أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب وصحفي وباحث في الذاكرة العربية وأخلاقيات الصحافة
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 14:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في السودان، لا أحد يريد الحرب، على الأقل هذا ما يقوله الجميع. فالجيش يريد السلام، والدعم السريع يريد السلام، والقوى السياسية تريد السلام، والحركات المسلحة تريد السلام، والوسطاء يريدون السلام، وحتى الذين يتبادلون الاتهامات بإشعال الحرب وإطالة أمدها، يؤكدون في كل مناسبة أنهم أكثر الناس حرصًا على إنهائها!
ومع كل هذه الرغبة الجماعية في السلام، لا تزال الحرب مستمرة منذ الخامس عشر من أبريل 2023، وكأنها كائن غريب هبط على السودان من السماء، وقرر أن يقيم فيه إلى أجل غير مسمى، دون أن تكون لأحد علاقة بوجوده أو استمراره.
والحقيقة أن الحرب السودانية أصبحت تحتاج إلى تفسير يتجاوز التحليلات العسكرية والسياسية التقليدية، فكيف يمكن لبلد تتفق فيه كل الأطراف، بحسب تصريحاتها، على ضرورة السلام، أن يعجز عن وقف حرب تدمر مدنه وقراه، وتشرد سكانه، وتلتهم ما تبقى من اقتصاده؟
هل هناك طرف مجهول يقاتل الجميع دون علمهم؟ أم أن السلام الذي يتحدثون عنه في المؤتمرات والبيانات شيء، والسلام الذي يتطلب وقف إطلاق النار وتقديم التنازلات شيء آخر تمامًا؟
قبل يوم واحد، وتحديدًا في السادس عشر من أكتوبر 2026، قدمت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن تطورات الأوضاع في السودان، أكدت فيها استمرار القتال وتدهور الأوضاع الإنسانية، وغياب اختراق حقيقي في جهود إنهاء الحرب.
ولم يكن في حديث المسؤولة الأممية اكتشاف جديد، فالسودانيون يعرفون أن الحرب مستمرة دون الحاجة إلى جلسة لمجلس الأمن، ويعرفون أيضًا أن البيانات الدولية التي تعرب عن القلق والأسف لم تعد قادرة وحدها على تغيير شيء في واقعهم.
لكن اللافت في الإحاطة أن ديكارلو تحدثت عن اعتقاد الأطراف المتحاربة بإمكانية تحقيق مكاسب إضافية في الميدان، وهو اعتقاد يساعد على تفسير هذه الحالة العجيبة التي يعيشها السودان، حيث يظل السلام حاضرًا في التصريحات، بينما تظل الحرب هي الحاضرة في الواقع.
فكل طرف يريد السلام، ولكن بعد أن تتحقق شروطه، وتُحسم مطالبه، ويقتنع خصمه بأنه لم يعد أمامه خيار آخر سوى القبول والخروج من المشهد (بكرامة البليلة).
وهكذا يتحول السلام من هدف يفترض أن يعمل الجميع للوصول إليه، إلى مكافأة ينتظر كل طرف الحصول عليها بعد تحقيق النصر العسكري أو السياسي الذي يشبه (أحلام زلوط).
والأغرب أن كل طرف يستطيع أن يقدم تفسيرًا مقنعًا لأنصاره عن أسباب استمرار الحرب، ولماذا لا يمكن وقفها الآن، ولماذا يجب الانتظار قليلًا، حتى تتغير موازين القوى، أو تتحسن الظروف، أو تتحقق بعض المكاسب التي تجعل التفاوض أكثر فائدة.
وهذه الـ(شوية) التي يطلبها البعض قد تعني شهورًا أخرى من القتال، وربما سنوات، يدفع ثمنها أناس لا يملكون ترف الانتظار أصلًا.
وليس المقصود هنا مساواة جميع الأطراف في المسؤولية عن الحرب أو الانتهاكات، فلكل طرف أفعاله وقراراته التي ينبغي أن تخضع للتحقيق والمساءلة، ولا يجوز أن تتحول الدعوة إلى السلام إلى وسيلة لطمس الجرائم أو إعفاء مرتكبيها من المحاسبة.
لكن من حق السودانيين أن يسألوا عن المسافة بين ما يقال لهم وما يحدث على الأرض، وعن جدوى التصريحات التي تؤكد الرغبة في السلام بينما تستمر العمليات العسكرية وتتوسع دائرة الدمار.
لقد أصبح لدينا قاموس سياسي كامل للحرب والسلام، يتضمن مفردات من قبيل الهدنة الإنسانية، ووقف العدائيات، ووقف إطلاق النار، والمسار السياسي، وإجراءات بناء الثقة، والترتيبات الأمنية، والحوار الشامل.
وهي كلها مصطلحات مهمة في إدارة النزاعات، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى عبارات تتكرر في البيانات دون أن يصاحبها التزام عملي يمكن قياسه أو محاسبة أصحابه عليه.
فقد يتفق الجميع على أهمية الهدنة الإنسانية، ثم يبدأ الخلاف حول توقيتها وشروطها وضماناتها والجهة التي تراقبها، وما إذا كانت ستمنح هذا الطرف أو ذاك فرصة لإعادة ترتيب قواته.
وقد يتفقون على ضرورة وقف إطلاق النار، ثم يختلفون حول من يوقف إطلاق النار أولًا، ومن ينسحب، وإلى أين ينسحب، ومن يضمن ألا يستغل الطرف الآخر ذلك لتحقيق مكاسب عسكرية.
وكل هذه أسئلة حقيقية لا يمكن تجاهلها، لكن التعامل معها يحتاج إلى تفاوض جاد وإجراءات قابلة للتحقق، لا إلى الاكتفاء بإعلان النوايا الحسنة ثم العودة إلى نقطة الصفر.
أما بعض القوى السياسية، فلها مع السلام حكاية أخرى.
فمنها من يطالب بوقف الحرب فورًا، لكنه يختلف مع غيره حول الطريق الذي ينبغي أن يؤدي إلى ذلك، ومنها من يرى أن أي تسوية لا تتضمن رؤيته السياسية ستكون مجرد إعادة إنتاج للأزمة، ومنها من ينشغل بموقعه في العملية السياسية المقبلة أو ما يعرف (بقسمة الكيكة) أكثر مما ينشغل بشرح الكيفية التي يمكن بها إنقاذ البلاد من الحرب الحالية.
وبالطبع، ليس كل خلاف حول شروط السلام دليلًا على سوء النية، فهناك خلافات حقيقية تتعلق بالأمن والعدالة ومستقبل الدولة، ولا يمكن اختزالها في صراع على المناصب. لكن بعض الممارسات السياسية تجعل المرء يتساءل أحيانًا عما إذا كان السلام هو الغاية فعلًا، أم مجرد عنوان كبير توضع تحته حسابات صغيرة!
ثم يأتي دور الوسطاء الإقليميين والدوليين، الذين لا يمكن إنكار أهمية جهودهم، لكن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة الاقتراب من الحل.
فالسودان شهد مبادرات ومسارات متعددة منذ اندلاع الحرب، وتحدثت أطراف دولية وإقليمية مرارًا عن ضرورة وقف القتال وإيصال المساعدات وحماية المدنيين.
ومع ذلك، لا تزال الحاجة قائمة إلى هدنة إنسانية، وكأننا لم نقطع كل هذه المسافة من الاجتماعات والمشاورات والبيانات.
ولعل المفارقة أن كل مبادرة جديدة تبدأ غالبًا بالتأكيد على أهمية تنسيق الجهود وتوحيد المسارات، وهي العبارة نفسها التي تكررت في مبادرات سابقة، دون أن تمنع ظهور مسارات أخرى تحتاج بدورها إلى التنسيق والتوحيد.
ولا أعرف إن كان السودان يحتاج إلى مبادرة جديدة للسلام، أم إلى مبادرة لتنسيق المبادرات، ثم لجنة للإشراف على تنسيق تلك المبادرات، وربما لجنة أخرى لحل الخلافات التي قد تنشأ بين أعضاء لجنة التنسيق!
والأمر ليس مجرد سخرية من الدبلوماسية، فالوساطة عمل معقد، وتعدد الأطراف والمصالح الإقليمية والدولية يجعل الوصول إلى اتفاق مهمة شاقة. لكن المواطن السوداني الذي ينتظر توقف القصف ووصول الغذاء والدواء، لا يستطيع أن يعيش على الوعود الدبلوماسية إلى ما لا نهاية.
والحقيقة أن الحديث عن السلام في السودان أصبح أسهل كثيرًا من اتخاذ القرارات التي يمكن أن تقود إليه.
فمن السهل إصدار بيان يطالب بوقف الحرب، ومن السهل إلقاء خطاب يؤكد الالتزام بالسلام، ومن السهل أيضًا اتهام الآخرين بعرقلة جهود التسوية.
أما الصعب فهو تقديم تنازل حقيقي، أو قبول آلية رقابة مستقلة، أو الالتزام بوقف الهجمات على المدنيين، أو السماح بوصول المساعدات دون عراقيل، أو الاعتراف بأن استمرار القتال لن يحل وحده جميع القضايا التي أشعلت الحرب.
والأصعب من ذلك أن يعترف أصحاب القرار بأن الشعب السوداني ليس ملزمًا بدفع ثمن حساباتهم السياسية والعسكرية إلى ما لا نهاية.
لقد تحولت الحرب بالنسبة إلى ملايين السودانيين من حدث استثنائي إلى واقع يومي ثقيل، بينما لا تزال بعض الخطابات السياسية تتعامل معها وكأنها مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها بعد تحقيق بعض الأهداف.
لكن الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة لا يستطيعون استعادة سنواتهم الضائعة ببيان سياسي، والأسر التي فقدت أبناءها لا تعوضها صور المصافحات في المؤتمرات، والنازحون الذين فقدوا منازلهم لا تعيدهم إلى قراهم التصريحات التي تتحدث عن قرب انفراج الأزمة.
ولهذا فإن السؤال لم يعد متعلقًا بمن يريد السلام، فالجميع تقريبًا يعلنون أنهم يريدونه، وإنما بمن يستطيع أن يقدم خطوة عملية نحوه، ومن يتحمل مسؤولية تعطيل تلك الخطوة، ومن يملك الشجاعة ليقول لأنصاره إن السلام قد يتطلب قرارات صعبة لا ترضي الجميع.
وليس السلام مجرد توقف مؤقت للرصاص، ولا اتفاقًا لتقاسم السلطة بين المنتصرين والمتفاوضين، وإنما عملية تحتاج إلى حماية المدنيين، وضمان أمنهم، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، ومعالجة الأسباب التي جعلت السودان ينتقل من حرب إلى أخرى.
أما أن يظل الجميع يتحدثون عن السلام، بينما يواصل كل طرف ترتيب أوراقه للحرب المقبلة، فهذه ليست عملية سلام، وإنما إعادة إنتاج للأزمة تحت اسم جديد.
وقد يكون من المناسب، بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، أن نتوقف عن سؤال السياسيين والعسكريين عما إذا كانوا يريدون السلام، وأن نبدأ بسؤالهم عما فعلوه بالفعل للوصول إليه.
فالرغبة في السلام لا تحتاج إلى مؤتمر صحفي لإثباتها، وإنما إلى قرارات يمكن للناس أن يروا نتائجها على الأرض.
أما السلام الذي لا يظهر إلا في التصريحات، ويختفي كلما اقتربنا من ميادين القتال، فهو أشبه بتلك البضاعة التي يكثر أصحابها من الإعلان عنها، لكنك عندما تذهب لشرائها تكتشف أنها غير موجودة في المخزن!
والسودانيون، بعد كل الذي جرى لهم، لا يحتاجون إلى مزيد من الإعلانات.
بل يحتاجون إلى السلام نفسه.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟