعة؛ فهي لا تحتاج إلى تدمير الاقتصاد السعودي حتى تحقق غرضها، بل يكفيها أن تجعل تكلفة حماية المنشآت والمطارات والممرات البحرية مرتفعة، وأن تضع الدولة السعودية أمام اختبار أمني متواصل.
غير أن استهداف المطارات المدنية وتعريض المسافرين والعاملين للخطر لا يمكن تبريره باعتباره مجرد وسيلة للضغط السياسي. فالحرب، مهما كانت أسبابها، لا تمنح أطرافها حق تحويل المدنيين إلى أهداف.
إيران والحوثيون.. حدود التحالف وحسابات المصالح
من الخطأ النظر إلى الحوثيين باعتبارهم جماعة يمنية معزولة عن محيطها الإقليمي، كما أن من التبسيط اعتبار كل قرار تتخذه الجماعة صادرًا بصورة مباشرة من طهران.
فالحوثيون حركة مسلحة ذات جذور محلية يمنية، ولها مشروعها السياسي والعقائدي الخاص، لكنها ترتبط بإيران بعلاقة وفرت لها دعمًا عسكريًا وسياسيًا مهمًا، وساعدت في تعزيز قدرتها على الصمود والمواجهة.
وبالنسبة لإيران، تمثل الجماعة ورقة ضغط إقليمية على السعودية وعلى المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، خاصة عندما تمتد المواجهة إلى البحر الأحمر وباب المندب.
لكن السؤال المهم هنا: هل تتطابق مصالح إيران مع مصالح اليمنيين؟
من الصعب القول بذلك؛ فإيران تستطيع التعامل مع الصراع من زاوية توازنات القوى الإقليمية، بينما يتحمل اليمنيون النتائج المباشرة للحرب من قتل ونزوح وتدمير للبنية التحتية وانهيار للخدمات.
ولا يعني ذلك إعفاء بقية الأطراف من مسؤولياتها، فقد ساهم استمرار الحرب والتدخلات العسكرية الخارجية والانقسامات اليمنية في تعميق المأساة.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم هو أن تتحول أراضيه إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، بينما تتراجع قضية بناء الدولة اليمنية إلى مرتبة ثانوية.
السعودية بين الرد العسكري وحسابات المستقبل
تملك المملكة العربية السعودية إمكانات عسكرية واقتصادية كبيرة، وتستطيع الرد على الهجمات التي تستهدف أراضيها ومواطنيها، وقد أكدت حكومتها مرارًا حقها في الدفاع عن أمنها وسيادتها.
لكن امتلاك القدرة على الرد شيء، والقدرة على إنهاء التهديد بصورة دائمة شيء آخر.
لقد أظهرت سنوات الحرب اليمنية أن الضربات الجوية، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها للقضاء على حركة مسلحة تمتلك قواعد نفوذ محلية وتستفيد من الطبيعة الجغرافية المعقدة لليمن.
وفي المقابل، فإن استمرار الحوثيين في مهاجمة الأراضي السعودية قد يدفع الرياض إلى توسيع عملياتها العسكرية، وهو ما يمكن أن يفتح الباب أمام دورة جديدة من الحرب يصعب تحديد نهايتها.
وتواجه السعودية كذلك تحديًا يرتبط بمشروعاتها الاقتصادية الكبرى، التي تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة لجذب الاستثمارات وتنشيط السياحة واستضافة الفعاليات الدولية.
ولهذا فإن الحرب بالنسبة إليها ليست مسألة عسكرية فقط، بل قضية ترتبط بمستقبل اقتصادها ومكانتها الإقليمية.
باب المندب.. عندما تصبح حرب اليمن قضية عالمية
لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر بحري يقع بالقرب من السواحل اليمنية، بل أصبح واحدًا من أهم المواقع التي تتقاطع عندها مصالح الدول الكبرى.
فهذا المضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتمر عبره حركة تجارية مهمة بين آسيا وأوروبا، ولذلك فإن تهديد الملاحة فيه ينعكس على تكاليف النقل والتأمين والتجارة الدولية.
وقد اكتسب هذا الموقع أهمية إضافية في ظل اضطرابات طرق تصدير الطاقة، واتساع المواجهة الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم اهتمام القوى الدولية بما يجري في اليمن؛ فالحرب لم تعد تهدد اليمن والسعودية وحدهما، وإنما أصبحت تحمل مخاطر اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة.
لكن تدويل الأزمة يحمل خطرًا آخر، يتمثل في أن يصبح الحل السياسي اليمني مرهونًا بتفاهمات الدول الكبرى، بدل أن يكون تعبيرًا عن مصالح اليمنيين وحقهم في إقامة دولتهم.
هل يستطيع الحوثيون الانتصار على السعودية؟
إذا كان المقصود بالانتصار احتلال الأراضي السعودية أو إسقاط الدولة، فإن هذا الاحتمال لا يستند إلى موازين القوى القائمة.
أما إذا كان المقصود فرض تكلفة أمنية واقتصادية مرتفعة على المملكة، وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية أو عسكرية، فإن الجماعة تراهن على هذا النوع من الضغط.
لكن المشكلة أن القدرة على إلحاق الضرر بالخصم لا تعني امتلاك مشروع سياسي قادر على بناء السلام.
فقد تستطيع جماعة مسلحة تعطيل مطار أو استهداف منشأة نفطية، لكنها لا تستطيع بهذه الوسائل وحدها بناء دولة مستقرة أو توفير حياة كريمة للمواطنين الذين يعيشون تحت سلطتها.
وفي المقابل، لا يمكن للسعودية أن تعتبر كل نجاح عسكري خطوة حاسمة نحو إنهاء الحرب، ما لم يقترن بمسار سياسي يعالج جذور الأزمة اليمنية.
وهنا تكمن المفارقة: يستطيع الطرفان الاستمرار في القتال، لكن استمرار القتال لا يضمن لأي منهما تحقيق أهدافه النهائية.
اليمنيون.. الغائبون عن حسابات المنتصرين
وسط أخبار الصواريخ والطائرات المسيّرة والضربات الجوية، يكاد الإنسان اليمني يتحول إلى مجرد رقم في تقارير الحرب.
فالحرب التي امتدت سنوات طويلة أضعفت مؤسسات الدولة، ودفعت ملايين اليمنيين إلى الحاجة للمساعدات، وحرمت قطاعات واسعة من السكان من الخدمات الأساسية.
والتصعيد الأخير حول تعز والساحل الغربي يهدد بمضاعفة هذه المعاناة، خاصة مع تعطل الإمدادات واشتداد القتال في مناطق مأهولة بالسكان.
ولا يمكن الحديث عن انتصار حقيقي في اليمن بينما تتعرض حياة المدنيين للخطر، وتظل الدولة منقسمة، وتستمر القوى المسلحة في فرض إرادتها بالسلاح.
إن قضية اليمن ليست مجرد خلاف بين الحوثيين والسعودية، بل هي في جوهرها قضية دولة فقدت احتكارها المشروع للقوة، وتحولت إلى ساحة تتنافس فيها سلطات وجماعات ومصالح خارجية.
إلى أين تتجه الحرب؟
تبدو أمام أطراف الصراع ثلاثة احتمالات رئيسية.
الأول استمرار الضربات المتبادلة، مع بقاء المواجهة في حدود الاستنزاف العسكري والاقتصادي دون حسم نهائي.
والثاني اتساع الحرب لتشمل عمليات برية وجوية أكبر داخل اليمن، وربما تدخلًا دوليًا أوسع، وهو الاحتمال الأكثر خطورة على المدنيين والاستقرار الإقليمي.
أما الثالث فهو العودة إلى مسار تفاوضي يربط أمن الحدود السعودية بوقف الهجمات العابرة للحدود، ويعالج في الوقت نفسه مستقبل السلطة والسلاح ومؤسسات الدولة داخل اليمن.
ولا يبدو أن أيًا من هذه الاحتمالات مضمون النتائج، خاصة في ظل ارتباط الأزمة اليمنية بصراعات إقليمية أوسع.
لكن المؤكد أن تحويل المطارات والمنشآت المدنية إلى أهداف عسكرية لن يصنع سلامًا، مثلما أن استمرار القصف داخل اليمن لن يكون بديلًا عن تسوية سياسية قابلة للحياة.
لقد دخلت الحرب مرحلة تستطيع فيها الأطراف المتحاربة إلحاق أضرار كبيرة بعضها ببعض، لكنها لم تثبت بعد قدرتها على تقديم طريق واضح للخروج منها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع اليوم ليس من يستطيع إطلاق الصاروخ الأبعد، أو تنفيذ الضربة الأقوى، وإنما من يملك الشجاعة السياسية لإيقاف حرب أصبح ثمن استمرارها أكبر من المكاسب التي يتصور أطرافها أنهم سيحققونها.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟