أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد موسى قريعي - الحوثيون.. الجماعة والدولة والإقليم (2) من صعدة إلى صنعاء.. الطريق إلى العاصمة!















المزيد.....

الحوثيون.. الجماعة والدولة والإقليم (2) من صعدة إلى صنعاء.. الطريق إلى العاصمة!


أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب وصحفي وباحث في الذاكرة العربية وأخلاقيات الصحافة

(Ahmed Mousa Gerae)


الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 12:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تنتهِ حروب صعدة الست بانتصار حاسم للحكومة اليمنية، ولا بالقضاء على جماعة الحوثيين، كما كان يأمل الرئيس علي عبد الله صالح عندما دخل معها أولى المواجهات المسلحة عام 2004.

بل حدث ما لم يكن يتوقعه كثيرون. فالجماعة التي خرجت من تلك الحروب مثخنة بالجراح، لكنها أكثر تنظيمًا وخبرة بالسلاح، وجدت نفسها بعد سنوات قليلة أمام فرصة تاريخية لم تكن متاحة لها من قبل.

ففي عام 2011، كانت اليمن على موعد مع انتفاضة شعبية واسعة ضد نظام علي عبد الله صالح، الذي حكم شمال اليمن منذ عام 1978، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية اليمنية بعد الوحدة عام 1990.

وكان صالح، الذي اعتاد إدارة البلاد عبر شبكة معقدة من التحالفات القبلية والعسكرية والسياسية، يواجه هذه المرة أزمة تهدد بقاءه في السلطة نفسها.

خرج المتظاهرون إلى الشوارع مطالبين برحيله، وانقسمت القوى السياسية، وبدأت التصدعات تظهر داخل المؤسسة العسكرية، بينما كانت البلاد تدخل مرحلة لم يعد أحد يعرف كيف ستنتهي.

وفي خضم هذه التحولات، لم يكن الحوثيون مجرد متفرجين على ما يجري في صنعاء.

فقد شارك أنصار الجماعة في الاحتجاجات المناهضة لصالح، ووجدوا أنفسهم، ولو بصورة مؤقتة، في المعسكر السياسي نفسه مع قوى سبق أن خاضوا ضدها مواجهات دامية.

ومن بين تلك القوى حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي كان أحد أبرز خصوم الحوثيين في شمال اليمن.

وهنا بدأت مفارقات السياسة اليمنية تظهر بصورة تكاد تجعل المرء يتساءل إن كانت الخصومات المعلنة بين الأطراف تقوم على مبادئ ثابتة، أم على حسابات تتغير كلما تغير موقع السلطة.

فالذين اختلفوا بالأمس حول الدين والسياسة والنفوذ، استطاعوا أن يلتقوا على مطلب إسقاط صالح، قبل أن يعودوا إلى الصراع على ما سيتركه وراءه.

ولم يكن الحوثيون وحدهم من يفكر بهذه الطريقة. فالقوى اليمنية الأخرى كانت بدورها تعيد ترتيب تحالفاتها، وتبحث عن موقعها في مرحلة ما بعد الرئيس الذي ظل عقودًا ممسكًا بمفاتيح الدولة.

لكن الحوثيين امتلكوا ميزة لم تكن متاحة لجميع المشاركين في الانتفاضة.

فبينما كانت الأحزاب السياسية تتفاوض، وكانت ساحات الاعتصام ترفع مطالب التغيير، كانت الجماعة تحتفظ بتنظيمها المسلح، وتعمل على توسيع نفوذها في المناطق المحيطة بصعدة.

وبذلك دخلت المرحلة الانتقالية وهي تمتلك وسيلتين للعمل السياسي: المشاركة في المشهد العام، والقوة العسكرية التي تستطيع استخدامها عندما لا تحقق السياسة ما تريده.

وفي مارس 2011، تعزز نفوذ الحوثيين في صعدة، وتولى فارس مناع منصب المحافظ، وهو شخصية محلية كانت لها علاقات مع الجماعة، بعد تراجع سلطة الحكومة المركزية هناك.

ولم يعد الأمر متعلقًا بجماعة تختبئ في الجبال وتخوض حربًا دفاعية ضد قوات الجيش، وإنما بسلطة محلية ناشئة تمارس نفوذها على الأرض، وتستفيد من انشغال الدولة بأزمتها الكبرى في صنعاء.

وكان ذلك أول تحول مهم في الطريق إلى العاصمة.

فالحوثيون لم ينتقلوا من صعدة إلى صنعاء في يوم واحد، ولم يدخلوا العاصمة بقوة السلاح وحدها، وإنما سبق ذلك توسع تدريجي، وتحالفات محلية، وصراعات مع خصومهم، واستفادة من ضعف الدولة وانقسام مؤسساتها.

وفي نوفمبر 2011، وُقعت المبادرة الخليجية التي مهدت لنقل السلطة من علي عبد الله صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.

ثم تولى هادي الرئاسة في فبراير 2012، لتبدأ مرحلة انتقالية كان يفترض أن تعيد بناء النظام السياسي اليمني، وتفتح الطريق أمام دستور جديد وانتخابات ومؤسسات أكثر قدرة على تمثيل المجتمع.

لكن الاتفاق الذي أنهى رئاسة صالح لم ينهِ نفوذه.

فالرجل غادر القصر الجمهوري، لكنه لم يغادر الحياة السياسية، واحتفظ حزبه، المؤتمر الشعبي العام، بحضور واسع، كما بقيت له علاقات مؤثرة داخل الجيش والأجهزة الحكومية والقبائل.

وهذه واحدة من أهم العقد التي واجهت المرحلة الانتقالية.

فقد تغير الرئيس، لكن أجزاء مهمة من شبكة السلطة القديمة بقيت في مواقعها، بينما لم تكن القوى التي شاركت في إسقاطه متفقة على شكل الدولة الجديدة أو كيفية توزيع النفوذ داخلها.

أما الحوثيون، فلم يكونوا جزءًا من الأطراف الموقعة على المبادرة الخليجية، رغم مشاركتهم لاحقًا في مؤتمر الحوار الوطني.

وكانت لديهم تحفظات على طبيعة التسوية السياسية، وعلى ما اعتبروه إعادة توزيع للسلطة بين قوى النظام القديم وبعض خصومه، دون معالجة جذرية للمشكلات التي دفعت البلاد إلى الانتفاضة.

لكنهم، في الوقت نفسه، لم ينتظروا نتائج الحوار حتى يحددوا مستقبل نفوذهم.

فقد استمرت المواجهات المسلحة في مناطق شمال اليمن، ولا سيما مع خصومهم من القوى السلفية والقبلية والمجموعات المرتبطة بحزب الإصلاح.

ومن أبرز تلك المواجهات الصراع في منطقة دماج بمحافظة صعدة، حيث كان يوجد مركز ديني سلفي، قبل أن تنتهي المواجهات بإجلاء السلفيين منه في يناير 2014.

ولم يكن ذلك مجرد خلاف ديني بين الزيدية والسلفية، كما قد يبدو من النظرة الأولى.

فقد تداخلت فيه المنافسة على النفوذ المحلي، والعلاقات القبلية، وتوازنات القوى السياسية، وتاريخ الخصومات التي خلفتها حروب صعدة.

وبينما كانت الحكومة الانتقالية تحاول إدارة خلافات القوى السياسية في صنعاء، كانت موازين القوة تتغير على الأرض في الشمال.

وفي مارس 2013، انطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل بمشاركة قوى سياسية واجتماعية متعددة، بينها الحوثيون والحراك الجنوبي والأحزاب الرئيسية.

وكان المؤتمر فرصة لمعالجة قضايا عميقة تتعلق بشكل الدولة، والعدالة الانتقالية، والقضية الجنوبية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ومستقبل المؤسسة العسكرية.

واستمرت أعماله حتى يناير 2014، وخرج بوثيقة تضمنت مبادئ وتوصيات لإعادة بناء الدولة اليمنية.

لكن الحوار لم ينجح في إنهاء الخلافات الأساسية بين الأطراف، خصوصًا حول شكل النظام الاتحادي وتقسيم البلاد إلى أقاليم.

وقد اعترض الحوثيون على مشروع الأقاليم الستة، الذي كان سيضع صعدة ضمن إقليم آزال، ورأوا فيه تقسيمًا لا يلبي مطالبهم السياسية والاقتصادية.

وكان الخلاف حول الأقاليم أكبر من مجرد رسم حدود جديدة على الخريطة.

فبالنسبة إلى الحوثيين، كانت المسألة تتعلق بمستقبل نفوذهم، وإمكان وصول مناطق سيطرتهم إلى الموارد والمنافذ الاقتصادية، وموقعهم في الدولة التي يجري التفاوض على تأسيسها.

أما بالنسبة إلى قوى أخرى، فقد كان النظام الاتحادي وسيلة لتقليل هيمنة المركز، ومعالجة اختلالات تاريخية في توزيع السلطة.

وهكذا دخل اليمن في خلاف حول الدولة المقبلة، بينما كانت الدولة القائمة نفسها تفقد قدرتها على فرض سلطتها على أجزاء متزايدة من أراضيها.

وفي تلك الأثناء، كان الحوثيون يتقدمون باتجاه محافظة عمران، الواقعة شمال صنعاء، والتي تمثل بوابة مهمة للوصول إلى العاصمة.

ولم تكن عمران مجرد محطة جغرافية على الطريق.

فهي منطقة ذات وزن قبلي وسياسي كبير، ارتبطت تاريخيًا بنفوذ اتحاد قبائل حاشد، وبشخصيات بارزة في النظام اليمني، بينها أسرة الأحمر التي كان لها حضور مؤثر في السياسة والقبائل وحزب الإصلاح.

وكان إضعاف خصوم الحوثيين في عمران يعني تغيير ميزان القوى في شمال اليمن، وفتح الطريق أمام الجماعة للانتقال من مناطق نفوذها التقليدية إلى قلب الدولة.

وخلال النصف الأول من عام 2014، اشتدت المواجهات بين الحوثيين والقوى المناهضة لهم في عمران، بما فيها وحدات عسكرية بقيادة اللواء حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع.

وفي الثامن من يوليو 2014، سقطت مدينة عمران في أيدي الحوثيين، وقُتل القشيبي خلال المعارك.

وكان سقوط عمران نقطة تحول حاسمة.

فقد أصبحت صنعاء أقرب إلى القوة الحوثية، ولم تعد المسافة بين الجماعة والعاصمة تقاس بالكيلومترات وحدها، وإنما بحجم الانقسام داخل الجيش، وضعف الحكومة، وتراجع قدرة القوى السياسية على التفاهم.

لكن سقوط عمران أثار سؤالًا آخر: كيف تمكن الحوثيون من تحقيق هذا التقدم في مواجهة قوات يفترض أنها تابعة للدولة؟

والإجابة لا تتعلق بالكفاءة القتالية للجماعة وحدها.

فقد كانت المؤسسة العسكرية اليمنية تعاني انقسامات حادة منذ أحداث 2011، وكانت بعض الوحدات مرتبطة بولاءات سياسية وشخصية متنافسة.

كما أن شبكات النفوذ الموالية لعلي عبد الله صالح لعبت دورًا مهمًا في إضعاف خصوم الحوثيين، وتهيئة الظروف التي سهلت تقدم الجماعة.

وهنا دخل صالح مجددًا إلى المشهد، لكن من باب لم يكن يتوقعه كثيرون.

فالرئيس الذي خاض ست حروب ضد الحوثيين، وأمضى سنوات في محاولة القضاء على حركتهم المسلحة، وجد فيهم حليفًا محتملًا ضد خصومه السياسيين والعسكريين.

وكان من أبرز هؤلاء الخصوم اللواء علي محسن الأحمر، الذي انشق عن صالح خلال انتفاضة 2011، وحزب الإصلاح الذي أصبح في نظر الرئيس السابق أحد الأطراف المسؤولة عن إبعاده من السلطة.

أما الحوثيون، فقد وجدوا في شبكات صالح العسكرية والقبلية والسياسية فرصة لتسهيل تقدمهم نحو صنعاء، وإضعاف القوى التي وقفت في طريق توسعهم.

وهكذا بدأت تتشكل علاقة بين خصمين قديمين، جمعتهما المصلحة السياسية أكثر مما جمعتهما الثقة.

ولم يكن ذلك التحالف قد اتخذ بعد جميع أشكاله العلنية التي ستظهر لاحقًا، لكنه أصبح عاملًا مؤثرًا في الأحداث.

فصالح لم يعد يملك الرئاسة، لكنه ظل يمتلك أدوات نفوذ داخل الدولة، والحوثيون كانوا يملكون قوة عسكرية صاعدة تبحث عن طريق إلى مركز السلطة.

وبين الطرفين وقف خصوم مشتركون، كان كل منهما يرى أن إضعافهم سيمنحه موقعًا أفضل في الصراع على مستقبل اليمن.

ولعل المفارقة هنا أن النظام الذي حارب الحوثيين سنوات طويلة ساهمت شبكات مرتبطة برئيسه السابق في تمكينهم من الوصول إلى العاصمة.

لكن ذلك لم يكن العامل الوحيد في سقوط صنعاء.

فقد كانت حكومة عبد ربه منصور هادي تواجه أزمة اقتصادية وسياسية متفاقمة، وازدادت الأوضاع سوءًا عندما قررت في يوليو 2014 رفع الدعم عن المشتقات النفطية، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود.

وكان القرار ثقيلًا على المواطنين الذين يعانون أصلًا من تدهور الخدمات والبطالة وضعف الاقتصاد.

وسرعان ما استغل الحوثيون حالة الغضب الشعبي، ودعوا إلى احتجاجات تطالب بإلغاء الزيادة في أسعار الوقود، وإسقاط الحكومة، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.

وهنا امتزجت المطالب الاقتصادية الحقيقية بحسابات الصراع على السلطة.

فلم تكن أزمة الوقود مختلقة، ولم يكن غضب المواطنين مجرد صناعة حوثية، لكن الجماعة استخدمت تلك الأزمة في معركتها السياسية والعسكرية للوصول إلى صنعاء.

وفي أغسطس 2014، أقام أنصار الحوثيين مخيمات للاعتصام داخل العاصمة وعلى أطرافها، بينما انتشرت مجموعات مسلحة في مواقع قريبة من المدينة.

وكان المشهد يحمل تناقضًا واضحًا.

فهناك احتجاجات ترفع مطالب تتعلق بالأسعار والحكومة، وفي الوقت نفسه قوة مسلحة تستعد لتغيير موازين السلطة.

وقد حاولت وساطات سياسية ودبلوماسية احتواء الأزمة، لكن الثقة بين الأطراف كانت قد وصلت إلى مستوى بالغ الانخفاض.

وفي السابع والتاسع من سبتمبر 2014، استخدمت قوات أمنية يمنية القوة المميتة ضد متظاهرين حوثيين، ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مقتل ثمانية متظاهرين وسائق سيارة إسعاف، وإصابة عشرات آخرين.

وكانت تلك الأحداث دليلًا إضافيًا على عجز السلطة عن إدارة الأزمة بالوسائل السياسية والقانونية، كما أسهمت في زيادة حدة التوتر.

لكن الأحداث كانت تتجه إلى مواجهة أكبر.

ففي السابع عشر من سبتمبر، اندلع قتال عنيف في صنعاء بين الحوثيين وقوات عسكرية مرتبطة بالمنطقة العسكرية السادسة، التي كانت بقيادة اللواء علي محسن الأحمر.

واستمرت المعارك أربعة أيام، استخدمت خلالها الأسلحة الثقيلة، وتعرضت مناطق مدنية للقصف وإطلاق النار.

وبحسب وزارة الصحة اليمنية آنذاك، أسفرت أيام القتال الأربعة عن مقتل 274 شخصًا وإصابة 470 آخرين، دون أن تميز هذه الحصيلة بين المدنيين والمقاتلين.

ووثقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات لقوانين الحرب خلال المواجهات، شملت هجمات طالت مدنيين ومستشفيات، وأشارت إلى مسؤولية محتملة لأطراف متحاربة مختلفة.

وفي الحادي والعشرين من سبتمبر 2014، دخل الحوثيون إلى مواقع رئيسية في صنعاء، وسيطروا على مؤسسات ومقار عسكرية وحكومية، بعد انهيار مقاومة القوات التي واجهتهم.

ولم تصدر عن الرئيس هادي أوامر عامة واضحة للجيش بخوض مواجهة شاملة ضد تقدم الحوثيين، وهو ما أثار لاحقًا تساؤلات واسعة حول موقف القيادة السياسية والعسكرية.

لكن تحويل تلك التساؤلات إلى حكم قاطع بأن هادي اتفق سرًا مع الحوثيين على تسليم العاصمة يحتاج إلى أدلة لا توفرها الوقائع المعلنة وحدها.

فالمؤكد أن الانقسام العسكري والسياسي ساعد الجماعة على التقدم، وأن مؤسسات الدولة لم تتصرف باعتبارها قوة موحدة في مواجهة ما كان يجري.

وفي اليوم نفسه، وُقع «اتفاق السلم والشراكة الوطنية» برعاية الأمم المتحدة، بين الرئاسة اليمنية والقوى السياسية والحوثيين.

وكان الاتفاق يتضمن تشكيل حكومة جديدة، وإصلاحات اقتصادية وسياسية، وترتيبات أمنية يفترض أن تنهي المظاهر المسلحة وتعيد الاستقرار.

لكن المفارقة أن الاتفاق وُقع في اليوم الذي أصبحت فيه الجماعة القوة العسكرية الأبرز داخل العاصمة.

وهنا لم تعد المشكلة تتعلق فقط بما ورد في نص الاتفاق، وإنما بميزان القوة الذي أحاط بتوقيعه.

فالاتفاقات السياسية تفترض وجود أطراف تستطيع التفاوض والالتزام، لكن عندما يحتفظ طرف بقوته المسلحة ويفرض حضوره داخل مؤسسات الدولة، تصبح قدرته على التأثير في تنفيذ الاتفاق أكبر من قدرة بقية الموقعين عليه.

وهذا ما حدث تدريجيًا في صنعاء.

فالحوثيون لم يعودوا مجرد حركة تطالب بحقوق سياسية أو تعترض على سياسات الحكومة، وإنما أصبحوا قوة مسلحة تفرض شروطها في العاصمة، وتشارك في تحديد مصير السلطة التنفيذية والمؤسسات العسكرية والأمنية.

أما الدولة التي كان يفترض أن تستوعب الجماعة داخل العملية السياسية، فقد وجدت نفسها أمام جماعة باتت قادرة على التأثير في قراراتها من خارج الأطر الدستورية المعتادة.

ولم يكن سقوط صنعاء انتصارًا عسكريًا فحسب، بل كان إعلانًا عمليًا عن انهيار التوازنات التي قامت عليها المرحلة الانتقالية بعد رحيل صالح.

فالأحزاب التي تفاوضت على تقاسم السلطة وجدت نفسها أمام قوة جديدة، والرئيس الذي جاء لإدارة الانتقال أصبح محاصرًا بتوازنات لم يعد قادرًا على التحكم فيها، بينما عاد صالح إلى التأثير في الأحداث عبر تحالف مع الجماعة التي حاربها عندما كان رئيسًا.

أما الحوثيون، فقد قطعوا خلال ثلاث سنوات تقريبًا مسافة سياسية وعسكرية لم يتمكنوا من قطعها خلال ست حروب.

ففي عام 2011، كانوا يوسعون نفوذهم في صعدة ومحيطها، وفي سبتمبر 2014 أصبحوا القوة المسيطرة على العاصمة اليمنية.

لكن السيطرة على صنعاء لم تكن نهاية الطريق، بل بداية أزمة أكبر.

فقد دخلت الجماعة العاصمة وهي تحمل تاريخًا طويلًا من الخصومات، وتصورًا خاصًا للسلطة، وتنظيمًا مسلحًا لم يتحول إلى مؤسسة وطنية خاضعة لقيادة الدولة.

وكان عليها أن تتعامل مع رئيس لا يزال في منصبه، وحكومة تتشكل وفق اتفاق سياسي، ومؤسسات عسكرية منقسمة، وأحزاب تخشى فقدان نفوذها، وحليف قديم جديد اسمه علي عبد الله صالح.

وكان صالح، من جانبه، يعتقد أن بإمكانه الاستفادة من القوة الحوثية لإعادة ترتيب المشهد السياسي لمصلحته.

لكن السؤال الذي لم يكن أي من الطرفين قد أجاب عنه هو: من سيحكم صنعاء فعلًا؟

هل يحكمها الرئيس هادي بموجب الدستور والاتفاقات السياسية، أم الحوثيون بما يملكونه من قوة على الأرض، أم صالح من خلال شبكات نفوذه التي لم تختفِ برحيله عن الرئاسة؟

ولعل ذلك كان أخطر ما كشفه سقوط العاصمة.

فقد أصبحت اليمن أمام سلطات متداخلة، وتحالفات متناقضة، ومؤسسات فقدت قدرتها على العمل باستقلال، بينما كان الجميع يتحدث عن الشراكة الوطنية.

وكانت الشراكة، في تلك اللحظة، أقرب إلى عنوان سياسي جميل تخفي تحته الأطراف صراعًا لم يُحسم بعد على السلطة.

فمن صعدة التي شهدت الحروب الست، إلى عمران التي فتحت الطريق، ثم صنعاء التي سقطت في سبتمبر 2014، لم يكن صعود الحوثيين نتيجة معركة واحدة، ولا مؤامرة واحدة، ولا خطأ ارتكبه طرف واحد.

لقد كان حصيلة سنوات من الحروب، وتفكك مؤسسات الدولة، وتحالفات المصالح، وفشل المرحلة الانتقالية في تحويل المطالب السياسية إلى نظام قادر على استيعاب الجميع.

وهكذا دخل الحوثيون صنعاء.

لكنهم لم يدخلوا دولة مستقرة يستطيعون حكمها بمجرد السيطرة على مبانيها.

دخلوا عاصمة تتنازعها الولاءات، وتحكمها الحسابات، ويقف على أبوابها رئيس سابق يريد العودة إلى السلطة، ورئيس حالي يحاول الاحتفاظ بما تبقى منها.

ولم يكن اليمنيون يعرفون أن الأيام التالية ستكشف أن سقوط صنعاء لم يكن نهاية أزمة الحكم، بل بداية فصل جديد من الصراع.

فقد أصبح السؤال الآن ليس كيف وصل الحوثيون إلى العاصمة، وإنما كيف سيتقاسمون السلطة مع الرجل الذي حاربهم ست مرات، ثم فتح لهم الطريق إلى قلب الدولة.

وذلك ما ستكشفه الحلقة الثالثة.



#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)       Ahmed_Mousa_Gerae#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متلازمة الحرب والسلام في السودان (2) تجار المواقف.. عندما يص ...
- الحوثيون.. الجماعة والدولة والإقليم (1) صعدة.. من مهد الحوثي ...
- متلازمة الحرب والسلام في السودان (1) الحرب التي لا يريدها أح ...
- الشعب السوداني الذي لا يحضر اجتماعات الساسة!
- حرب الحوثيين ضد السعودية.. من معركة اليمن إلى استنزاف الدولة
- حين يصبح الإنسان نفسه أرشيفًا
- السودان الذي لم يُكتب (14) بائعات الشاي.. حين صنعت المرأة مق ...
- حين يكون المكان شاهدًا على الحكاية
- السودان الذي لم يُكتب (13) أغاني البنات.. الصوت الذي جاء من ...
- ليس كل ما هو قديم يستحق أن يُوثَّق
- السودان الذي لم يُكتب (12) أغاني الحقيبة.. حين غنّت المدينة ...
- حين يكون الصمت جزءًا من الوثيقة
- السودان الذي لم يُكتب(11) هنا أم درمان.. حين دخل السودان كل ...
- الموثّق ليس قاضيًا... لكنه مسؤول عن الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (10) السينما السودانية.. حين دخلت الصو ...
- حين لا تكفي شهادة واحدة لكتابة الحقيقة
- السودان الذي لم يُكتب (9) المقهى السوداني.. حين أصبح الجلوس ...
- قبل أن تفتح الأرشيف... اسأل: لماذا أوثّق؟
- السودان الذي لم يُكتب (8) حين فتحت المدرسة بابًا لم يكن موجو ...
- التوثيق ليس سردًا للماضي... بل إعادة إحياء له


المزيد.....




- روبيو: -محادثات- جرت لعقد لقاء يضم ترامب وبوتين وشي لإنهاء ح ...
- مصممة إماراتية تنقل التراث والحرفية اليدوية إلى أسبوع الموضة ...
- كايلي جينر ترتدي واحدة من أغلى حمالات الصدر في تاريخ -فيكتور ...
- -صدق المواقف في الشدائد أبلغ رد-.. قرقاش يعلق على لقاء محمد ...
- عراقجي يرد على نتنياهو بشأن الحرب: -نحن أيضاً لدينا حسابات ل ...
- إيران: قاليباف يوجه تهديدا جديدا لدول المنطقة بشأن شركات الذ ...
- يوم الحسم الكندي.. ألبرتا تصوّت على مسار الانفصال
- روبيو: ترامب مستعد لأي خطوات لإنهاء الصراع في أوكرانيا
- يوركتاون ومعاهدة باريس.. حين غيّرت فرنسا مصير أمريكا
- 10 مبادئ رئيسية.. نتنياهو يعرض تصورا جديدا للأمن القومي


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد موسى قريعي - الحوثيون.. الجماعة والدولة والإقليم (2) من صعدة إلى صنعاء.. الطريق إلى العاصمة!